منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حوار شامل مع فضيلة د. أحمد الريسوني رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

عثمان غفاري

0

استضاف برنامج “ضيف المنار” على موقع منار الإسلام العلامة الدكتور أحمد الريسوني رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وذلك يوم السبت 13 فبراير 2021 الموافق 30 جمادى الآخرة أو فاتح رجب 1443 وهذا نصه:

سؤال:

الدكتور أحمد الريسوني هل من كلمة افتتاحية في البداية قبل انطلاق حوارنا؟

جواب:

أولا أجدد شكري لهذه المنارة موقع منار الإسلام، وعلى هذه المنارات التي تملأه وتحمله وتحمل راياته، وأشكركم جميعا على ما تفضلتم به، وأشكركم بصفة خاصة على إتاحة هذه الفرصة للتحاور مع من يحب أن يشاركنا، وأجدد شكري ودعائي وتقبل الله منا ومنكم.

المزيد من المشاركات
1 من 4

سؤال:

نستهل حوارنا ببضع أسئلة عن الدكتور الريسوني الإنسان، والتي نريدها فرصة ليتعرف مشاهدونا على شخصيتكم من خلال إجابات مختصرة.

الولادة كانت في الشمال الغربي للمغرب، ضواحي مدينة القصر الكبير المشهورة تاريخيا بجذورها الرومانية، وبمعركة واد المخازن، وحافظة أهلها، فهل كان للمدينة وأهلها دور في اختياراتكم ومسيرتكم؟

جواب:

طبعا كما ذكرتم أنا نشأتي في البادية وفي القرية، وهذه النشأة الأولى كان لها تأثير، ومازالت بصماتها في نفسي وفي شخصيتي إلى الآن، فهذا أولا قبل أن آتي في العاشرة من عمري إلى مدينة القصر الكبير، ولكن أيضا مدينة القصر الكبير كان لها أثر كبير، أولا وكما ذكرتم بطابعها  المحافظ ورسوخ التدين بين أهلها، وثانيا بما أتاحه الله لي من أشخاص استفدت منهم، وانطبعت في نفسي آثارهم وتوجيهاتهم، منهم عمي الذي كنت نزيلا في بيته عند دراستي بالمدينة الحاج محمد الريسوني رحمه الله تعالى، ومنهم بعض الأساتذة الذين درسوني وعلى رأسهم الشيخ البشير اليونسي الداعية العالمي المعروف أمير جماعة الدعوة والتبليغ بالمغرب، وأحد أقطابها الكبار في العالم، والذي درسني بالثانوية المحمدية، وبعد ذلك لازمته كثيرا بمسجد الفتح وخارجه، وتتلمذت علي يديه  في المجال الدعوي والتدين بصفة عامة، وفي مدينة القصر الكبير أيضا وبواسطتها امتدت بعض العلاقات إلى طنجة وإلى تطوان، وذلك عبر أخي ومفيدي وأستاذي الحاج الصادق بنكيران الذي كان يتردد كثيرا على شيوخ الأسرة الصديقية بمدينة طنجة، فمعه وبرفقة الأستاذ أحمد الجباري الذي وافته المنية قريبا رحمه الله تعالى، فبواسطة هؤلاء انفتحت لي أبواب العلماء السادة الصديقين، سيدي عبد الله بن الصديق أساسا ثم إخوانه عبد الحي، وعبد العزيز، وسيدي إبراهيم الذي كان لي شرف أن يناقشني في الدكتوراه، إذن هذا كله كان انطلاقا من مدينة القصر الكبير، وفيها كذلك كان لنا أثر وصدى  في الثانوية المحمدية التي كنا ندرس فيها،  والتي عرفت سجالات ونقاشات، حددت مساري الدعوي في مقابلة المسار الإلحادي اليساري الماركسي السائد آنئذ.

ومضات من حياة الدكتور أحمد الريسوني

سؤال:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

سيدي ستكون لنا عودة بالتفصيل لهاته النقطة المحورية في مسيرتك، لكن قبل ذلك نعلم أنك تنتسب لأسرة شريفة إدريسية، عرفت بثلاثية المحاضن التربوية والرباطات الجهادية والمدارس الشرعية، فهلا حدثنا عن دور الأسرة في صياغة شخصيتك الإيمانية، وعن نصيبك من هذا الإرث المبارك، هل كان فرضا، أم تعصيبا أم حجبا؟

جواب:

جزاك الله خيرا، فعلى كل حال الأسرة وكما قلت استفدت منها كثيرا، فقد كان عمي رجلا متدينا صواما قواما، ومن غيره من أفراد الأسرة بدرجات متفاوتة، فانتساب الإنسان لأسرة فيها ما فيها من تدين وأخلاقية وتراث وعراقة، يعطي المرء نوع من الاعتزاز والشعور بالانتماء الأصيل العميق وهذا أثر عام،  لكن بقيت الاستفادة الشخصية الكبرى والأساسية من أخي شيخي وأستاذي الشيخ علي الريسوني بشفشاون عندما تعرفت عليه، وبدأنا نتراسل والتقينا بشكل مباشر ومازلت الصلات مستمرة إلى الآن، وقد كان له أثر كبير في مجال الدعوة بحكم الأسبقية، فقد كان من أوائل مؤسسي العمل الدعوي المعاصر، المبادرين لتأسيس الجمعيات واقتحام مجال الصحافة، فقد كان رائدا حفظه الله تعالى، وأتشرف بمحبته والتتلمذ على يديه والاستفادة منه.

سؤال:

تميز مسارك الدراسي سيدي أحمد بثلاثية التأخر في الانتظام والتردد في الوجهة ما بين العلوم الإنسانية والشرعية، قبل أن تظفر بك هاته الأخيرة وتبرز فيها وتبز الأقران، والصفة الثالثة الاقتصار على التعليم النظامي المرجعي، دون المشافهة عن العلماء الأكابر، فما أسباب هذا التأخر والاضطراب والاقتصار من جهة، والتميز والريادة من جهة أخرى؟

جواب:

هذه قضايا كثيرة ومتنوعة، فالتأخر في الالتحاق بالمدرسة أمر عادي وبسيط، لأن هذا يقع لكثير من أهل القرى ، فقد كان التردد في البداية عند جدتي زهرة رحمه الله تعالى، فقد كانت هي صاحبة الرأي والأمر في قضية ولوجنا إلى المدرسة من عدمه، وأمام التيار الجارف آنئذ والمبشر بالمدرسة والتعليم المدرسي، غلبت وكان لعمي أثر كبير في إقناعها أو إلزامها بجدوى الدخول للمدرسة، فانتقلت من الكتاب إلى المدرسة شيئا ما متأحرا، أما بخصوص التردد في التوجيه، فقد انتفى في المرحلة الثانوية وحسم المسار الأدبي لما كان  لي من شغف بالقراءات الأدبية والشعرية والتاريخية والفلسفية، غير أن التردد سيظهر مباشرة بعد حصولي على شهادة الباكلوريا وعملي بوزارة العدل، لسببين أحدهما تعذر المزاوجة بين الدراسة الحضورية المؤكدة والعمل، وهكذا انسحبت من شعبة القانون وكذلك انسحبت من شعبة  الفلسفة بعد سنة  من دراستها، عندما لاحظت أن أساتذة هذه الأخيرة أصبح لهم مبدأ واضح ومعمول به، ألا نجاح لأي إسلامي كان معروفا، وأنا كنت كذلك، فقلت هذا مسار فيه قطاع الطرق، فانسحبت ولجأت إلى كلية الشريعة، وأنا أقول المسارات الكبرى في حياتي كلها كانت رغم أنفي، ولم تكن اختيارا مني، فأنا لم أكن أفكر في الشريعة بل كنت أفكر في مصادر التحدي  في كليتي القانون والفلسفة، فقد فكرت أنا وبعض الإسلاميين في اقتحام هاته القلاع ومزاحمة لأهلها، ولكن شاء الله وما شاء فعل، فآل الأمر في النهاية لكلية الشريعة، ولم أحضر أي درس في كلية الشريعة، إذ كنت أذهب للامتحان فقط بسب ظروف العمل، ولكن منذ سنوات وثقافتي الإسلامية تنمو وتتراكم، فلم أجد صعوبة في دراستي الجامعية.

أما العلماء غير النظاميين فلم تكن لي دراسة منتظمة مع أي منهم، ولكن كانت لي مجالسات واغتراف وأخذ من كثير من العلماء، منهم السادة الشرفاء الصديقيين، ومنهم البشير اليونسي، وجالست الدكتور محمد بن عبود، وعاشرت أستاذي محمد بن لبشير، وهكذا كلما وجدت فرصة مواتية إلا واستفدت من علماء المغرب وغيرهم، لكن الدراسة النظامية هي التي كانت عن طريق الكتب والبحث العلمي.

غياب الحرية أهم عوائق الدعوة الإسلامية

 سؤال:

انطلاقا مما أوردتموه عن جدتكم في سؤال سابق، هلا حدثنا عن دور المرأة خاصة، في مسار الدكتور الريسوني العلمي؟

جواب:

جزاك الله خيرا وبارك الله فيك، طبعا جدتي زهرة رحمها الله كانت تعكس فكرة كانت شائعة تلك السنوات كنت أسمعها وسمعتها فيما بعد، وهي أن المدرسة كانت توصف بأنها مدرسة النصارى لأن التعليم النظامي أسسه النصارى يعني الإسبان في الشمال والفرنسيون، فكان عدد من الناس الذين يريدون أن يحفظوا لأولادهم دينهم يتهربون منها، فبعضهم يدخل وبعضهم يحرص على تحفيظ  أبنائه القرآن، فكانت هذه  الفكرة موجودة آنئذ، ونذكر جدتي لأنه كان لديها هيمنة، حتى الوالد لم يكن له كبير أثر كان عمي الذي هو أكبر منه أكثر أثرا، فإذن كان هذا هو السبب في التأخر أو هذا التردد أو هذا الرفض  فأنا كنت أسمعها تقول هذه مدرسة النصارى ولن نسمح لأبنائنا  بدخول مدرسة النصارى هكذا كانت تقول وكانوا يتخوفون الى آخره ،وكانت رحمها الله قد أنشأت لنا كتابا خاصا لي ولإخوتي ولبعض الأقارب داخل بيتنا حرصا منها  أن لا نغادر الكتاب ولحفظ القرآن الى آخره، فدرست فيه أنا وعدد من أخوتي ولكن طبعا في النهاية تغلب تيار المدرسة العصرية  فدخلته تقريبا سنة 1961.

