منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تعريف السنة وحجيتها لفضيلة “د. عصام البشير”

البتول المؤذن

0

حل الدكتور عصام البشير، نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ضيفا على برنامج قناة الجزيرة: ” الشريعة والحياة في رمضان” في حلقته ليوم 17 أبريل 2021م عن موضوع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وإقرارا.

وقد كانت هذه الجلسة العلمية الماتعة التي قاربت الخمسين دقيقة مجال مذاكرة لطيفة نافعة حول تعريف وحجية السنة المشرفة، وعلاقتها بالقران الكريم، من خلال المحاور التالية:

  • أولا- تعريف السنة وحجيتها.
  • ثانيا- وجوه علاقة السنة الشريفة بالقرآن الكريم.
  • ثالثا- كتابة الحديث النبوي من المنع إلى الإباحة.

وسنقتصر بحول الله تعالى في هذه التغطية والمتابعة العلمية لهذا الحوار المتميز، على المحور الأول والموسوم بتعريف السنة وحجيتها، على أن نتناول المحورين المتبقين في مقالين مستقلين حتى تعم الفائدة، وتسهل المتابعة، وجدير بالتذكير أن هذا المحور هو مضمون جواب الدكتور عصام البشير على سؤال عن مفهوم السنة، وعن معنى كونها مصدرا ثانيا للتشريع الإسلامي. وقد جاء جواب الدكتور عصام البشير مستفيضا في بيان المقصود، ومبرزا مكانتها في الوجود.  وفيما يلي نص السؤال والجواب مع قليل من التصرف:

  • السؤال الأول:
المزيد من المشاركات
1 من 17

رغم أن المسلمين جميعاً يقرأون في كتاب الله تعالى قوله عز وجل: “ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا” ويقرأون قوله تعالى كذلك: “وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحي” فإن كثيراً منهم أو بعضهم يجهل حجية السنة. وبعضهم حتى يجهل ما هي السنة. لو تفصل لنا في هذا الجانب وتشرح لنا قيمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وموقعها كمصدر للتشريع بعد كتاب الله عز وجل؟

  • الجواب:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وأزكى صلوات الله وتسليماته الزاكيات المباركات على المبعوث رحمةً للعالمين وحجة الله على الخلق أجمعين نبي الرحمة وإمام الهدى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

أولا: بيان معنى السنة وكونها وحيا

السنة في اللغة هي: الطريقة. والسنة يراد بها: ما صدر عن النبي لله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات. وأضاف بعض أهل الحديث (المشتغلين بالحديث روايةً) الصفات الخلقية والخلقية، سواءٌ ترتب على هذا ما يعد تشريعاً وما ليس تشريعا.

هذه السنة التي تمثل الوحي التالي للقرآن الكريم. وهذه حقيقةٌ يجهلها كثيرٌ من الناس. لأن الله تعالى جعل أسباب الرفعة والبلاغ مهمةً للنبي عليه الصلاة والسلام. ومهمة البلاغ تقتضي أن نعرف ما يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته. ولذلك فإن الله تعالى قرن طاعته بطاعة نبيه فقال: “من يطع الرسول فقد أطاع الله”، وبيعته ببيعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال الله: ” إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله”، وقرن رضوانه برضوان نبيه صلى الله عليه وسلم حين قال: “والله ورسوله أحق أن يرضوه”، وقرن استجابته باستجابته فقال: “يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون”. وقرن محبته باتباعه فقال: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”.

فهذا الاقتران بالبيعة والطاعة والرضوان والاستجابة والمحبة تؤكد أن السنة كما عبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه مالك بلاغاً والحاكم موصولاً بإسناد حسن: “وإنهما (أي السنة مع القرآن) لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض”. ثم إن الآية التي تفضلتم بالاستهلال بها “ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا” هي التي يحتج بها أهل العلم في كل الأبواب: في باب العقائد، وفي باب الفقه، وفي باب التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام في باب القيم والأخلاق والآداب، وفي باب الشعائر التعبدية، وفي باب الشرائع والمعاملات. أي: أن الله تعالى أوجب طاعته وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم استقلالا.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

حين قال: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” (أطيعوا الله) أتى بلفظ الأمر و(أطيعوا الرسول) أتى بلفظ الأمر وقال تعالى: (وأولي الأمر منكم) أي أن: طاعة أولي الأمر إنما تكون تبعاً لطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما طاعة النبي عليه الصلاة والسلام فإنها تجب استقلالا.

