منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل يعتبر رهن السكن ربا في الفقه الإسلامي؟ لفضيلة د. مصطفى بنحمزة

عبد العزيز ثابت

0

من القضايا الفقهية الراهنة التي يسأل عنها كثير من الناس قضية الرهن، سؤال يتكرر عن حكم الرهن في الفقه الإسلامي وعلاقته بالربا، تم توجيهه بمسجد الأمة للدكتور والداعية مصطفى بنحمزة رئيس المجلس العلمي المحلي بوجدة ومدير معهد البعث الإسلامي للعلوم الشرعية بوجدة، وعضو المجلس العلمي الأعلى بالمغرب، فكان أن بسط إجابته على النحو التالي:

1) تعريف الرهن وحكمه.

لنفهم الرهن أولا، ما هو الرهن؟  شخص يريد أن يقرض شخصا، قال له: أقرضني أربعة أو خمسة ملايين، فسلمها له لكنه اشترط عليه أن يعطيه في مقابل ذلك القرض بيته ليسكنه حتى يعيد إليه المبلغ المالي الذي أقرضه إياه، حينها سيرجع له مسكنه. معنى ذلك أن الخمسة ملايين التي استلفها لم تعد سلفا وإنما أصبح يأخذ مقابلا لها كراء، وهو مال لأنه لو أراد كراء داره تلك لأحد ما فسيجعل لها مقابلا في حدود الألف وخمسمائة درهم تقريبا. وهذا يعني أنك أعطيته الخمسة ملايين في حين سيمنحك هو الألف وخمسمائة درهم أو الألفي درهم شهريا لأجل منزلك. فهو لم يعطها لك مالا وإنما أعطاها لك قيمة، قيمة الكراء، وهذا ربا، لأنه في مقابل مالك الذي أقرضته إياه جعل رده لك أقساطا ولأنه لا يملك مالا يدفعه لك بالتقسيط منحك سكنه الذي إن أراد كراءه سيأخذ عليه مبلغا مالا، هذا أمر.

وهناك من يقول: سنجعل مقابلا رمزيا لصاحب السكن حوالي ثلاثمائة درهم نمنحه له شهريا. هذا الأمر يعني أنك قد نقصت من الثمن الربوي التي كنت ستعطيه في حالة الكراء، فبدل أن تعطي الألف وخمسمائة درهم التي هي سومة كراء المنزل ستمنحه فقط ألفا ومئتين إذا خصمنا ذاك المبلغ الرمزي الذي هو الثلاثمائة درهم. إذن أنت لازلت في الربا، الفرق هو أنك قبل ذلك كنت تسكن نزله بسومته الكرائية السالفة الذكر بدون دفع مقابل وأنت الآن تريد أن تخفف عنه بمنحه ثلاثمائة درهم، فأنت لازلت تحصل من خلال إقراضك المال له (الخمسة ملايين مثلا)، ألفا ومئتي درهما باستفادتك من منزله الذي تسكنه الآن: “كل سلف جر منفعة فهو ربا”، السلف لا يكون إلا لله، وهذا أمر آخر.

2) الزكاة كحل علاجي.

المزيد من المشاركات
1 من 22

يجب أن نفهم الإسلام على أنه ليس فقط نواهي، وإنما فيه النواهي والأوامر، لذلك نقول لمن هو مقتنع أن الإسلام مشروع للحياة بأنه لدينا حل يجنبنا إيقاع الناس في مثل هذه الأمور، وهو أن نعطي الزكاة برهانا منا على رغبتنا في تحقيق مصلحة بيان قيمة الإسلام، وأن الإسلام قادر على أن يحل مشاكلنا. إذا كنا نتكلم بأن الإسلام هو الحل، إذن هناك جزء من الحل.

