منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3)جهود علماء المسلمين في الرد على أهل الكتاب ـ من القرن الثاني إلى نهاية القرن الرابع الهجري ـ

الدكتور مصطفى العلام

0

(3)جهود علماء المسلمين في الرد على أهل الكتاب

ـ من القرن الثاني إلى نهاية القرن الرابع الهجري ـ

الدكتور مصطفى العلام

استجابة لما جاءت به آيات القرآن الكريم ونصوص الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بعقائد ديانات أهل الكتاب ، انبرى لهذا الأمر علماء المسلمين فانفتحوا على أديان العالم، وجعلوها موضوعًا مستقلًا للدراسة والبحث، ووضعوا لذلك مناهج علمية سديدة، ووصفوها وصفا دقيقا وانتقدوا بعضها، واعتمدوا في ذلك على  مصادرها الموثوق بها، واستقوا مادة بحثهم من منابعها الأصلية.

وهذا ما أشار إليه د. محمد الشرقاوي قائلا « إن اهتمام المسلمين بمقارنة الأديان كان بتأثير مباشر من القرآن الكريم، فعقدوا لهذا الغرض كتبًا مفردة أو فصولاً مُطوَّلة من مصنفاتهم» [1]. ولذلك فإن كل من لم يناظر أهل الكتاب من العلماء لم يكن قد أعطى للإسلام حقه حسب ما يعتقده شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله – قائلا «فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى للإسلام حقه ولا وفى بموجب العلم والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ولا أفاد بكلامه العلم واليقين »[2].

أما بخصوص السياق العام لجهود علماء المسلمين في الرد على أهل الكتاب فقد شهد العالم الإسلامي في بعض مراحل تاريخه، وفي بلدان متعددة منه نوعا من المخالطة والمعايشة مع أهل الكتاب نتج عنها حوار ومجادلة بالتي هي أحسن، ثم ما لبث الأمر أن اتَّسع في مراحل لاحقة ليشمل جانب الدراسة لديانة الآخر فهمًا ووصفًا، وتحليلًا ومقارنة. وقد كانت جهود علماء المسلمين في البداية تهدف دعوة أهل الكتاب إلى دين الإسلام الخاتم ، والكشف عن مواقع تحريف الكلم في هذه الديانات.

1ـ البدايات الأولى لرد العلماء المسلمين على أهل الكتاب

وقع الخلاف بين الباحثين في علم مقارنة الأديان حول من هو أوَّل مَنْ ألَّف من العلماء المسلمين في هذا العلم؟

فمن الباحثين من أمثال “آدم متز Adam Mez ” من اعتبر أن «النوبختي -صاحب كتاب (الآراء والديانات) هو أول مَنْ ألف في هذا العلم»[3] . وقد تبنى  د. أحمد شلبي نفس الرأي [4].

ويرى آخرون« أنَّ أبا عيسى الورَّاق صاحب كتاب (المقالات) هو أول مَنْ كتب  في حقل الدراسات المقارنة للأديان»[5]. لكن الكثير من الباحثين في هذا العلم اعتبروا أن ‘ابن حزم الأندلسي’ هو من نال شرف السَّبْق، باعتباره كان رائدًا لمقارنة الأديان في الفكر الإنساني كله.

والحقيقة أنه من الصعوبة بمكان ضبط بداية واضحة لجهود علماء المسلمين في الرد على أهل الكتاب، نظرا:

1ـ لضياع العديد من المؤلفات المتخصصة في الأديان مما فَوَّت على الباحثين فرصة التعرف على مناهج أصحابها في الرد على أهل الكتاب، وعلى تأثير ذلك كله فيمن أتى بعد ذلك من علماء الحركة النقدية للكتاب المقدس.

2ـ لأن دراسة الأديان لم تكن لها الأولوية في جهود علماء الإسلام في البداية على اعتبار أن الإسلام كان هو الدين الخاتم وهو المهيمن على ماسواه من الأديان، يقول الحق سبحانه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[6].