وكذلك حينما أمر الله تعالى بالرد، أمر بالرد حين يقع التنازع إليه سبحانه وتعالى، وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم. والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد مماته. ومن وجوه أن السّنة هي من الوحي أن الله تعالى عطف الحكمة على الكتاب في قوله تعالى: “ويعلمهم الكتاب والحكمة”. أي أن من وظيفة النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلم الكتاب الذي هو القرآن، والحكمة. والإمام الشافعي يقول إن الله تعالى ذكر الكتاب وعطف عليه الحكمة والعطف في لغة العرب يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فدل ذلك على أن الحكمة غير الكتاب. قال: فلم يجز أن يقال ها هنا عن الحكمة إلا أنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

والشافعي كلامه لغةٌ يحتج به، لأن الشافعي أخذ اللغة من بادية بني هذيل، وبنو هذيل هم أفصح العرب لساناً. فهذا يؤكد أن الحكمة التي جاءت عطفاً على الكتاب هي تمثل الوحي ببيان هذا الكتاب. ثم إن الله تعالى أشار إلى أن هذه الحكمة منزلة كما أن الكتاب منزل. قال الله تعالى: “وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة”.

فالحكمة منزلة والكتاب منزل. وهذا دليلٌ على أن السنة وحي. قال حسان ابن عطية: كان الصحابة يقولون: كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي من السنة كما كان ينزل عليه بالوحي من القرآن.

ولذلك نجد في حديث تعليم الإسلام والإيمان والإحسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم” وفي حديثٍ آخر قال:“نفث الأمين (جبريل) في روعي (قلبي) أنه لن تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها وأجلها”. وقال في حديثٍ آخر بالنسبة للجار: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”. فهذا دليلٌ على أن السنة من جملة الوحي. ولذلك علينا أن نعرف أن الله تعالى هيأ نبيه صلى الله عليه وسلم لمهمة البلاغ بأن أعده إعداداً كاملا. قال الله تعالى: “فإنك بأعيننا” وقال له: “ولسوف يعطيك ربك فترضى”. والله تعالى زكى خلقه، قال تعالى: “وإنك لعلى خلقٍ عظيم“، وزكى عقله “وما صاحبكم بمجنون” وزكى بصره وزكى سمعه “ما زاغ البصر وما طغى” وزكى فؤاده “ما كذب الفؤاد ما رأى” وزكى هدايته “وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم” وزكى صدره “ألم نشرح لك صدرك” وزكى ذكره “ورفعنا لك ذكرك”. فالنبي عليه الصلاة والسلام أحاطه الله تعالى بالرعاية الكاملة وأعده ذلك الإعداد الرباني ليقوم بمهمة البلاغ.

ثانيا: تفصيل علاقة السنة بالقرآن الكريم

وصلة السنة بالقرآن الكريم صلةٌ وثيقة من حيث أن فهم القران الكريم لا يتأسس إلا من خلال الاكتمال بالسنة النبوية. ولذلك قال الله تعالى لنبيه الكريم: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). والذكر يشمل الكتاب المتلو المتعبد بتلاوته المعجز بلفظه، ويشمل وحي السنة غير المتلو وغير المتعبد به وغير المعجز بلفظه. فالله تعالى جعل من وظيفة هذه السنة أن تقوم ببيان الكتاب، ولذلك نقول إن علاقة السنة بالقرآن الكريم من ثلاثة أوجه:

  • الوجه الأول: أن تكون مؤكدةً لحكمٍ جاء به القرآن

فكثير من الأحكام يقولون ثبت دليلها بالكتاب والسنة. وهذا من باب توارد الأدلة وتضافرها، كالأمر بإقام الصلاة وأركان الاسلام، والنهي عن المحرمات، ووجوب الواجبات، يأتي دليلها من الكتاب ويتضافر معه دليل السنة.

