منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفقه الجامع بين سنن التنوير وقواعد التدبير “لفضيلة د. أبو زيد المقرئ الإدريسي”

عبد العزيز ثابت

0

بعد حديث الدكتور والمفكر الإسلامي أبو زيد المقرئ الإدريسي، الأستاذ الجامعي، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والأكاديمي والسياسي المغربي. في السلسلتين السابقتين عن كل من معالم عالمية الإسلام على مستوى البنية والخطاب، ودعائم المشروع الحضاري الذي حمل لواء الرسالة العالمية، سنفرد هذه الحلقة اليوم لجوابه عن المنهج العلمي العملي الذي اعتمده المسلمون في القرون التالية لمرحلة الخلافة الراشدة من نشر قيم الدين وتعاليم القرآن الروحية دون التخلي عن التسلح بعلوم الدنيا، وحتى صاروا في هذين الميدانين أساتذة ونجباء، بالقدر الذي جعلهم يسودون فترة لا بأس بها من الزمن.

وقد جلى هذا المنهج المتوازن الجامع بين العلم والعمل من خلال نقطتين اثنتين:

أولا: العلوم البحثة من شروط التسخير والتمكين.

صحيح أن الإسلام في أصله رسالة في العقيدة الصحيحة التوحيدية الخالصة، ومشروع أخلاقي رفيع للنهوض بالإنسان: {ولو شئنا لرفعناه بها}، وأنه رسالة للهداية وللنور وللشفاء وللتقوى والورع، ولكن هذه الرسالة الأخلاقية لا يمكن للناس أن يستعيضوا بها عن ضرورات الحياة التي لا سبيل إليها إلا بامتلاك أسس العلم المادي الذي يسمح لهم بتسخير الكون وفق إرادة الله ومنته لهم بذلك. والإسلام واع بهذا وواضح وصارم في ذلك.

لو أخذ الإنسان عملية إحصائية فقط لرأى أن كلمة العلم تكررت في القرآن الكريم سبعمائة وخمسين مرة، وهو ما يعطي مرة ونصف في كل صفحة. والقرآن الكريم ليس فقط يدعو إلى العلم وإنما يحتج ويستنكر على الذين لا يعلمون، والذين لا يعملون بعقولهم من أجل أن يصبحوا من الذين يعلمون. والقرآن الكريم فتح تحديا للبشرية أن ترتاد آفاق الكون وتصل إلى بقية الأفلاك والكواكب عن طريق العلم: {فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان}، المفسرون على شبه إجماع على أن هذا السلطان هو العلم. وهذا ما تحقق للمسلمين، فالمسلمون لم يرسخوا في هذه الأرض ولم ينتشروا فيها اليوم بموجب عالمية الإسلام الواقعية وليست عالمية الإسلام كمشروع أو خطاب.

المزيد من المشاركات
1 من 85

الإسلام يمتد، كما يسميه مالك بن نبي، في محور طنجة جاكرطا، من المغرب إلى ماليزيا. ومساحة العالم الإسلامي اليوم اثنان وعشرون مليون كيلومتر مربع، فالعالم الإسلامي أكبر من مساحة القمر. لم يكن للإسلام أن يمتد ويرسخ في هذه الأرض لولا أنه جاء مع الخلق ومع الهدى ومع التوحيد ومع العفة ومع الأخلاق ومع الإيمان ومع الروحانيات. بالعلم المادي الذي قدم للناس السعادة في الدنيا قبل الآخرة ومكنهم من مبدأ التسخير، الله عز وجل يمن علينا بمبدإ التسخير: {وسخر لكم.. وسخر لكم.. وسخر لكم}، ويأمرنا أن نشكره ونعبده لأنه سخر لنا الشمس والقمر والأفلاك والكواكب والأرض نمشي فيها ذلولا وسخر لنا الأنعام، كل شيء في هذا الكون مسخر، لكن شرط التسخير العلم، المسلمون فهموا هذا. و لهذا، التراث الإسلامي المكتوب في العلوم البحثة هو أضعاف أضعاف ما نعرفه اليوم لأن هناك مؤامرة كبيرة تمت عن طريق سرقة المخطوطات، عن طريق إخفائها، عن طريق انتحالها، فالترجمة الغربية هي ترجمة انتقائية، إخفائية، انتحالية، وضع تراجمة عصر النهضة على كتب الفيزياء والفلك والرياضيات والطب التي ترجموها أسماءهم وحذفوا أسماء المؤلفين الأصليين، إلا من اشتهر كابن الهيثم أو ابن رشد أو ابن سينا فلم يجدوا سبيلا إلى انتحاله، والمشروع الذي يقوم عليه عدد من العلماء الآن للأسف في أوروبا وإن كانوا علماء مسلمين، هو مشروع لمحاولة إرجاع هذه المخطوطات إلى أصلها.

ومن يعود إلى كتاب “ماذا قدم المسلمون للعالم؟ “ للدكتور راغب السرجاني في مجلدين سيجد حقائق هائلة عما أعطاه المسلمون في هذا المجال. وما ترجموه في علم الزراعة، في علم الفلك، صناعة السفن، علوم البحار، من أوصل ماجيلان إلى رأس الرجاء الصالح ودله على طريق الهند؟ أليس ابن ماجد البحري. الأرقام العربية التي لولاها لما كان لا رياضيات ولا حسابات ولا كمبيوتر اليوم. فالمسلمون، حتى من الآخر، إنما أخذوا هذا الجانب وهم واعون أنه شرط من شروط التمكين.

