منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) يوميات الدكتور رشيد كُهُوس | يوميات العلماء في رمضان

منار الإسلام

0

 

يقيننا من موقع منار الإسلام بأن الحاجة خلال شهر رمضان الفضيل إلى الزاد الفكري والمعرفي كالحاجة إلى الزاد الروحي، وأن حاجة كثير من المسلمين(ات) لتجارب ناجحة ونماذج معاصرة تحتذى، كالحاجة إلى الاقتداء بسير السلف الصالح ذوي الهمم العالية من حضوا بالتزكية النبوية، وحرصا من الموقع على التجديد في المضامين والأجناس يعتزم موقع منار الإسلام نشر سلسلة حوارات مكتوبة جد خفيفة لا تتجاوز ثلاثة أسئلة لكل ضيف حول رمضان المبارك، ويسعدنا أن تكون أولى حلقاتنا مع فضيلة الدكتور رشيد كُهُوس، المولود بفرخانة إقليم الناظور بالمغرب الأقصى، وهو أستاذ بكلية أصول الدين بتطوان- التابعة لجامعة القرويين سابقا ولجامعة عبد المالك السعدي حاليا، والحاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ، وشهادة التأهيل الجامعي من جامعة القرويين، وشهادة الأستاذية من جامعة عبد المالك السعدي، وهو من العلماء الشباب الذين طبعوا الساحة العلمية في السنوات الأخيرة بإشعاعهم وإنجازاتهم، فالدكتور رشيد كهوس عضو رابطة علماء المغرب سابقا، وعضو شرفي بمجمع الفقه الإسلامي بالهند، ومنسق (فريق البحث في السنن الإلهية)، بكلية أصول الدين بتطوان، وكاتب مكثر فقد تجاوزت كتبه المطبوعة 25 كتابا غطت مجالي السيرة النبوية، و قضايا الأسرة، وواقع المسلمين ومستقبلهم، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب القوامة والحافظية رؤية شرعية ونظرة معاصرة، وكتاب السنن الإلهية في السيرة النبوية، وكتاب مستقبل الأمة المسلمة في ضوء سنة الله في خلقه، وقد حاز على جائزة سلسلة (كتاب محمد رسول الله العالمية) بالسويد لسنة 2015ميلادية بكتابه السياسة الشرعية، وعلى الجائزة الأولى للبحث العلمي لعام 2017 بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان المغرب، و شارك في عدة مؤتمرات وندوات دولية بالمغرب وموريتانيا وتونس وقطر والسعودية وتركيا والسودان والأردن وصربيا وغيرها…

توطئة المحاور:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا وسهلا بك سيدي ومرحبا بك ضيفا كريما على موقعنا، ونبارك لك شهر رمضان الفضيل ونسأل الله أن يبارك لنا في أوقاته واغتنام أفضاله.

الكلمة الافتتاحية للضيف:

المزيد من المشاركات
1 من 50

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا ومولانا محمد المصطفى الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر المحجلين.

أما بعد؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في البداية أتقدم بالشكر الجزيل وعظيم التقدير إلى إدارة (موقع منار الإسلام) وأخص بالذكر فضيلة الأستاذ عثمان غفاري، على استضافته الميمونة ودعوته الكريمة للمشاركة في هذه المائدة الحوارية الرمضانية.. في موقع منار الإسلام الذي هو بمثابة روض غناء، بمواده المتنوعة، وقطوفه الدانية، وثماره اليانعة، بارك الله فيكم ونفع بجهودكم.

كما أبارك بهذه المناسبة لزوار موقع منار الإسلام شهر رمضان المعظم، سائلا المولى جل وعلا أن يوفقنا لصيامه وقيامه وعمل الخير فيه على الوجه الذي يرضيه.

  • السؤال الأول: تختلف عادات الإفطار والسحور في رمضان بين الأسر باختلاف البلاد والبيئات والمستويات، فلكل شخص عادات معينة يقبل عليها، فماهي أهم مميزات الإفطار والسحور، وأهم العادات الحسنة التي يحرص عليها الدكتور رشيد كهوس خلال الشهر الفضيل؟

أقول وبالله التوفيق إجابة على سؤالكم فعاداتي في الإفطار في شهر رمضان المبارك أن أفطر على تمر وماء ثم أقوم لصلاة المغرب.. فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قالَ: (كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيرْاتٌ، فإِنْ لمْ تَكُنْ تُميرْاتٌ حَسَا حَسَواتٍ مِنْ ماءٍ) (رواه أَبو داود والترمذي رحمهما الله).

