منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عالمية رسالة الإسلام على مستوى البنية والخطاب “لفضيلة د. أبو زيد المقرئ الإدريسي”

عبد العزيز  ثابت

0

استضافت قناة الجزيرة فضيلة الدكتور والمفكر الإسلامي أبو زيد المقرئ الإدريسي، الأستاذ الجامعي، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والأكاديمي والسياسي المغربي. في برنامجها «الشريعة والحياة في رمضان” لحلقة يوم الخميس 9 رمضان 1442، الموافق 22 أبريل 2021، البرنامج الذي يعده ويقدمه الصحفي المبدع محمود مراد.

وكان عنوان هذه الحلقة ” عالمية الرسالة ومعالم المشروع الحضاري الإسلامي”.

وقد أجاد الضيف وأفاد ولمدة 50 دقيقة تقريبا وهي مدة البرنامج في مناقشة الموضوع وقضاياه بالحجة والبرهان، فكان بحق أهلا لمعالجة  إشكالاته، فهو فارس حلبتها وابن بحدتها، وأبان عن امتلاكه لناصية الموضوع بحثا وإلماما واستنباطا، فأثبت بالاستقراء أن خطاب القرآن الكريم خطاب عالمي، يستحيل أن يقبل داخله فكرة “الأميين” أو غير اليهود كما يؤمن بها اليهود الذين قالوا “ليس علينا في الأميين سبيل”، ولا يوجد داخله إله لهم وإله لنا كما عند البروتوستانت، فالله تعالى يقول “وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم”، مؤكدا أن هذه العالمية لا تقتصر فقط على مضمون الخطاب، بل هي ركن أصيل في بنيته، وأن عالمية الإسلام والقرآن لا تضيق بالتنوع، وهي ليست كعالمية الماركسية الشيوعية القهرية، وإنما هي عالمية على مستوى التأهيل والخطاب والتكليف والاصطفاف والاختيار والحرية والمسؤولية، ونظرا لأهمية مضامين الحوار و راهنية القضايا المثار فيه، في ظل الاستهداف الممنهج من عدة دوائر للإسلام والدعاة إليه.

ارتأى موقع منار الإسلام أن ينشر مضامين هذا الحوار مكتوبا، بعد أن قام بتفريغ الحوار المرئي، وأدخل عليه بعض تعديلات البسيطة ، مراعاة للفروق بين الخطاب المحكي و المكتوب، وحرصا على وحدة الموضوع، وسنعمل على نشره عبر حلقات، نفرد لكل حلقة عنوانا خاصا، حتى يتاح لمن لم يشاهد البرنامج أو يفضل القراءة على المشاهدة أن يستفيد مما جاء في الحوار من فوائد ودرر، متمنيا لكم متابعة طيبة واستفادة منشئة لعمل صالح.

أولى هاته الحلقات جاءت جوابا على سؤال: حدثنا عن مفهوم عالمية الرسالة؟ حيث قال الدكتور المقرئ أبو زيد بعد البسملة وحمد الله تعالى والصلاة على أشرف المرسلين:

المزيد من المشاركات
1 من 24

” لو نظرنا إلى المصحف كما هو مرتب ترتيبه النهائي التوقيفي على سنن الإمام الذي عليه إجماع المسلمين اليوم، سوف نجد أن أول جملة في أول سورة هي: “الحمد لله رب العالمين”.

وإذا نظرنا إلى أول جملة في آخر سورة سوف نجد: “قل أعوذ برب الناس”، وما بين العالمين في أول عبارة والناس في آخر عبارة، يتكرر الخطاب إلى الناس بصفة العموم 241 مرة في معرض التوجيه والتنبيه، قبل معرض التكليف الذي يخص به المؤمنون كفئة جزئية داخل مجموعة الناس. هذا يعطي دليلا على أن خطاب القرآن خطاب عالمي، وأن مشروعه مشروع للبشرية جمعاء.

بل إن عندنا سورة الرحمن والتي تتميز في توجه ضمائرها بالخطاب المباشر، فإذا بها على امتدادها تخاطب الإنس والجن معا، وليس الإنس فقط.

