منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسيرة اجتهاد وجهاد (1940- 2021) ” العلامة د. مصطفى مسلم رحمه الله “

محمد سكويلي

0

 

عن عمر ناهز 83 سنة، وبعد مسيرة زاخرة بالاجتهاد والجهاد، انتقل إلى عفو الله ورحمته صباح يوم السبت 4 رمضان سنة 1442 والموافق ل 17أبريل سنة 2021، العلامة والداعية مصطفى مسلم، المشرف على أضخم عملٍ موسوعي في العصر الحديث “موسوعة التفسير الموضوعي” ومن أوائل الدعاة الذين وقفوا ضد نظام الأسد عقب اندلاع الثورة السورية، المسهمين رحمه الله في تأسيس “المجلس الإسلامي السوري”.

توفي رحمه الله تعالى متأثرا بمضاعفات إصابته بفيروس كورونا في مدينة غازي عنتاب التركية، وبهذه المناسبة الأليمة نتقدم بأحر التعازي لعموم المسلمين وخاصة أسرته الصغيرة في فقدان علم من أعلام الأمة، ورجل من رجالاتها، ولأن التعريف بالعلماء و تكريمهم في حياتهم ومماتهم ،فخر وواجب ووفاء، نبسط بين أيديكم إلماعات من  مسيرة الرجل الدعوية والجهادية عبر فقرات خمس وهي:

أولا: النشأة و المسار الدراسي

ينتسب العلامة مصطفى محمد مسلم إلى فخذ حجيان من عشيرة مقعان الكردية، ولد في الخامس من فبراير سنة 1941 بعين العرب، بدأ الشيخ دراسته الابتدائية في شيران ثم التحق بالثانوية الشرعية وتخرج بها سنة 1961. حصل المرحوم على البكالوريوس في الشريعة سنة 1965 م بكلية الشريعة جامعة دمشق وبعدها نال الماجستير في التفسير وعلوم القرآن سنة 1969 م بكلية أصول الدين جامعة الأزهر ثم حصل على الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن سنة 1974 م بنفس الجامعة، وذلك برتبة أستاذ في التفسير وعلوم القرآن. بعد ذلك عُين رئيسا لجامعة الزهراء في غازي عينتاب تركيا.

المزيد من المشاركات
1 من 42

ثانيا: المهام والمسار المهني

عمل الدكتور مصطفى محمد مسلم كمدرس في المعاهد العلمية في المملكة العربية السعودية لمدة 9 سنوات. ثم أستاذا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض- المملكة العربية السعودية- من 1974 – 1997م. وانتقل إلى جامعة الشارقة ليعمل أستاذا ورئيسا لقسم الشريعة من 1997- 2010م، هاته المهام أهلته رحمه الله تعالى للمشاركة والإشراف الجامعي على رسائل الماجستير والدكتوراه في تخصص التفسير وعلوم القرآن. كما كان يشارك في مناقشة عشرات الرسائل في الماجستير والدكتوراه وتحكيم مئات البحوث والدراسات لعشرات المجلات، وكذلك تيسر له بصفته العلمية والدعوية الحضور في مجموعة من المؤتمرات المتنوعة ما بين العلمي والسياسي والدعوي، نذكر منها وليس كلها مؤتمر الإعلام الإسلامي- في جاكرتا، المؤتمر الإسلامي الشعبي بمناسبة حرب الخليج الثانية في مكة المكرمة، ومؤتمر الجهود المبذولة في خدمة القرآن الكريم من بداية القرن 17 هجري إلى اليوم بجامعة الشارقة، كما كان رحمه الله عنصرا نشيطا من خلال حضوره لمجموعة من الندوات المختلفة، من بين هذه الندوات وإشرافه على الكثير الدورات العلمية، حتى صار ذائع الصيت ومحاط الأنظار فأسندت له عضوية الكثير من اللجان والمجالس العلمية مثل لجنة تطوير المناهج في إدارة المعاهد العلمية، وعضوية مجلس الأمناء لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، في كردستان..