وَعَنْ سَلْمَانَ بنِ عَامر الضَّبِّيِّ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْطِرْ عَلى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجدْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنَّه طَهُورٌ) (سنن أبي داود والترمذي رحمهما الله).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 21

وبعد صلاة المغرب أتناول طعاما خفيفا غير دسم، مع شاي أو حساء شعير.. وبعد القيام مع أسرتي أتناول الفاكهة.. إذ لا أحب التفنن في إعداد المأكولات الشهية وكثرة الأطباق والإفراط في الطعام الذي يؤدي إلى الخمول والكسل والعجز عن القيام.

فشهر رمضان شهر البركة، بركة في الوقت، وبركة في الأجر، وبركة في الطعام، ولا يستدعي الأمر كل هذه اللهفة على الطعام كما هو واقعنا اليوم، التي ينتهي أغلبها في قمامة النفايات.

إن شهر رمضان شهر التقوى والبر والإحسان، وشهر المسارعة إلى الخيرات والأعمال الصالحة، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والقربات، وشهر تهذيب النفس وإصلاحها وتربيتها، والتدريب على الصبر والمشقة، وليس شهر استهلاك وتبذير ومسارعة ومسابقة إلى التسوق من مختلف أنواع المأكولات والمشروبات والمسليات والحلوى بشكلٍ مفرط وممّا لا حاجة له، والتباهي بالتفنن في مختلف أصناف الأطعمة، ينتهي أغلبها إلى القمامة… والله تبارك وتعالى يقول: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) (الإسراء: 26-27). ويقول أيضا: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (31- سورة الأعراف).

وعن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلوا واشربوا، والبسوا وتصدقوا، في غير إسرافٍ ولا مخيلةٍ»؛ (رواه الإمام البخاري رحمه الله).

قال العلامة الموفق البغدادي رحمه الله تعالى: “هذا الحديث جامعٌ لفضائل تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة؛ فإن السرف في كل شيءٍ يضر بالجسد، ويضر بالمعيشة؛ فيؤدي إلى الإتلاف، ويضر بالنفس إذ كانت تابعةً للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها العجب، وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس”اهـ.

وعليه؛ فإن من حِكم الصيام أن يشعر المسلم بحاجة الضعفاء والمساكين والفقراء، وأن يتعود على الصبر والتحمل، قامعا لشهوته، مهذبا لنفسه، متقيا لربه جل وعلا، لقوله تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]ومن ثم فإن التبذير والإسراف يحول دون استفادة المسلم من هذا الشهر العظيم ونفحاته وبركاته.

أما السحور: فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) (متفق عليه).

فوجبة أسرتي فيه خفيفة حيث أتناول فيه شايا وتمرا وزيتونا أو زيت زيتون، مع (سلُّو) منزلي..

وعليه؛ فإن عادة أسرتي في رمضان لا تختلف عن غيره من الشهور، بل الحاجة في شهر البركات إلى الطعام تقل مقارنة بغيره من الشهور.

  • السؤال الثاني: هلا تكرمتم سيدي ببسط أهم معالم يومك وليلتك خلال شهر رمضان خاصة والأمة تعيش آثار الوباء عجل الله برفعه، وما ترتب عنه من تبعات؟

أهم معالم يومي وليتي في الشهر الفضيل: يبدأ يومي بالقيام مع أسرتي الصغيرة، في الثلث الأخير من الليل، يصحبه الدعاء، والاستغفار قبيل أذان الفجر، ثم صلاة الصبح، تليها أذكار الصباح… كما أخصص الفترة الصباحية من رمضان لأشغالي العلمية المتعلقة بالتدريس أو البرامج التربوية الرمضانية، أو أمور الأسرة وغير ذلك..

ومع العصر يبدأ برنامجي القرآني، لقراءة القرآن الكريم، إلى الغروب حيث أذكار المساء…

وبعد الإفطار أستمر في تلاوة القرآن الكريم، إلى آذان العشاء، حيث أصلي بأسرتي الصغيرة العشاء وتراويح القيام، وبعد ذلك نستمر في تلاوة القرآن الكريم.. فضلا عن حصة للذكر، والدعاء عند الإفطار وغيره من الأوقات التي يفضل فيها الدعاء..، إضافة إلى الاستماع إلى القرآن الكريم.