سؤال:

رزقكم الله سبحانه وتعالى بالأستاذة زينب بارك الله فيها وجعلها وارثة لأبيها في الفقه والأصول، فأستثمر هذا الأمر لكي أسألكم عن نظركم في كيفية نقل هذا العلم إلى النساء من أسرتكم وكيف كان للعلماء دور كبير في صناعة العالمات؟

جواب:

جزاك الله خيرا، بداية فأنا كنت حريصا وكنت أتمنى لو أن كل أولادي ساروا في نفس الطريق وفي نفس المسار، وسارت البنات في هذا الطريق لكن طبعا جاء الزواج والأولاد فتفرغوا لهذه الأمور، وزينب نجحت في المواصلة ومحاولة الجمع، طبعا هذا التوجيه كان مني  لجميع الأبناء ولكن هي  على كل حال تشجعت أكثر وشقت طريقها بجهدها الذاتي بالدرجة الأولى، ولكن طبعا أنا أساعد  بشكل أو بآخر، وبناتي الأخريات أيضا أخذن إجازات في الدراسات الإسلامية، ولكن بعد ذلك كما قلت داهمتهن مسؤوليات الأسرة والاولاد وآثرن وآثر أزواجهن أيضا أن تكون الأولوية للأسرة وللبيت والأولاد فتوقفن عن الدراسة النظامية، ولكن طبعا يتابعن بأشكال أخرى متعددة في النشاط الدعوي وفي حفظ القران الكريم، وهذه الأعمال غير النظامية تبقى مفيدة في تنمية الثقافة الشرعية، وعندي ولد واحد لم يقبل على هذا التخصص منذ البداية، واختار مسارا مهنيا يعمل فيه الآن في الرباط.

 المرأة ضحية انقلابين؛ سياسي واجتماعي

سؤال:

مع احتلال وسائل التواصل الاجتماعي مساحة هائلة في حيزنا اليومي وفي كل المجالات ومنها العلم، صرنا نلاحظ ظواهر بالغة الرداءة تستشري كالنار في الهشيم، من أهمها تضييع الأوقات، وسوء تدبير الذات، ومتابعة المحرمات. فهلا حدثنا عن برنامجك اليومي وأهم معالمه؟ وكيف السبيل للمزواجة بين اغتنام إيجابيات التواصل الاجتماعي من جهة، واجتناب سلبياتها من جهة أخرى؟

جواب:

طبعا برنامجي اليومي أو الأسبوعي بصفة عامة ليس له انتظام كبير، لأنني لا أعمل وحدي ولا أتحكم تحكما كبيرا في حياتي، فكما تعلمون العلاقات كثيرة والارتباطات كثيرة ويرجى لها مطالبها وبرنامجها ومواعيدها، بالإضافة الى الزيارات والطوارئ فإذن على كل حال منذ زمن طويل هذه معركة عندي دائمة وهي أن أحاول التحكم، يعني يوميا أخوض هذه المعركة وهي في الحقيقة بين أن أحقق ما أريد وعلى النحو الذي أريد، سواء البرمجة الزمنية لليوم أو برمجة الأسبوع أو مسار السنة أو غيرها، أي برمجة الموضوعات والزيارات والأولويات.

وقد قلت كلمة كنت أقولها قديما ومازلت أحس بها، وهي أنني وهذا أيضا عند غيري هو أننا نفعل ما لا نريد ونترك ما نريد، لكن حين نفعل ما لا نريد، أي ما يريده الآخرون في كثير منه قد يكون أفضل، وقد يكون ذلك من قدر الله تعالى أن يسلط  عليك من يأخذك إلى  ما لا تريد، فيكون في ذلك إرادة الله تعالى أولا، ويكون في ذلك اختيار لمن حولك من أهل الدعوة والعلم والإصلاح، فإذن على كل حال وأنا أعتبر هذا أيضا من حكمة الله، فلذلك أحيانا أستسلم لهذه الطوارئ ولهذه التجاذبات  سواء في دراستي أو حياتي المهنية أو حتى وجودي خارج المغرب تقريبا منذ سنة 2006، لم أكن أفكر فيه في يوم من الأيام ولا أرغب فيه ولحد الآن، ولكنه هكذا فرض عليه، وفيه بلا شك خير، فلذلك عندي صراع دائم بين أن أضبط وأفعل ما أريد وفق ما أريد، وبين ما يأتي، فأنا مثلا في سنة 2018 خرجت لأول مرة من المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح على أساس أن أنقطع للعمل العلمي تماما والكتابة ونحوها مما يتفرع عنها، وفي سنة 2018 نزل علي هذا العبء الثقيل في ضغط شديد وإلحاح لا مثيل له من العلامة القرضاوي وغيره من الإخوة، في أن أقبل أن أتحمل مسؤولية رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والآن برنامجي بعد هذه الولاية التي ستنتهي سنة 2022، أن أعود الى حلمي، حتى أني أفكر أن أستقر خارج مدينة الرباط، ولكن ماذا عند الله لا أدري، قد يكون شيء آخر فهذه هي المشكلة الحقيقية، ولكن كما قلت بما أن هذه الضغوط والقضايا المفروضة تأتي من أهل العلم والدعوة، فغالبا ما يكون فيها خير وقد تكون أفضل مما قد أفكر فيه، فقد أفكر في عمل في اليوم وقد يأتي شيء آخر،  ولكن في النهاية يبدو أن الذي فرض علي كان أفضل، وعلى كل حال نحن دائما  في قدر الله وبين يديه.

بخصوص الشق الثاني من السؤال، فعلا الإعلام مشكلة فالإعلام بجميع تجلياته وشعبه من المجالات التي أقاومها باستمرار، وهي لا غنى لنا عن أي شكل منها، لكن أقاوم هذا الغزو وهذا الإفراط، أحيانا حتى وسائل الاعلام القنوات التلفزيونية والصحافة المكتوبة في بعض اللحظات الحرجة في تاريخ الأمة، حروب وتحولات كما حدث في الربيع العربي تفرض عليك أن تتابع الأخبار، وأحيانا عشر ساعات أو ثماني ساعات في اليوم ثم تخف، لكن بصفة عامة هذا مشكل حقيقي لأنه يأخذ وقتا كثيرا، الآن كنت أشكو من البريد الإلكتروني والآن أضيف الواتساب وغيره، فهذا الإعلام هو من الموضوعات التي أتدافع معها باستمرار، هي لا غنى عنها ولكن كيف أقلصها وكيف أقلص ما يأتي من خلالها من إلزامات وليست التزامات، هي إلزامات وطلبات، وعلى الأقل الواتساب يجب أن تقرأ يوميا 30 أو 40 رسالة واتساب، أكثرها لا يستحق القراءة ولكن حتى لا يفوتك شيء مهم، وأنا كما هو معروف أشتغل وحدي فأنا لم يكن في حياتي لا سكرتير ولا سكرتيرة، ولا مساعد ولا مدير مكتب، فكان لما كنت في المغرب أتصل ببعض الإخوة من الجامعات والقنوات، فيقولون أعطينا رقم مدير مكتبك حتى نتواصل معه ولا نشغلك أنت، فأقول أنا ليس عندي  مكتب ولا مدير مكتب، أنا أتواصل بنفسي ليس هناك غير ذلك فلا يوجد أحد غيري يقوم بهذا الأمر، فإلى الآن قبل أيام أحد القنوات يقولون لي: التمس من  الشباب الذين معك يغيرون المشهد الذي خلفك والصوت كذا والصورة كذا،  فأضحك وأقول أنا ليس معي شباب، فهذا على كل حال مشكل ولكننا نتعارك معه لنستفيد منه ولكن نحاول أن لا يفرض علينا في محل، أو أن يفرط علينا.

سؤال:

صرحت في أحد مكتوباتك رحلتي مع المقاصد بأن الفضل في هذه النقلة التي عشتها من التدين الفطري القاعد إلى التدين الحركي الناهض، يرجع إلى الموجة الإلحادية التي اعتبرتها بمثابة الشر الذي أيقظ الخير فيك، فهل من توضيح لهذا التصريح ابتداء، وبما تنصح الشباب لتثبيط عزائم الإلحاد، وتدمير بنائه وتقويض دعائمه من جهة، والتحرر من الفقه المنحبس الذي صدف عن الحكمة والرحمة وأعرض، ومرض بداء الغرور وأمرض، وزاغ عن وسطية الإسلام فتشدد وحرض من جهة أخرى؟

جواب:

فعلا ذكرت في عدة كتابات وحوارات أن الثانوية التي درست فيها وقد أشرت إلى ذلك سريعا قبل قليل، وكانت تسمى المعهد المحمدي، كانت مؤسسة متميزة جدا ومشتعلة بالسجالات بين الأساتذة والطلبة وبين التلاميذ فيما بينهم، كانت متميزة جدا فقد كانت بوثقة للسجالات الفكرية والصراعات، وكانت أيضا ثانوية متميزة على الأقل في مرحلة معينة بعطائها ونتائجها الجيدة، وكنا دائما يحلو لنا أن نقارن مثلا نتائج الباكلوريا بين القصر الكبير والعرائش، ودائما كانت نتائج القصر الكبير والتي تعود بالدرجة الأولى إلى هذه الثانوية كانت أفضل بكثير، إلخ… فإذن ففي هذه الثانوية حيث المستوى الثقافي مرتفع والمجلة الحائطية فيها إبداعات أدبية وفيها كتابات ذات طبيعة فلسفية، وحتى أول ما رأيت كلمة الإلحاد رأيتها في المجلة الحائطية حيث كتب أحد التلاميذ عن الإلحاد لا أتذكره بالضبط ولكن كان لنا زملاء في نفس القسم أو في أقسام سابقة بدؤوا يشهرون إلحادهم في هذه المرحلة من ذكور وحتى من بعض الإناث. هذا طبعا كان مستفزا، مستفزا ليس على أساس أنه مرفوض تلقائيا، مستفز لأنه شيء جديد فعلا وشيء جسيم، فبدأت أنا وعدد من الزملاء نبحث في الموضوع ونساجل، كنا من البداية فعلا أقرب إلى (هم يومئذ أقرب إلى الإيمان) كنا يومئذ أقرب إلى الإيمان. ولكن هذا السجال وما اقتضاه منا من قراءات وبحوث وتفكير عزز الإيمان وحسمها وحسم التوجه الإسلامي الواعي المتبصر. طبعا بعض إخواننا أو أصدقائنا استمروا على مساراتهم وكانت نهايات مؤسفة وبعضهم مازالوا ينشطون في المؤسسات الحقوقية والحزبية وبعضهم انتهوا نهايات مأساوية للأسف. لا أدري الآن كيف حال الثانوية، ولكن طبعا بعد حين تعزز محيط الثانوية بظهور جماعة التبليغ في مدينة القصر الكبير، مدينة القصر الكبير من المدن التي ظهرت فيها جماعة التبليغ بشكل مبكر جدا وأنشأت عملا إسلاميا مشعا في المدينة حقيقة. نحن أيضا استفدنا منه والتحقنا به واندمجنا فيه.

