منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أسس وغايات المنهاج المعدل مقابلة مع الدكتور حميد بودار

أسس وغايات المنهاج المعدل مقابلة مع الدكتور حميد بودار/ د. عبد الكريم بودين

0

أسس وغايات المنهاج المعدل مقابلة مع الدكتور حميد بودار

 الدكتور عبد الكريم بودين

 

يمكنكم تنزيل كتاب:

“ مركزية القرآن الكريم في المنهاج المعدل لمادة التربية الإسلامية مقاربة ديداكتيكية ” من الرابط التالي:

 المقابلة الأولى: الدكتور حميد بودار

  • أستاذ التعليم العالي لمادة علم النفس الاجتماعي، جامعة محمد الخامس، الرباط
  • أستاذ محاضر ومفتش منسق مركزي في مادة علوم التربية بمراكز تكوين الأطر- المغرب.
  • أستاذ محاضر في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين الدينيين.
  • مستشار وخبير في مجموعة من الهيئات والمنظمات الدولية في مجال بيداغوجيا الإدماج وهندسات التكوين الأساسي والمستمر والهندسات المنهاجية للتعليم وتكوين أطر التربية.
  • له العديد من البحوث والدراسات العلمية في مجال علم النفس الاجتماعي.

 

الأستاذ بودار:

التشخيص الأولي: بداية، فكرة أو مقترح أو مشروع تحديث منهاج التربية الإسلامية: هي قرار مؤسساتي بكل رتبه وبكل خلفياته وبكل محدداته ومرجعياته.

ثانيا: أنه قرار بني على دراسة تحليلية تشخيصية لثغرات المنهاج القديم، وبالأساس ما شابَهُ على مستوى كونه كان عموديا بمحطات بينها انفصالات، بمعنى أن كل بعد من أبعاد المنهاج القديم يخدم ذاته عموديا، بدون ترابط وتكامل مع البعد الآخر، وهذا المستوى العمودي، أو هذه الصيغة العمودية في النظريات المنهاجية لا تخدم لا المادة، ولا المتعلم، ولا حتى نسقية تقديم المادة على مستوى الديداكتيكات المعتمدة داخل الفصول الدراسية.

أما التشخيص الثاني: فالمنهاج القديم لم يكن يراعي بشكل مقصود ومباشر منطق التعلمات، بمعنى سيرورات التعلم والاكتساب التي يمارسها كل طفل في مستوى سلك معين (أقصد هنا السلك الابتدائي و السلك الثانوي: الإعدادي والتأهيلي)، لم يراعي هذه النسقية الانتقائية في التعلم والاكتساب، لا على مستوى المعارف العقائدية المرتبطة بعلوم القرآن، أو بعلوم الحديث، وما يتصل بها من مضامين، (بحيث تقحم أو تبرمج داخل الدروس والحصص)، ولا على مستوى انتقاء القيم في ارتباطها بالخلفية الدينية التي تؤطرها وتوجهها.

انعدام هذا الارتباط لم يأخذ بعين الاعتبار منطقية المرجعيات العمرية، والمراحل النمائية وما يسمى بـ“سيكولوجيا النمو الديني” عند الطفل والمراهق، بما يؤطر عملية تنزيل البرمجة وانتقاء المضامين داخل مكونات المنهاج وداخل سنوات كل سلك، وهذا كان تشخيصا معقولا مع حسنات المنهاج السابق وإيجابياته، لا ننكر ذلك ،ولكن ارتأت الجهات العليا وجوب مراجعة هذا المستو ى.

 البعد التشخيصي الثالث:جاء في سياق التحديث أن مضامين المنهاج السابق كانت معرفية بنسبة تتجاوز 90-95%،  ولم تراهن على البعد القيمي وبناء القيم، خاصة و أن التوجهات الرسمية للدولة وخطابات الملك، وتوجيهات السيد وزيرالأوقاف  والسيد وزير التربية الوطنية: أكدت أن الهدف المركزي من البرامج والمناهج هو تخليق الحياة العامة، و اعتبرته بعدا استراتيجيا في توجهاتها الرسمية مما يعني أن التخليق هُمِّش على حساب التضخم المعرفي، فلا نبني قيما بقدر ما نبني معارف معزولة عن الواقع، وهذا يعتبر في حد ذاته سؤالا يقتضي إجابة واضحة في المنهاج الجديد .