ذلك بأن أهم ما يميز برنامجي هو قراءة القرآن الكريم: ففي صحيح الإمام مسلم رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقرؤوا القرآن، فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه».

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (مسند الإمام أحمد)..

وكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: «الْبَيْتُ إِذَا تُلِيَ فِيهِ كِتَابُ اللَّهِ اتَّسَعَ بِأَهْلِهِ، وَكَثُرَ خَيْرُهُ، وَحَضَرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَخَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ، وَالْبَيْتُ الَّذِي لَمْ يُتْلَ فِيهِ كِتَابُ اللَّهِ، ضَاقَ بِأَهْلِهِ، وَقَلَّ خَيْرُهُ، وَتَنَكَّبَتْ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَحَضَرَهُ الشَّيَاطِينُ» (رواه ابن أبي شيبة).

وقد كان هذا الوباء -أسأل الله تعالى أن يرفعه عنا وعن الإنسانية جمعاء- فرصة أدركنا من خلالها قيمة الأسرة، وأنها الدرع الحصين حقا، والملاذ الآمن، والملجأ الدافئ..

هذه أهم معالم يومي وليلتي في شهر رمضان المعظم.. والله تعالى أسأل الإخلاص في القول والعمل.

  • السؤال الثالث: في الأخير سيدي هل من نصيحة جامعة مانعة لمحبيك ومتابعي موقعنا خاصة من الشباب والشواب لاغتنام فضائل وبركات هذا الشهر الكريم؟

نصيحتي لهم جميعا أنطلق فيها من قوله تبارك وتعالى: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 133).

إن الآية الكريمة تأمرنا باستباق الزمن واستثمار الوقت والسرعة إلى نيل مغفرة الله تعالى، وطلب الزلفى عنده. من أجل ذلك أُمرنا باغتنام الأوقات، خاصة هذه الأيام المعدودات في هذا الشهر العظيم، شهر رمضان المبارك، لذلك أنصحهم -ونفسي:

  • النصيحة الأولى: استثمار هذا الموسم الخيري

الذي يسره الله تعالى لنا، وهو موسم وعد الله فيه عباده بالثواب الكثير والأجر العظيم والنفع العميم، روى الإمام مسلم-رحمه الله- في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعمِئَة ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وَأَنَا أَجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فيه أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ).

فكل الأعمال الصالحة قد بين الله تعالى لنا ثوابها وأنها تُضاعف من عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.. إلا الصيام فإن الله تبارك وتعالى يجازي عليه بغير تقدير، وهو سبحانه أكرَم الكرماء على الإطلاق، والعطيَّةُ بقدر مُعْطيها.. فيكُون أجر الصائم عظيمًا كثيرًا بِلاَ حساب..

إن أيام شهر رمضان معدودات، ولحظاته مُثلى للتسابق إلى الخيرات والتنافس في الأعمال الصالحة، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات..

ومن ثم فإن شهر رمضان ليس شهر تخمة وإسراف، ونوم وكسل وخمول، وإنما هو شهر جد واجتهاد، وصبر وتحمل، وتربية للنفس، ومسابقة ومنافسة، مسابقة إلى الطاعات، ومنافسة في الخيرات، وسعي إلى العبادات. قال الإمام الحسن البصري رضي الله عنه: “إن الله جعل رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا وتخلف أقوام فخابوا”اهـ.

ولذلك ينبغي أن تستيقظ القلوب، وتنهض النفوس من الغفلة لاغتنام الأوقات الربانية والأيام المباركات في هذا الشهر العظيم، وتعـقد العزم الصادق على التقرب إلى الله تعالى، وفق برنامج إيماني مثمر يبدأ بالقيام، وهو نصيحتي الأولى: فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه). (متفق عليه). (إيمانا واحتسابا: أي نية وعزيمة، وطلبا لوجه الله تعالى وثوابه).

وتراويح رمضان من أفضل القيام، يصليها المرء مع أسرته، في هذه الظرفية التي أُلزم فيها الناس بالحجر الليلي، ذلك بأن صلاة الليل شريفة مشهودة مكتوبة يُسمَع فيها الدُّعاء ويُستَجاب، وتقضى فيها الحاجات، وتغفر فيها الذنوب، ويحقق فيها المقصود والمطلوب.