العلوم الإنسانية ضرورية لمعرفة الواقع

هذا الذي ساعدنا على هذه المقاومة، ولذلك ولربما تتمة لما أشرتم إليه فعلا ظهر لي فيما بعد أن ما يمكن تسميته بالثقافة الإسلامية التقليدية والعلماء التقليديين لا يستطيعون أن يواجهوا شيئا من هذه التحولات ومن هذه الانجرافات. فإذن الحركة الإسلامية هي بطبيعتها حركة تجديدية بغض النظر إلى أين وصلت في تجديدها أو وقفت في مستوى محدد، بغض النظر، لكن بطبيعتها هي جاءت بأساليب جديدة، لماذا الحركة الإسلامية أثبتت وجودها وغيرت مجرى التاريخ كما أقول، لأنها أتت بأساليب جديدة، ويمكن أن نقول كنا نلحظ ونعي شيئا فشيئا أن علماءنا ينهزمون يوما بعد آخر وينسحبون وينكمشون ويستسلمون، لكن هؤلاء الشباب لا يستسلمون هذا هو العنصر الجديد أن هؤلاء الشباب رفعوا التحدي لم يستسلموا وعاملوا هذه التحديات بأساليب ربما مماثلة، طبعا الحركة الإسلامية استفادت من العمل الجمعوي والعمل الحزبي والعمل النقابي والثقابي إلخ… فهي استفادت من خصوم الإسلام أكثر مما استفادت من علماء الإسلام. فلذلك العبرة هنا أن علماءنا على ما هم عليه وعلى ما توارثوه من أشكال وأساليب ومواقف استنفدوا دورهم، ولم يعودوا قادرين على أن يحدثوا شيئا إلا إذا تحولوا وغيروا وجددوا وعادوا إلى فاعلية الإسلام الأولى. فإذن هناك أزمة حقيقية للثقافة الإسلامية القديمة الموروثة التقليدية وللعلماء أيضا، علماؤنا مهما بلغوا من العلم والمكانة والعلامة والفهامة وخاتمة المحققين وما إلى ذلك، ولكنه في النهاية سيكون عاجزا أن يواجه حتى أولاده وأحفاده، وإذا كان في التعليم سيكون عاجزا عن مواجهة تلاميذه الذين يقلون عنه في العلم بمسافات ويصغرونه بثلاثين وأربعين سنة، فهذه هي العبرة الكبيرة. لذلك كما ذكرت نحن، أقصد مجموعة من الإخوة الذين أستحضرهم الآن في ذهني، لجأنا إلى قراءة الكتب الفلسفية، قرأنا ماركس، وقرأنا سارتر وسيمون دوبوا غوار وألبير كامي ونتشه، نتشه الذي: قال مات الإله، وإلخ… فدخلنا مع القوم في جحرهم وفي جبتهم، وأصبحنا نجيد المعرفة بالماركسية والوجودية أكثر منهم. هذه هي العبرة الكبيرة من تلك المرحلة وهذه العبرة مازالت قائمة إلى الآن.

ثقافتنا الشرعية التقليدية ضعيفة الأثر والقدرة على التأقلم والتدافع

سؤال:

نختم هذا المحور بإذن الله بأسئلة خفيفة الدسم وسريعة الهضم تستوجب قصدا في الجواب وحسم.

_ أول جلسة إيمانية للدكتور الريسوني؟

جواب:

طبعا مع جماعة التبليغ ومع الأستاذ البشير اليونسي.

_ أول محاضرة عمومية للدكتور الريسوني؟

جواب:

أول محاضرة لم تتم، اتفقت مع دار الشباب على محاضرة وأن تكون في الساعة الرابعة والنصف، دار الشباب مازلت أتذكر موقعها لم تعد في ذلك الموقع وجئت في الساعة الرابعة والنصف فلم أجد أحدا، وانتظرت خمس دقائق ولم يأت أحد، فقلت للمسؤول في دار الشباب أنا سأنصرف، قال لي لا انتظر الساعة الرابعة والنصف تعني الخامسة عند الناس، وو … فانصرفت ولم تتم المحاضرة، وهذا شيء لا أنساه، وقلت أن بدل الدرس الذي سأعطيه في المحاضرة أعطي درسا في هذه المسألة أن المحاضرة في الرابعة والنصف، لم يأت أحد مع السلامة.

_ أول اعتقال سياسي للدكتور الريسوني؟

جواب:

الحمد لله عندي أول اعتقال وآخر اعتقال، ليس في حياتي إلا اعتقال واحد كان في يوليوز 1976، وكان طبعا تعسفيا تماما، كانت هناك اعتقالات عشوائية بسبب مقتل عمر بنجلون، وبعد ذلك اعتقلوا رئيس جمعية الدراسات الإسلامية في الرباط التي كنت أحد مؤسسيها، فلما اعتقلوا الأستاذ محمد بخاط الإدريسي رحمه الله اعتقلوا كل من انتسب إلى هذه الجمعية، فأتوا بي من القصر الكبير إلى الرباط ومكثت أسبوعين في هذا المعتقل، وهذا كان هو الاعتقال الأول والأخير والحمد لله.

سؤال:

هل من تعليق أو كلمة على الأحداث التالية:

_ فاجعة طنجة واعتقالات الفنيدق؟

جواب:

فاجعة طنجة الأخيرة هذه للأسف تصور حقيقة المغرب وحقيقة السلطة المغربية وحقيقة الدولة العميقة، وترى أن الفساد لم يعد فقط فوق الأرض الفساد دخل حتى تحت الأرض للأسف.

_ الريسوني ووباء كورونا والحجر الصحي؟

جواب: والله بصراحة أنا استفدت منه كثيرا، لا أخفيك، لما اشتد الوباء والحجر الصحي في مارس من السنة الماضية قبل حوالي سنة وفرض علينا التعليم عن بعد وانقطعت الاجتماعات، شرعت في تأليف كتاب وكتبته، ومازال لم يصدر مازال في المراجعات، وكنت أقول إذا كان الناس يشكرون من ساعدوهم في تأليف الكتب أنا أود أن أشكر كورونا لأنه ساعدني في كتابة هذا الكتاب. فإذن حقيقة هذه اللقاءات عن بعد والاجتماعات عن بعد وقلة الزيارات كانت مناسبة لي، كنت محتاجا إليها وساعدتني على شيء من التوازن، لذلك أنا ليس عندي إشكال مع هذا الحجر، أخرج قليلا خرجات محسوبة ومحدودة، والباقي أنا مستفيد، رغم أن اللقاءات عن بعد تكاثرت الآن، بدل أن نلتقي في محاضرة أو ندوة كل شهر الآن بعض الأحيان يوما بعد يوم، لكن مع ذلك أنا شخصيا مستفيد وليس عندي إشكال مع الحجر.

سؤال:

الكل يعرف أن الدكتور الريسوني عالم مقاصدي بامتياز، أسهم إسهاما كبيرا في علم المقاصد، وكتب في ذلك كتبا نفيسة، الحديث عن مقاصد الشريعة باعتباره علما عرف تطورا كبيرا شأنه شأن كل العلوم الإسلامية وغيرها، ولد وأخذ في التطور فقد ظهرت فكرة المقاصد عند الأصوليين، كما ذكرتم في كتابكم نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي بدءا من الحكيم الترمذي الذي عني بتعليل الأحكام والبحث عن أسرارها، وصولا إلى حلقات الأصوليين الكبار والأئمة الأعلام، الإمام الجويني والإمام الغزالي والفخر الرازي والآمدي وبن الحاجب والعز بنعبد السلام إلى الإمام الشاطبي، ثم بعد ذلك بدأت معالم التخصص والتميز تظهر في هذا العلم شيئا فشيئا، ظهرت مؤلفات خاصة بعلم مقاصد الشريعة مع الإمام الطاهر بن عاشور والعلامة علال الفاسي، ثم ظهرت في العصر الحديث أصول وقواعد وضوابط خاصة بهذا العلم، وجمعت وقعدت لثمانين قاعدة في كتابكم قواعد المقاصد، تتعلق بقواعد المقاصد وقواعد التزكية، والسياسة الشرعية، والموازنة والترجيح، المشقة والتيسير، وقواعد اجتهاد المقاصد، السؤال عن هذه الأخيرة، كيف يتم ترشيد قواعد الاجتهاد من خلال النظر المقاصدي في القضايا والمستجدات التي تعرض للناس؟

جواب:

بدون شك أن الدراسات المقاصدية أصبحت ضرورية جدا ولا مفر منها لتصحيح مسار الدراسات الإسلامية بصفة عامة والدراسات الفقهية والأصولية بصفة خاصة، وأنا أشرت قبل قليل إلى أن ثقافتنا الشرعية الموروثة والتقليدية أصبحت ضعيفة الأثر وضعيفة القدرة على التأقلم والتدافع، فمقاصد الشريعة عندها هذه القدرة أولا، ومقاصد الشريعة هي التي تبعث الروح في العلوم الإسلامية كلها ومقاصد الشريعة هي التي تجدد المنهج وتسدده، فإذن منهج النظر إلى الدين وعلومه وتفاصيله ومضمون الدين نفسه أيضا، وبعد ذلك هذه الحيوية. الآن مقاصد الشريعة عندها القدرة على التنافس، عندها تنافسية عالية في المجال الفكري والسياسي والاقتصادي والتربوي، في جميع المجالات، وفي المجال الفقهي أيضا لأن الآن التحديات الموجهة إلى الفقه لا جواب عنها جوابا مقنعا إلا بواسطة المقاصد. وأنا كما ذكرت هذه كانت بدايتي مع المقاصد، كنا في سجالاتنا نحتاج أن نعرف الحكمة لنواجه الشبهات حتى كتبت مرة عن أحد أصدقائي سميته صديقي الملحد فعلا وكنا على أبواب عيد الأضحى قبيل يومين أو ثلاثة من عيد الأضحى فقال لي هذه مجزرة للثروة الحيوانية وللاقتصاد وكذا، وكان هو والسيجارة في يده يدخن، قلت له ألا ترى هذه الثروة التي تحرقونها وتحرقون بها أنفسكم وأجسادكم، أما عيد الأضحى فله وله حركية اقتصادية وله كذا في دعم الفقراء وفي وفي… فبدأت أشرح له ما يمكن تسميته بالمقاصد. فمن ذلك الحين بدأت أبحث عن مثل هذه الأمور إما بجهد وتفكير خاص وإما بالقراءة، وكنت أقرأ يومئذ روح الدين الإسلامي كتاب روح الدين الإسلامي لمحمد عفيف طبارة وهو يذكر الأحكام بعللها، فكان يسعف. فإذن المقاصد اليوم هي إسلام العصر وهي سلاح العصر، وهي المنجد للعلوم الشرعية وللثقافة الإسلامية، فلا مفر منها لهذا المحتوى ولمنهج التفكير أيضا، ولهذه الحيوية والقدرة التنافسية التي تتيحها المقاصد للدعاة وللفقهاء.

سؤال:

تحدث سيدي عن مكانة المقاصد وقيمة ومركزية النظر المقاصدي، أتساءل معكم وأنتم تعلمون أنه بعد عصور من الجمود في الفتوى والاعتماد التام على المختصرات، والزعم بأن باب الاجتهاد قد أغلق، كثرت في عصرنا الحاضر مجموعة من الدعوات الداعية إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه حتى صار واقع الفتوى يتسم بالفوضى بفشو المضار أكثر من المصالح، وفي المقابل دعوات أخرى تدعو إلى تقنينه ليصير اجتهادا مقاصديا جماعيا بقواعده وضوابطه عبر المجاميع الفقهية، السؤال المطروح لماذا نرى للدعوات الأولى آثارا صادمة، ونشهد لها حضورا متفاقما، في حين لا نكاد نجد أثرا يذكر وذا قيمة إلا في ما نذر للاجتهادات المقاصدية الجماعية؟

جواب:

على كل حال الدرس المقاصدي  والبحث المقاصدي آخذ في التطور وعمره محدود، فبالنسبة للمتقدمين هناك عبر قرون تجد الكتاب بعد الآخر وبين الكتاب والكتاب قرنان أو ثلاثة قرون وأفكارا مختصرة، لكن البحث المقاصدي والدرس المقاصدي وتشكل علم مقاصد الشريعة هذا شيء حديث، وعمره قصير جدا جدا ولذلك أنا أعتبر أن تطوره طبيعي ويمشي بما في ذلك الآن بدأنا نصل إلى مراكز متخصصة في المقاصد، وهذه بداية العمل الجماعي، كذلك في كثير من الجامعات أقسام ووحدات بحث في العالم الإسلامي كله، فإذن أشكال من العمل الجماعي والدراسة الجماعية والبحث الجماعي في المقاصد بدأ ينشأ منذ عشر سنوات أو أكثر من عشر سنوات، وآخر شيء اطلعت عليه قبل أيام الدكتور جاسر عودة وهو من النشطاء  في الإنتاج المقاصدي والفكر المقاصدي من المعاصرين مقيم في كندا ويكتب بالإنجليزية وبالعربية معا  أسس معهدا للمقاصد، هذا التأسيس أيضا كان قبل عشر سنوات تقريبا أو سبع سنوات، ولكن الآن أعلن عن العزم على إصدار مجلة سميت، لأن اسمها يعكس ما يراد بها : مجلة الدراسات المقاصدية المعاصرة، وأرسل يستكتب، يمكنكم وضع العنوان  لمن يريد أن يكتب فيها، فهو يستكتب، وربما أرسل العنوان إلى الأستاذ عثمان الإعلان الذي وصلني، فإذن مجلة  مقاصدية محكمة مخصصة باللغتين العربية والإنجليزية وهذه خطوة كبيرة، ومركز المقاصد أو مركز دراسات مقاصد الشريعة في لندن يعني صار منتدى ومجمعا للدراسات المقاصدية والحوار المقاصدي ، وهكذا تنشأ الأفكار الجماعية والمواقف الجماعية والتحليلات الجماعية. فأنا أعتقد أن الأمور في طريقها إن شاء الله. حين ذهبت إلى ماليزيا، ماليزيا لا يتكلمون إلا بالمقاصد ولا يبحثون إلا عن المقاصد، وفي الجامعة التي كنت ضيفا عليها أخبروني من ذلك الحين واستأذنوا أن ينشئوا أو يحدثوا كرسي الريسوني للدراسات المقاصدية، هذه جامعة ليست كبيرة، هناك جامعات أكبر منها وأكثر عناية بالمقاصد، هناك الجامعة الإسلامية العالمية التي يعمل بها أحد أبرز الكتاب في المقاصد وهو محمد طاهر الميساوي، هذه أكثر عراقة وأكثر عطاء وأكثر تجدرا في الدراسات المقاصدية في جميع فروع المعرفة الإسلامية. فإذن ربما شوقنا لأن نرى الأمور أسرع وأحسن وأنضج يجعلنا نتساءل وإلا فالأمور تمشي، كل الثغرات تسد شيئا فشيئا. الآن الاهتمام بقواعد المقاصد، الآن الاهتمام بطرق إثبات المقاصد، هذه كلها أمور تسهم في إنضاج هذا العلم وتسييجه بالضوابط العلمية الضرورية، لكن طبعا دون تكبيله وإيقاف حركته، فأنا متفائل الحمد لله.

سؤال:

من الإشارة في هذا المجال هو وجود الدكتور محمد رفيع معنا وهو رئيس مركز متخصص في المقاصد، ولعلنا نأمل في تعاون معكم في هذا الباب، وأستسمحكم في الطرح هذا السؤال هلا حدثنا على مواصفات العلماء الذين هم بحق ورثة الأنبياء؟ وما دورهم في خدمة قضايا الأمة في ظل الظروف العصيبة التي تمر منها الأمة من قبيل استهداف الأقليات والتطبيع وغيرها…؟

جواب:

سؤالكم سيدي عن العلماء اليوم وأهم ما يعيقهم يذكرني بواقعة قفزت إلى ذهني هذه اللحظة حينما حللت بالحجاز بالمملكة العربية السعودية سنة 2006 كانت لي لقاءات عديدة، يأتي شباب ويطلبون لقاءات، في أحد هذه اللقاءات سألني أحدهم، في البيوت طبعا كنا نلتقي، قال لي: ما هي في نظرك أهم عوائق الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية في السعودية؟ قلت: هي غياب الحرية. ثم بعد ذلك بعد قليل سألني سائل آخر قبل أن نغادر: بماذا تنصح الحركة الإسلامية في السعودية؟ قلت: أنصحها بالتركيز على قضية الحرية. قلت لهم: أنتم لا تنقصكم لا العقيدة ولا الصلاة ولا الحجاب، كل هذه الأمور عندكم فيها فائض أكثر من اللزوم، عقيدة أكثر من اللزوم وصلاة حتى إنهم يكفرون تارك الصلاة ولو مرة واحدة، بل رأيت من علمائهم من يكفر، من يضبط ساعته ومنبه ساعته على الساعة الثامنة ليقوم ويصلي ويذهب إلى العمل، قال هذا يتعمد إخراج صلاة الصبح وهذا كفر، إلخ… هذا ما عنيته، قلت لهم عندكم زيادة، عندكم فائض في التدين وفي الفقه وفي كذا. ما يلزمكم هو الحرية. أقول أن العلماء أيضا فقدوا حريتهم وفقدوا استقلالهم. فأهم شيء يحتاجه العالم اليوم هو أن يكون مستقلا، يتبع دينه ويتبع دليله. وأتذكر الآن أيضا في إحدى الجامعات المغربية، كنا في أيام الجدل الصاخب حول مدونة الأسرة، ومدونة الأحوال الشخصية وما إلى ذلك، فقال لي أحد المتدخلين، نسيت هل كان طالبا أو أستاذا لأن اللقاء كان مع طلبة الدراسات العليا في إحدى الجامعات، قال لي: أنت تقول كذا، نسيت المسألة، أنت تقول كذا والسلطة العليا في البلاد تقول كذا؟ طبعا واضح السؤال، بقصد أو بغير قصد، يريد الإحراج. قلت: نحن هنا في الجامعة، الذي أعرفه حين نكون في رحاب الجامعة، السلطة العليا هي الدليل العلمي، ومن عنده دليل علمي فليدل به، وأنا أقول ما أقول وهذا دليلي العلمي، فإذن العلماء سلطتهم العليا هي العلم، سلطتهم العليا هي الدليل الشرعي، وهم لا يعادون أحدا ولا يعبدون أحدا سوى الله، وليسوا ضد أحد بالضرورة وليسوا دعاة فتنة، لا يمكن لعالم أن يكون صاحب فتنة ولا كذا، ولكن إذا لم يكن مستقلا فصلاة الجنازة أولى به. لذلك أنا حين كتبت كتابي “المختصر الأصولي” وتحدثت عن الاجتهاد وشروط الاجتهاد كما يفعل الأصوليون، نصصت وألححت على شرط استقلالية المجتهد هذا الآن إذا اعتبرنا أن المتقدمين لم ينصوا عليه، فيجب أن ننص عليه. لا يوجد مجتهد إلا إذا كان مستقلا، مهما حمل البحار والمحيطات من العلم ومن الحفظ، لن يكون مجتهدا حقيقيا إلا إذا كان أولا مستقلا، مستقلا عن جميع المؤثرات السياسية والحزبية والاجتماعية والثقافية، يعني حين يعمل العمل العلمي ينسى طريقته الصوفية وإمامه في السياسة وينسى حزبه وينسى مذهبه، وينظر في الدليل. هذا هو المجتهد والعلماء فقدوا هذه الاستقلالية للأسف، نحن بحاجة أن ننشئ طلبتنا وشبابنا المتخصصين في الدراسات الإسلامية على الاستقلالية. قل إنما أعظكم بواحدة، العلماء والطلبة الشرعيين، قل إنما أعظكم بواحدة: أن تكونوا مستقلين.