  – د. الرضى: بمعنى أن مادة التربية الإسلامية في المنهاج السابق كانت أكثر بعدا عن الواقع، واحتياجات المتعلم في ارتباطه بواقعه المعيشي.

 – الأستاذ بودار: لا أقول ذلك، بل كانت أكثر ارتباطا بإعطاء المعارف مقارنة مع بناء القيم. لذلك حاول المنهاج الجديد أن يرجح ميزان التكافؤ بين السيرورتين : سيرورة اكتساب المعارف، وسيرورة بناء القيم، وهذا يعتبر من ضمن التوجهات الاستراتيجية.

أيضا المنهاج القديم كان عبارة عن جزر منفصلة بدون تجسير، وعملية التجسير (بمعنى الارتباط) لم تكن بارزة خاصة في التنزيل على مستوى الوضعيات التعليمية التعلمية بالأقسام في الممارسة الصفية.

كما أن المنهاج القديم لم يفعل تكاملية المعارف والعلوم الشرعية المعتمدة في المنهاج.

ما هي الأسس والركائز المعتمدة في هندسة المنهاج الجديد؟

 – الأساس الأو ل: هو مراجعة منطق المضامين، فمعروف أن أي هندسة منهاجية تقتضي نظرة بارزة و عميقة وواضحة لما يمكن تسميته بمنطق الانتقال savoir savant au savoir enseigné)) من المعرفة العالمة إلى المعرفة موضوع التدريس، وهذا الانتقال إما يكون دقيقا ، فيكون المنهاج ناجحا، أو غير دقيق فلا ينجح.

معايير هذا الانتقال، لم تراعى نسبيا، ولم تكن حاضرة  بالمعنى التقني في المنهاج السابق، فعملية الانتقال من المعرفة العالمة للعلوم الشرعية إلى المعرفة المدرسة للطفل تتم حسب المقاييس السيكوبيداغوجية، وأسطر على هذا الاصطلاح، بمعنى أن للانتقاء معايير تضبطه، فعندما أريد أن أبرمج مضمونا تعليميا للسلك الابتدائي، أتساءل: ما هي النقاط التي سأعتمدها في هذه البرمجة وهذا الانتقال؟.

السؤال نفسه يطرح على السلك الاعدادي وعلى السلك الثانوي التأهيلي، بسنواته الثلاث.

إذن الركيزة الأولى هي هذه المراجعة لمنطق الانتقال من المعرفة العالمة داخل حقل العلوم الشرعية إلى المعرفة المدرسة، (لاحظوا أنني أركز على هذا البعد وهو المعرفة العالمة داخل حقل العلوم الشرعية)، فغالب كتب المنهاج السابق  التي رأيناها وحللناها وشخصنا بعض النقاط السلبية فيها، خلصنامن خلالها إلى  أن المعرفة الشرعية تؤخذ كما تؤخذ من غدير و ترمى، في حين أن منطق الانتقائية (la notion sélective) لا يوجد في المنهاج القديم، وهو مهم في المجال الديداكتيكي، وفي مجال برمجة المنهاج، والنقلة التنزيلية له في الكتب المدرسية.

