منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تقرير عن محاضرة الدكتور محمد لشقر:«التأويل عند أبي حامد الغزالي»

تقرير عن محاضرة الدكتور محمد لشقر: «التأويل عند أبي حامد الغزالي»/ نبيل العطار

0

تقرير عن محاضرة الدكتور محمد لشقر:

«التأويل عند أبي حامد الغزالي»

بقلم: نبيل العطار

باحث في سلك الدكتوراه

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة مولاي إسماعيل

مكناس/المغرب

 

نظم الصالون الثقافي لمركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، تحت إشراف الأستاذ «يونس نشاط» مسؤول الإعلام الرقمي بالمركز، في إطار سلسلة الندوات والمحاضرات التي اعتاد على تنظيمها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، محاضرة علمية بعنوان «التأويل عند أبي حامد الغزالي»، وذلك مساء يوم السبت 26 مارس 2022 ابتداء من الساعة الثامنة بتوقيت المغرب، ألقاها الأستاذ والباحث الجامعي محمد لشقر المتخصص في الفلسفة الإسلامية، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس.

في تقديمه لهذه المحاضرة، أكد المسير الأستاذ يونس نشاط على أهمية التأويل في الفكر العربي الإسلامي، وتقاطعه مع حقول معرفية مختلفة؛ كالفقه وعلوم التفسير واللغة، الكلام، الفلسفة، والتصوف. وبالنظر إلى قيمة التأويل-الذي يحظى براهنيَّة خاصة في العلوم الإنسانية والفلسفة والدراسات القرآنية الحديثة- ووظيفته المنهجية والمعرفية، على مستوى الاجتهاد والاستدلال في فهم النص القرآني المقدس وتجديده بما ينسجم مع مقومات التصور الإسلامي وخصوصيته، فإنه أصبح من الضروري اليوم التفكير في إعادة بناء قانون للتأويل يضمن صون النصوص المقدسة والتراثية من منطق بعض الـتأويلات المغرضة، التي يحركها هوى النفس بدل التقيد بالضوابط والقواعد المنصوص عليها علما وشرعا. وهو أمر لا يتأتى إلا بالعودة، أولا، إلى النصوص التراثية، التي كان لها السبق والريادة في تناول هذه المسألة «كرسالة قانون التأويل» للغزالي وكتاب «فصل المقال»، الذي خصص فيه ابن رشد فصلا كاملا للتأويل، بعنوان قانون التأويل، وغيرها من النصوص الأخرى، ومقارنتها، ثانيا، مع منجزات بعض الأعلام الغربية، التي خصصت قولا في هذا الموضوع من خلال مبحث الـتأويل أو الهيرمينوطيقا كمبحث فلسفي معاصر، مثل فريدريك شلايرماخر (Friedrich Schleiermacher 1768– 1834م)، ودلتاي Wilhelm Dilthey)‏1911-1833م)، وبول ريكور(Paul Ricœur 1913-2005م) وآخرون.

في هذا السياق المعرفي المخصوص- يُضيف المسير- تأتي مناسبة هذه المحاضرة العلمية الأكاديمية، التي ستلقي الضوء على مسار تشكل مفهوم التأويل في الفكر الإسلامي عامة، وفي فكر «أبي حامد الغزالي».

ذكر الأستاذ المحاضر في البداية بمرتبة الغزالي العلمية، وذلك بالقياس إلى غزارة علمه، واتساع اهتماماته التي شملت كل صنوف المعرفة: فقه، كلام، تصوف وفلسفة… وهو الأمر الذي يعقد مهمة أي باحث، يريد أن يمسك بالخيوط الناظمة لتصوره حول مسألة التأويل، بل وتزداد الصعوبة أيضا إذا علمنا أن الرجل كان مثار جدل لدى أصحاب التراجم والطبقات والفرق، فالصورة المضطربة التي رسمها هؤلاء عنه، والتي تأرجحت بين مريد ومؤيد، ومهاجم وناقد له، تلخص صورة المشهد بكامله.

قصد تجاوز هذه الصعوبة، التزم العارض بآلية منهجية مقتضاها، من جهة، الانفتاح، قدر الإمكان، على نصوص المتن الغزالي بأكمله، ذلك أن الاكتفاء بنزر قليل من مؤلفات الرجل من شأنه أن يقدم صورة مشوهة ومغلوطة، وهو الخطأ الذي وقع فيه الكثير من الباحثين بقصد أو بغير قصد. ومن جهة ثانية، تتبع كرونولوجيا مؤلفاته وإنتاجاته الفكرية الموسوعية، التي تلخص باكورة تجاربه وخصوبتها.