سؤال:

الاستقلالية إذن هي شرط من شروط المجتهد، وأريد أن أوكد على أمر آخر وهو أمر المرونة والانفتاح على باقي العلوم الإنسانية، فكيف ترون أت هذا الأمر محقق في مناهج تكوين طلبة العلوم الشرعية؟ وهل له من أهمية ترجى؟

جواب:

أنا استفدت أيضا استفادة كبيرة من القانون، لأني أمضيت سنة في كلية الحقوق، وعملت في وزارة العدل، في الوزارة نفسها وفي المحاكم أربع سنوات ونصف، فكان لي احتكاك مع القانون ودراسة للقانون. فهو أيضا مما استفدته ومازلت أقرأ أحيانا مباحث أو بحوث أو مقالات أو كتب أيضا قانونية وفي فلسفة القانون، إلخ… فعلى كل حال، أولا هذه العلوم الإنسانية والعلوم الأخرى بصفة عامة، أولا هي علوم مهما اختلفنا معها، سيكون اختلافنا في حدود العشرين أو الثلاثين أو الخمسين بالمئة، وحتى لو اختلفنا معها ثمانين بالمئة لا نستهين بعشرين بالمئة نأخذه. هذه ثقافة ومعرفة، هذه ثقافة ومعرفة، على الأقل نقول تدخل ضمن ثقافتنا العامة، المتخصص تدخل في ثقافته العامة. وثانيا هذه العلوم ما نشأت وتراكمت وتطورت إلا بمناهج، وقضية المناهج هي قضية مشتركة بين العلوم، وهنا أنصح، يحضرني كذلك كتاب الدكتور علي سامي النشارمناهج البحث عند مفكري الإسلام”، وقد بين سبق علمائنا إلى تأسيس المنهج الاستقرائي والمنهج الاستنباطي والمنهج القياسي ، والآن هذه المناهج عليها تقوم العلوم، إذن فعلينا أن نأخذها مطورة أيضا ومضبوطة أكثر من بعض العلوم الموجودة حتى الفلسفة الآن لم تعد هي الميتافيزيقا وعلم الكلام الفلسفي القديم لا، اليوم العلوم الفلسفية أيضا صارت علوما حقيقية ولم تعد مجرد فكر وتأملات غير منضبطة، فإذن هناك استفادة، ولكن ربما من أهم الاستفادات من العلوم غير الشرعية، العلوم الإنسانية والعلوم القانونية والعلوم الاجتماعية والتاريخ، إلخ… هو أنها تعطينا فهما للواقع، خاصة أن علماءنا اليوم أصبحوا معزولين عن الواقع، أحسنهم حالا هو الذي يمارس التعليم، والباقي معزولون. قديما لا، العلماء كانوا هم القضاة، كانوا مفتين، كانوا محتسبين، كانوا وزراء، كانوا أمراء هنا وهناك، كانوا يعيشون في الواقع، لكن الآن لا، لا يعيشون في الواقع. فإذن هذه العلوم تساعدهم على الأقل على فهم الواقع، وعلى أن يعيشوا في الواقع. على الأقل يمكن اعتبار هذه العلوم تعطيك ثقافة واقعية، تعرفك ماذا حولك من أفكار ومن وقائع ومن إشكالات، إلخ… لأن هذه العلوم صارت أكثر واقعية من العلوم الشرعية. فهذا شيء واقع نقر به وإن كان لا يسعدنا، ولكن هذا هو الواقع.

العلوم الإنسانية ضرورية لمعرفة الواقع

سؤال:

وفهم الواقع من شروط المجتهد عند القدامى والمحدثين.

جواب:

بل من شروط فهم الدين، لا يفهم الدين بدون فهم الواقع.

سؤال:

في الاستماع إليكم سيدي مجموعة من الدكتورات وطالبات العلم، اللواتي يجدن في خطابكم المكرم للمرأة المعين والمعين، لكن في نفس الوقت أعينهم على تراجم العلماء وكتب الطبقات في علمي الأصول والمقاصد حيث يجدن قلة في تراجم العالمات، فبما تفسرون ذلك؟

جواب:

على كل حال هذا بدون شك هو جزء من الخلل العام الذي صار فيه المسلمون شيئا فشيئا كالخط المائل، بمرور الزمن يزداد ميلا ويزداد ابتعادا عن المسار المستقيم الذي كان عليه، حتى لو كان الميل في البداية بالملمترات أو أقل من الملمتر فإنه بقرن وثلاثة قرون وعشرة قرون سيصبح بالكيلومترات وبالأميال الكبيرة، إذن هذا بدون شك خلل، وهذا الخل أفضل من رصده وتناوله واستفدت منه كثيرا هو صاحب كتاب “تحرير المرأة في عصر الرسالة“، والذي ما فتئت أنصح بقراءته، أنا شخصيا أحدث عندي ثورة في فهمي لقضية المرأة عبر التاريخ وقضية المرأة في الشرع. وفوجئت أن العصر النبوي كان متقدما بما لا يحصى عن العصور التي جاءت بعده في مسألة المرأة، رغم أنها مسألة اجتماعية، كان يمكن أن نقول: العصر النبوي أعطى انطلاقة والعصر الذي يليه تقدم الناس أكثر ثم أكثر، لكن الذي وقع هو العكس، وقعت انتكاسة سريعة جدا، وهذا كما أقول في بعض المناسبات: أحيانا تغلب القبيلة الدين، وهذا من ذاك، يعني في كثير من القضايا، القبيلة والقبلية والعقلية القبلية فعلا غلبت، غلبت وسرعان ما الناس انحازوا إلى أعرافهم القبلية، هذا وقع حتى في السياسة والحكم، ووقع في موضوع المرأة، ربما بالدرجة الأولى في هاتين القضيتين. فهي إذن معركة تحتاج إلى جهود كبيرة، وأيضا تطور شيئا فشيئا بطيء. الحمد لله أنا منذ زمن طويل لما كنت في الحركة وفي رئاستها وحتى بدون رئاستها كنت دائما أقول: النبي صلى الله عليه وسلم جاءته نساء واشتكين وقلن يا رسول الله غلبنا الرجال على مجالسك فاجعل لنا مجلسا، فجعل لهن مجلسا خاصا يعوض النقص، مع أن المجالس الأخرى مفتوحة لهن تماما، ونحن أتت علينا أزمان المساجد أغلقت في وجه المرأة، ليس فقط في المغرب، في دول أخرى أشد، في دول أخرى لحد الآن لا ترى امرأة في صلاة الجمعة. في بعض الدول وبعض المذاهب بصفة خاصة المرأة لا وجود لها في المسجد. في المغرب الآن الأمر جيد جدا في الصلوات، في الجمعة، في التراويح، في الدروس، في محو الأمية، إلخ… إذن فهناك انتكاسة كبيرة وقعت وامتد زمانها قرونا، فإذن علينا أن نفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعطي للنساء فرصا أكثر. وأنا بالأمس فقط كان عندنا نقاش عن بعد في مجلس الأمناء للاتحاد، وعرض علينا الأخ الذي يرأس لجنة تكوين الشباب، الشباب يعني العلماء، فعرض علينا دورة سيقدمونها لبعض الشباب الذين يختارونهم، لا أدري خمسين أو كذا من طلبة الدراسات الإسلامية وإلخ… فسألته وأوصيته كما كنت أوصيته قبل شهرين تقريبا، أين الشابات؟ عندكم برنامج لتكوين العلماء الشباب، أين برنامج تكوين العلماء الشابات، أو أين نسبة الشابات في هذه الدورة نفسها؟ فاعتذر ووعد وإلخ… وهو مدير جامعة في إسطنبول. ومع ذلك في الدراسة النظامية حيث لا شأن له بها تأتي الطالبات والطلبة، لكن في أمور يفعلها العالم بنفسه أو الداعية تجده متأثرا بهذه العقلية، يعني تغييب النساء، تغييب الشابات، بينما كان ينبغي العكس، أنا بالنسبة لي حتى إذا كان لابد أن نعمل دورة للشابات ودورة للشباب الذكور نبدأ بالشابات، أولا لأنه قد لا تتاح الفرصة لا ندري ماذا يقع، ونحدث دورتين للباحثات ودورة للباحثين، هكذا حتى نعيد التوازن ونصحح الميزان، هذا هو الطريق. وأنا لا أقول بالضرورة أنه في يوم من الأيام ستكون عندنا المناصفة التي أتانا بها الدستور والحكومة، ولكن على الأقل إذا كان عندنا مئة من العلماء يكون أربعين منهم أو ثلاثين من النساء المجتهدات والمحدثات والمفسرات. أنا أعرف ظروف المرأة من ولادة وكذا ومتطلبات، لكن هذا لا يفسر تغييبها أبدا، ولا يجيز تغييبها، أو تنقيص حجمها والحيز المخصص لها إلى درجة العدم أو إلى ما يقرب من العدم. تفاوت بسيط نقبله ونتفهمه، لكن على العموم لا فرق في التعليم والعلم والفتوى، علماؤنا أظن لو لم يجدوا عائشة لقالوا: الفتوى لا تجوز للنساء، لكن تقف أمامهم عائشة فلا يستطيعون أن يقولوا الفتوى خاصة بالرجال، ولم يستطيعوا أن يقولوا الرواية، رواية الحديث، خاصة بالرجال ويشترط فيها الذكورة، لأنهم دائما يجدون صحابيات وأمهات المؤمنين يروين الحديث ويجتهدن. وقد قال بعض المتأخرين المتخلفين: لا تستشار المرأة. لكن يجدون أمامهم استشارة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء. إذن فمرجعنا الحقيقي هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان على المسلمين أن يمضوا فيه بدل أن ينقلبوا عليه، في الحياة الاجتماعية، ربما الانقلاب السياسي كان مقصودا، لكن الانقلاب الاجتماعي كان تلقائيا، الناس جدبتهم قبليتهم وحياتهم الاجتماعية التي ألفوها .