ما هي المرتكزات المرجعية لعملية الانتقال من المضامين كما هي في العلوم الشرعية إلى تكييفها وملاءمتها مع منطق تدرج اكتسابات التربية الإسلامية، عبر مراحل الابتدائي والإعدادي والثانوي التأهيلي؟

هذا التساؤل كان نقطة قوية  ومرهقة جدا، بالنظر لكلفتها من الناحية العلمية؛ فعندنا تقريبا 14 قرنا من منتوج الفكر الإسلامي، كيف يمكننا أن ننتقي هذا دون ذاك؟

هنا دخلت الاعتبارات التشريعية الوطنية المذهبية، ودخلت ونزلت الثوابت بقوة، نزلت كذلك الثوابت المتعلقة بمعيرة هذه المضامين بالنظر إلى منطق السلك التعليمي، (فلكل سلك منطق في حد ذاته). فتحصلت لدينا ثلاث معايير:

  • المعيار: الأول: يعبر عن الثوابت والمرجعيات: الاختيارات والضوابط الشرعية
  • المعيار الثاني: وهو منطق التناسب ما بين المضمون كما هو في المجال العلمي ونقله إلى سلك محدد بسنوات، ثم الانتقال إلى تجزيئه عبر سنوات التمدرس: (ما الذي ينبغي أن يبرمج في السنة الأولى؟ وفي الثانية الابتدائي؟ والثالثة؟ والرابعة؟ والخامسة؟ والسادسة؟ ثم الأولى الإعدادي والثانية ثم الأولى باكالوريا وما إلى ذلك؟. )بطبيعة الحال في المستوى الأعلى تدخل تخصصات، وتدخل مسائل معروفة.

منطق التناسب إذا هو مرحلة عمرية وما يطابقها من معارف ومعلومات. أو ما يطلق عليه مسمى السيكوبيداغوجي.

  • المعيار الثالث: وهو المعيار الديداكتيكي: كيف أقدم مضمونا معينا؟، مثلا القرآن وعلومه أو السيرة، أو العقيدة (وأنتم أهل الاختصاص)، فعندما نحدد الحمولات المرتبطة بالعقيدة، والحمولات المرتبطة بالتزكية، أطرح السؤال: ماذا سأقدم للابتدائي؟ (كان سؤالا كبيرا جدا) بمعنى كيف يمكن للطفل في هذه المرحلة (ما بين سن 7 وسن 10/11) بناء معتقداته؟ كيف يمكنه أن يبني معتقده بكل التركيب المجرد (لأن فيه بنيات” قاضوية” ومنطق”بين قاضوي”)، أن يربط بين الذات والصفات مثلا إلى غير ذلك، فهي مسألة دقيقة للغاية، و سؤال دقيق.

ثم عندما تنزله ديداكتيكيا، كيف ستقدمه لطفل الابتدائي، أو كيف ستقدمه لطفل الإعدادي؟، فهما في طور بناء الفكر المجرد، ثم كيف لك أن تبني استجابة، (الاستجابة بالنسبة لي كانت الأمر الأبسط). أما الاقتداء فقد  كان شيئا ما صعبا، فكيف لك أن تأخذ سيرة ابن إسحاق أو ابن هشام، و تضعها كسيناريوهات بيداغوجية؟  وكيف يمكن لك أن تنزلها لدرس من الدروس التي تتعلق مثلا بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وشخصيته، بهديه وأخلاقه وتعامله مع الصحابة، وتعامله مع الواقع، وتعامله مع البيئة… ” من كان في يده فسيلة.”[1]؟ ومع الجوار، ومع العدو ،ومع القيادة، إلى غير ذلك. يعني ما هو معيار الانتقاء،عندما آخذ مقطعا من مقاطع السيرة؟ الانتقاء الوظيفي كان خطيرا ومرهقا كثيرا.

د. عبد الصمد الرضى: إذا سمحت أستاذ، هذا هو الذي جعلكم تعرفون مادة التربية الإسلامية تعريفا واضحا تحضر فيه حاجيات المتعلم الدينية؟.

د. عبد الكريم بودين:  والسيرورة النمائية .

– الأستاذ بودار: فعلا، وإذا كنت تعلم، فالملاحظات التي كنت أذيل بها مقترحات لجان تأليف المقررات الدراسية، كنت أستحضر هذه الخلفية بالذات، جميع الذين التقيت بهم من دور النشر، والذين ساهموا في التأليف يقولون: ” يا دكتور بودار نحن فعلا استفدنا من ملاحظاتك”، وكنت أكتب: “نشكركم على كذا كذا، ولكن نقترح عليكم كذا وكذا” هذه كانت  لازمتي.

