منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصحابة رواة الحديث في الميزان “لفضيلة د. عصام البشير”

بتول بلمودن

0

بعد حديثنا سابقا عن مفهوم السنة وحجيتها، وعلاقة السنة بالقرآن الكريم، ومراحل تدوين السنة، وأسباب ظهور الوضع، سنتطرق اليوم مع فضيلة الدكتور عصام البشير حفظه الله تعالى لموضوع عدالة رواة الأحاديث والوثوق بهم.

أولا: تحديد مفهوم الصحابة

أولاً ينبغي أن نبدأ بتحديد مفهوم الصحابي، فالصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام، من لقي به يدخل فيها الأعمى لأن القول بمن رآه لا يكون شاملاً، لمن لقيه كابن أم مكتوم وغيره. ومؤمناً به يعني حال بعثته. ومات على الإسلام لأن بعضهم قد أسلم ثم اصابته ردة كعبد الله ابن جحش. إذن وأن يموت على الإسلام.

هؤلاء الصحابة طبقات ودرجات العشرة المبشرون بالجنة، أهل بدر، أهل بيعة الرضوان، أهل أحد، من صلى القبلتين ثم الذين جاءوا بعد ذلك من بعد الفتح وأسلموا، إذن فالصحابة ليسوا طبقةً فهم طبقات.

ثانيا: ثبوت فضل وعدالة الصحابة

المزيد من المشاركات
1 من 16

فضلهم وإمامتهم وعدالتهم ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع والعقل. قال الله تعالى: ” والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه. قال الله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك). فمن ثبت عليه الرضوان لا يحل عليه السخط أبدا. وهذا الرضوان يتضمن رضى الله تعالى على منهجهم وعلى قيمهم. وعلى أنهم أفضل القرون بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم. كذلك صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثر.

منها قوله عليه الصلاة والسلام: (الله الله في اصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي. فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم). وقال أيضا: أصحابي أمنةٌ لأمتي. والأمنة جمع أمين. إما بمعنى هم الأمناء المؤتمنون على هذا الدين أو أنهم مؤتمنون على حفظ هذا الدين وإيصاله للناس، وكلا المعنيين صحيح. فهم أمان لهذه الامة من الفتن والاهواء والبدع. وهم كذلك مؤتمنون على بلاغ هذا الدين.

فالنبي عليه الصلاة والسلام بين فضل الصحابة الأمر الذي يقتضي وجوب محبتهم، وجوب الإيمان بعدالتهم، وكذلك وجوب الترضي عنهم، واعتقاد أنهم خير القرون. قال عليه الصلاة والسلام خير القرون قرني. ومما يذكر في هذا المقام قول عبد الله ابن مسعود أن الله نظر في قلوب في قلوب العباد. فوجد قلب محمدٍ صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد. فاصطفاه لدينه وابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمدٍ صلى الله عليه وسلم. فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون أي الصحابة قبيحاً فهو عند الله قبيح. وقد رأى المسلمون جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر. وصح أيضاً أنه قال: من كان مستناً فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب رسول الله صلى وسلم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها إيماناً وأقلها تكلفاً قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه فاعرفوا لهم فضلهم إنهم كانوا على الهدى المستقيم.

وقال الشافعي رحمه الله: إن الله أثنى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة والقرآن وسبقت لهم من الله الحسنى وهم فوقنا في كل علمٍ وورعٍ وأدب، وآراؤهم أولى وأحمد لنا من رأينا لأنفسنا.

ثالثا: التمييز بين العدالة والعصمة

وجب التذكير بأن الناس يخطئون بين مفهوم العدالة وبين مفهوم العصمة. فعدالة الصحابة لا تعني عصمة آحادهم من الذنوب. فهم بشر يجري عليهم ما يجري على البشر. بيد أن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ جاءت محاسنه بألف شفيع.

فنحن نتحدث عن عدالتهم لا عن عصمتهم لأن العصمة للنبي عليه الصلاة والسلام، وعصمته صلى الله عليه وسلم عصمتان:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

عصمة هداية وعصمة حماية، فعصمة الهداية هي وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، وعصمة الحماية والله يعصمك من الناس.

ثم العصمة للأمة في مجموعها. أما آحاد الصحابة فليسوا معصومين.

والمقصود هنا انهم مؤتمنون وموثقون في روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم هم نقلة القرآن الكريم. والذي يشك في نقلهم للسنة، يؤدي هذا الشك إلى القرآن الكريم نفسه لأن القرآن الكريم، الذي نقل إلينا بالتواتر جيلاً عن جيل، تم عن طريق الصحابة رضوان الله عليهم. وهم نقلة السنة فهم المؤتمنون لأنهم كانوا يروونها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي عهد الخلفاء الراشدين وعهد الصحابة ويستحيل أن يروي أحدهم شيئاً، ويعلم الجميع مخالفته لهدي النبي صلى الله عليه وسلم إلا واستدركوا عليه.