إن استحضار قضية التأويل عند الغزالي غير مفصولة عن الفترة الزمنية التي ينتمي إليها وهي مرحلة القرون الوسطى، والتي بدل فيها جهدا وفيرا، في مستوى أول، في تفسير وتأويل النصوص المقدسة سواء في العالم الإسلامي أو في الغرب اللاتيني، وفي مستوى ثان، في فهم واستيعاب النصوص الفلسفية الموروثة عن اليونان.

تعود جذور التأويل الغربي، في تصور المحاضر، إلى هذه المرحلة التاريخية بالتحديد، مادام الفيلسوف الألماني «دلتاي»، وهو أحد المنظرين الكبار لفلسفة التأويل في الفكر المعاصر، يربط هو الآخر هذه الجذور بوضع قواعد وقوانين لتأويل النصوص المقدسة وفهمها فهما شموليا في هذه المرحلة الزمنية بالذات. مع ضرورة التنبه إلى أن الأفق الفكري عند حجة الإسلام كان أفقا ضيقا لأنه لم يستطع تجاوز إشكال “الكلام الإلهي في مقابل الفهم الإنساني” مقارنة مع الأفق الواسع لهيرمينوطيقا التأويل الذي تميز بالقفز على معيار التقعيد ذاك، نحو تحليل عملية الفهم ذاتها ومن ثم الانفتاح على إشكالات أخرى، وهو الأمر الذي ندين به للفيلسوف والثيولوجي الألماني «شلايرماخر».

إن هذه المقارنة التاريخية بين البحث في الجذور التاريخية للتأويل، وبين الأسس الفكرية التي كانت منطلق الهيرمينوطيقا المعاصرة، تجعلنا نفترض أن فلسفة التأويل قد اقتاتت من هذه الجذور والأصول. ومنه، يتسأل المحاضر: بأي معنى قد يكون الغزالي جزءا من تاريخ التاأويليات؟ وما درجة إسهامه في ذلك التاريخ؟ وما أصالة الـتأويل لدى الغزالي في الثقافة الإسلامية والعربية؟ وختاما هل يمكن أن نتحدث عن معالم نظرية لممارسة تأويلية قائمة بذاتها لدى حجة الإسلام «أبي حامد الغزالي»؟

إن الجواب على مثل هذه التساؤلات، أو التحقق منها يرتبط بالبحث عن المتغيرات التي حكمت الخيط الناظم لتطور مفهوم التأويل، وهو ما لا يتم إلا عبر تناول مؤلفات حجة الإسلام من الناحية الكرونولوجية، بدءًا بلحظة الميلاد، مرورا بلحظة النضج، وانتهاء بلحظة التشذيب والإضافات، وهو الأمر الذي لن يتأتى إلا بفحص متن هذا المفكر، واستنطاق نصوصِه واستقراءها.

بعدما أكد الباحث محمد لشقر على حضور جذر التأويل في كل مراحل الحياة الفكرية الغزالي، انتقل إلى تحديد ضوابط الممارسة التأويلية، والتي حصرها في ثلاثة عناصر، جاءت كما يلي:

حتمية التأويل، حيث، وفي معرض حديثه عن تفسير وفهم القرآن الكريم بالرأي من دون النقل، في الإحياء ضمن باب مفرد لـ”آداب تلاوة القرآن الكريم”، بيَّن حجة الإسلام أن التأويل لا يقتصر على المسموع والمنقول فقط، بل على الرأي تاركا للمؤول مجالا للاستنباط والاستقلال بالفهم. وهو تصور يترتب عنه نتيجة ذات قيمة قصوى-حسب الباحث- هي: بطل أن يشترط السماع في التأويل، وجاز لكل واحد أن يستنبط من القرآن بقدر فهمه وحد عقله.

