منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“موسوعة في عصر التخصصات” د. عبد الهادي حميتو

عثمان غفاري

0

 

يتميز كثير من علماء وقراء الغرب الإسلامي بالتمكن المعرفي وغزارة العلم الشرعي، ويَفْضُلون  في أحيان كثيرة علماءَ المشرق ممارسة ودُرْبة وتأليفا وحفظا وتحفيظا، غير أن تواضع الكثير منهم وإيثارهم للتواري ونكران الذات من جهة ، وتبخيس وحصر أدوارهم في وظيفة الدعاية الفجة للاختيارات الرسمية، وإضفاء اللبوس الشرعية عليها من جهة أخرى، ومحاصرة كل صوت سعى باستقلالية لامتهان وظيفة الدعوة المناصرة للتطلعات الشعبية من جهة ثالثة، جعلتهم لا يحظون بشهرة إعلامية ولا قدرة تواصلية وخطابية كبيرة، فكثير من علماء وقراء المغرب المعاصرين، عاشوا أخفياء أتقياء لا يعرف عنهم عموم المغاربة إلا النزر اليسير، وسنعمل ما استطعنا إلى ذلك سبيلا من خلال هذه النافذة التي أتاحها لنا موقع منار الإسلام، أن نميط اللثام عن بعض أعلام المغرب الذين وهبوا حياتهم لدعوة الله تعالى ونصرة دينه، وخدمة كتابه العزيز، فوهب الله لهم دوام الذكر واستمرار الأجر بما خلفوه من آثار طيبة وثمار يانعة، وعلوم نافعة، وحديثي اليوم في هذه الأسطر سيكون عن الدكتور عبد الهادي حميتو الذي سماه  علامة آخر من علماء المغرب المبرزين الشيخ عبدالله بنطاهر السوسي بالموسوعة  في عصر التخصصات حين قال عنه بأنه : ” من القلة القليلة التي تتميز بالنبوغ والتنوع في هذا العصر لذلك أستطيع أن أصفه بدون مجاملة  بـالفقيه المحدث المقرئ المفسر اللغوي الأديب الشاعر المؤرخ المدرس لشتى الفنون والعلوم، وغير ذلك من الصفات العلمية الدقيقة التي ليست مدحا في فراغ؛  بل هي صفات لم أستطع أن أستوعب بها ما يتمتع به هذا العالم الجليل من الدقة والتدقيق والضبط والانضباط والتحقق والتحقيق” كل ذلك من خلال نقط أساسية ثلاث.

1) النشأة في كنف القرآن الكريم وعلومه.

ولد عبد الهادي بن عبد الله بن إبراهيم حمِّيتو في شهر رجب سنة 1362هـجرية الموافق لسنة 1943ميلادية، في قبيلة الشياظمة نواحي الصويرة جنوب مراكش، وحفظ القرآن الكريم على يد والده في البادية، وهو ابن السابعة من العمر، كما حفظ المتون المتعلقة به في الرسم والضبط والتجويد، وانتظم في التعليم الأصيل، فقرأ المتون القديمة في العربية والفقه وغيرهما، كالآجرومية والألفية والجمل لابن المجراد، ولامية الأفعال لابن مالك، وقرأ الفقه المالكي في كتب عديدة، كمنظومة ابن عاصم، وحصل على الإجازة من كلية اللغة العربية بمراكش سنة 1972، وعلى دبلوم الدراسات العليا سنة 1979 ببحث قدمه تحت عنوان: ” اختلاف القراءات وأثره في استنباط الأحكام “ من دار الحديث الحسنية بالرباط تحت إشراف الدكتور التهامي الراجي الهاشمي رحمه الله تعالى ” انظر سيرته المنشورة بالموقع”، ثم على دكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية والشريعة من دار الحديث سنة 1995 ببحث عنوانه: ” قراءة الإمام نافع عند المغاربة ” دراسة في تاريخها ومقوماتها الأدائية من القرن الرابع الهجري إلى القرن العاشر، بإشراف الدكتور الراجي دائما، وقد استغرق العمل فيها خمس عشرة سنة، ونشرتها وزارة الأوقاف المغربية في سبع مجلدات.