ويمكن القول أن بناء وتنزيل المضامين على مستوى التأليف استندنا فيها لركيزتين أساسيتين:

الركيزة الأولى: وهي أن المضمون العقدي، ومضمون اكتساب غائية القرآن، ومضمون اكتساب ما يسمى بمحددات القدوة، عندما تنقلهم للقسط والحكمة تقول: توقف ! اهدأ !، ما هو المقدار الذي أضعه في كل سلك؟ . يعني هل المراهق مثلا يستطيع أن يفهم مفهوم “الأمانة” كما حدده سيدنا يوسف  عليه السلام  في سورة يوسف؟ ( أي تنزيلا لقوله تعالى :”قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ”[2]. ) كانت أسئلة كما قلت: مرهقة، وعميقة في الوقت نفسه.

 الركيزة الأخيرة: وهي المقاربة الديداكتيكية: كان عندنا اختياران: اختيار أنك تعطي ما يسمى بإضاءات أو إشارات، و تضعها في دفتر التحملات، وتترك لجان التأليف تجتهد، أو تدقق الأمور وتفصلها، فكانت الإشارة التي ركزنا عليها هي ألا نلجأ لمكانيكية عرض مضمون الدرس عبر تسميات فضفاضة، بمعنى أنه يجب الربط بين ثلاثة أمور:

  • أولا: المضمون المتناسب المتكيف.
  • ثانيا: العملية الذهنية المطلوبة: هل يفهم؟ هل يحلل؟ هل يركز؟ هل كذا وكذا؟.
  • ثالثا: البعد الوجداني الذي يستثار عند الطفل حتى يبني القيمة.

وبناء على هذه الثلاثية، راجعنا كثيرا من التأليفات المدرسية (أقصد: المعرفة والوجدان والسلوك) فهذه الثلاثية يجب أن تنزّل في أي نشاط تعليمي.

سنتطرق للنمو، (المهم أن كل كلامي كان فيه النمو)، لكن استهداف النمو يجب أن يمر بهذه الثلاثية التي هي المعرفة والوجدان والقيم، بحسب محددات  “العتبة العمرية النمائية”،   الإشكال هنا:

  • هل المؤلفون يعرفون العتبة العمرية النمائية؟
  • وهل المدرس يعرفها ويحترمها؟

وهذا أخطر سؤال؛ هل المؤلف يعرف العتبة العمرية حتى يقدر أن يبرمج لها على المقاس؟ بمعنى استحضار حاجيات النمو لمتعلمي السلك الإعدادي( 13،12،11 سنة)، ما هي حاجيات النمو في هذه المرحلة؟ وكيف يمكنني تكييف المعرفة والوجدان والسلوك، مع الحاجيات النمائية للطفل، وينجح درس مادة التربية الإسلامية؟ فهذا تحد كبير.

ما هي الغايات التي جاء من ورائها هذا المنهاج المعدل؟

هي خمس غايات، ويمكن اختزالها، في ثلاث:

الغاية الأولى: مراجعة منطق تنزيل المنهاج على ضوء التوجيهات الملكية  وتوجيهات وزارة الأوقاف  ووزارة التربية الوطنية، في إطار مراجعة وتطوير المناهج والبرامج، باتجاه خلق الاتفاق ما بين التربية الدينية وما يسمى بالفكر المتسامح و احترام الاختلاف، والوسطية والاعتدال، والاعتراف بالآخر، هذه غاية .

الغاية الثانية: هي مراجعة المنهاج على أساس مساءلة العلاقة بين انتقاء المضامين، وبرمجة المضامين، والابتعاد عن العمودي، والاتجاه نحو الأفقي بالتناسق ، والانسجام ، والتكامل، وهذا هو المنطق.

الغاية الثالثة: وهي الانطلاق من الطفل من أجل البرمجة، بدل الانتقال من المعرفة الشرعية وتنزيلها بشكل ميكانيكي على الطفل، فإذا قلبت المعادلة وجب النظر في  المعارف، فننتقي ما هو المطابق لهذا السلك، أو لهذه السنة، أو العمرالنمائي في هذا السلك وما إلى ذلك .