فإذا أضفنا إلى سورة الجن ومقاطع من سور عديدة نجد أن خطاب القرآن يمتد ربما إلى مكلف آخر هو صنو الإنسان وهو الذي يجتمع معه في مصطلح الثقلين.

خطاب القرآن الكريم خطاب عالمي

الخطاب هو للعالمين، الخطاب هو للناس، الخطاب هو للثقلين. هذا الخطاب يستحيل أن يقبل داخله فكرة “الغوييم” بتعبير اليهود أو الأميين: “ليس علينا في الأميين سبيل”، لا يوجد إله لهم وإله لنا كما نجد عند البروتستنت البيوريتانيين المتطرفين: ” إلهكم يدفعكم للموت وإلهنا مات في سبيلنا “. و “إلهكم إله واحد”، كما ورد في تقديمكم الكريم. في القرآن آيتان تتميزان بنفس السبك اللغوي، وتستعملان نفس النظم، وهو أسلوب الحصر الذي يفيد التركيز: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين|،”وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا”. أسلوب الحصر هذا يحصر، يركز، يؤكد المعنى، أنه لا يوجد إلا كافة، وتكررت كلمة: ما … إلا، لبيان أن ما بينهما على سبيل الحصر، فالرسالة حصريا هي للعالمين، هي للناس كافة.

تساؤلات مشروعة مطروحة تستوجب جوابا

مقالات أخرى للكاتب
1 من 8

هذا المضمون الموجود في الخطاب القرآني، هل هو مجرد دعوة؟ هل هو مجرد تحل؟ فكثير من الخطابات قد تدعي العالمية، أو قد تهدف إلى العالمية، قد تطمح إلى العالمية، ولكن عناصر من داخلها تكبلها دون هذه العالمية، وتتناقض بينها وبين العالمية. هل القرآن الكريم رغم كل هذا الانفتاح في المضمون، وهذه السعة في الخطاب يمكن أن يكون ضمن عناصره ما يكشف قصور أو تناقض لا قدر الله أو انحصار دون هذه الرؤيا؟

آليات استراتيجية حاسمة في عالمية الإسلام على مستوى بنية الخطاب.

لننظر إلى الاختبار الصعب، الاختبار الصعب هو بنية الخطاب وليس مضمون الخطاب فقط. مضمون الخطاب قد يكون دعوى وما أكثر الدعاوى. وما أكثر ما يتحلون بالشيء وهم لا يتجلون به، لننظر في البينة والتجلي، القرآن الكريم في بنية خطابه قبل المضمون الذي أشرنا إلى عالميته يتوسل بثلاث آليات ضخمة، هائلة، استراتيجية، حاسمة في عالميته وهي:

الآلية الأولى هي القلب الجذري لترتيب القرآن.

سميناه جذريا لأن الملاحظ أنه لم يقع تغيير جزئي أو داخلي أو محلي في ترتيب السور و ترتيب الآيات، و إنما حصل قلب كلي بحيث اليوم في المصحف الذي عليه إجماع المسلمين، المصحف الذي هو المصحف الإمام،  الذي لا يستثنى منه إلا مصحف ابن مسعود رضي الله عنه، والذي لم يتبعه المسلمون و إن كانوا لم ينكروا عليه، المصحف الذي ترتيبه توقيفي بأدلة عديدة منها قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لكتبة الوحي لما نزلت آية الكرسي: “ضعوها على رأس الآية المئتين و الاثنين و الخمسين” فكانت المئتين و الثلاثة و الخمسين و المئتين و الأربعة و الخمسين حسب عد الآي هي آية الكرسي. هذا الترتيب التوقيفي هو قلب كلي رأسا على عقب لترتيب النزول. نجد المصحف اليوم أوله أغلبه مدني وآخره أغلبه مكي، والحاصل أن الفترة المكية سابقة على الفترة المدنية، ماذا يعني هذا؟ أن القرآن إذ نزل يراعي الزمان والمكان والإنسان الذي وجه إليه الخطاب ابتداء وهو قريش والحجاز وما حولها من الجزيرة العربية، إذ نزل يراعي فتتبع الحيثيات والأحداث فيما سمي أسباب النزول، ونشأت ثلاثة علوم في هذا التكييف أو المراعاة ولا نقول الخضوع، المراعاة القرآنية لظروف النزول، نشأت ثلاثة علوم: أولها علم أسباب النزول، والثاني علم المكي والمدني، والثالث علم الناسخ والمنسوخ…، وهي علوم تدل على واقعية الوحي، وعلى فقه التنزيل، وعلى منطق المعالجة اليومية العملية الواقعية.

