منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مراحل تدوين السنة وأسباب ظهور الوضع لفضيلة د. عصام البشير

بتول بلمودن

0

بعد حديثنا في الحلقتين السابقتين عن مفهوم السنة وحجيتها، وعلاقة السنة بالقرآن الكريم، ودفع الالتباس الذي تطرحه أحاديث النهي عن تدوين السنة النبوية الشريفة، سنتطرق اليوم مع فضيلة الدكتور عصام البشير، عن مراحل تدوين السنة وأسباب ظهور الوضع.

أولا: مراحل التدوين الرسمي

سنتطرق ها هنا لمراحل التدوين الرسمي، الذي كان في عهد عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه، لكن الكتابة المتفرقة بصحفها وبرواتها كانت سابقة منذ عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وفيما يلي تفصيل كل ذلك:

1) الكتابة غير التدوين

هنالك خلطٌ يقع فيه كثيرٌ من الناس بين التدوين وبين الكتابة، فالكتابة كانت حادثة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كما بينا بالشواهد التي أشرنا إليها آنفا. واستمر هذا الأمر كذلك مفرقاً في عهد الخلفاء الراشدين. إلى أن جاء عهد سيدنا عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين والمجدد على رأس المئة الأولى سنة 99، حين كتب عمر ابن عبد العزيز إلى عامله أبي بكر ابن حزم. وحثه على جمع ما تفرق من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلل ذلك بقوله: إني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. أي أن يندرس العلم بذهاب أهل العلم.

المزيد من المشاركات
1 من 17

2)  البدايات الأولى للجمع والتدوين.

نشط أبو بكر ابن حزم لأمر سيدنا عمر بن عبد العزيز، وقام الإمام التابع الجليل سيدنا محمد ابن شهاب الزهري بنفس الأمر، وطفقوا في الأمصار والبلدان يجمعون ما تفرق من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ووجدا عند عمرة بنت عبد الرحمن الانصارية جملةً صالحة من هذه الأحاديث النبوية. حتى قال القائل وجدتها بحراً لا ينزح. فهؤلاء الثلاثة كان لهم دور كبير، ومادة كثيفة في جمع سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

3) مرحلة تأليف الجوامع

بعد البدايات جاء عهد الإمام مالك والأئمة كعبد الملك ابن جريج وهشيم الواسطي وعبد الله ابن المبارك. وهؤلاء ألفوا الجوامع هذه الجوامع كموطأ الإمام مالك جمعت الأحاديث وجمعت كذلك أقوال الصحابة وأقوال التابعين. ولم يقع في كلها التمييز بينما هو صحيح وبين ما هو ضعيف. وإن كان موطأ الإمام مالك غالبه من الصحيح والبلاغات التي أوردها مالك وصلها ابن عبد البر في كتابه التمهيد لوصف ما في الموطأ من المعاني والأسانيد فكانت هذه مرحلة ثانية بعد مرحلة الجمع العام الذي كان في عهد عمر بن عبد العزيز وهو الذي يعرف بالتدوين الرسمي.

4) مرحلة التصنيف والتدقيق.

بعد عهد الإمام مالك جاءت المرحلة الأخرى، وهي التصانيف المتعلقة بالكتب التي ميزت بين الصحيح والضعيف، وهي الصحاح وعلى رأسها الصحيح الجامع للأمام أبي عبد الله البخاري وكذلك مسلم، وجاءت بعد ذلك كتب السنن فإذا كانت الجوامع الصحاح ترتب على الكتب مثل باب الإيمان، كتاب العلم، كتاب الصلاة، فإن كتب السنن مثل سنن الترمذي وأبي داوود والنسائي وابن ماجه كانت ترتب على أبواب الفقه، وكذلك جاءت المستدركات على الصحيحين، يعني أن يجد الحاكم النيسابوري أن هذا الحديث استوفى شروط البخاري أو شروط مسلم. ولكنهما لم يخرجاه في صحيحيهما. فيجمع هذا فيما يسمى المستدرك على الصحيحين، وقد ألف الحاكم هذا الكتاب وقد تجاوز التسعين من عمره. وراجعه حتى بلغ سدس الكتاب ثم وافته المنية، فلننظر إلى همة هؤلاء. ثم كانت هنالك المستخرجات أيضاً على الكتب الصحيحة وكتب السنة وهو مراجعة السند الذي يكون قريباً من سند ذلك الإمام في شيخه أو من فوقه. فظهرت المستخرجات والمستدركات والمسانيد التي تبني الرواية على الصحابة رضي الله عنهم، مع تقسيم الصحابة إما بحسب الحروف الهجائية وإما بحسب السوابق التاريخية وغير ذلك، مثل مسند الإمام أحمد وهو من أوسع هذه المسانيد، وكذلك هنالك المعاجم مثل معجم الطبراني المعجم الكبير والصغير والاوسط فجهود العلماء في التصانيف كانت جهوداً عظيمةً كبيرةً، تناولت هذا التأليف بصور متعددة ومتنوعة وخلفت لنا هذا العلم وهذا الميراث الكبير الذي لا يوجد في أمةٍ من الأمم.

