منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لماذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابة السنة “لفضيلة د. عصام البشير”

بتول بلمودن

0

أشرنا في الحلقة الأولى من هاته السلسلة المباركة التي تروم نقل ما ند عن فضيلة الدكتور عصام البشير، نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، من درر أجراها الله تعالى على لسانه في برنامج قناة الجزيرة: ” الشريعة والحياة في رمضان” حول موضوع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وإقرارا، إلى جزئية تعريف السنة وحجيتها، وفي حلقة اليوم ستكون بمثابة مزيد تدقيق لمعرفة هل السنة النبوية والقرآن الكريم في مقام واحد أم أن بينهما اختلاف وتمايز؟ وأين نضع السنة النبوية بإزاء القرآن الكريم، وما ملابسات الانتقال في حكم كتابتها من النهي إلى الإباحة، وما في المقصود بالنهي الأول وأسبابه.

  • أولا: علاقة السنة بالقرآن الكريم

القرآن الكريم كلام الله تعالى المعجز بلفظه ونظامه والمتعبد بتلاوته، والسنة معناها من الله تعالى ولفظها من نبينا صلى الله عليه وسلم، وليس متعبداً بألفاظها، وليست معجزةً بألفاظها كذلك. فهذا تفريقٌ أساسي ذكره العلماء وبينه أهل الحق في هذه المسألة. ولذلك نحن نقول أن: القرآن الكريم هو الكتاب المعجز الذي يمثل المرجعية المعيارية الحاكمة المتجاوزة لحدود الزمان والمكان، والمتعبد بألفاظها. وسنة النبي عليه الصلاة والسلام معناها من الله ولفظها من النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يقع فيها ما يقع بالنسبة للقرآن الكريم. والقرآن الكريم تكفل الله تعالى بحفظه أصالةً. والسنة تكفل الله تعالى بحفظها تبعاً لحفظ هذا الكتاب، باعتبار أنها البيان، ولا يعقل أن يحفظ الله تعالى الكتاب ولا يحفظ بيان هذا الكتاب، فقيض لها كذلك علماء ثقاة أثباتا صالحين ذبوا الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلذلك لا بد أن تستبين هذه القضية بشكلٍ واضحٍ وبين.

  • ثانيا: قضية النهي عن كتابة الحديث الشريف

مسألة النهي وردت في بعض الأحاديث وأشهرها حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم في صحيحه وهذا الحديث يبين كما قال عليه الصلاة والسلام لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. وهذا الحديث لم يفهم منه أهل العلم بأنه يعتبر نهياً جازماً ولا نهياً على الإطلاق في كل الأحوال، فاتفقوا على أن هناك حكمة من هذا النهي، لكن اختلفوا في تحديدها على أقوال وهي:

المزيد من المشاركات
1 من 17

أ) القول الأول: إتاحة الفرصة لتشرب القرآن الكريم

فسبب النهي عن الكتابة أن الناس كانوا على حداثة عهدٍ بنزول القرآن الكريم. وأراد النبي عليه الصلاة والسلام منهم أن يتشربوا هذا القرآن الكريم. وأن يخالط بشاشة قلوبهم وأفئدتهم. وأن يتعرفوا على أسلوبه. وأن يتذوقوا ألفاظه. وألا يقع اختلاطٌ للقران بشيءٍ آخر. ولذلك وقع النهي. بل حتى النبي عليه الصلاة والسلام لما وجد عمر يمسك بصحيفة التوراة قال له معاتبا:                  ” أو متهوكون يا ابن الخطاب لقد جئتكم بها بيضاء نقية. والذي نفس محمدٍ بيده لو كان موسى حياً بين أظهركم ما وسعه الا اتباعي” ومع ذلك حرص النبي عليه الصلاة والسلام ألا يختلط القرآن الكريم بشيءٍ آخر.

ب) القول الثاني: النهي خاص بالبعض دون البعض

يقال أيضاً أن هذا كان متوجهاً لبعض الناس دون بعضهم. فبعضهم كان يعول على قضية الحفظ، وآخرون كانوا يكتبون فقد وقعت الكتابة وهذا يدل على أن النهي لم يكن على الاطلاق. فعبد الله ابن عمرو ابن العاص كانت له صحيفة تسمى الصادقة.

وكان يكتب حتى نهته قريش وقالت له: رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلم في الرضا والغضب. فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم حين توقف عن الكتابة وقال ما لك لا تكتب؟ قال نهتني قريش وقالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلم في الرضا والغضب قال: اكتب والذي نفس محمدٍ بيده وأشار إلى فيه ما خرج من هذا إلا حق.

وكذلك كان لجابر ابن عبد الله كانت له صحيفة وأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يكتب لأبي شاه وهو رجلٌ من أهل اليمن سمع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقرر بعض الأحكام فقال: اكتب لي يا رسول الله قال: اكتبوا لابي شاه، فهنالك جملة من الأشياء كتبت في عهده صلى الله عليه وسلم ولكنه كان متفرقاً.

ج) القول الثالث: القول بنسخ المتأخر للمتقدم

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

اختلف العلماء في تعليل النهي عن كتابة السنة، لكن اتفقوا على أن هذا كان في أول الإسلام ثم استقر هذا الأمر على الإذن بالكتابة فيعتبر النهي كان متقدماً، وهو من باب المنسوخ وهو من باب نسخ السنة بالسنة. كما ذهب إلى ذلك ابن القيم رحمه الله أن النهي كان في أول الأمر، ثم جاء الإذن في آخر الاشياء فأصبح الحكم بالنهي منسوخاً.

وهنالك من أهل العلم من قال بأن هذا النهي لم يكن على إطلاقه وانما كان متوجهاً لبعض الناس دون بعضهم ولكن الذي استقر عليه الامر أن الكتابة قد وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام بإقراره عليه الصلاة والسلام، وبعد ذلك استمرت هذه الكتابة في عهد الصحابة وعهد الخلفاء الراشدين وهم متوافرون كثر.

وهذا دليلٌ على إقرارهم بمشروعية هذه الكتابة لأنها باب من أبواب حفظ السنة النبوية. والله تعالى تكفل بحفظ هذه السنة تبعاً لحفظ القران والحفظ قد يكون حفظاً في الصدور.

وكانت العرب قديماً لهم حافظة ذاكرة ابن عباس حفظ قصيدة عمر ابن ابي ربيعة. وهي أكثر من ثمانين بيتاً في مجلسٍ واحد

أمن آل نعمٍ أنت غادٍ *****بكر غادة أم رائحٌ فمهجر

وكذلك زيد ابن ثابت تعلم لغة إليهود في سبعة عشر يوماً وأتقنها وجودها وكان يترجم للنبي صلى الله عليه وسلم كتب يهود، فجزءٌ من السنة تم حفظها في الصدور وجزءٌ منها كتابتها في السطور وهذا دليلٌ على مشروعية الكتابة.

والأمر الثالث وهو الأقوى أن السنة نقلت الينا نقل التواتر العملي جيلاً بعد جيل كما نقل القرآن بالتواتر العملي. هنالك جوانب من السنة نقلت بالتواتر العملي كصلاته وصفة صيامه وصفة حجه هذه لأنها شاهدها الالاف من الصحابة ونقلوها إلى من بعدهم نقلاً متواتراً فالنهي لم يكن نهياً على اطلاقه ثم هذا النهي على قول جمهور أهل العلم إن وقع فيه النسخ بالإباحة التي جاءت متأخرة والنهي كان متقدما.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.