هناك كثير من الناس يزكون، لكن مجموعة منهم لا يعرفون كيف يخرجونها، إما يعطونها لمن هم أغنياء، يعطونها لأبنائهم أو بناتهم، هناك من سألني أن له ابنا يدرس بفرنسا هل يمنحه الزكاة؟ فعلك هذا يعد استثمارا، ابنك أنت تدرسه الآن ليصبح طبيبا وغدا سيتكفل بك، إذن أنت لا تصرف هذا المال زكاة وإنما استثمارا لأجلك. يمكن أن نجتمع داخل العائلة الواحدة أبناء عمومة أو إخوة فنحصي ما عندنا من أموال الزكاة ونجعلها لأرملة مثلا عونا لها على شراء عقار. هذا هو الأصل وهو ما ينبغي أن نفكر فيه، ألا تضيع زكاتنا، أن تكون موجهة إما لمثل هذا العمل أو لمساندة فئات من المجتمع سنسأل عنها يوم لقاء الله، هؤلاء الذين يموتون في الشوارع لا يجدون ثمنا لعلاج أمراضهم من سرطان أو تصفية الكلى أو بعض الأمراض المزمنة المكلفة التي نرجو أن تجد تغطيتها. إذن لا ننتظر حتى يموت الناس أمامنا لنشيعهم بعد ذلك ونترحم عليهم.

3) الزكاة ومشروع التكافل الاجتماعي.

الأمر الآخر هو قضية تشغيل الشباب في أي مهنة كانت، لو نستطيع إحضار بعض الشباب وإنشاء مشاريع صغرى لهم من مثل دكان بقالة. لسنا مطالبين بأن نجعل منهم أغنياء، ولكن ينبغي أن نبين بأن لدينا رؤية، بأن الإسلام قادر على إيجاد الحلول، عندما نريد أن ننجز أمرا ما فإننا ننجزه، عندما أرادنا بناء المساجد بنيناها، وأنتم تعرفون أن المساجد كلفت أموالا كثيرة ولكنها تستحق ذلك لأنها ديننا وكذلك الإنسان المسلم يستحق أن نضحي من أجله. هذا الذي يصلي معنا ثم نخرج دون أن يسأل بعضنا عن بعض، ومنا من له مريض يعيله لا يجد ما يعالجه به. لا أتحدث عن اللصوص المخادعين، وإنما عمن تراه أمامك في أزمة، يعيش مشاكل، لا يملك ما يقضي به حاجاته، وأكتفي أنا بتوجيه التحية له أو معانقته بعد الخروج من المسجد، هذا يشبه تمثيلا مسرحيا لا أجر فيه. ليس هذا هو المطلوب، ينبغي تحسس آلام الناس ومساندتهم، كيف تحس الأرملة التي تعيش وسط حي يقطنه مسلمون دون أن يسأل عنها أحد، كيف تقضي يومها؟ نحن أمة إسلامية موسومة بالتعاطف و، و …، لذلك في مسألة الزكاة ينبغي أن ترتقي مستويات مداركنا، هناك كثير من الزكوات تذهب هباء، لا تجوز، هناك من يصرفها لطائفته أو مذهبه مما لا يخدم الإسلام في شيء، تضييع للزكاة، أفضل منه ألا يخرجها إن كانت بهذا الشكل وكأنه يرميها.

