منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأصول الفلسفية والعقدية للتيارات الباطنية الجديدة “مداخلة د. عبد الرزاق قسوم”

عبد العزيز ثابت  

0

افتتحت محاضرات الجلسة الختامية لمؤتمر المعالي الدولي، والتي برمجت يوم الاثنين 5 أبريل 2021 الموافق 22 شعبان 1442، ابتداء من الساعة 19:00 بتوقيت مكة المكرمة بمداخلة لفضيلة الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأستاذ كرسي قسم الفلسفة بالجزائر العاصمة، بمداخلة اختار لها عنوان: ” الأصول الفلسفية والعقدية للتيارات الباطنية الجديدة “، ومما جاء فيه نجد ما يلي:

المقدمة:

أشار الدكتور عبد الرزاق قسوم في بدايته إلى ضرورة الوقوف على المصطلحات التي قد يخدع ظاهرها ويخفى خطورة وفساد باطنها. وقدم مثالا لذلك مصطلحات الباطنية والوجودية والمادية والنفعية ووصفها بالخداعة، المغشوشة البضاعة والمدنسة المقاصد وسيئة الجماعة، وأنها مما يستعصي على الباحث الناشئ التمييز فيها بين ما هو خبيث وما هو طيب، وما هو فاسد وما هو صالح، ثم أخذ في الحديث عن الإلحاد الذي هو الجامع المشترك الأعظم لهذه المفاهيم كلها، وكيف أن القرآن الكريم ربط ذكره بالظلم: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}، سورة الحج. واستحضر تفسير المستشرق جاك بيرك لهذه الآية والذي وصف الإلحاد بأنه انحراف عن جادة الصواب، يصاحب الظلم شكلا ومضمونا. وهو سياق وظفت فيه الاتجاهات الإلحادية المعاصرة ووضعت أسسها العقدية والفلسفية لتثبيت الإلحاد في العقول والقلوب.

1) الاتجاهات ذات الأبعاد الفلسفية

ذكر الدكتور قسوم كنماذج لهذه الاتجاهات، الوجودية الفلسفية التي كانت إلى زمن ما هي الموضة بالنسبة لكل المفكرين في العالم بما فيهم البعض من وطننا وثقافتنا. هذه الوجودية التي تحمل أصولا عقدية، وهي تنقسم إلى اتجاهين، اتجاه إيماني (الوجودية المؤمنة) وآخر إلحادي (الوجودية الملحدة).

المزيد من المشاركات
1 من 111

ومن هذه الأصول العقدية كلمة العرفانية والباطنية والحقيقة العلمية والمنهجية العلمية، وهي كلها وسائل خداعة لاصطياد العقول. وفي سياقها جاءت مصطلحات أخرى كحقوق الإنسان وإثبات وجود الإنسان نصبت شباكا باسم العلم والعالم كالعلمانية والوجودية التي هي فلسفة الإنسان الذي يعاني من القلق والعبث والغثيان مع سارتر وخليلته سيمون دي بو فوار والفيلسوف الألماني هايدجر وغيرهم، والذين نزعوا ما لله عند المؤمن وأعطوه للإنسان الوجودي الملحد، إنها الحرية المطلقة. وقد اعترف سارتر قبل وفاته بفساد توجهه قائلا: “خدعتني فلسفتي وهزمتني”.

وقد استغلت الوجودية محنة الإنسان في الحرب العالمية ومآسيه وضياعه عن وجوده، ووظفتها باسمها. استعارت من صفات الله الوجود وبنت عليها المناداة به كمطلب لحماية الوجود الإنساني في الظاهر من مآسي الحرب والقتل وتهديد النوع لتنزع من قلبه وعقله كل معنى لوجود الإله الخالق.

كما التصقت بها العلمانية الإيديولوجية العقدية أولا قبل أن تتحول إلى وجودية ملحدة. ثم انتقل الدكتور عبد الرزاق إلى اتجاه إلحادي آخر وهو المادية التاريخية الماركسية التي ولدت على أنقاض الإقطاعية والبورجوازية والرأسمالية التي سحقت الإنسان لصالح أقلية حاكمة باسم الدين كما هو الحال في الكنيسة أو باسم السياسة كما هو الحال بالنسبة للسلاطين والحكام.

هذه المادية تمثل الإلحاد البواح الذي ينكر وجود الخالق ويكفر بكل ما هو غيب ويعتبر الدين “أفيونا للشعوب” (ماركس). فكان أن تعاونت الكنيسة بانحرافاتها مع البورجوازية السياسية باستبدادها على التمكين لميلاد الشيوعية العالمية التي سعت لإلغاء الدين والتمكين للمادة والمادية لحكم العالم. غير أنها ما فتئت أن تحطمت بمنهجها الجدلي القائل بأن كل شيء يولد نقيضه، فكان العدم نقيض الشيوعية التي اختفت كأسس عقائدية أو فلسفية أو سياسية ولم يعد لها وجود في العالم، أو على الأقل وجود منظم.

اتجاه آخر وجد حينذاك وهو الفلسفة النفعية أو البرغماتية السياسية والاقتصادية والذي جاء نتيجة بحث السياسيين عن مذهب عقدي أو فلسفي يثبت وجودهم على ما هم عليه ويبرر طغيانهم، فاستغلوا ما سموه بالمنفعة الاقتصادية والسياسية للإنسان الذي وصفته الماركسية بالحيوان الاقتصادي يمشي على بطنه.

شعار هذا المذهب كان أنه لا صديق دائم ولا عدو دائم ولكن مصلحة دائمة، وفي سبيل تحقيق هذه المصلحة تجوز كل الوسائل (فلسفة اللذة والخيانة والمثلية). وعلى اعتبار أن الدين الصحيح يرفض ويقف في وجه كل هذه المنافع الدنيئة كان لزاما السعي للقضاء عليه حتى شاع التمكين للإلحاد وفي الدول الإسلامية بالذات.

2) الاتجاهات ذات الأبعاد العقدية

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

إضافة إلى هذه الاتجاهات ذات الأبعاد الفلسفية انتقل الدكتور عبد الرزاق للحديث عن الاتجاهات الإلحادية ذات الأبعاد العقدية، ومنها الباطنية الجديدة أو الغنوصية التي قدمت في ثوب إيديولوجي جديد، فكان ما يسمى بالتجميل الابستيمولوجي (علم الإنسان) لتزيينها والتمكين لها بالقبول.

فنجد أن الحداثيين قد أضافوا للباطنية القديمة بعض المساحيق الجمالية وقدموها في شكل ماسونية أو صهيونية أو عبدة الشيطان تلتقي كلها لخدمة أهداف هدامة تدعو من حيث العقيدة إلى معاداة الدين، ومن حيث الأخلاق إلى تشجيع أنواع الشذوذ والطبقية المتسلطة، ومحاولة احتواء الحكام في كل أنحاء البلاد لإحكام القبضة الماسونية على الشعوب من خلالهم، نموذجها ما يقدم للأطفال من ألعاب إيهامية، وهذا التغلغل الخبيث لعبدة الشيطان في بلداننا.

على سبيل الختم

دعا الدكتور ختاما إلى ضرورة التحصين عملا بقوله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} قبل أن يتوقف للتحذير من اتجاه البهائية الذي اعتبره نبتة خبيثة إيديولوجية وعقدية باسم الدين ويدعو إلى التسلح بالوعي الإيماني وبالذكاء للتصدي لهذا التحدي، ويشير إلى مسؤولية المجتمع وما يتطلبه الأمر من تصحيح للمنظومة التربوية لملء الفجوات والقضاء على الغزو بجميع أنواعه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.