كان رهان الفيصل، والذي يعد استمرارا لانشغال تأويلي بدأه أبو حامد في مؤلفات أخرى مثل الاقتصاد في الاعتقاد، وفضائح الباطنية، والتهافت وغيرها، هو التفريق بين التأويل المقبول(الإسلام) والتأويل المرفوض(الزندقة) عبر الخوض في المساجلات الكلامية التي قامت بين الفرق الكلامية، والتي وصلت إلى حد التكفير والرمي بالزندقة في أمور تقع في باب تأويل النصوص القرآنية حول الذات والصفات والأفعال الإلهية والبعث والآخرة. تجنب الحنابلة اعتماد التـأويل لعدم قدرتهم على الإمعان في النظر العقلي وقواعده، لكنهم اضطروا إليه في ثلاثة أحاديث نبوية فقط التزموا فيها بالقول بالوجود العقلي والوجود الشبهي المجازي. إن كل الفرق الإسلامية قد لجأت إلى التأويل لاستحالة القبول بالمعاني الظاهرية لبعض النصوص القرآنية، وهي بذلك، في حكم الغزالي، قد وافقت على الدرجات الخمس التي سطرها قانون التأويل.

أما ثاني ضابط من ضوابط الممارسة التأويلية لدى حجة الإسلام، فقد أطلق عليه الباحث لشقر محمد “تراتبية التأويلات”، ومقتضاه قول الإمام بدرجات للتأويل الخمس، وهي المذكورة في الـفيصل (الوجود الذاتي، الوجود الحسي، الوجود الخيالي، الوجود العقلي والوجود الشبهي). ومعلوم أن هذه الدرجات قد نسخها الرجل في المستصفى بموجب تعديل بسيط مفاده أن للشيء في الوجود أربع مراتب: الوجود الذاتي، ثم الوجود الذهني، فالوجود الشفهي اللغوي، وأخير الوجود اللغوي المكتوب. وإلى جانب هذه القسمة ذات الأساس الأنطلوجي، نبه العارض على وجود تقسيم آخر ذكره حجة الإسلام في معارج القدس، وهي قسمة بأساس معرفي فحواها جاءت رباعية الأركان (الحس، الخيال، الوهم، والعقل).

وفي تعليقه على هذا الضابط الثاني، اعتبر العارض، في تعليقه على هذا الضابط الثاني، أن أصول القسمة الأولى كانت سينوية مقتبسة من عناصر نظرية النفس، التي ذكرها الشيخ الرئيس في موسوعة الشفاء، كما نبه على التأثير الإيجابي الذي تركه حديث حجة الإسلام عن مراتب التأويل على فيلسوف قرطبة في صياغته لقانون الـتأويل، خاصة في كتابيه الكشف عن مناهج الأدلة وفصل المقال.

كان الضابط الثالث من ضوابط الممارسة التأويلي الغزالية هو لا نهائية التأويلات، حيث، وانطلاقا من فحص ومعالجة بعض الشواهد التي ترد في مؤلفات حجة الإسلام مثل الإحياء والرسالة اللدنية ومشكاة الأنوار وقانون التأويل والتي تتعلق عموما بقضايا الفعل الإلهي وأمور الآخرة، والتي يفتح فيها الباب للتأويل، يسجل الباحث تأكيد أبي حامد على محدودية قدرات العقل أمام لا نهائية التأويلات، خاصة في الأمور التي تتجاوز حدود إدراكه. إن العلم لا يخضع للظن والتخمين، بل إلى البرهان والدليل المفحم، خاصة حين تتعارض احتمالات الـتأويل، ومنه فلا يجب التجاسر والتطاول، مادام الفهم البشري محدود الإمكانيات والأفق مقارنة مع الكلام الإلهي، الذي لا نهاية لدلالته.

بعد هذا العرض الوجيز والغني لضوابط العملية التأويلية على الطريقة الغزالية، يخلص الباحث في نهاية مداخلته إلى كون هذه الضوابط تسعى لإبراز مشروعية التأويل لدى الفرق الإسلامية، مع الإقرار باختلاف إمكانات التأويل في استيعاب السنة والقرآن، من دون السقوط في فخ تكفير المؤول أو التشهير به، وهي صورة جديدة للغزالي، سمتها التسامح والانفتاح، تختلف عن تلك التي رسمها عنه بعض الباحثين في المرحلة النظامية سواء في التهافت أو غيره من النصوص، والتي طبعها الهجوم على الفلاسفة والتعليمية والفقهاء.

في الختام، تم فتح باب المناقشة للأكاديميين والمشاركين في هذه المحاضرة، حيث جاءت مجمل التعليقات مؤكدة على أهمية هذه المحاضرة العلمية وغناها، خاصة وأنها تسعى إلى تقديم صورة جديدة غير نمطية عن حجة الإسلام، وهي صورة غير مجتزئة، يرتبط فيها اللاحق بالسابق، كما رصدت تطور مفهوم التأويل عند أبي حامد بدءا من المرحلة النظامية إلى المراحل المتأخرة من حياته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.