د الرضى: كل أب يقوم بهذه العملية دون أن يشعر من باب أبوته، ولكن إذا كان عنده علم، أو إذا كان عنده إدراك.

الأستاذ بودار: ليت الآباء يفكرون هكذا، لاحظنا في إحدى الدراسات أن الآباء بنسبة كبيرة، ليس عندهم انخراط في تتبع أبنائهم، بمجرد أن يضعه أمام باب الروض، يعتقد أن الواجب ينتهي به أمام باب المدرسة أو عند الخروج منها، فكيف سيسأل عن المضمون التربوي؟!..

أريد أن أقول: أنه يوجد آباء يهتمون بدراسة أبنائهم، وتوجد نسبة كبيرة جدا ومنهم مثقفون، (هذه دراسة أثبتناها) لا يهتمون إطلاقا.

الأستاذ بودار: صراحة اختيار السور كان يحكمه ما يلي:

  • الآيات القرآنية يجب أن تخدم مخرجات المنهاج، بمعنى: إلى أي حد يصير القرآن وظيفيا، ولا يبقى مجرد آيات تحفظ عن ظهر قلب، وليس له وظيفية؟
  • تثبيت وترسيخ العقيدة ،وهي أهم وظيفية.
  • أنها تحقق الانفتاح على شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتمثل عظمته،وتمثل قيمته، وتمثل كذلك بعد الاقتداء .

د. الرضى : أي من القرآن إلى الاقتداء؟

الأستاذ بودار: إلى الاقتداء،  ومن القرآن إلى الاستجابة… القرآن يعبر كل هذه المستويات، أو هذا المستوى الثالث، لكي يتأسس في القسط حق الله وحق النفس وحق الآخر (البعد الحقوقي في التجلي الديني الإسلامي الرشيد بصفة عامة)، لكي ينفتح في السلوك الحكيم (الحكمة).

من القرآن إلى المداخل الخمسة، يعني يجب أن يعرف من القرآن ما هو أساسي وضروري لكي يوظف في: العقيدة أو في الاستجابة أو في الاقتداء، ولكي يتمظهر على مستوى الموقف في القسط، أو على مستوى السلوك في الحكمة… الممتدة أفقيا وعموديا (البعد العمودي وهو: كيف نرتقي في سور القرآن بالتدرج؟)، كان هناك معياران :

المعيار الأو ل: وهو أن نختار من الآيات القرآنية مثلا، الأقرب إلى إمكانات الطفل معرفيا، بمعنى من حيث قدرة الطفل على التحكم في معانيها، في دلالاتها، أو في بعض معانيها، وهكذا يرتقي. والعمودي كذلك أن فيه تدرجات، غالبا هذا التدرج يكون تدرجا سيكونمائيا (Sico développements) بمعنى أننا قد نستحضر بعض القيم القرآنية وتذهب حتى الباكالوريا، عموديا. إذا البعد العمودي هنا .وهو أن مكون القرآن الكريم: يعبر المنهاج بمنطق نمائي ويحضر أفقيا بمنطق بنائي:  بناء الكفايات، بناء المعارف، بناء التمثلات، بناء وجدانات، بناء قيم، بناء كذا وكذا، إذن، هكذا بنائي وهكذا نمائي.

 د. الرضى: هذا يستحق أن يكون رسما في بحثنا فيه خط أفقي وخط عمودي .

الأستاذ بودار :ما يسمىla progression séquentielle

د. الرضى: التدرج المقطعي .

الأستاذ بودار: نعم التدرج المقطعي، هذه الملاحظة فعلا قد سجلت، و أجيب عنها بما يلي: أن الكتب المدرسية مازالت ستخضع للتنقيح بما يمكن من تجاوز هذا الإشكال، لأنه تم التنصيص على ضرورة احترام المنطق العمودي والأفقي في دفتر التحملات، لما يسمى ب:  programmation برمجة القرآن الكريم، وبعض فرق  التأليف لم تأخذها بعين الاعتبار، نظرا للضغط ونظرا لمجموعة أمو ر ،ولهذا ستراجع إن شاء الله .