  • النصيحة الثانية: الإكثار من تلاوة القرآن الكريم

ذلك بأن القرآن الكريم يرفع للعبد درجات ويحط عنه سيئات، ويجعله في حصن حصين وسياج متين، ويقربه من ربه جلّ وعلا، عن السيدة الطاهرة العفيفة النقية الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «: الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُو ماهِرٌ بِهِ معَ السَّفَرةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يقرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُو عليهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْران” (رواه الإمام البخاري ومسلم والترمذي رحمهم الله).

وكان الصحابة الكرام رضي الله عنهم والسلف الصالح رحمهم الله يفرّون في رمضان من كل شيء إلى القرآن، ويتنافسون في ذلك، فكان الإمام قتادة المفسر-رحمه الله- يختم القرآن َالكريم في رمضان كلَّ ثلاث ليال مرة، وكان الإمام الأسود بنُ يزيد رحمه الله يختمه في كل ليلتين، وأما عالم المدينة الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، فكان إذا أقبل رمضان يفرّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على قراءة القرآن من المصحف، وكان الإمام علي الأزدي رحمه الله يختم القرآن في رمضان كل ليلة، أما الإمام الشافعي رضي الله عنه فكان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة”، وكان الإمام ابن عساكر رحمه الله يصنع مثل الإمام الشافعي، هذا حتى أنه كان يعتكف في المنارة البيضاء في مسجد دمشق طيلة رمضان لكنه لم يستطع إلا أن يختمه تسعة وخمسين مرة، وكان الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة.

هذا هو حال الصالحين مع القرآن الكريم في كل الأوقات، ويشتد حالهم في شهر رمضان أكثر، لذلك كانوا يكثرون من ختمه مرات متعددة.

  • النصيحة الثالثة: لزوم الدعاء

ذلك بأن للصائم عند فطره دعوة لا ترد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ)(سنن الترمذي).

فعلينا أن نغتنم هذه الفرصة للتوجه بالدعاء إلى الله تعالى. ونخصص وقت السحر للإلحاح أكثر في الدعاء، وكذلك قبل الإفطار لنعرض حوائجنا وحوائجَ أسرنا وأمتنا على المولى تعالى.

وكان الكثير من الصالحين يخصصون لشهر رمضان دعواتٍ مخصوصة، يلحُّون عليها طيلة شهر رمضان في السجود، وبعد الصلوات المكتوبة، وقبل الإفطار، وعند الإفطار، وفي الأسحار.. وكانوا يقولون: فوالله الذي لا إله إلا هو، لا يأتي رمضان القادم إلا وقد أعطانا الله جميع حاجاتنا.

إنه الإلحاح في الدعاء، واليقين في الله تعالى. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ) (سنن الترمذي). وقال صلى الله عليه وسلم: (((إنَّ لله عتقاءَ في كلِّ يوم وليلة، لكلِّ عبد منهم دعوةٌ مستجابة) (المسند للإمام أحمد).

ولنحرص على استغلال الأوقات والأحوال الشريفة في رمضان وفي غيره من ساعات إجابة الدعاء، ولنكثر من الدعاء مع أنفسنا ووالدينا وأزواجنا وأبنائنا وإخواننا ومن له الحق علينا من الأحياء والأموات ومع الأمة جمعاء..

  • النصيحة الرابعة: لابد أن يكون لنا حظ من ذكر الله تعالى

فعن أبى الدَّرْداء رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- “أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعمَالِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى”. (رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم رحمهم الله)..

وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ”.

فذكر الله تعالى من أشرف الأعمال التي يثيب عليها الله تعالى بالأجر الكثير.

ومن الذكر: الاستغفار والإكثار من الصلاة على سيد الأبرار صلى الله عليه وسلم، وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، والأدعية التحصينية في الصباح والمساء، وغير ذلك.

  • النصيحة الخامسة: البر والإحسان

فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ) (صحيح الإمام البخاري رحمه الله).

فالجود هو الكرم والبذل والعطاء والإنفاق من غير سؤال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأكرم الأكرمين في العطاء والإنفاق.

وقال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله في لطائف المعارف: “وكان جودُه أي صلى الله عليه وسلم بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم” اهـ.

ومن البر والإحسان، إفطار الصائمين من الفقراء والمحتاجين والمساكين وغيرهم: فعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) (رواه الإمام الترمذي رحمه الله في سننه، وقال: حديث حسن صحيح).

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وللأمة جمعاء: (ألا أدلُّكَ على أبوابِ الخيرِ: الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدَقةُ تُطفي الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ) (سنن الإمام الترمذي رحمه الله).