لكن و قد انتهى الوحي بوفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم، أعيد ترتيب المصحف بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم، و بتنفيذ كتبة الوحي على الأصل الذي يقول علماء تاريخ القرآن و علماء علوم القرآن أنه الترتيب الأولي الذي نزل به القرآن نزوله الأول إلى السماء الدنيا، ثم نقض هذا الترتيب مرحليا لمراعاة الأوضاع، ثم عدنا إلى الترتيب  الأول الذي فيه المنطق العام، المنطق المجرد، المنطق الفوقي، المنطق السابح فوق كل مقتضيات الزمان و المكان و الإنسان كخصوصيات معينة و محددة بأهل مكة و المدينة و الطائف و الحجاز و ما حولها من القبائل و الدول في سياقات و أحداث سميت بأسباب النزول. إن هذا الانقلاب الهائل في الترتيب ما بين ترتيب النزول الذي هو بموجب مشيئة الله، وترتيب المصحف الأصلي الذي بموجب إرادة الله، وأرجو العودة إلى الشيخ ابن القيم للتفريق بين المشيئة والإرادة في الفعل الإلهي: ” إن الله يشاء ما لا يريد ويريد ما لا يشاء”، فهو يريد لعباده الهداية ولكن يشاء لهم الحرية يهتدون أو ينحرفون، تلك مسؤوليتهم. ولهذا كان الترتيب بموجب المشيئة مراعيا لظروف الذين أنزل عليهم القرآن ابتداء، وكان الترتيب الذي بموجب الإرادة مراعيا لعالمية الرسالة، لعمومية الرسالة، لإطلاق الرسالة فوق الزمان والمكان، هذه هي الآلية الأولى. وإذا كان مستشرق ماكر مثل “رجيس بلاشير” قد فطن إلى هذا وكتمه فأعاد ترتيب القرآن بزعمه متتبعا الروايات حسب النزول، ثم ترجمه وفسره، فإنما كان ذلك من أجل إعادة سجن القرآن في التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا حتى يصبح الوحي خاصا بالقوم الذين نزل عليهم، والزمان والمكان الذي نزل فيه، أما ترتيب المصحف فهو ترتيب عالمي، ترتيب مطلق، ترتيب عام، ترتيب مجرد، ترتيب نرى أوله مدنيا وآخره مكيا لكي ينتفض القرآن الكريم ضد الزمان والمكان ويعلو عليهما.

 الآلية الثانية: الانفتاح الاختياري

فالقرآن الكريم انفتح اختياريا على تسع لغات وهذه اللغات هي الحبشية والفارسية واللاتينية والإغريقية والعبرية والسريانية وغيرها. مئتا كلمة إشارة إلى انفتاحه وعالميته وملامسته ولو رمزيا للغات أقوام سوف يكلفون، وسوف يقبلون وسوف يخاطبون، عن طريق الترجمة بالقرآن الكريم فيجدون شيئا من ذواتهم وهويتهم وحنينهم ولغتهم فيه. وهذا لم يكن اضطرارا كما قد يظن البعض، مع احترامنا للذين أنكروا المعربة في القرآن الكريم من القدماء كابن قتيبة ومن المعاصرين كعلي فهمي اخشيم، فهؤلاء يحترمون ولكن لا يعتد بهم لأن الرأي الغالب أن هناك مئتي كلمة من تسع لغات تتبعها الجواليقي، تتبعها السيوطي في معرب القرآن، إلى غيرهم من العلماء المختصين هذا الانفتاح لم يكن قهريا كما ظن البعض، لأنه لم يكن بسبب نقص هذه المفردات وعدم وجودها في اللغة العربية.

القرآن لم يستعمل من العربية إلا عُشرها، القرآن الكريم يستعمل عُشر مفردات اللغة العربية، فأين تسعين في المئة من مفردات اللغة العربية.