2) التحصيل في صحبة العلماء العاملين

المزيد من المشاركات
1 من 40

درس الدكتور عبد الهادي حميتو الأدب العربي بفاس على يد مجموعة من الأساتذة منهم الأخوان الدكتورين صالح وعبد الكريم الأشتر العراقيان، والأدب الأندلسي على الدكتور عبد السلام الهراس، والأدب المغربي على الدكتور عباس الجراري، والدكتور مصطفى المعداوي، والدكتور إبراهيم السولامي، ودرس النقد الأدبي على الدكتور أمجد الطرابلسي الدمشقي. و في مراكش  درس الأدب والتفسير على الدكتور الفاروق الرحالي، والأدب العربي على الدكتور محمد نجيب البهبيتي ، والبلاغة على الدكتور عبد السلام جبران، وقرأها قبل ذلك على الشيخ أحمد أَملَاَّح المسفيِّوي، وقرأ الألفية لابن مالك مرة ثانية على الشيخ الحسين راغب المسفيِّوي، وقرأ التاريخ العام على الشيخ محمد بازي الحاحي ، و في الرباط قرأ على عدد كبير من العلماء ، منهم عمر المعداني، وعمر بهاء الدين الأميري، ومحمد بن تاويت الفاسي، وعبد الكريم الداوودي، والسيد إبراهيم بن الصدِّيق الغماري، و من دار الحديث الحسنية حصل على شهادتين في الحديث وعلوم القرآن، ثم شهادة دبلوم الدراسات العليا.

3) حصيلة زاخرة ومسيرة مهنية متميزة

 يشرف الدكتور عبد الهادي حميتو حاليا على دار صغيرة للقرآن الكريم في الجريفات بآسفي، منذ عام 1420،كما أشرف على رسائل جامعية في مختلف الكليات المغربية، ويحكَّم في عدد من البحوث المحلية والدولية التي تنشر في المجلات العلمية، كما ودرَّس المواد الإسلامية في مركز تكوين الأساتذة التابع لوزارة التربية الوطنية بالرباط، وقام بجمع المصحف المحمدي من خلال ألواح الكتاتيب، وهو عضو دائم في الهيئة التأسيسية للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن بجدة، وعضو في المكتب التنفيذي للرابطة المحمدية للعلماء في الرباط.  ورئيس لجنة مراجعة المصحف المغربي الذي طبع سنة 2010 م.

ومن أهم مؤلفات الرجل المطبوعة نجد مُعجمان عن أبي عمرو الداني،

أولهما: معجم شيوخ الحافظ أبي عمرو الداني، صدرت طبعته الثانية سنة ألفين وعشرة عن دار الغوثاني بدمشق.

وثانيهما: معجم مؤلفات الحافظ أبي عمرو الداني، وطبع هذا العام للمرة الثانية في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، وفيهما دراسة وافية حقيقية حول شخصية الداني، وإضافات نوعية إلى الدراسات التي قدمت حول الداني، كما صحح كثيرا من الأخطاء التي وقع فيها عدد من الباحثين حول هذه الشخصية، ومن مؤلفاته كذلك نجد كتاب “زعيم المدرسة الأثرية في القراءات وشيخ قراء المغرب والمشرق الإمام أبو القاسم الشاطبي” وهي دراسة عن قصيدته (حرز الأماني) وإشعاعها العلمي وتعريف بشروحها التي زادت على مئة شرح، وكذا دراسة واسعة بعنوان: “حياة الكُتَّاب وأدبيات المحضرة صور من عناية المغاربة بالكتاتيب والمدارس القرآنية”  نشرته وزارة الأوقاف المغربية في جزئين سنة 1427هـجرية، كما ينتظر أن تصدر له منظومة حول الأذان والإقامة بلغ مجموع أبياتها 1200 بيت أورد فيها كل ما يتعلق بأحكام الأذان والإقامة والمذاهب الفقهية والقرائية فيها، كما ينتظر أن يصدر له كتاب حول موضوع التصحيف عند المؤلفين في علم القراءات والتجويد، وفي طور تحقيق بعض الأجزاء التي لم تحقق بعد من رحلة ابن رشيد السبتي المعروفة بملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة الى الحرمين مكة وطيبة….

