منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأنسنة، التاريخية، الإسلام: تضايف أم تناحر؟ “مداخلة د. مناد طالب”

عبد العزيز ثابت  

0

في المحاضرة الثالثة والأخيرة التي كانت مبرمجة في الجلسة الثانية لمؤتمر المعالي الدولي الثالث قدم الدكتور مناد طالب أستاذ التعليم العالي بالمعهد الفلسفي بجامعة الجزائر، عرضا قيما عنونه بـ:” الأنسنة، التاريخية، الإسلام: تضايف أم تناحر؟ “، ومهد له بضرورة تحليل المفاهيم في إطار سؤال: هل دعوة الإسلام إلى إعمال العقل ومحورية الإنسان في المخلوقات وأنه الخليفة في الأرض فيه دعوة إلى إصلاح الأرض وفق التعاليم الإلهية أم دعوة إلى الإلحاد وتأليه الإنسان؟

أولا: مفهوم الأنسنة

انطلق الدكتور من تعريف مفهوم الأنسنة وذكر أنه مفهوم غربي يعود مصطلحه إلى أصل يوناني ويعني الإنسانية أو الثقافة الإنسانية والذي يهتم بصفة عامة بدراسة الإنسانيات. ارتبط بعصر النهضة، عصر الإصلاح الديني في أوروبا خلال القرنين 15 و16، وهو عصر التنوير والانفتاح على العلم والتمرد على الكنيسة.

وأن الأنسنة في بعدها الفكري الفلسفي تحيل إلى كل فكر يعتبر الإنسان مركز العالم لقدرته على التحرر وتقرير المصير، وتنبني على أسس أن كل الأشكال الميتافيزيقية مجرد أساطير، وقوامها الوقائع وقوانين العلم، وتعتقد أن البشر عبارة عن إنتاج تطوري للطبيعة وجزء منها، ولذلك فلا يمكن للوعي أن يستمر بعد الموت، وتتعارض مع كل حتمية أو قدرية، وتؤمن بالمقابل بالتساؤل اللانهائي، فهي فلسفة متغيرة ومفتوحة على كل الاختيارات التجريبية.

وفي مجالها الإيديولوجي أحدثت الأنسنة نقلة من الإله إلى الإنسان، وهي منهج ودين، كدين تعني القطيعة مع كل ما هو إلهي، وكمنهج تتأسس على الإنسان كمرجعية تفكيرية من حيث المنطلق لا تؤدي بالضرورة إلى الإلحاد إذا كان مبنيا على التفكير الفطري السليم. وعند الحداثيين العرب هناك خطورة تنبع من عدم التساوق بين المنبع والمصب، حيث يدعون من جهة المنبع إلى الأنسنة من الزاوية المنهجية باسم الإسلام ومفكريه، ومن جهة المصب يدعون إلى ممارسة الأنسنة من الزاوية العقدية كدين باسم التاريخية.

المزيد من المشاركات
1 من 112

ثانيا: مفهوم التاريخية

انتقل الدكتور مناد بعد ذلك لتعريف التاريخية وذكر أن هناك فرقا بينها وبين التاريخانية. فمفهوم التاريخية جاء وفق المنظور الفلسفي الوجودي ليتحدث عن الامتياز الخاص الذي يمتلكه الإنسان في إنتاج سلسلة من الأحداث والمؤسسات والأشياء الثقافية، وفي المدلول الواقعي المادي تشير إلى تشكل الحقائق والمجتمعات وسيروراتها في التاريخ. و في بعدها السوسيولوجي تعرف بصفتها المقدرة التي يتمتع بها كل مجتمع في إنتاج حقله الاجتماعي و الثقافي الخاص به و وسطه التاريخي الخاص به، مما يعني أن المجتمعات متغيرة، فالتاريخية إذن تعني أن الحقيقة لا تخرج عن مجال التاريخ بحكم أنه وقائع تقع في الزمان والمكان، فالمقدس لا يعدو أن يكون نتاجا دنيويا خاضعا. أما التاريخانية فتتحدد في منظور عبد الله العروي في أن التاريخ خاضع لقوانين وحتميات محددة فليس للتاريخ إلا اتجاه واحد ومعنى واحد. فالتاريخانية نظام مغلق والتاريخية مفهوم مفتوح على المستقبل وهو الذي يتناغم مع الأنسنة ويعتبر وعاء وشرطا ضروريا لها. والأنسنة عموما وأدواتها البحثية تقدم نفسها كدين وضعي بديل لكل دين سماوي.

ثالثا: علاقة الإسلام بالمفهومين

هذه النقطة تناولها الدكتور مناد من خلال نظرة الإسلام للإنسان على اعتبار أنه المخلوق الذي نال شرف خليفة الله في الأرض. فالإسلام يتعارض مع الأنسنة كدين، ومع التاريخية كمفهوم غربي، متى سعى إلى تغيير مدلول الآيات القرآنية مثلا إلى مفاهيم متطورة أو آلية تقضي على دلالة نصوص الوحي كان التعارض التام، إلا إن كان مفهوم التاريخية يقصد إلى توسيع الفهم بناء على التطورات التي تحدث في العلوم.

وخلص الدكتور إلى أن هذه المفاهيم المتداولة في الفكر العربي الإسلامي ليست من نتاج هذا التداول وإنما هي امتداد للخطاب الحداثي الغربي لإحداث تغير مشابه لمثيله في الغرب. وأن عمل الحداثيين العرب لرفض المرجعية الدينية أصبح من داخل النص، حيث أخذوا ينطلقون من داخل الإسلام ونصوصه ليتم تجاوزه بآليات ومفاهيم أنسنوية بعد أن كانت مادية كمفهوم التاريخية، كما عملوا على سحب الفكر الإسلامي للتسليم بتاريخية النص الديني الإسلامي للوصول إلى إلغاء هذا الدين والقطيعة مع الماضي من منطلق أن الشيء لا يتجاوز مكانه مع العلم أن الإسلام لا يتنافى وتاريخية الفهم ولا مع إعمال العقل في البحث عن الحقائق. والأنسنة بجميع أدواتها كما يدعو إليها الحداثيون العرب ليست إلا دينا يعمل على أن يكون بديلا للديانات السماوية، وهو أمر لا يقبله الدين الإسلامي {و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين}.

وكسابقتها خصصت حصة ما بعد محاضرات اليوم الثاني من أيام الملتقى لفتح باب النقاش من خلال توجيه أسئلة مباشرة للأساتذة المحاضرين،

وإلى اللقاء في الحلقة الموالية مع الجلسة الثالثة والأخيرة من خلال أول موضوع وهو: ” الأصول الفلسفية والعقدية للتيارات الباطنية الجديدة “.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.