وماذا عن أجرأة مركزية القرآن الكريم؟

هنا دخل ديداكتيك القرآن الكريم، حصة القرآن الكريم منذ أن وضعت التجارب المنهاجية السابقة وبالأخص الأخيرة ،غالبا ما اعتبر القرآن الكريم بمثابة دعامة أو سند مرجعي، وقلما احترمت وظيفيته .

د. الرضى: وسمي دعامات .

الأستاذ بودار: بمعنى أنه هكذا ينظر إليه، في حين أنه يستحق أن يتم التعامل معه بهذا المنطق الثلاثي:

  • ماذا ينبغي أن يعرف ذلك المتعلم من القرآن؟
  • وماذا ينبغي أن يبني من مواقف وقيم وجدانية؟
  • وما ينبغي أن يستثمر ويسلك من سلـوكات؟

بهذا البعد الثلاثي، يمكن أن تنزل هندسة ديداكتيكية لدرس القرآن الكريم، وهذا ما أفلح فيه بعض المؤلفين. وكما قلنا اجتهد فيه الآخر، وكان فيه إشكال بعض النقص غير الضار، وغير السلبي مائة في المائة في هذا الاتجاه…كل فريق تأليف يمكن له أن يجتهد فيه.

فمثلا: يقول الله سبحانه وتعالى  “يتلوا عليهم آياته”[3] القرآن الكريم مجرد تلاوته وقراءته على الأطفال بكل ما تستحقه القراءة من ضوابط القراءة والترتيل والتجويد على مسامع الأطفال، أتكلم على الابتدائي هذه محطة أساسية، بما تقتضيه من خشوع وترديد واستماع وإنصات وتشبع، وبمجرد حصول هذا الهدف تحصل التزكية في قوله تعالى :”ويزكيهم”[4]. ثم” يعلمهم الكتاب والحكمة “[5] فيها نفسها تدرج واضح .

هذا المنطق يعتبر منطقا ديدكتيكيا جميلا جدا، بشرط تكييفه مع المرحلة النمائية، بمعنى في مستوى التبسيط، يعني هذا السن يكفيه هذا الحد، وهذا السن تزيد شيئا   dosage، وهكذا الجرعات المبرمجة والممنهجة بشكل تدرجي.

وقد كان من الضروري في تلك المرحلة، أن تتم جلسات، يمكن أن نقول، تأطيرية تحسيسية تكوينية لفرق التأليف، حتى نفهمهم – باعتبارنا فريق بناء المنهاج – منطق الاختيار الديداكتيكي la logique didactique préféré.

إلى أي حد تمت مراعاة مركزية القرآن في التقويمات الإشهادية؟

أنا شخصيا لحد الآن، لم أقم بدراسة حول الامتحانات الاشهادية التي قدمت حتى أستطيع الإجابة على هذا السؤال .

د. الرضى: ولكن تنصح بأن تكون دراسات لهذه الامتحانات من هذا المنطلق، منطلق مركزية القرآن .

الأستاذ بودار: من منطلق مركزية القرآن ولكن بالهندسة،  ولكي نجود مركزية القرآن الكريم أقترح ثلاث ممارسات أو ثلاث إجراءات :

  • الإجراء الأول: أن القرآن الكريم يعتبر بؤرة محورية تدور عليه كل أنواع التعلمات، بحسب الأنشطة داخل كل مدخل، بمعنى: أنك تدخل إلى الاستجابة فتستحضر القرآن الكريم، تدخل إلى الحكمة فتستحضر القرآن الكريم، القسط كذلك ،حتى الاقتداء، كل ما قاله الله عز وجل في حق رسوله يعتمد، ليس بالضرورة أن يكون حاضرا في المنهاج، ولكن يمكن أن يستدعيه المدرس من أجل تطعيمه بدليل.
  • الإجراء الثاني: من معجزات كتاب الله عز وجل أننا نستطيع أن نخدم به المعرفة فتبنى، وأن نخدم به الوجدان فتتطور القيم، وأن نؤطر به السلوك، يعني القرآن الكريم كفِيلٌ بأن يحقق لنا أهداف وغايات هذا المنهاج، وهي التخليق والتأطير  والتنوير للقيم السمحة والمنفتحة.