الدكتور عبد الهادي حميتو علاوة على تميزه في القرآن وعلومه وخصوصا القراءات، والحديث وعلومه وخصوصا علم الرجال، والفقه وأصوله وخصوصا الاستدلال والتعليل، والتاريخ والسير وخصوصا السيرة النبوية، واللغة وعلومها وخصوصا النحو والصرف، والشعر والشعراء فهو فيه المنشد والمنشئ؛ وكل ذلك كان منه لهجته وبهجته، مما أهله ليكون في لجان تحكيم كثير من المسابقات القرآنية المحلية والدولية، وفي أكثر من دولة مثل مصر والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وغيرها كثير، وأهله ليتوج بحصوله على جائزة أهل القرآن في المغرب سنة 2008م، ولأن الكريم إذا بدأ أتم، فقد أنعم الله على سيدي عبد الهادي بولدين صالحين أكبرهما حسن، وقد تخرَّج في الجامعة الإسلامية، وحصل على الدكتوراه في دار الحديث الحسنية، وعنوان رسالته: تحقيق كتاب: “كشف الغمام عن ضبط رسم المصحف الإمام”، لحسن بن علي الشباني المنبهي المتوفى في المئة التاسعة، وقد حقق أيضاً كتاب” التقريب والحرش في روايتي قالون وورش” لابن الأصبغ الأرزي الأندلسي، طبع في الرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2010 كما قام ابني حسن بجمع ديواني، وولدي الثاني محمد، وهو موظف في ولاية آسفي، ويحفظ القرآن الكريم، بارك الله في الوالد وما ولد، ونفعنا الله لاغتنام ما غرس وحصد، وهذه شهادتنا في رجل جبل، وكما بدأت المقالة بشهادة الشيخ عبد الله بنطاهر السوسي في حق سيدي عبد الهادي حميتو لأنها شهادة معاصر معاشر، أختم بشهادة ثانية له قال فيها: ” وأنا لا أقول هذا من فراغ أو من مجرد لقاء عابر معه، كما أنه ليست نشوة عابرة ناشئة من حب عالم؛ ألم يقل قديما: “ما سمي السفر سفرا إلا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال” فقد شاء الله أن يجمعني معه في سياحة قرآنية قطعنا بها مسافات في المغرب شماله وجنوبه شرقه وغربه، آلاف الكيلومترات بمعدل شهر من كل سنة لمدة ثلاث سنوات، حيث كنت معه في لجنة التحكيم لجائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية، نتتبع المحفظين في المغرب تقويما وتقييما وتوجيها وتنبيها.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

وكنت السائق للسيارة، ويجلس الأستاذ بجانبي وهو بحر من العلوم تتلاطم أمواجه؛ فيتدفق حفظا وشرحا وتأويلا وإبداعا؛ وأحيانا -وأنا السائق- يرى أن العياء بدأ يتسرب إلى بدني وأن السبات بدأ يداعب أجفاني، ولا يخفى ما في ذلك من الخطورة (السياقة والتعب) فيبادر بإنعاشي بمنعشات علمية وفوائد دقيقة؛ شعرا ونثرا، لا تكاد تستوعب منه فائدة حتى يزودك بأخرى، يضرب في جميع الاتجاهات، فيجيب مفحما في المناقشات، مقنعا في الحوارات، مدققا في المعلوماتفإن كنت أنسى فلن أنسى يوم خرجنا من عاصمة العلم في المنطقة الشرقية مدينة الراشيدية قاصدين العاصمة العلمية للمنطقة السوسية مدينة أكادير عبر طريق (الريصاني تزناخت) وهي يومها طريق ضيق خلاء لا تكاد تصادف فيه أحدا؛ فقد أنساني الشيخ تعب الطريق ووعثاء السفر وكآبة المسافر؛ بشعر بليغ شامل عبر محطات تاريخية؛ من الشعر الجاهلي إلى الاسلامي إلى الأموي والعباسي والأندلسي والمغربي القديم منه والحديث حفظه الله وحافظ به العلوم والفنون آمينوباختصار فشيخنا سيدي حميتو هو “الموسوعة في زمن التخصصات”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.