أما البداية الفعلية للاهتمام بدراسة الأديان وتدوين مؤلفاتها، فيرى ‘أحمد شلبي’ أنها « تبتدأ من منتصف القرن الثاني من عصر التدوين، حيث يقول”فلما جاء عصر التدوين في منتصف القرن الثاني الهجري، وبدأ المسلمون يكتبون في الفقه والتفسير والحديث، واليهودية والنصرانية وغير ذلك »[7]. ثم نشطت الحركة النقدية بعد ذلك على يد عمالقة الفكر الإسلامي، وكثرت المؤلفات التي تهتم بدراسة الأديان. فكيف كانت البدايات والخطوات الأولى لتعرف علماء المسلمين على الأسفار المقدسة والكتب القديمة بأيدي اليهود والنصارى ؟. يجيب ‘د. محمد عبد الله الشرقاوي’ على هذا السؤال بالتفصيل في مقدمة تحقيقه لكتاب الجاحظ في ”الرد على النصارى”، حيث أورد الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة وبعض الوقائع التاريخية في حياة الصحابة والتابعين – رضي عنهم- أجمعين ، كما أورد آراء المستشرقين في هذه البدايات الأولى التي نبحث عنها، وفي الأخير أوجز “خلاصة بحثه”[8] في النقاط التالية:

– إن الكتاب المقدس بعهديه : القديم والجديد كان يقرأه أصحابه قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بالعبرانية ، ويفسرونه – للعرب – بالعربية. وهذا يعني أن بعض معاني هذا الكتاب كانت معروفة بين بعض العرب والمسلمين من مشافهتهم لأهل الكتاب.

ـ إن بعض العرب كان يعرف العبرانية ، وكان يقرأ بها هذه الكتب ويترجم نصوصها إلى العربية . وهؤلاء من الندرة بما كان ، ولا نعرف من بينهم سوى ورقة بن نوفل.

ـ  نقل بعض من شرح الله صدورهم للإسلام من اليهود والنصارى بعض معارف الكتاب المقدس إلى المسلمين حسب الضرورة ومقتضى الحال .

ـ تجمع الدراسات على أن الكتاب المقدس لم ينقل إلى اللسان العربي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، وإنما نقل بعد ذلك.

ـ روى بعض التابعين مثل ‘مالك بن دينار’ ، وكتاب ” السير والطبقات” مثل ‘محمد بن إسحاق’ نصوصا دقيقة من التوراة والإنجيل، مما يؤكد  أن  هذه النصوص قد أخذت أخذا مباشرا من نسخة مترجمه إلى العربية. ومعنى ذلك أن هذه الكتب قد أصبحت منذ ذلك الحين معروفة في ترجمتها العربية ومتداولة بين علماء المسلمين بعيد القرن الأول الهجري.

ـ  أقدم إشارة عن أحد المترجمين ما جاء في الفهرست لابن النديم عن ترجمات ‘لأحمد بن عبد الله بن سلام’ مولى ‘هارون الرشيد’، الذي ترجم بعض كتب العهدين : القديم والجديد من العبرانية واليونانية إلى العربية

2ـ خصائص المرحلة

أـ الغالبية العظمى من مؤلفيها كانوا من المعتزلة: ومن الملاحظات الأساسية في هذه المرحلة التي نتحدث عنها ـ أي من القرن الثاني إلى القرن الرابع الهجري ـ  اهتمام عدد من علماء المعتزلة ومفكريهم بالأديان وبالجدل مع اليهود والنصارى. فلا يستطيع أي باحث منصف أن ينكر الجهود العظيمة لفرقة المعتزلة في الدفاع عن الإسلام ضد الهجمات الفكرية المتلاحقة من قبل التيارات الفكرية المتعددة. صحيح أن هذه المرحلة عرفت ظهور مؤلفات لاتجاهات فكرية أخرى كان لها نصيبها أيضا في هذه الجهود كالأشاعرة والماتريدية والشيعة والفلاسفة ومن أسلم من النصارى، إلا أن النصيب الأوفر في جهود علماء المسلمين للرد على أهل الكتاب كان للمدرسة الاعتزالية بلا منازع. بل إن الأفكار التي صاغها غيرهم من المؤلفين تعود إلى المدرسة الاعتزالية، أو ـ على الأقل ـ تأثرت بمنهج بعض المعتزلة في ردهم على أهل الكتاب . كما أن أثر المنهج الاعتزالي في الرد على أهل الكتاب لم يتوقف عند حدود المفكرين المسلمين، بل تجاوزه إلى المفكرين النصارى أنفسهم.

وإذا ما تأملنا في منهج المعتزلة في الرد على أهل الكتاب في بحوثهم ومصنفاتهم ومجادلاتهم فإننا نجده قد تميز بمجموعة من الخصائص والملامح، جعلت منه منهجا خاصا لايختلف في مجمله عما دعا إليه الدين الإسلامي، على الرغم من التباين الحاصل في مقدمات مؤلفاتهم وطرق استنباطهم. وقد أشار “محمد أبوزهرة” إلى هذه الخصائص والملامح التي ميزت الفكر الاعتزالي عموما وفي الرد على أهل الكتاب خصوصا كما يلي [9]:

1ـ الرفض التام للتقليد والاتباع لغيرهم، دونما نظر وبحث ومقايسة الأمور، فالاحترام عندهم للآراء لا للأشخاص، وللحق لا لقائله.