وهذه عائشة رضي الله عنها فيما ذكر الامام الزركشي. أورد لها جملةً من الأحاديث التي راجعت فيها اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. إما من خلال وهم السمع وإما من خلال أنهم انزلوها على فهمٍ آخر، الأمر الثاني شبهة ما وقع من ذكر المنافقين في القرآن الكريم، فالمنافق وإن كان يسمى في الظاهر يطلق عليه وصف الصحابي، ولكنه في الحقيقة ذكر الله تعالى صوراً لهؤلاء المنافقين وعلامات منها: التخلف عن غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، التخلف عن أمره، والذبذبة في إتيان الصلاة، والقيام إليها وهم كسالى، والمعرفة بلحن القول، ولم يؤثر عن أحدٍ من الصحابة الذين رووا الأحاديث إلا وهم معروفون بعدالتهم جميعاً لم يعرف منهم أحد من المنافقين. فهذا مسند الإمام أحمد الذي يعتبر من أوسع الكتب التي روت عن الصحابة في حوالي تسع مئة وأربعة من الصحابة. فيهم حوالي ثمانون لم تسمى أسماؤهم. في 824 من الصحابة لهم روايات. وكثير من هذه الروايات رواها عددٌ قليل يعني الذين رووا أكثر من خمسمائة حديث هم حوالي سبعة من الصحابة.

فالصحابة الذين رووا الحديث عرفوا باستقامتهم وعدالتهم وضبطهم وبفضلهم، وأنهم من المقدمين في هذه الأمة كالستة الذين انتهت إليهم إمامة العلم في المدينة المنورة. إذن فهذا الأمر ينبغي أن يكون واضحاً بأن الصحابة هم المؤتمنون على بلاغ هذا الدين، فكما بلغونا القرآن الكريم المنقول إلينا بالتواتر جيلاً عن جيل، فكذلك بلغونا هذه السنة النبوية حفظا في الصدور، وكتابة في السطور، وتواترا عمليا لصفة صلاته وحجه وذكره وعبادته عليه الصلاة والسلام.

رابعا: أبو هريرة بين تهمة الإكثار وشبهة نهي عن الاستمرار.

أولاً وجب أن نعرف أن أبا هريرة، هو عبد الرحمن ابن صخر الدوسي، كان من أكثر الصحابة رواية للحديث على الاطلاق. لأنه أولاً تفرغ لهذا العلم، فقد قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر في السنة السابعة من الهجرة، ومكث مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين. لم يفارقه البتة. إذ كان من أهل الصفة، في حين كان المهاجرون والـأنصار منشغلين بالزراعة وبالصفق في الأسواق وفي التجارة ونحو ذلك، وقال كنت أصحب النبي صلى الله عليه وسلم على ملء بطني. يعني على الطعام الذي يجده كان لا يفارق النبي صلى الله عليه وسلم لا في سفرٍ ولا حضر، فيأخذ عنه هذا العلم. فكان متفرغاً له وانتصب له. وكانت له بعد ذلك الذاكرة القوية بفضل دعاء النبي عليه الصلاة والسلام فقد صح عنه أنه قال: يا رسول الله إني أسمع حديثاً كثيراً منك إنساه فادع لي، قال: ابسط ردائك. قال فبسطته ثم دعا فيه. قال ضمه. قال فضممته فما نسيت شيئاً بعده، ولذلك قال عبد الله ابن عمر لأبي هريرة إنك قد كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أعلمنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا إقرار الصحابة بما كان عليه أبو هريرة من شدة الرواية وقبولهم لروايته، بل هو روى لبعض الصحابة الذين كانوا أسبق منه في إسلامه. أما ما كان من عمر لا يعدو أن يكون نحواً من مزيد استيثاقٍ وتثبت. وهذا لم يفعله مع أبي هريرة فحسب. فعله كذلك مع أبي موسى الأشعري. دخل عليه أبو موسى. فطرق عليه الباب ثلاثاً. فلم يؤذن له فرجع، فأرسل إليه عمر فأخبره بأن السنة قضت إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع. قال عمر أما لتأتيني ببينة أو لأفعلن بك. فذهب وقد تغير وجهه وسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد أبو سعيد الخدري يعضد رواية أبي موسى رضي الله عنهم، فقال له عمر: أما إني لم أتهمك ولكني أردت أن أعلم الناس التثبت. لأن مجالس الخلفاء الراشدين يشهدها كثيرٌ من عوام الناس فلو رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقدمين من أئمة الفضل والخلفاء يتجاسرون على رواية الحديث النبوي دون تثبت ودون ضبطٍ ودون عناية، فان ذلك يوقعهم في التساهل في هذا الامر فأراد سيدنا عمر بن الخطاب، أن يعلم الناس أمر التثبت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.