وكان الإمامُ الزُّهرِي رحمه الله تعالى، إذا دخل رمضان يقول: (إنما هو قراءةُ القرآن وإطعامُ الطعام).

فينبغي للمسلم أن يتأسى بنبيه ﷺ فيبذل ويتصدق وينفق ليواسي الفقراء والمحتاجين.. فالصدقة تدفع البلاء وتقي مصارع السوءـ، وتكثر الأرزاق، ويثيب الله عليها بغير حساب في هذا الشهر المبارك العظيم..

  • النصيحة السادسة: التحلي بالأخلاق

إن الصيام لا يزيد المسلم إلا تهذيبًا وتزكية وتربية؛ فرمضان شهرٌ للإصلاح والتغيير وتهذيب النفوس وتزكيتها وتربيتها، وهو مدرسة الأخلاق فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). إنها العظمة والسمو والرفعة والقيم النبيلة التي يربي عليها الإسلام أتباعه..

فينبغي أن يكون صيام المؤمن كاملا: فصومُ اللِّسانِ عن الرذائلِ واجبٌ؛ وصوم النفس عن إيذاء الآخرين واجب أيضا.. فالصيام سلامة للجسم وسلامة للنفس والقلب والصدر، سلامة مادية ومعنوية.

  • النصيحة السابعة: التعاون على الطاعات والقربات داخل الأسرة

وذلك بالمحافظة على الصلوات المفروضة في وقتها، وحث الأبناء على ذلك، وتعريفهم بفضلها وفضل هذا الشهر العظيم، مع الإرادة والهمة وبذل الجهد للتزود بالتقوى في هذا الشهر الفضيل، وذلك بالتعاون بين أفراد الأسرة على أداء الصلوات، وقراءة القرآن الكريم، والدعاء، والقيام جماعة حيث يصلي الرجل بأهل بيته، ويتعاون الجميع على البر والتقوى وسائر القربات، حتى تصبح الأسرة منطلقا للنور، ومحضنا للخير، وبيتا من بيوت الله تعالى..

هذا إضافة إلى التعاون بين أفراد الأسرة على القيام بأعباء البيت، ومن ذلك مساعدة الأم في إعداد الفطور السحورِ، وعلى الزوج أن يساعد زوجته في أشغال بيتها في هذا الشهر الفضيل، ولا يكلفها فوق طاقتها، وأن يشكرها على صنيعها؛ فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلْتُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: “كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ.” (مسند الإمام أحمد رحمه الله).

وقالت أيضا: (كَانَ صلى الله عليه وآله وسلم فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ قَامَ إِلَى الصَّلاَة) (صحيح الإمام البخاري رحمه الله).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه) (صحيح الإمام البخاري رحمه الله). تأدبا مع الله تعالى، واحتراما وتقديرا لمن صنعه وأعده وبذل وقته في ذلك.

ومما يجب على الأسرة في هذا الشهر الفضيل الابتعاد عن الإسراف في الطعام والشراب، ذلك بأن بعض الأُسر يجعلون من شهر رمضان مناسبة سنوية للإسراف في المأكولات، وإضاعة الأوقات في التفاهات، وتبذير الأموال فوق الحاجة..

ومجمل الكلام:

إن شهر رمضان شهرٌ عظيم الخيرات، كثير البركات، فيه فضائل عديدة وفوائد جمّة، ينبغي للمسلم أن يغتنمها ويقتنصها.. فمن فُتح له باب من الخير فلينتهزه قبل ان يغلق.

فلنخلص النية، وليكن مقصدنا مرضاة الله تعالى، وطهارة حواسنا، وسمو روحنا، وليكن اجتهادنا في هذا الشهر الفضيل بالاستعانة بمولانا جل وعلا.. فرمضان تجارة مع الله تعالى.. فلنستبق الخيرات، ولنبادر بالأعمال الصالحات وسائر القربات، سارعوا، وسامحوا، وتحابوا، وعيشوا رمضان بقلوب سليمة، وهمة عالية، ونفس تواقة للمعالي وللزلفى عند الملك الوهاب.. اللهم بارك لنا في صيامه وقيامه، وأعنا على تلاوة القرآن، وقضاء حوائج الناس، واجعل قلوبنا مليئة بالمحبة..

اللهم أرنا فيه ما يرضيك، واسمعنا ما يرضيك، وانطقنا بما يرضيك، واستعملنا في مرضاتك.. اللهم بارك لنا في رمضاننا وتقبله منا يا كريم.. والحمد لله رب العالمين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.