إن القرآن الكريم لم يضطر إلى هذه اللغات لكي يقترض منها إذ الأوروبيون يسمون المعرب عندهم بالاقتراض ـ“l’emprunt”، لأنه يكون بسبب الحاجة، فالإنسان لا يقترض مالا إلا في خصاص، بل لم يكن هذا العمل رمزيا هامشيا، مجرد تحلية وهو أن تؤخذ مصطلحات جانبية، لا، أخذت مصطلحات مركزية، أخذت الصلاة والزكاة وهي مصطلحات تعبد شعائري من الآرامية: “صالوت و زاكوت”. أخذت مصطلحات تتعلق بالغيب والعقيدة كجهنم: “غيهينوم”، أخذت من الإغريقية، و ” استخاتا “ الصراط، أخذت من اللاتينية. فالقرآن يشير بهذا إلى أن الانفتاح قدر اختياري وليس إجباريا، يتعلم المسلم من خلاله بدرس بنية القرآن في نسيج القرآن اللغوي، كيف يكون المسلم منفتحا حتى ولو لم يكن مضطرا.

ولهذا عندما بنيت المنظومة الخماسية للهوية الإسلامية جعلتها على خمسة عناصر مرتبة كالآتي حسب الأهمية، عناصر الهوية الإسلامية: العقيدة، اللغة، التراث النافع، التقاليد الإيجابية، الانفتاح.

وتعلمت هذا جيدا من رجل أسلم وأقبل على الإسلام بفكر مجدد ومنفتح وغزير ومتنوع وهو “روجيه غارودي” عندما سألته في محاضرة: لماذا ضمرت الحضارة الإسلامية في آخر عهدها؟ قال لأن المسلمين أصيبوا بداء الأمم الذين قبلهم، وهو وهم الاستغناء عن الآخرين. وعندما كتب كتابه “نداء إلى الأحياء”، ثم كتب كتابه “حفار القبور”، ثم كتب كتابه “الإسلام الحي”، ركز على فكرة أن جميع الحضارات إنما تعيش بالانفتاح، فهو بالنسبة إليها كالهواء، وأنها تموت بالانغلاق فهو بالنسبة إليها كالهواء الفاسد في الغرفة التي لم يجدد هواؤها بسبب إغلاق أبوابها ونوافذها. هذا درس الانفتاح من القرآن.

الآلية الثالثة: استعمال الاسم الموصول.

لكن الآلية الثالثة وهي الأخطر، وهي الأهم، وهي الأشد ثقلا، وهي استعمال الاسم الموصول. وقد يعجب البعض: كيف يكون استعمال الاسم الموصول دليلا أو مؤشرا أو مدرسة في عالمية القرآن؟

الاسم الموصول: الذي، الذين، التي، له وظيفة واحدة في كل اللغات، موجود في اللغات الأوروبية باسم “der relatif”، “le relatif”، موجود بالعربية باسم “الاسم الموصول”.

الاسم الموصول له وظيفة واحدة هي أن يفك الشخص عن الموقف ويركز على الموقف، عوض أن نقول: جاء فلان، فنغرق في الاسم، ثم الاسم يجرنا إلى الشخص، والشخص إلى الزمان والمكان والبيئة والانغلاق والمحدودية، “الذي” يذهب بنا إلى فعله: جاء الذي آمن، قال الذي فعل. ولهذا لا نجد في القرآن من أسماء الأشخاص، ما عدا الأنبياء لداع خاص بهم، لم نجد إلا اسم امرأة واحدة هي مريم، ورجل واحد هو زيد.

أين بقية الأسماء؟ قريش يخاطبها القرآن قبل أن تسلم واحدا وعشرين عاما، ينازلها، يحاججها، يدعوها، يزجرها، يوعدها، يعدها ولا يذكرها. قريش ذكرت مرة واحدة في سورة قريش، والباقي: الذين أشركوا، المشركين، وأبو لهب ذكر بكنيته ولم يذكر باسمه، والكنية تؤشر على فعله وتؤشر على اختياره وعلى مصيره، وهذا قد يجرنا إلى الحديث عن العمالقة الذين وقفوا عند هذه السورة ” سورة المسد” وقفة غير وقفة المسلمين وأسلموا بعد ذلك، نرجع إلى هذا إن شاء الله تعالى.