ثانيا: أسباب ظهور الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمنكرة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

في العهد الأول كان الصحابة معروفين بالعدالة والعدالة تعني انتفاء تعمد الكذب في روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهم مؤتمنون في بلاغ الدين لأنهم غراس النبي صلى الله عليه وسلم وثمرة تربيته الربانية النبوية فكان الامر مستقيماً في هذه الفترة، ولما وقعت الفتنة قيل: سموا لنا رجالكم فكانوا ينظرون إلى أهل السنة، فيأخذون حديثهم وينظرون إلى أهل البدعة فلا يأخذون حديثهم، وهكذا ظهر الوضع لعدة أسباب يمكن إجمالها فيما يلي:

1) السبب الأول: الرغبة في تشويه الإسلام من قبل الزنادقة.

ظهرت فرق ومذاهب متعددة، وهم المعروفون بالزنادقة الذين أرادوا أن يشوهوا صورة الإسلام والمسلمين بوضع هذه الأحاديث التي تشوه جمال العقيدة والأحكام مثل الحديث المختلق الموضوع: “إن الله تعالى يأتي في يوم عرفة على جمل يصافح الركبان ويعانق المشاة”، أو اختلاقهم لهذا كذلك: ” وإن سفينة نوح طافت بالبيت سبعاً وصلت عند المقام ركعتين”. هذه الأحاديث الموضوعة اختلقت أساسا لتشويه صورة الاسلام والمسلمين.

2) السبب الثاني: الرغبة في الترويج العصبي.

ظهر أثناء الفتن من يسعى للترويج لمذهبه واختياراته، حيث تنامت العصبية الطائفية والمذهبية والدينية، ففي مراحل التراجع الحضاري وانفتاح الإسلام على أقوام لم يخالط الإيمان بشاشة قلوبهم، ولم يتمكن في نفوسهم. فتجرأوا على رواية الأحاديث دون قاعدة التثبت التي كان عليها الصحابة رضي الله عنهم، وكان عليها التابعون وأئمة الإسلام. ثم هنالك أصحاب الأهواء الذين يحرصون على تثبيت مصالحهم بشيء ما إما يتعلق بفضائل البلدان أو فضائل الاشخاص.

3) السبب الثالث: ضعف الرواية وقلة الضبط.

الأحاديث الضعيفة تأتي أيضاً من ضعف الرواة لأن أهل العلم وأهل الحديث وضعوا خمس شروط لصحة الحديث، ان يكون الحديث سنده متصلاً وأن تكون عدالة الراوي، والعدالة أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً سليماً من أسباب التهمة وخوارم المروءة، وكذلك أن يكون ضابطاً لما يرويه إما ضبط صدر أو ضبط كتاب، وكذلك أن يكون هذا الحديث خاليا من الشذوذ والعلة القادحة. وأهل هذا الشأن قسموا السنن إلى صحيحٍ وضعيفٍ وحسن، فالأول المتصل الإسناد بنقل عدلٍ ضابط الفؤاد عن غيره من غير ما شذوذ أو علةٍ قادحةٍ، فهذه الخمسة حينما يقع الخلل في جانب منها يكون الوقوع في الضعيف. وكان المتقدمون يحرصون على التثبت وعلى قضية ضبط الأسانيد، ولذلك لما قيل لابن المبارك إن هذه الأحاديث الموضوعة والضعيفة قد كثرت قال: يعيش لها الجهابذة، أي أن الله تعالى يقيض لها من يذب الكذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما قيل لهارون الرشيد أن أحد الزنادقة قال: قد وضعت ألف حديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم بها الحلال وأحلل بها الحرام ما قال منها رسول الله حديثا قط، قال: أين أنت من عبد الله بن المبارك وأبي إسحاق الفزاري فإنهما   كانا ينخلانها نخلاً ويخرجانها فرداً فردا.

4) السبب الرابع: الترغيب في الصالحات بالموضوعات.

فهنالك أصحاب القصاص والوعاظ. الذين كانوا يأتون إلى المساجد ومجالس الذكر والوعظ. فلكي يرغبوا الناس ويشوقوهم يوردون أحاديث أيضاً مختلقة من القصص والوعظ. من مثل: من قال لا إله إلا الله خلق الله لكل كلمةٍ طيراً من ريش وكذا وكذا وكذا وكذا. فالقصاص أيضاً يوردون كثيراً من الأحاديث في باب المواعظ وهي لا تصح.

5) السبب الخامس: الرغبة في الترويج للبضائع.

فأصحاب البضائع يسعون للترويج لبضائعهم بالكذب، من قبيل: عليكم بالعدس فإنه قدس على لسان سبعين نبياً. يقول ابن القيم فهذا العدس شهوة بني إسرائيل. وسماه الله تعالى أدنى وجعله قرين الثوم والبصل والقثاء. لم يقدس على لسان نبيٍ واحد، فكيف يقدس على لسان سبعين نبي، أو قول بعضهم: وعليكم بالأرز فلو كان الأرز رجلاً لكان حليماً ما أكله جائع إلا شبع وغير ذلك فقد تعددت الأسباب ما بين أصحاب الأهواء، وأصحاب الفرق، وأصحاب المذاهب، وأصحاب المصالح، وكثر الوضاعون ولكن قيض الله تعالى علماء كرماء حلماء فضلاء صلحاء ذبوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الضبط العلمي لقواعد توثيق نسبة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.