ثالثا: الحصيلة والإنتاج العلمي

رحل الدكتور مخلفا ثروة علمية فكرية هائلة تعد مرجعا لأجيال الطلبة والباحثين في مختلف المعاهد والجامعات. جعل الله عمله في ميزان حسناته، فعلا لن ينسى من ترك عملا جبارا وصدقات جارية تحسب له وهو في مضجعه إلى يوم لقاء الله تعالى. نذكر بين يدي القارئ أهم كتبه العلمية قاربت الثلاثين، ومنها مباحث في إعجاز القرآن، ومباحث في التفسير الموضوعي، وكتاب تربية الأسرة المسلمة في ضوء سورة التحريم، كذلك إعجاز القرآن في عصر الحاسوب، وكتاب التطرف والعنف وأثرهما في الدعوة..، دون إغفال دراساتها والمشاريع العلمية المشتركة.

رابعا: شيوخه ورحلاته العلمية

بدأ الشيخ دراسته الابتدائية في شيران، على يد الأستاذ أحمد شريف، والأستاذ توفيق بصمجي، والأخوين عبد الوهاب وأحمد العباسي من فلسطين ، وكان من أبرز الشيوخ الذين درّسوه في الثانوية الشرعية الشيخ محمد أبو الخير زين العابدين (التوحيد، التفسير)، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة (اللغة العربية)، والشيخ محمد سلقيني (أصول الفقه)، والشيخ محمد الملاح (الفقه الحنفي)، والشيخ محمد نجيب خياطة (حفظ القرآن، الفرائض) والشيخ عبد الله سراج (الحديث)، والشيخ ناجي أبو صالح (الأدب)، الشيخ عبد الوهاب سكر (السيرة النبوية)، وفي كلية الشريعة لازم زملاء أصبحوا فيما بعد علماء مشهورين في مجتمعاتهم مثل عبد الستار أبو غدة –الحلبي– ومحمد خير هيكل (الدمشقي) ونوح القضاة (الأردني) فشكلوا مجموعة رباعية، يلتقون في الأسبوع مرة أو أكثر على كتاب معين، وكان من أبرز شيوخه في كلية الشريعة بجامعة دمشق: الدكتور مصطفى السباعي، الأستاذ عمر الحكيم، الأستاذ محمد المبارك، الدكتور مازن المبارك، الدكتور عبد الرحمن الصابوني، الدكتور فوزي فيض الله، محمد منتصر الكتاني، الشيخ مصطفى الزرقا، د. محمد أديب الصالح، د. وهبة الزحيلي، د. محمد أمين المصري، ويقول الشيخ رحمه الله تعالى رحمة واسعة : “إن دراسته الجامعية في جامعة دمشق – كلية الشريعة – لم تضف على معلوماته شيئًا، وكل معلوماته كانت لما أخذها من الثانوية الشرعية – الخسروية – وما استفاده من زملائه في اللجنة الرباعية”، ولما التحق بالعمل في السعودية حيث عُيّن في نجران لمدة سنتين، ثم في الرس (القصيم) لمدة أربع سنوات، وفي الباحة لمدة ثلاث سنوات. وخلال هذه السنوات التسع كان أهل المنطقة يرجعون إليه في أسئلتهم واستفساراتهم، لعدم وجود مرجع علمي فيها، وكان من أشهر تلاميذه في هذه الفترة الشاعر الإسلامي السعودي عبد الرحمن العشماوي، وكان من أبرز الشيوخ الذين درسوه في الأزهر: الشيخ السيد الحكيم، الشيخ محمد مصطفى التازي، الشيخ السيد أحمد الكومي، الشيخ علي خليل وكان من المشرفين على أطروحته في الدكتوراه التي حصل عليه في التفسير وعلوم القرآن سنة 1974م، الشيخ محمد الغزلان، ثم انتقل إلى الإمارات العربية المتحدة، جامعة الشارقة، وبقي فيها إلى سنة 2010 حيث أحيل على التقاعد.