الاسم الموصول آلية لغوية جبارة استراتيجية لفصل الشخص عن الموقف، الشخص أي الاسم المعين، الاسم العلم و ما يحيل عليه من خصوصية و انغلاق و بيئة و مكان و زمان و جغرافيا و ديمغرافيا و أقوام و سلالات و ألوان و أعراق و بيئات و ثقافات و تقاليد و انحصار في الزمان و المكان، و الفعل يذهب بك إلى الموقف، إلى الاختيار، إلى الاعتقاد، إلى الأشياء المجردة التي على أساسها إذا التقى الناس يلتقون اختياريا و إذا افترقوا يفترقون اختياريا، و ليس تلك الالتقاءات القدرية التي تتسبب في اصطفافات قهرية تؤدي إلى صراعات و اقتتالات طائفية لا تنتهي لأنها عمياء ولأنها خرقاء.

الاسم الموصول في القرآن يعلمنا كيف نجرد الموقف من الشخص حتى يكون خطابنا في مستوى عالمية القرآن: “ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه”، ولم نعلم أنه “النمرود” إلا من كتب التفسير ومن أسباب النزول، “أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها”، لم نعلم أنه “عزير” إلا من كتب التفسير ومن الإسرائيليات، والله أعلم بذلك. “قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما”، ولم نعلم أنها “خولة بنت ثعلبة” إلا من كتب السيرة ومن كتب السنة ومن أسباب النزول.

لماذا يلجأ القرآن إلى هذا التجريد؟ لماذا يلجأ إلى هذا الاسم؟ أتدري كم من مرة تكرر الاسم الموصول في القرآن الكريم؟ 1464 مرة استعمل الاسم الموصول، أي بما يكون بمعدل ثلاث مرات في الصفحة الواحدة في المصحف، من أجل أن يكون عندي ثلاث مجموعات مرنة مفتوحة هي:

الذين آمنوا، والذين كفروا، والذين نافقوا، ثلاث مجموعات مرنة مفتوحة يدخل إليها من شاء باختياره، ويخرج منها من شاء باختياره، محددا اختياره بقراره، مُعلقا طائره في عنقه، مسؤولا بذلك بموجب الحرية والمسؤولية بين يدي الله، وليس بالانتماءات القبلية.

القبيلة والطائفة والقوم واللون والعرق نجدها فقط في قصص النبيئين لأنها حكاية ماض، لأنها تاريخ أقوام، لأنها قصص أنبياء انتهوا، كان كما قلت في التقديم جزاك الله خيرا، كانوا قوما يقولون: يا قوم، والقرآن الكريم يسجل هذا، كل نبي جاء يقول لقومه: يا قوم، “وإلى هود أخاهم”، إما أخاهم، إما يا قوم باستثناء عيسى الذي لم يعبر القرآن أبدا بعبارة يا قوم في حقه لأنه ليس له أب لكي ينسب من جهة الأب إليهم، لذلك كان في القرآن يسمى عيسى بن مريم، وكان دائما يقول: يا بني إسرائيل. ولكن حتى بني إسرائيل تحصره في قبيلة وفي سلالة معينة مضبوطة محددة.

هذه العالمية لا تضيق بالتنوع، ليست عالمية كعالمية الماركسية الشيوعية، عالمية محق، وجماعية قهرية، وتسوية للناس كأنهم قنينات بلاستيكية تعبأ بالماء والعصير. لا أبدا، وإنما هي عالمية على مستوى التأهيل، على مستوى الخطاب، على مستوى التكليف، على مستوى الاصطفاف، على مستوى الاختيار، على مستوى الحرية والمسؤولية، أما على مستوى الواقع فالتنوع والاختلاف في الألوان والأعراق والقبائل يعطي خصبا، وهذا الخصب يعطي غنى، وهذا الغنى مقبول في الإسلام.

يتبع بالحلقة الموالية بعنوان معالم المشروع الإسلامي الحضاري المجسد لعالمية الإسلام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.