د. الرضى: بمعنى أن للأستاذ موطن إبداع في هذا المجال؟

بالفعل، فالأستاذ مركزي من منطلق إبداعه وانتقائه، إذا كان يؤمن بهذا التصور، وإذا كان المكون يؤطر في هذا الاتجاه،  وكذا المفتش .

  • الإجراء الثالث : أن المدرس كلما استدعى القرآن الكريم ، استدعى كراماته المتجلية في جمالياته، وعلاقة ذلك كله: بالخشوع، بالإنصات، بالاعتبار، بالتبصر، بالإصغاء والفهم؛ كلما وجد المدرس الكتاب المدرسي يركز على هذه الأبعاد: أن ينصت، أن يستمع، أن يتمعن، أن يقرأ بترتيل، أن يتخشع…

إذن، من هنا تتجلى مركزية القرآن الكريم. فهل نستطيع وضع القرآن في المكانة التي تليق به في البيداغوجية التأطيرية الصفية؟

د. الرضى: بناء على هذا ما هي الأمور التي يحتاجها الأستاذ في تكوينه؟

الأستاذ بودار : بالنسبة لهندسة التكوين، تكوين أطر أو تكوين مدرسي مادة التربية الإسلامية ،أقدم ثلاث اقتراحات:

الاقتراح الأو ل : وهو تعميق التكوين في أبعاد الوظيفية لكل مكون من المكونات (القرآن، الحديث، السيرة، وما إلى ذلك).

د. الرضى: يعني المكونات الشرعية تحتاج إلى تعميق .

الأستاذ بودار:  يجب أن يتعمق فيها جيدا، ويتعمق فيها بمقاربات وظيفية.

 د. بودين: بم تخدم المنهاج؟

الأستاذ بودار:  بم تخدم المنهاج وعلى رأسها القرآن الكريم؟ يعني أن يفهم ما هو القرآن؟ ما مكونات القرآن، منطق القرآن، الخطاب القرآني، تجلياته وأبعاده اللسانية، سوره، وضعه في بعده التربوي الوظيفي؟  ما الذي يتميز به القرآن أيها المدرس حتى تستطيع تقديمه على الوجه المطلوب وتنال به ثواب الله سبحانه وتعالى؟

الاقتراح الثاني: أن المدرس يجب أن يعرف منطق الانتقاء والبرمجة بحسب كل سلك …

الاقتراح الثالث: بأية مقاربة ديداكتيكية يمكننا تقديم هذه المكونات، يجب أن تنزل معهم للكتب المدرسية، فيحلل بعضهم هذه المقاربة في هذا الكتاب، وبعضهم في آخر. ننظر ما تم إغفاله، وما الذي تمت إضافته؟ ما هو الإيجابي، و ما هو السلبي في هذه المقاربة الديداكتيكية؟

ومن خلال هذه الاقتراحات الثلاث يمكن وضع واستخلاص هندسة تكوين ديداكتيكية للطالب (الأستاذ).


 -[1]  رواه البخاري في الأدب المفرد (371) وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد (371):” صحيح”، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 66) رجاله أثبات ثقات”، وكذلك صححه الأرناؤوط في تخريج زاد المعاد (3 / 78)، ورواه أحمد (12902) وعبد بن حميد في مسنده (1216) والبزار في مسنده (7408).، ولفظ الحديث: ”  إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل” وقد ورد بهذا اللفظ وبغيره.

[2] سورة يوسف الآية 55-

[3] – سورة الجمعة الآية 2، قال الله تعالى: ” هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ –

[4]نفسه.-

[5] نقسه.-

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.