خامسا: مسيرته الجهادية وجهوده في الثورة السورية

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

بعد أن قامت الثورة السورية أيدها وباركها، و لما تحررت منطقة الجزيرة شرق الفرات عين العرب (كوباني) الحسكة، القامشلي، الرقة، من سلطة آل الأسد، فكّر الشيخ في القيام بنشاط علمي ودعوي في مناطق الكرد خاصة وفي المناطق المحررة عامة.

فدخل إلى عين العرب عام 2013م، واجتمع بمسؤولي حزب (P.Y.D) وشرح لهم أنه خدم في مناطق كثيرة، وبسبب منعه من دخول سورية في حكم آل الأسد حرم من خدمة منطقته، ولم يقدم لهم شيئًا، يقول الشيخ: “فسألوني ماذا تريد أن تقدم؟ فشرحت لهم بعض النقاط منها: تنظيم الوقف في المنطقة، وتطوير المعهد الشرعي ودعمه، وترميم المساجد، وبنائها في القرى التي تفتقر إلى مساجد، وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، في المدينة والقرى التي ترغب، وافتتاح بعض الكليات الجامعية: مثل كلية الزراعة، وبعض المعاهد مثل المعاهد الصحية، وإقامة بعض المشاريع الصغيرة: مثل: مشروع عشر شياه لكل بيت، أو مشروع بقرة لكل بيت، مشروع مصنع السجاد”. وبعد اتصالاتهم بقياداتهم العليا في قنديل، وغيرها منعوني من التفكير في مثل هذه المشاريع أو المجيء للمنطقة بقصد الدعوة، فدرست الأوضاع لإقامة جامعة في القامشلي، فأفادني الأصدقاء في المنطقة أن المنطقة غير مهيأة لمثل هذا المشروع، فاتصلت ببعض الأساتذة في جامعة الفرات في الرقة، وجامعة الاتحاد فأبدوا استعدادهم للتعاون، ولكن الأحداث تسارعت، واستولت الفصائل المتطرفة على المنطقة، ففكرنا في منبج، فأفادني مجموعة من الدكاترة من أهل منبج أن البيئة مساعدة، وفصائل الجيش الحر ستساعد في ذلك، فكلفتهم بأخذ موافقات خطية من رؤساء جميع الفصائل الموجودة في منبج وضواحيها، فحصلوا على ذلك –ولا زلت أحتفظ بها– فقررنا فتح جامعة ابن خلدون في منبج، واستأجرنا دورًا في المعهد الشرعي لاتخاذه مقرًا للجامعة، وعملنا على تهيئة القاعات والغرف وغيرها للبدء بالتدريس، واستغرق ذلك أشهرًا. بقي أن نبدأ بالتدريس، وإذا بـ (داعش) تقتحم المنطقة وتستولي على مدينة منبج وضواحيها والطريق الممتد بينها وبين الرقة واتَّخَذَتْ المعهد الشرعي مقرًا للتدريب”.

مجمل الكلام

قضى الدكتور مصطفى مسلم رحمه الله تعالى سنواته الأخيرة في تركيا، مديرا لجامعة الزهراء في التي أسسها سنة 2014، إلى أن وافته المنية ثابتا راسخا غير مبدل ولا مغير، عاش عالماً متبحراً في التفسير وعلومه، بارزاً في سجل العلم والتأليف، شاهدا بالقسط في منتديات الناس، حاضرا حضورا مسؤولا في ساحات النضال والتدافع، متواضعاً هادئاً، يستمع لغيره أكثر مما يتكلم، يحترم آراء الآخرين، ومات ثابتا على الحق مدافعا، فاللهم ألحقنا به سالمين، على دربه سائرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.