 

سؤال:

مولاي أحمد الكلام معك شيق، والوقت ضيق، وسقفنا لهذا القاء هو صلاة المغرب وقد أدركتنا، ومازالت الكثير من القضايا لم نتطارحها بعد، لذلك سأبني على سعة صدرك، وعلى هذا النفس النقدي الذي وجهته لكثير من التمثلات والتصورات لدى العاملين في الحقلين العلمي والدعوي، لأكون في هذه اللحظة ناقلا لكثير من التساؤلات التي وردت علينا من محبيك الذين يستشكلون أو يآخذونك على بعض القضايا.

أبدأها بأسئلة عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي تأسس منذ 17 سنة على يد الشيخ الدكتور القرضاوي حفظه الله تعالى بلندن، والآن هو تحت رئاستك منذ 2018، ورغم حرصكم كمؤسسين ومنتسبين على إبداء حسن النية وتبييض الوجوه والإلحاح على سلامة المقاصد ووضوح مبادئه الثمانية الناظمة لاشتغاله، إلا أن مسيرته لم تخلو من انتقاد وتعثرات وانكسارات واتهامات، أبدأها بسؤال الاستقلالية، فالاتحاد متهم من قبل خصومه أنه صار ذراع الإخوان لاحتكار الخطاب الديني من جهة، وصار منظمة طائفية من جهة أخرى بهذا بعد الفتور الذي أصاب علاقة الاتحاد بالشيعة من جهة أخرى. فهل من رد وتصور جديد للتخفيف من الانقسامات الطائفية وخدمة الوحدة؟

جواب:

أولا، الاستقلالية أؤكد ليس بصفتي رئيسا للاتحاد ولكن بصفتي شاهد عيان، الاتحاد مستقل مئة بالمئة وليس تسعة وتسعين بالمئة، مئة بالمئة. وإذا كان حين يقع التشكيك والافتراء في قضية الاستقلال أو استقلالية الاتحاد، عادة ما يوجهون الأصابع إلى قطر، فأنا أقول: قطر في أيام الشيخ يوسف ومعه شخصيا ومع مسؤولين آخرين للاتحاد هنا، هذه كلها شهادات سمعتها وأضيف إليها شهادتي، لم يتدخلوا يوما بكلمة واحدة نهائيا، نهائيا، أبدا، إذن هذه شهادة أحفظها للتاريخ وأنا أغادر الاتحاد قريبا ونغادر الدنيا قريبا. فإذن إذا كان الاتحاد لم يتلق توجيها ولا اعتراضا ولا تحفظا ولا بكلمة واحدة من قطر، فمن سواها آكد. وأنا جلست مع الدكتور مهاتير في ماليزيا وتحدثنا وتحدثنا عن الاتحاد وغيره وفي الأخير، للاستفادة والمجاملة في نفس الوقت، قلت له: بماذا تنصح الاتحاد؟ مجرد نصيحة. قال: أأنا أنصح الاتحاد!؟¨قلت نعم، أنت عندك تجارب وكذا. قال: لا، من أكون حتى أنصح الاتحاد. فرفض أن يقول أي كلمة للاتحاد، مع العلم أن ماليزيا من الدول المعترفة بالاتحاد والعاطفة عليه، فإذن أقول لكم: الاتحاد مستقل تماما، يجتهد ويصيب أو يخطئ. شيء طبيعي، في مواقفه ويعدلها ولكن باستقلال، إن أخطأ فعلى مسؤوليته وباستقلاليته، وإن أصاب فباستقلاليته وباجتهاده.

سؤال:

هنا يطرح سؤال العلمية والحيوية فبعض المتتبعين لمسيرة الاتحاد لاحظوا كثرة بيانات النعي والمواقف السياسية على المطارحات الفكرية والاهتمامات الدعوية، فكيف يمكن إقامة التوازن؟

جواب:

لا، أولا الاتحاد لا يعرف فقط من الموقع، الموقع هو موقع إعلامي بالدرجة الأولى، ونحن لا يمكن أن يأتينا من الإخوة في السودان أو ماليزيا أو العراق وفاة عالم ولا ننشر حتى هذه الوفاة ونعزي وندعو له. الوفيات كثيرة وكثرت في زمن كورونا، زادت نسبتها، فنخصص ثلاثة أو خمسة أطر للتعزية والنعي. وإذا كان العالم كتب عنه أحد العلماء مثلما كتب عصام البشير عن الشيخ مالك بدري الذي توفي، ومالك بدري مؤسس علم النفس الإسلامي، هكذا ينظر إليه وهو أستاذ كبير، أقل ما يستحقه مقال، ومقال في حقه قليل بمناسبة وفاته. لا، الاتحاد لا يعرف من الموقع فقط، الموقع الإلكتروني الذي تغلب عليه المواد الخفيفة، وإلخ… الاتحاد له ندوات، له مؤتمرات، له إصدارات، مؤخرا أسس دارا للنشر. هذا الملحظ يذكر لي كثيرا، وذكره لي أحد الصحفيين قال: أنتم تهتمون بالسياسة أكثر شيء، أو السياسة هي كل اهتمامكم، لماذا؟ قلت السبب هو أنتم، أنتم معشر الصحفيين لأنكم لا تبحثون إلا عن الجانب السياسي لتضخموه وتشتغلوا به. إذا أصدرنا كتابا لن تتحدثوا عنه. وإذا أخذنا ندوة علمية لن تتحدثوا عنها، إذا أصدرنا فتوى لن تتحدثوا عنها. إذا كان في الأمر سياسة وإثارة سياسية أنتم تضخمونها وتهتمون بها. فالاتحاد يحاول باستمرار أن ينمي الجوانب العلمية والمنتوجات العلمية وهو ماض في ذلك، له إصدارات، له مجلة، له كتب أصدرها كما قلت، لجنة للنشر خصيصا أسسناها مؤخرا. فنحن نحاول أن نحافظ على التوازن دون أن نغيب في السياسة ودون أن نفرط فيها.

سؤال:

بماذا تفسر الأزمات الداخلية التي يعيشها الاتحاد العالمي والمتمثلة في كثرة الاستقالات، وتوج كل ذلك بوضعه على قوائم الإرهاب؟

جواب:

لا بن بية معروف حينما لجأ إلى الإمارات كان لابد أن.. الإمارات والاتحاد ضدان لا يجتمعان، فمن أراد الإمارات لابد أن يبتعد عن الاتحاد وإلا لن يقبل ولن يرحب به في الإمارات، وعدد من الأعضاء إذا أرادوا أن تكون لهم مكانة في الإمارات يعمدون إلى مهاجمة الاتحاد أو رئيسه المؤسس الشيخ يوسف، أو كذا، هذه لعبة معروفة، يجب أن تكون واضحة، الشيخ بن بية لم ينسحب قبل ذلك، كان نائب الرئيس ولم يذكر سببا لاستقالته، ولم يؤاخذ الاتحاد بشيء. أما في مصر وفي السعودية الأعضاء كلهم كانوا مخيرين بين أن ينسحبوا من الاتحاد أو أن يذهبوا إلى السجون، فكانت هناك استقالات جماعية ، ونحن نفهم ذلك ونتفهمه ونعذرهم، ونعتبرهم على الحقيقة أعضاء، ولكن الإكراه ألزمهم على أن يستقيلوا رسميا، وحتى إذا لم يستقيلوا لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا في مثل النظام المصري والسعودي والإماراتي هذه هي الحكاية، ليس عندنا استقالات بالعكس، نحن نفكر الآن  سنراسل الأعضاء وهم كثيرون لنطلب منهم أن يؤكدوا عضويتهم، لأنهم أعضاء لا هم استقالوا ولا هم يشاركون في الاتحاد. فعلى كل حال الاتحاد لا يعاني من أزمة عضوية في أي مستوى وينيع من أزمة قيادات أو خلافات نهائيا، لا يوجد هذا.

سؤال:

استكمالا لهذا المحور سيدي، ننتقل من الحديث عن الاتحاد إلى الحديث عن رئيسه واجتهاداته الفقهية التي لم تسلم من النقد والنقض من قبل مخالفيك، الأمر الذي يستوجب منك مزيد توضيح وتعقيب، لكن قبل التعريج على بعضها، أسالك عن مثل هاته الالتباسات والتناقضات  والاعتراضات التي تكتنف اجتهاداتك، هل مردها إلى الإجابات الصحفية المفتقرة أحيانا إلى التقعيد الرصين، أم إلى الاستهداف الممنهج لك وما تمثل، أم لأنها تصدر من دعوة هي على هامش دولة صماء بكماء عن الدين إلا ما كان من تسامح مع خطيب واعظ، أو عالم أجير لافظ جاحظ، أو متزلف لثوابت الدولة حافظ، ولمصالح الحكام لا الشعوب مراقب ملاحظ؟ أم هناك أسباب أخرى؟

جواب:

أنا مرة كان يحاورني أحد الإخوة الصحفيين في المغرب وسألني عن الشيخ يوسف القرضاوي، وقال لي: الشيخ القرضاوي المثير للجدل. فأوقفته وقلت: الشيخ القرضاوي لا يثير الجدل، الشيخ القرضاوي محل إجماع وتوافق ومحبة وتقدير. إذا كان الجدل في الصحافة ماذا يعنينا نحن الجدل في الصحافة أو في التلفزيونات أو في عربي نيوز أو في كذا أو في العربية، لا الشيخ القرضاوي لا يثير الجدل، نعم بعض فتاويه يناقشها معه حتى تلاميذه وزملاؤه، لكن الشيخ القرضاوي ليس مثيرا للجدل بصفته عالما. نعم بمواقفه السياسية، أعداؤه أعداء الشعوب لأن الشيخ القرضاوي وقف مع الربيع العربي وقفة تاريخية مشهودة، فكل أعداء الربيع العربي، وهم معروفون من سياسيين وإديولوجيين، كلهم صار الشيخ القرضاوي ولعنه وسبه وشتمه وشيطنته هو شغلهم الشاغل. فإذن إذا كان بعض ما أكتبه أو أقوله هل يثير جدلا مع العلماء لا، يثير جدلا في الصحافة المكلفة، إما مكلفة بالترصد أو على الأقل، الصحافة دائما تحب أن تكتب بكيفية مثيرة أو تثير الجدل لأن هذا يخدمها مهنيا، هؤلاء بالنسبة إلى لا تثريب عليهم، لكن لا ينبغي الالتفات إليهم كثيرا لأنهم إنما يبيعون صحافتهم ومواقعهم، لا تثريب عليهم عندي، فقط لا ينبغي أن يكذبوا. أما أن يأخذوا جملة من كلامي ويثيروا حولها سبع حلقات من النقاش، مهنيا هذا شيء جيد، فقط لا ينبغي أن يكذبوا. إذن هذا الجدل، هذا الرفض أو هذا النقض، يجب أن نعرفه، هل هو من العلماء أو من الصحفيين والسياسيين، نعم فأنا أعتقد أن معظمه، معظمه من الصحفيين ومن السياسيين، وما كان من العلماء فهذا دليل على حظوة هذه الأقوال، فإذا حضيت بشيء من النقض والتنبيه، هو موجود على كل حال  ولكن قليل جدا.