عندما وقع أول الصينيين أسرى في يد الجيش العباسي فاوض البرامكة، وزراء العباسيين، الصينيين على إطلاق سراحهم مقابل أن يعلموا المسلمين شيئين: صناعة الورق وصناعة البارود، ملح البارود. وهذا إنما هو إنهاج للإشارة القرآنية وإلى المبادرة النبوية التي جعلت أسرى المشركين في بدر ثلاثة أقسام: القسم الأول منهم، من يعلم عشرة من الصبيان يطلق سراحه. حتى الحرب تحول إلى البناء، الهدم يحول إلى البناء، العمل العسكري يحول إلى العمل المدني، الصراع الذي هو سلبي يحول إلى التعليم، الرسول صلى الله عليه وسلم استغل وجود أناس أسرى لهم معرفة بالقراءة والكتابة في زمن كانت القراءة والكاتبة نادرة جدا، فطلب منهم مقابل حريتهم أن يعلم كل واحد منهم عشرة من صبيان المسلمين القراءة والكتابة.

هذا الذي جعل الناس ينظرون بإنصاف وهم غير مسلمين إلى القرآن الكريم ويقفون على المستوى العلمي الذي فيه، وعلى التركيز على الجانب العقلاني، وعلى الجانب السنني، وعلى النظر: {قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}. لم يكن التاريخ قبل القرآن الكريم إلا كتاب عجائبية، غرائبية، مزاجية، نجومية متعلقة بالتنجيم، يفتخرون بهور ودوت ويعتبرونه أب المؤرخين، كان يفسر هزائم اليونان والرومان بنجم السعد ونجم النحس، إذا طلع نجم النحس ينهزمون وإذا طلع نجم السعد ينتصرون. إلى أن جاء الإسلام فوضع السنن والقوانين، وبعد هزيمة أحد نزلت آيات مفصلة، في ماهي أسباب الهزيمة وعوامل الهزيمة.

ثانيا: قواعد الاستنارة ضامنة لمرونة التفعيل وحيوية التنزيل.

ابن خلدون الإسلامي كما كتب عنه عماد الدين خليل كتابه: “ابن خلدون إسلاميا“، بعد أن تخطفه المستشرقون والماركسيون والقوميون، لينسبوا إليه بوادر العلمانية، وأصله عماد الدين خليل في القرآن الكريم، وغرس فكره في عقلية القرآن التاريخية، وبين أن ابن خلدون من رؤية القرآن ومن منهج القرآن ومن خطاب القرآن أخذ نظريته في تفسير حركة التاريخ وقيام وسقوط الأمم.

إذن من أجل هذا كان المسلمون قوة حضارية فاعلة في الخمسة قرون الأولى. كانت قرون استنارة، وكانت قرون العقلانية، وكانت قرون الفكر، وكانت قرون الحجة والدليل لأن القرآن أمرهم بذلك، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتصم بذلك، لأن الخلفاء الراشدين أنهجوا ذلك لدرجة أن هذه الاستنارة العقلية أعطت مساحة من الحرية أمام النص نفسه.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 18

فقه عمر بن الخطاب كما أقول دائما للأسف لم يستمر من بعده، ولم يستطع المسلمون أن يمشوا إلى هذا المستوى من الجرأة ويرقوا إلى هذ الأفق. فقه عمر بن الخطاب في إعمال العقل في فهم النص فيما يسمى فقه التنزيل، والذي يصل إلى درجة من الجرأة لم يستطع أن يمشي على هداها من قننوا وقعدوا الفقه بعد ذلك من كبار الفقهاء المسلمين بما في ذلك الشافعي بل والشاطبي. عمر بن الخطاب لم يقل فقط للحجر الأسود: إنك حجر لا تضر ولا تنفع، وإنما عمر بن الخطاب علق حد السرقة في عام الرمادة، وغير رأيه في أرض السواد بعد فتح العراق، وحاول أن يقيد ويقنن المهر عندما رأى الناس يغالون في المهور، وحاول أن يصرف المسلمين عن الزواج بالكتابية رغم أن هذا مباح بفقه المآلات. عمر بن الخطاب الذي اجتهد اجتهاد عجيبا في قضية المؤلفة قلوبهم. وهذه جرأة على فهم النص والانتقاء منه والمرونة في تطبيقه والحيوية في تنزيله بموجب استنارة العقل. وهذا هو الذين جعل المسلمين يضعون هذه القواعد التي نسميها قواعد الاستنارة، وهي فوق العلم لأنها ابستيمولوجيا لأنها ميتانظرية، قواعد إن كنت ناقلا فالصحة، وإن كنت مدعيا فالدليل.

قواعد القرآن قطعي الورود ظني الدلالة، والسنة ظنية الورود والدلالة معا. قواعد كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر فيما نسب إلى الإمام مالك. قواعد رأيي خطأ يحتمل الصواب ورأي غيري صواب يحتمل الخطأ. ختم كتبهم كلها بالله أعلم وفتاواهم ورسائلهم بالله أعلم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.