2ـ الاعتداد الشديد بالعقل والاعتماد عليه في إثبات العقائد، وفي الرد على المخالفين لهم من المسلمين ومن غير المسلمين، مع اتخاذهم من القرآن مددا حتى لايذهب بهم الشطط إلى الخروج عن جادته، ولذلك عرفوا بأصحاب النزعة العقلية المبكرة في الإسلام، لأنهم اعتبروا العقل الأساس المعول عليه في الحكم على الأشياء.

3ـ أخذهم من مناهل العلوم التي ترجمت في عصرهم واقتباسهم منها ما يساعدهم ـ منهجيا ـ على مصارعة الخصوم في ميدان الجدل مع أهل الأديان وفي علم الكلام.

4ـ اللَّسَن والفصاحة والبيان، فقد كان من بين رجالهم خطباء ومناظرون لبقون، ومجادلون تمرسوا بالجدل وخبروا طرقه، فعرفوا كيف يقطعون خصومهم ويلوون عليهم المفاصل.

3 ـ سيطرة النزعة العقلية

وتتميز هذه المرحلة أيضا بسيطرة النزعة العقلية على جهود علمائنا في الرد على أهل الكتاب ، ولعل هذا يرجع إلى الخلفية الفكرية لأصحابها- وجلهم من المتكلمين والفلاسفة – الذين يلجأون إلى الحجج العقلية والبراهين المنطقية والنظريات الفلسفية للرد على خصومهم. ولكن هذا لا يعني غياب الاهتمام بالنصوص والأدلة النقلية ،حيث أشار ‘د.حمدي عبد الله الشرقاوي’ بالقول«فالواقع يؤكد وجود أكثر من مائة وعشرين نصا – أغلبها من الأناجيل – استخدمها أصحاب الردود في هذه الفترة لإبطال عقائد النصارى في تأليه المسيح ، وبنوته لله، واتحاد الله به.. ناهيك عن عشرات النصوص التوراتية والإنجيلية التي استدلوا بها على البشارة بنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم» [10].

وفيما يلي تعريف موجز بأهم المؤلفات في هذه المرحلة ، يتضمن ترجمة موجزة للمؤلف ، وعرضا مختصرا في الأصل لمحتوى الكتاب أو الجزء المتعلق بالرد على أهل الكتاب . وسأركز في هذا التعريف بداية على ثلاثة من المؤلفين الذين ينتمون إلى الفكر الاعتزالي، وهم : أبو عثمان الجاحظ(ت255هـ) ـ الحسن بن أيوب(ت 378هـ) ـ القاضي عبد الجبار الهمذاني -المعتزلي (ت 415 هـ ).


الهوامش

[1] د.محمد عبدالله الشرقاوي: في مقارنة الأديان ـ بحوث ودراسات ـ دار الجيل بيروت ـ بيروت ـ ط2،1410هـ/1990م ،ص: 508.

[2] ابن تيمية :درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم،الناشر : جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،ط2، 1411هـ/1991م ، الجزء الأول، ص:357.

[3] انظر: آدم ميتز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة:  د. محمد عبد الهادي أبو ريدة. مكتبة الخانجي – القاهرة- ط4. 1387هـ / 1967م.ج1، ص: 385

[4] انظر: د. أحمد شلبي: اليهودية، مكتبة النهضة – القاهرة- ط8، 1988م. ص: 27

[5] صاحب هذا الرأي د. إبراهيم تركي، يقول -مدافعًا عن رأيه-: “إذ أننا لم نجد قبله كتابًا عربيًا في هذا الموضوع” انظر: علم مقارنة الأديان عند مفكري الإسلام، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ط1، 2002م، ص: 60.
[6] آل عمران 85

[7] أحمد شلبي : اليهودية،ص:27

[8] أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ(ت 255هـ): الرد على النصارى، تحقيق عبد الله الشرقاوي، دار الصحوة بالقاهرة بدون،

[9] محمد أبو زهرة: تاريخ الجدل، دار الفكر العربي، الطبعة الثانية 1980م ، ص: 210-211

[10] د.حمدي عبد الله الشرقاوي: مقارنة الأديان بين التنظير والتطبيق عند القاضي عبد الجبار المعتزلي ـ دراسة تحليلية مقارنة ـ دار الكتب العلمية، ص: 125-126

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.