منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أسباب تهجم بعض المسلمين على الإسلام ” لفضيلة د. أبو زيد المقرئ الإدريسي”

عبد العزيز ثابت

0

بعد حديث الدكتور المقرئ أبو زيد في الحلقة الثانية من برنامج الشريعة والحياة في رمضان عن العوامل الداخلية والخارجية التي كانت سببا في أفول المشروع الحضاري الإسلامي، انتقل لسبر أغوار ظاهرة تهجم بعض من يتسمون بأسمائنا ومن بني جلدتنا على المشروع الحضاري، فتارة يتهمون الإسلام بالعنف، وتارة بالتخلف والخرافة وما إلى ذلك، وهو استهداف من أناس يفترض أنهم مسلمين، وقد حرص الدكتور على تشخيص وفهم هذا التردي والتهجم، فكان مما جاء في جوابه ما يلي:

نظرية المؤامرة والاستهداف المأجور

أريد في البداية أن أبين حقيقة قد تكون مذهلة للمسلمين: كثير مما يُكتب في الأطروحات الجامعية للدكتوراه في الغرب، وخاصة في فرنسا من قبل باحثين عرب ومسلمين ذهبوا إلى السوربون أو كمبردج أو أكسفورد للدراسة، ويدرسون في العلوم الإنسانية إما في التاريخ وإما في اللاهوت وإما في التشريع، الإسلام وتاريخ الإسلام، ويكتبون انتقادات عنيفة يتبنون فيها كلام المستشرقين بالحرف. كثير من هؤلاء يكتبون ذلك تحت الضغط، فإذا ما أرادوا أن ُيشهروه ويلمعوه ويعطوه الجوائز وينصبوه في بلاده وفي بلادهم في أعلى المراتب الأكاديمية فرفض، حاصروه، وهو أيضا بنفسه يحاصر أطروحته الجامعية.

أنا أذكر هنا الدكتور حسين منصور عميد كلية الآداب جامعة القاهرة في الأربعينيات عندما حدث بعض زملائه، والتفاصيل موجودة عند محمود عبد الحليم في كتابه الضخم “الإخوان المسلمون رؤية من الداخل”، عن أنه لما جاء يناقش أطروحته للدكتوراه في التاريخ الإسلامي في السوربون، قالوا له: إما أن تشتم النبي وتصف فتوحاته بأنها غزوات همجية بربرية وإما لن تحصل على الدكتوراه. ورجع وأصبح أستاذا ثم رئيس قسم ثم عميد، وكان يقيم احتفالية سنوية يعظم فيها النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكفر عن ذنبه.

صديق لي اليوم هو رئيس قسم الدراسات العليا في إحدى أكبر الجامعات المغربية، عندما كان يكتب أطروحته في السوربون وكان عنوانها “الاتجاهات الأدبية في المغرب بين الخط العلماني والخط الديني”، فكان إذا كتب رأيا دينيا وعلق عليه إيجابيا أن هذا رأي مهم، هذه فكرة جيدة، هذه حجة مقنعة، الأستاذ يشطب عليها ويقول له: انتبه، كلما تصف موقفا دينيا، صفه وصفا سلبيا أو لا تصفه بالمرة. كلما وصفت موقفا علمانيا عليك أن تمدحه وأن تصفه بأوصاف إيجابية. فكثير مما كتبه أبناء جلدتنا في رسائل الدكتوراه كتبوه تحت الضغط والابتزاز لوجود استشراق أخرق منغلق، يمثل تقريبا تسعين في المئة من الاستشراق في مواجهة استشراق مستنير منصف راق علمي مدقق.

المزيد من المشاركات
1 من 31

عقلية الانقياد لاستشراق أخرق منغلق

من يقرأ “نولديك” الذي يعتبر إنجيلهم في الدراسات القرآنية، تاريخ القرآن. نولديك قضى ستين سنة في كتابة هذا الكتاب، وأعاد كتابته أربع مرات، ومات دون أن يصوغه الصياغة النهائية، واعتمد فيه على مراجع من أكثر من عشر لغات، واعتمد فيه على مئات المخطوطات. ماذا فعل نولديك الذي يعتبر دستورهم في تاريخ القرآن؟ ما ترك شبهة من الشبهات حول تاريخ القرآن إلا وذكرها من أن الرسول كان يصاب بالصرع التي هي حالة الوحي إلى أن القراءات القرآنية هي تزوير واختلاف وتزوير في النصوص، مرورا بأن الشيعة لا يؤمنون بقرآن السنة، وأنهم يرون أن السنة زوروا ثلثيه وحذفوها لأنها دليل على خلافة وولاية علي، وأن للشيعة قرآنهم الذي هو قرآن فاطمة، إلى غير ذلك من الترهات.

هؤلاء المستشرقون ويمثلون للأسف الأغلبية، تلامذتهم من بني المسلمين، من سايرهم لمعوه وأخذ الجوائز ودعي إلى الجامعات ليدرس فيها حتى وهو لا يفقه حرفا من اللغة الإنجليزية كما حصل لنصر حامد أبو زيد، وتم تنصيب مدافعين عنه إذا رفعت عليه دعوى في بلاده من قبل بعض الذين أيضا يتعاملون بطريقة خاطئة مع من يجترئون على هذا الدين عوض أن يناقشوهم علميا، يرفعون عليهم دعاوى فيسعرون الإعلام الغربي، ويزيدون من تكريس صورة أن المسلمين ضد الاختلاف الفكري والثقافي. هؤلاء معروفون، لا أريد أن أكثر من ذكر الأسماء، وإذا فلت مني اسم أو اسمان لا أريد أن أكثر. ولكنْ رجل مثل محمد أركون، خمسون سنة وهو يدرس في السوربون، خمسون وهو رئيس قسم الدراسات العربية الإسلامية. كم صديق لي طرده عندما اشتم فيه رائحة الإيمان بالإسلام والإخلاص لهذا الدين والاحترام لوحيه. وكل كتاباته في تسفيه النص الديني بمسمى تسفيه العقل الديني، ونقض الإسلام بمسمى نقض الفكر الإسلامي. وكنت في إحدى محاضراته في الدار البيضاء، وكان الجمهور أغلبه في المركز الثقافي الفرنسي من المفرنسين والفرنسيين والعلمانيين، فقال لهم صدقوني إذا قرأتم في كتبي “نقد الفكر الإسلامي” فأنا أقصد نقد الإسلام، ولكنني أتجنب هذه العبارة لكيلا يثور الناس علي.