  • الوجه الثاني: أن السنة تقوم ببيان هذا القرآن الكريم

فالله تعالى أمر بأداء هذه الشعائر من صلواتٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍ وذكرٍ ونحو ذلك. ولكنها لم تأتي إلا إجمالا. ولذك جاء بيان تفصيلها. (صلوا كما رأيتموني أصلي). وفي الحج قال: (خذوا عني مناسككم). ولذلك لما جاء الخوارج وأنكروا على عمر بن عبد العزيز أنه قام برجم الزاني المحصن. وأنه كذلك قام بأمر النساء الحيض بقضاء الصوم دون الصلاة أنكروا عليه. قال: لم أنكرتم؟ قالوا: لأنا لا نجد ذلك في كتاب الله. قال: وأنتم لا تقولون إلا بما في كتاب الله؟ قالوا: نعم. قال: أخبروني عن عدد الصلوات، وعن ركعاتها، وأركانها، ومواقيتها. وأخبروني عما تجب فيه الزكاة وعن نصبها ومقاديرها. فقالوا أنظرنا أي أمهلنا فأمهلهم ثلاثة أيام ثم رجعوا. قال: هل وجدتم في كتاب الله من شيء؟ قالوا: لا. قال: كذلك صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى المسلمون بصلاته، وكذلك أمر الحائض بأن تقضي الصوم دون الصلاة، ففعله نساؤه ونساء المسلمين من بعده. فهذا دليلٌ على أن السنة تقوم بوظيفة البيان.

وبيان السنة للقرآن الكريم له عدة صور منها:

  • بيان ما أشكل فهمه على الصحابة

كقوله تعالى (الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) ظن بعض الصحابة أنه مطلق الظلم، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالظلم ها هنا الشرك، وتلا قول العبد الصالح (إن الشرك لظلمٌ عظيم). وأشكل على بعضهم قوله تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) فوضع تحت وسادته حبلين أحدهما أبيض والثاني أسود. فالنبي صلى الله عليه وسلم بين له أن المقصود إنما هو بياض النهار وسواد الليل. وأشكل على الصديق قوله تعالى: (من يعمل سوءاً يجزى به). قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألست تصيبك اللأواء؟ ألست تنصب؟ الست تغتم؟ فذلك معنى قوله تعالى من يعمل سوءاً يجزى به؟.

  • البيان بتخصيص ما ورد عاما

مثل الأحكام المتعلقة بالميراث في قوله تعالى: “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” فهذا نصٌ عام، وجاءت السنة فخصصت أن من قتل أباه يستعجل الميراث فانه يعاقب بنقيض قصده ويحرم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ميراث لقاتل). وكذلك التوارث بين أهل ملتين مختلفتين. ويمنع الشخص من الميراث واحدةٌ من عللٍ ثلاث:

رقٌ وقتلٌ واختلاف دين     فافهم فليس الشك كاليقين

و لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم.

  • البيان بتقييد مطلق أمر الله تعالى

ومثاله أمر الله تعالى بقطع يد السارق ولم يحدد أي اليدين تقطع، وجاءت السنة وبينت أن القطع يكون في اليد اليمنى. ثم إن هذا القطع بالنسبة لليد: هل يشمل مطلق اليد من أعلى الكتف إلى مقدمة الأصابع؟ جاءت السنة وبينت أن القطع يكون في الرسغ الذي يفصل بين الكف والساعد. ثم إن القرآن لم يحدد النصاب الذي تقطع فيه يد السارق، وجاءت السنة اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك.

  • بيان درجة الحكم

فالآيات التي جاءت في نهاية سورة البقرة تأمر بكتابة الدين. دل ذلك على أن هذه الكتابة ليست على سبيل الوجوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم إدان دينا ولم يكتبه، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم كان قرينة صرف الحكم من أدلة الوجوب إلى أدلة الندب.

خلاصة:

إذن نحن نتحدث عن علاقة السنة بالقرآن من حيث تأكيد الحكم، ومن حيث البيان، ومن حيث إن السنة قد تستقل بتشريع لم يرد في كتاب الله تعالى، فمن قبل عن الله ينبغي أن يقبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.