سؤال:

الدكتور أحمد، قد تكون هذه فرصة مواتية لتوضيح بعض الاجتهادات والآراء التي أثارت لغطا وتراشقا إعلاميا ما بين مؤيد ومعارض مثل: إباحتك لإبرام الصلح مع الكيان الصهيوني من جهة، وتحريمك للتطبيع من جهة أخرى، فهل من توضيح؟

جواب:

هذا المقال الذي تشير إليه هو مقال مظلوم، لأنه ينتقده من لم يقرأه. حتى من أقرب الناس إلي يسألون: أنت أبحت الصلح مع إسرائيل أو دعوت إلى الصلح.. لا يوجد هذا، وقد ناقشني حتى بعض الفلسطينيين لأنهم سمعوا بالمقال ولم يقرِؤوه. لا، المقال للأسف أقول لا أستطيع أن أتحدث عنه إلا إذا قرأته  عليكم وشرحته بالكامل، لأنه صار ضروريا شرحه للأسف لعدم التدقيق في كلماته، هذا المقال رغم أني كتبته في 2006، بداية 2006، مارس أو أبريل، أقرأه من حين لآخر، فمكتوب بدقة متناهية، ولم يتغير مما فيه شيء واحد أو حرف واحد، وليس فيه دعوة للصلح،  فيه كلام يشبه هذا أو يقترب منه، لكن يجب أن يقرأ الكلام بدقته، ومن دقته أنني قلت باختصار أن الفلسطينيين في ظروفهم وفي الخذلان الذي يتعرضون له وفي التكالب ضدهم من أشقائهم وأعدائهم وأشقيائهم  وخونتهم ومن كذا، إذا ارتأوا، إذا ارتأوا بواسطة مؤسساتهم الوطنية الجامعة وقرروا صلحا ما وبشكل من الأشكال مع العدو، هذا لهم، هذا لهم، لهم هم وليس لي أنا ولا لأحد يجلس على أريكته في الرباط أو في بغداد أو في أبو ظبي، ويقول نحن نعقد الصلح مع إسرائيل. وأنت متى كنت في غير صلح حتى تعقد صلحا، ومن سألك أن تعقد صلحا، وأي حرب لك مع..، إلخ… فالقضية معني بها الفلسطينيون، وكنت أعني بهيئتهم، ولعلي ذكرتها، المجلس الوطني الفلسطيني الذي هو متوقف منذ ذلك الحين. الفلسطينيون عجزوا بسبب تفرقهم عن تأسيس مجلسهم الوطني، وأن يتفقوا على ذلك ويتخذ قرار بكيفية مشروعة على أساس، على أساس أن يكون إعلان اعتراف متزامن، وهذا يستحيل أن تقبله إسرائيل، وأنا أعرف هذا وأعرف ما أقول وما أرمي إليه. اعتراف متزامن على أساس جميع قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن. إذن سترفضه إسرائيل، ليس تسعة وتسعين في المئة ولكن مئة بالمئة سترفضه. فإذا رفضته سيصبح الفلسطينيون أمام العالم أنهم قبلوا بالشرعية الدولية وقبلوا بالقرارات وقبلوا أن يعترفوا اعترافا متزامنا بالدولتين، لأن عرفات، الخطأ الفادح الذي ارتكبه عرفات هو أنه اعترف بإسرائيل دولة وهي اعترفت به كجمعية، جمعية اسمها منظمة التحرير الفلسطينية، لا هذا استغفال كبير. فإذن هذا بعض ما جاء في المقال، وأرجو أن يقرأ المقال بحذافيره.

سؤال:

حفظك الله سيدي قرئ وسيقرأ، وأتمنى لو كانت هناك من توضيحات أنت عازم عليها فنحن مستعدون لنشرها، السؤال الثاني ودائما في مجال الفتاوي، ماذا عن تجويزك لبعض القروض البنكية التي يراها البعض ربوية مثل برنامجا امتلاك وانطلاقة؟

جواب:

على كل حال هذا اجتهاد، من رآه فذاك، وقد أيدني كثيرون، فقهاء واقتصاديون، وعارض ربما أكثر من ذلك فهو اجتهاد يصيب ويخطئ، يقبل ويرد، كما أن كل واحد يؤخذ منه ويرد. ولكن أنا اقتنعت أن السياق والدوافع والنسب وعدد من الاعتبارات، وظروف الشباب، إلخ… قلت من اضطر إليه، من احتاج إليه احتياجا شديدا ولم يجد بديلا غيره. فنظرا لهذا السياق والهدف الاجتماعي للدولة، الدولة لا تريد أن تربح والبنوك لا تريد أن تربح، البنوك فرض عليها، الدولة تريد أن تحل مشكلة اجتماعية فإذن الهدف اجتماعي، التشغيل وحل مشكلة البطالة التي يمكن أن تنفجر في أي وقت انفجارا كبيرا في المغرب. فلهذه الأسباب والنسبة المتدنية و، و، إلخ، قلت هذا: يجوز للشباب الذين لم يجدوا بديلا.

سؤال:

بالرجوع إلى مقالة تربوية تدبرية كتبتها استنادا إلى سورتي المزمل والمدثر،  عن الأمر بالقيام الوارد في مطلع كل منهم عن قيام الليل وقيام النهار، حول هاتين العبادتين الأساسيتين التوجه إلى الله تعالى دعاء ودعوة، نسأل عن تراجع المهام الدعوية والتربوية لبعض الحركات الإسلامية في ظل تنامي الحركية والتدافع السياسي، بل في ظل التراجع حتى عن بعض المبادئ التي أسست على أساسها، ونتساءل هنا بإلحاح عن مكانة التربية والدعوة في مشروع وبرنامج الحركات الإسلامية؟

جواب:

جزاك الله خيرا، وطبعا أنت تتساءل تساؤلات نقدية وكان هذا هو غرضي أنا من المقال، المقال هو انتقاد هذه الظاهرة. الله تعالى قال في هذه السورة: (يا أيها المزمل قم الليل)، وقال في شقيقتها: (قم فأنذر). فالإنذار خفت شأنه بين المسلمين، وقيام الليل على العموم، مبدئيا وعمليا مازال له حضور واحترام وتقدير، والناس يعرفونه حتى باسمه ومصطلحه قيام الليل، ولكن: (قم فأنذر) تقريبا تضاءلت، وأنا أحب أن أنظر إلى التحولات والإشكالات التاريخية بنظرة موسعة، ليس في سنة أو عشر سنوات بل في قرن وقرون. أنا أقول هذا هو عصر الدعوة الإسلامية. الدعوة الإسلامية كانت متوقفة بنسبة كبيرة جدا. وبقي قليل من الشيوخ يمارسون الدعوة مع من هم أمامهم وتحت سياطهم يمارسون الدعوة. وبعضهم كانوا يحفظون القرآن والعلوم الشرعية ولا يسألون من يصلي ومن لا يصلي، ومن على جنابة ويأتي لحفظ القرآن وكذا، اختفى الحس التربوي نهائيا. وشيوخ يجلس أمامهم مئات وآلاف الطلبة، ويتعاقبون سنة بعد أخرى ومع ذلك لا يبالون بهم، صل أو لا تصل، صم أو لا تصم، اغتسل وتطهر أو لا. لكن اليوم الأمر اختلف، أقصد باليوم هذا القرن، أقصد باليوم هذه السبعين سنة. فإذن أنا لا أحاسب الحركة الإسلامية عن سنة 2020 أو 2021، فالمد والجزر كما في الآيات وفي الأحاديث يوم لك ويوم عليك، والحرب سجال، وهذا كما وصف حالة النبي صلى الله عليه وسلم. كما قال أبو سفيان. هناك الآن أزمة خانقة، هناك ضغط شديد. باغت الحركة الإسلامية بالحديد والنار وبعنف لا مثيل له. فعلى كل حال عرفت الآن بعض الارتباك والتعثر المحدود، المحدود، وإلا فهذا العصر هو عصر الدعوة، وعصر انبعاث الدعوة، والعمل الدعوي والعمل التربوي. ولكن مع ذلك علينا أن نقول: هذا قليل وهذا لا يكفي، فكيف إذا تراجع. هو إذا لم يتراجع لا يكفي وقليل والآية فيها: (أدعو على بصيرة أنا ومن اتبعني)، (قل هذه سبيلي أدعو على بصيرة أنا ومن اتبعني). بدون استثناء، قم فأنذر ونحن نتبعه في ذلك.