الإسلاموفوبيا و سياسة الكيل بمكيالين

هؤلاء الذين يثيرون قضية العنف، يثيرون قضية ظلم المرأة، يثيرون قضية أن الإسلام ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان، يثيرون قضية الإرهاب ويلصقونها بالإسلام، هم الذين لا يقبلون أبدا الحديث عن إرهاب غير إسلامي. إرهاب بوذي نراه الآن في بورما والصين، إرهاب هندوسي نراه في الهند، الآن حرق المسلمين أحياء. إرهاب يهودي نراه في فلسطين وفي غزة، حرقها بالفوسفور الأبيض وقنابل الدايم. ويجلجلهم إذا قلت إن هناك إرهاب يهودي أو مسيحي، إرهاب الصرب والكروات ضد مسلمي البوسنة والهرسك في حرب 1992 – 1995، ومذابح المسيحيين الأفارقة للمسلمين الأفارقة في شمال نيجيريا وفي جمهورية إفريقيا الوسطى وفي أنغولا وفي رواندا وفي ليبيريا وفي أوغندا، هذا لا يذكر، ويذكر فقط بوكو حرام، ويذكر در وكدال رئيس ما يسمى تنظيم القاعدة في الغرب الإسلامي.

العجز عن التمييز بين عقلية الشك المحمودة، وعقلية الهدم المذمومة

أولا، الشك في القرآن لا يذكر ذكرا سلبيا إلا إذا كان شكا مريبا. لا يذم القرآن الشك أبدا إلا إذا كان شكا مريبا أو شكا لعوبا. معناه الشك الذي يراد به الشك لمجرد الشك، من أجل التشكيك والبلبلة. ثانيا، صانعوا منهج الشك في العالم رجلان: الغزالي وديكارت. والغزالي وديكارت وضعا شروطا للشك فصار على يدهم يسمى الشك المنهجي. لا ديكارت ولا الغزالي يسمح لأحد أن يستعمل خلفيته المعرفية في الشك ليثير الشكوك لمجرد الشكوك. الشكوك لمجرد الشكوك هي شكوك سفسطية هي تلَعُّب، وسأعطي مثالا على هذا: منذ عشرين سنة هناك هجمة على صحيح البخاري، والدليل على أنها هجمة على القرآن أن الجهة الممولة واحدة، هي الكنيسة الكاثوليكية من وراء ستار. ولكن لما عجزت عن التشكيك في القرآن، لما ثبت القرآن، رسخ القرآن، بقي نصا واحدا موحدا متعاليا مجمعا عليه المسلمون، وموحَّد وموحِّد. لما تُرجم ولم يستطع مع ذلك أن يدعي فيه تزويرا أو تلاعبا. لما خرج من أيديهم، لم يعد ممكن التحكم فيه. فلما يئسوا من القرآن ذهبوا إلى السنة، المدخل إلى السنة هو البخاري. كل الذين كتبوا ضد صحيح البخاري، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لا أريد ذكر الأسماء، الذين كتبوا “نهاية أسطورة”، والذين كتبوا البخاري الشعوبي، والذين اتهموا البخاري بأنه جزء من مشرع لتخريب الإسلام. والذين سخروا بأحاديث في البخاري في رأيهم تخالف العقل، كل هؤلاء لا يذكرون، لأنهم يتشككون التشكك اللعوب، لا يذكرون أن هناك ست نسخ أصلية للبخاري. استطاع البريطانيون في القرن التاسع عشر، وبصمت، وبعمل دؤوب وسري، وهم مشتغلون في الظاهر بالاستعمار العسكري والاقتصادي والأمني، أن يحرقوا منها خمس نسخ. استطاع البريطانيون أن يصلوا إلى خمس نسخ لكي يقولوا بعد ذلك: كل النسخ الموجودة للبخاري هي نسخ فرعية، هي نسخ منسوخة، هي نسخ متأخرة، هي نسخ منقولة، أما النسخ الأصلية انتهت. وفي الأخير ثبت علميا أنه نجت وبأعجوبة نسخة واحدة. وهذه النسخة هي التي طبعت في القرن العشرين وحُققت ونشرت. واليوم كل نسخ البخاري التي في السوق تنطلق من هذه النسخة، تسمى النسخة الهندية، ويمكن لأي واحد أن يكتب في غوغل: “إحراق البريطانيين للنسخ الأصلية للبخاري” لكي يعرف شيئين: كيف تتبعوها وما كانت النية؟ هي القضاء على أصل الإسلام الثاني بعد القرآن الذي هو السنة. لماذا وهم يشككون في البخاري ويطعنونه ويسبونه لا يذكرون أن كل نسخ البخاري المطبوعة والمحققة اليوم هي من نسخة واحدة أصلية نجت بأعجوبة من المخابرات البريطانية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.