هناك مقال قديم كتبه سيد قطب، مقال جميل أسماه: “إسلام أمريكاني”، هناك من قرأه وهناك من لا يعرفه، يقول فيه بأن أمريكا في وقت الصراع بين الشرق والغرب، بينها وبين العالم الشيوعي، دفعت ببعض الناس أو أوحت إلى بعضهم بأن يجمعوا الزكاة، أن يعودوا من جديد إلى خدمة الزكاة وصناديق الزكاة. ليس ذاك محبة في الإسلام، وإنما لكي تقول للعالم الشيوعي بأن الإسلام له نظام اقتصادي، وهي لا تملكه، نظام اقتصادي رحيم يمكن أن يكون عوض عن الشيوعية. كانت تقاوم الشيوعية بهذا، أما نحن فنقاوم هذا العالم الذي يفتري على الإسلام ببيان أن الإسلام فعلا نظام إنساني، وبأن الإنسان المسلم ليس أنانيا. عبادة الله تعالى لا تتأتى بعبادتنا الفردية المتكررة، نحن لا نعرف أين وضعنا الله تعالى، عندما يضعنا الله سبحانه ببلاد تعاني الفقر فالفقر يدخل ضمن مسؤولياتنا. عندما نوضع في مكان يتهدد فيه المنصرون أبناءنا، أكون مضيعا لواجبي إذا كان فرحي فقط بإقبالي على النوافل. يجب أن نفكر أفرادا وجماعات كيف نواجه ذلك، ودعونا من كثرة الكلام، نحن نبحث عن العمل، على التوافق على مشروع من المشاريع ننجزه. فإذن الزكاة عندنا طاقة كبيرة، ليس بالضرورة تواجد الميسورين، قد نجتمع نحن لاستنقاذ ابن عم أو شاب عاطل، أو، فقط قدمنا له رسالة ودرسا أفضل بكثير من إعطائه مئة محاضرة. بينا له أن الإسلام يهتم به، وبأن الإسلام فعلا حل. لست أبخس مجهودات المسلمين، هم الآن يفعلون الشيء الكثير في العالم الإسلامي، هناك من خرج من بلاده وتوجه إلى إفريقيا ليحمي الوجود الإسلامي بها، بنوا المستشفيات والمؤسسات الاجتماعية، أنا أتصور أن هؤلاء يعرفون رسالتهم.

الزمن لن ينتظرك، إن لم تعمل أنت سيعمل غيرك، وقد يعمل دجال أو أفاق أو كذاب أو منصر، فتفاجأ بوجود من يدعي أنه المهدي المنتظر أو من يقول أنا ربكم الأعلى، وبالتفاف الناس حوله لأنهم بلا تكوين أو تأطير. لما كان الناس مسلحين بالعقيدة والعلم الشرعي كانوا مثل الجبال الراسيات لا يتزعزعون أو يتلاعب بهم، لكنهم لما فرغوا أصبحوا يساقون دون استبيان من دليل شرعي ممن يتحكم بهم وكأنهم فقدوا بوصلتهم. فبم نحن مسلمون؟ هل سألتم عن كتاب الله إن كان يأذن بهذا الأمر أو حديث رسول الله، هل استفسرنا العلماء؟ كيف يعبد الله تعالى بالعبث والفوضى وبما يحدث الآن، ولا زلنا قد نسمع مستقبلا أشياء من هذا القبيل. هذا التصور الذي نأخذه من فهمنا الجيد للإسلام هو الذي يحل هذا الإشكال، خصوصا قضية السكن هذه، لأن السكن كما قلت من قبل مخيف، وسيكون مخيفا مستقبلا. يجب التركيز على قضية السكن، حتى لو اشترى الإنسان ستين مترا أو سبعين، لأن المجتمع الذي نراه الآن في أوروبا أصبح يطحن الإنسان، لا رحمة فيه. وعلى الأقل الإنسان حينما يأوي إلى بيته ويستر نفسه يبقى تدبير معاشه داخله مسألة أخرى، لكن عندما يجد نفسه غدا أو بعده بدون أجرة كافية لتغطية مصاريف كرائه مما يضطره للنزوح المذل من مكان إلى آخر، فطبعا هذه وضعية غير مناسبة وعلى المسلمين التعاون في هذا الباب. عندما يجدون المحتاج الصادق فعليهم تقديم المعونة، جماعات تتكثل لهذا الأمر وسيحسون أنهم قد قدموا شيئا لآخرتهم عوض الاجتماع على الولائم وتكرار ما لا جدوى منه وشهود تزايد الفقر يوما بعد يوم بلا أفق أو حل ننتظره، وبدون وجود مشروع نافع، وما شهدناه هذه السنة من حالات فقر سيرتفع في السنة المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.