منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل التلقيح بدواء “كورونا” مفسد للصيام؟

عبد الله بنطاهر السوسي التناني

0

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.

وبعد؛ فكثير من الناس يسألون هذه الأيام عن التلقيح ضد وباء “كورونا”؛ هل يفسد الصيام إذا ما صادف إنسانا صام تطوعا أو قضاء؟ وأنا أشتغل في تحرير الجواب جاءني هذا السؤال من الفقيه الجليل الدكتور عبد الحق الكواني من ألمانيا هذا نصه: “السلام عليكم سيدي؛ هل أجد لديكم جوابا مفصلا مكتوبا حول: حكم الحقن أو الإبر التي تغذي الجسم أو التي تكسبه ما يكسبه الطعام من القوة والنشاط بالنسبة للصائم؟”

الجواب والله الموفق للصواب:

العلاج عن طريق تلقيح الدواء بالإبر من المستجدات العصرية لم يكن معروفا فيما قبل؛ ولذلك لم يتحدث عنها فقهاؤنا قديما؛ ولكن الفقهاء المعاصرين تكلموا عنها فاختلفت فيها آراؤهم، وسأشير إليها هنا اختصارا حسب النقط التالية:

أولا: أنواع العلاج بإعطاء الدواء عن طريق الإبر:

المزيد من المشاركات
1 من 11

لا بد من تصور التلقيح ضد “كورونا” قبل الحكم عليه؛ فهو نوع من العلاج عن طريق إعطاء الدواء بالإبر؛ والعلاج عن طريق الإبر من الناحية الطبية ثلاثة أنواع:

1) الإبرة الوريدية؛ وهي: التي تُعْطَى للمريض عبر عرق الوريد الذي يتصل بالقلب، فتحمل الدواء مباشرة إلى مجرى الدم.
2) الإبرة العضلية؛ وهي: التي تُعْطَى للمريض عبر العضلات في الفخد أو في العضد أو في الورِك.
3) الإبرة الجلدية؛ وهي التي تُعْطَى للمريض تحت الجلد؛ مثل التلقيحات ومنها التلقيح ضد “كورونا”.

وتنقسم هذه الإبر من حيث علاقتُها بالصيام إلى قسمين:

أ) الإبرة المغذية؛ وهي: التي تقوم مقام الأكل؛ بحيث يمكن للإنسان أن يستغني بها عن الطعام؛ مثل “السيروم”.
ب) الإبرة غير المغذية؛ وهي: التي لا تقوم مقام الأكل؛ بحيث لا يمكن للإنسان أن يستغني بها عن الطعام؛ ويدخل في ذلك أغلب الإبر.

فالإبرة المغذية لا تكون جلدية بأي شكل من الأشكال حسب ما يقول الأطباء اليوم، وغالبا لا تكون إلا وريدية، وقليلا ما تكون عضلية.

● ثانيا: تأصيل المسألة على أقوال المتقدمين:

اتفق العلماء على بطلان الصيام بالأكل لما يُغَذِّي من الطعام مما يدخل في الفم وكذا الشرب والوطء، وأن ذلك حرام من حين طلوع الشمس إلى غروبها(1)، واختلفوا في غير ذلك حسب التالي:

• منهم من قال: كل ما وصل إلى المعدة أو إلى منفذ يؤدي إليها كالحلق يفسد الصيام ولو لم يكن مغذيا؛ مثل ابتلاع حصاة أو قطعة معدنية كدرهم، وهو مذهب الجمهور من المذاهب الأربعة.
• منهم من قال: لا يفسد الصيام إلا المغذي الذي وصل إلى المعدة أو إلى منفذ يؤدي إليها كالحلق، ولا يفسد بمثل الحصاة أو الدرهم، وهو قول عند المالكية حكاه ابن شاس عن بعض المتأخرين(2).
• منهم من قال: كل ما وصل إلى الجوف؛ كان مغذيا أولا، وصل إلى المعدة أو إلى منفذ من منافذها كالحلق أولا؛ مثل الدماغ؛ فهو مفسد للصيام(3).

ثالثا: أقوال العلماء المعاصرين:

بناء على ما سبق من التقسيم والاختلاف اختلف المعاصرون إلى أربعة أقوال:

• القول الأول: التفريق بين الإبرة الوريدية المغذية فتفسد الصيام، وغير المغذية فلا تفسده؛ بناء على قول بعض المتأخرين من المالكية كما سبق في عدم بطلان الصيام بغير المغذي كالحصاة والدرهم؛ وهذا الذي أخذ به جمهور العلماء المعاصرين(4)، وهو الذي ينبغي اعتماده والأخذ به؛ لأن الصيام يفسده الطعام المغذي اتفاقا فيقاس عليه ما يقوم مقامه من الإبرة المغذية؛ بل الإبرة الوريدية المغذية مفطرة من باب أولى؛ لأنها تستعمل لإيصال الغذاء والدواء للجسم بشكل أسرع بكثير مما لو أخذ الغذاء أو الدواء عن طريق الفم.
• القول الثاني: التفريق بين الإبرة الوريدية وغير الوريدية؛ فغير الوريدية من العضلية والجلدية لا تفسد الصيام. أما الوريدية فتفسد الصيام مطلقا؛ سواء كانت مغذية أو غير مغذية؛ لأنها تدخل إلى الجسم من منفذ أصبح معتادا يمكن الاستغناء به عن الطعام، فنزِّل منزلة المنفذ الأصلي وهو الحلق، والحلق لا فرق فيه عند الجمهور بين كون الداخل مغذيا أو ليس مغديا، وكذلك ما نزِّل منزلته من الوريد الذي يمد الجسم بالسوائل اللازمة من الغذاء والدواء وما يلحق بهما، وهذا أقرب إلى قول جمهور المتقدمين من علماء المذاهب الأربعة في قولهم بفساد الصيام بغير المغذي مثل الحصاة والدرهم(5).
• القول الثالث: كل الإبر مفطرة وتفسد الصيام؛ سواء كانت وريدية أو عضلية أو جلدية، مغذية كانت أو غير مغذية؛ بناء على أن الصيام يفسده ما يدخل الجوف واعتبروا أن الجوف يبدأ من تحت الجلد؛ ورغم ما في هذا القول من الاحتياط إلا أنه لا يخفى ما فيه من تشدد وتنطع(6).
• القول الرابع: كل الإبر لا تفطر ولا تفسد الصيام عكس القول الثالث؛ بناء على أن الجوف هو ما يتصل بالمعدة؛ ورغم ما في هذا القول من التيسير إلا أنه لا يخفى ما فيه من تساهل وتمييع(7).

الخلاصة والنتيجة:

كل علاج عن طريق الإبرة لا يفسد الصيام منه إلا ما كان مغذيا يقوم مقام الطعام والشراب؛ سواء كانت وريدية أو عضلية، والتلقيح ضد “كورونا” هو من الإبرة الجلدية التي تُعْطَى للإنسان تحت الجلد لتقوية المناعة من أجل التعرف على فيروس هذا الوباء ومحاربته، والإبرة الجلدية ليست مغدية.
وكل علاج بإبرة غير مغدية لا يفسد الصيام قياسا على دواء الجائفة عند المالكية، والجائفة هي: الجرح النافذ للجوف؛ قال ابن القاسم في حدِّها في قول مالك: “ما أفضى إلى الجوف ولو بمدخل إبرة”(8)؛ وقال أيضا: “وإن… داوى جائفة بدواء مائع أو غير مائع فلا قضاء عليه ولا كفارة “(9)؛ وفي ذكره قدر مدخل الإبرة ما يؤيد هذا القياس؛ والنتيجة: التلقيح ضد “كورونا” لا يفسد الصيام.
والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.


الهامـــــــش:

(1) مراتب الإجماع لابن حزم: (ص: 39)، والإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان: (1/231)، والموسوعة الفقهية الكويتية: (5/289).
(2) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: (1/253)، والتوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب لخليل: (2/402).
(3) يمكن الرجوع في هذا إلى: الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب: (1/438)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد: (2/52)، والقوانين الفقهية لابن جزي: (ص: 80)، والتوضيح للشيخ خليل: (2/402 و403)، والمبسوط للسرخسي الحنفي: (3/67)، والبناية شرح الهداية لبدر الدين العيني الحنفي: (4/51)، والحاوي الكبير للماوردي الشافعي: (3/456)، والمغني لابن قدامة: (3/130)، والموسوعة الفقهية الكويتية (28/30).
(4) انظر: مدونة الفقه المالكي للغرياني: (1/636)، والمقدمة في فقه العصر لفضل مراد: (1/117)، والفقه الميسر لجماعة: (9/140)، وموقع إسلام ويب: حكم الإبر للصائم: رقم الفتوى: 143225: تاريخ النشر: الإثنين 16 ذو الحجة 1431 هـ 22/ 11/2010م.
(5) حكم أخذ الإبر أثناء الصيام لصالح بن فوزان الفوزان: تاريخ النشر: 1/12/2006.

(6) رسالة في المفطرات الطبية العلاجية والتشخيصية لوسيم فتح الله: موقع صيد الفوائد: تاريخ: 2/ 9/ 1426ه، والمسكِّنات الفقهية في إطفاء آلام الإبر الطبية لفؤاد بن يحيى: تاريخ النشر: 7 / 8/ 1437ه.
(7) فقه الصيام للقرضاوي: (ص: 100 و101).
(8) المدونة لسحنون: (4/566)، وتهذيب المدونة للبرادعي: (4/552)، وشرح مختصر خليل للخرشي: (2/258).
(9) تهذيب المدونة للبرادعي: (1/354)، والجامع لابن يونس: (3/1111).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.