سؤال:

بناء على هذا الجواب، نعيش اليوم الذكرى 72 على اغتيال الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى، وذلك لواد مشروع كان يروم نهضة الأمة، فكانت محاولة لإطفاء تلك الشرارة التي أحيا الله بها قلوبا، اليوم أنت تتحدث عن مثل هذه التراجعات والانكسارات والمراجعات للحركة الإسلامية في هاته العقود، وتشاهد ما صارت وآلت إليه، فما تقييمك لما آلت إليه الحركة الإسلامية في المغرب، خاصة ما كنت مسهما في بنائه وتأسيسه وتوحيده من منظمات وحركات؟

جواب:

أنا لا أستطيع أن أجزم بأن هناك تراجعا حقيقيا في المغرب، في المغرب بصفة خاصة. هناك تراجعات فادحة في دول أخرى، مثلا تونس، الدعوة تكاد تكون تركت، تركت عن عمد وسبق إصرار للأسف، تركت وتحولت الحركة التي كانت ملء السمع والبصر، تحولت إلى حزب سياسي صرف كبقية الأحزاب وكما هي أحزاب السوق، لكن في المغرب هناك حركة، هناك جماعات، هناك جهود، هناك كذا، التراجع الذي يرجع إلى سنة أو سنوات قليلة لا أعتد به قد يكون هو نفسه خادعا، لأن التنظيمات بالنسبة إلي ليست هي المعيار الوحيد، لأن مرارا نجد بعض العناصر انسحبوا من التنظيمات ولكنهم بقوا أوفياء للفكرة ويقومون بأدوار بأشخاصهم في جامعاتهم، في جمعيات أخرى، في مؤسسات رسمية. فإذا كنا نقصد تراجع التنظيمات الإسلامية، التوحيد والإصلاح والعدل والإحسان مثلا أو السلفيين أو كذا بشكل محدد، نعم أنا أقول هذه السنوات تشهد ارتباكا، وتشهد ركودا، ولكنه وقتي وأنا الحساب عندي على الأقل بعشرات السنين. والعمل الإسلامي في المغرب يتقدم كما وكيفا. العمل الإسلامي بجماعاته الكبرى وبجماعاته الصغرى وبأفراده وبشخصياته وبنشاطه في المؤسسات التعليمية وفي كل المجالات. إذن هناك ارتباك، الحركة الإسلامية تعرضت لهجمات شديدة مختلفة من دولة إلى أخرى، والمغرب له نصيبه في ذلك. هذا كل ما هنالك وعلى الحركة الإسلامية أن تستجمع قوتها وعزيمتها وتراجع خططها وتنطلق أيضا أكثر فأكثر إن شاء الله.

سؤال:

من العلامة المقاصدي إلى المربي الداعية، أحب أن أسألكم عن نظرتكم لوباء كورونا؟

جواب:

أنا دائما، الأحداث التاريخية أي ما يقع، عندي فيه نظرتان: النظرة التشريعية والنظرة القدرية. النظرة التشريعية طبعا هذا بلاء ووباء وكارثة ومحنة وعلينا أن نستعد لها ونواجها ونتخذ الرخص الواردة في ذلك ونتخذ الاحتياطات الواردة في ذلك، ونكون ضجرين، ندعو الله تعالى أن يرفع الوباء عنا وعن الناس جميعا، ولكن هناك نظرة قدرية، النظرة القدرية قد يكون هذا كله خيرا، ودائما كما قلت في الأمور الكبرى، تقييم نتائج كورونا ليس الآن، بعد سنوات. وأنا أقول شيئا لم أقله قط: يكفي كورونا فضلا أنها أوقفت موازين هي الوحيدة، الجهة الوحيدة التي نجحت في إيقاف موازين. حاول الشعب المغربي وحاولت بعض الأحزاب وحاولت الحركة الإسلامية وحاول الناس جميعا والشباب ووسائل التواصل الاجتماعي، وظل موازين يتحداهم، وينتشر ويفرخ أبناءه وبناته. الآن جاءت كورونا فأوقفت هذا. أليس هذا شيئا عظيما وتاريخيا، سيكتب التاريخ أن موازين توقف بفضل كورونا وبكرمها وبكرم الله فيها. فإذن إذا كان هذا هكذا فهناك أشياء كثيرة حدثت وستحدث، وعلينا نحن، الناس الذين لديهم يقظة إيمانية أن يستفيدوا أكثر فأكثر. يمكنهم أن يجعلوا هذا الوباء خيرا بنسبة تسعين بالمئة، والغافل سيستفيد منه بثلاثين بالمئة. ولكنه في النهاية النظرة القدرية حتى الآن أنا أراه خيرا ونفعا إن شاء الله، ولكن التشريع له شيء آخر.

سؤال:

لا يمكن أن نختم هذا اللقاء دون أن نسأل عن حدث الهجمة الفرنسية على الإسلام ؟

جواب:

أنا منذ سنوات كتبت مقالا: فرنسا الدولة الأشد عداوة للإسلام والمسلمين. ليس اليوم، فرنسا معروفة بتجذر الحقد الصليبي الذي الآن يتزيى بزي الحقد العلماني. وبالأمس فقط أو أول أمس، أحد المفكرين الفرنسيين يقول: ماكرون يحرف العلمانية الفرنسية ليهاجم الإسلام، ولكن مع ذلك الحرب على الإسلام لم تفعله أي دولة في التاريخ، الحرب على الإسلام. لأنه هناك دول تحارب جيوش المسلمين هناك دول تغزو المسلمين وتأخذ خيراتهم. هناك دول أطاحت بحكام وجاءت بحكام. لا فرنسا تحارب الإسلام وتحارب اللغة العربية منذ كانت، منذ كانت، منذ الحروب الصليبية، ومنذ غزوها للمغرب. أول ما نزلت بالمغرب توجهت إلى القرويين وتوجهت إلى اللغة العربية، وسمت القرويين البيت المظلم. ومازالت تحارب اللغة العربية في الدول الإفريقية. جميع الدول الإفريقية المسلمون كانوا يستعملون اللغة العربية في تعليمهم وثقافتهم. فرنسا تستأصل اللغة العربية من الدول الإفريقية. وفرنسا هي الدولة الوحيدة التي مازالت تحتفظ بجيوشها وتدخلاتها العسكرية والمدنية في الدول التي كانت تحتلها. فعداوة فرنسا للإسلام والمسلمين شديدة جدا وواضحة جدا. لذلك أنا لا أتفاجأ، ولكن الآن علينا أن نصعد نحن أيضا رد فعلنا ونصعد مقاطعتنا ونصعد المعركة الثقافية، خاصة نحن الموجودين خارج فرنسا. إخواننا الموجودون داخل فرنسا لهم حسابات، لهم ظروف، لهم إكراهات. قد يقولون شيئا ويسكتون عن أشياء. لكن علينا أن نخوض المعركة خارج فرنسا. وبالله التوفيق.

سؤال:

ما الشيء الذي ندمت على فعله، والشيء الذي ندمت على عدم فعله؟

جواب:

والله لا أدري لأن الإنسان لا يستطيع أحيانا أن يقيم الأمور وما فيها من أقدار الله وإرادة الله، فلذلك أنا مع أقدار الله أرضى بها وأندمج معها، حتى إذا كانت لا تعجبني في النهاية أندمج معها وأسعد بها. فقضية الندم عندي ليست واردة لا على الفعل ولا على الترك عموما.

سؤال:

ماذا تقول عن فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي شفاه الله في كلمة واحدة؟

جواب:

القرضاوي بدون شك شخصية فذة، بدون شك، وإرادة صلبة وإرادة حديدية. ودائما كنت أقول: بعض الناس استفدت منهم كثيرا، ليس بالضرورة من القراءات ومن الأفكار لا، من هذه الإرادة الصلبة التي لا يفت فيها لا سن ولا ظروف، أذكر هنا بالإضافة إلى الشيخ القرضاوي شيخنا السي عبد السلام ياسين رحمه الله. هذه الإرادة الصلبة في السبعين وفي الثمانين، وتجدهم أصحاب مشاريع وكذلك أذكر هنا أستاذي سي محمد بالبشير، يعني ربما كثيرون لا يعرفون هذه الإرادة الصلبة التي يتمتع بها الأستاذ محمد بلبشير وجهاديته مهما كانت الظروف، مهما كانت الظروف، حتى مرة قال لي: والله أنا مرضت وليس عندي وقت للمرض. يأتي المرض وهو لا يجد وقتا للمرض. هذه الإرادات الصلبة الكبيرة أستفيد منها كثيرا، هذا من أهم ما استفدته من الشيخ القرضاوي. الآن أن أشفق عليه، قد أتصل به هاتفيا فقد يتحدث بمشقة بالغة لمدة ربع ساعة ونصف ساعة، وأنا أريد أن أسمع منه: بخير كذا كلمات، لكن يوصي ويحلل ويسأل، كما تعلمون هذه فعلا شخصية فذة وشخصية نادرة، أو هو من الشخصيات من هذا النوع، من هذا العيار ومن هذا المعدن. حفظه الله وبارك في عمره ونفعنا بعلمه وبشخصيته، بالنموذج.

سؤال:

الدكتور الريسوني حفظكم الله تعالى وجزاكم الله خيرا، هل من كلمة ختامية ورسالة توجيهية؟

جواب:

على كل حال أنا أتذكر يوم فتح أول موقع إسلامي وهو موقع إسلام أون لاين، وكان القرضاوي وراء فتحه ووراء انطلاقته، وأرسلوا يسألونني، ربما هو نفسه اتصل. قلت لهم هذه هي الفتوحات الجديدة. نحن نتحدث عن الفتوحات الإسلامية في أوقات معينة وفي القرون الأولى. وربما إلى القرن التاسع أو العاشر، لكن اليوم الفتوحات الحقيقية هي الفتوحات الإعلامية. من فتح موقعا وجريدة ناجحة وعملا إعلاميا ناجحا بمضامين ناجحة. والنجاح طبعا معياره مدى الانتشار والقبول والتأثير، هذا هو الفتح، هذه هي الفتوحات الإسلامية الجديدة، فتوحات علمية وإعلامية وثقافية ولذلك هذا المنبر هو فتح جديد إن شاء الله من فتوحات الحركة الإسلامية وفتوحات الدعاة والشباب، فكثروا من هذه المواقع وطوروها ووسعوها. طوروا أشكالها ومضامينها على الدوام، فهذه هي الفتوحات الجديدة. وربما نحتاج مواقع باللغة الفرنسية وبلغات أخرى على كل حال. فهذه هي الفتوحات. فتح الله عليكم وزادكم فتحا على فتح.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.