منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رائد الدراسات القرآنية العلامة د. التهامي الراجي

عثمان غفاري  

0

تتضوع بنات شفتاي بالحديث خلال شهر القرآن الكريم، عن أستاذ كبيري الأساتذة بالمغرب الأقصى المتخصصين في القرآن وعلومه، العالم الفذّ في علوم القرآن والتفسير والقراءات.

رجل نافح عن القرآن الكريم، ووقف بالمرصاد لأباطيل المستشرقين، وأعداء الدين، ليدمغها بالحق والبرهان، فإذا هي زاهقة. إنه عالم جليل جمع بين العلم الغزير والأدب الجمّ، والاجتهاد الرصين وحسن البديهة، فاقت شهرته العلمية الآفاق، إذْ كان فارسا في ميدان علم القراءات، دون مبالغة أو مزايدة، فقد كان حقا عالما مجتهدا، لا يضاهيه أحد في العالم الإسلامي في تخصص دقيق يصعب على غيره شدَّ الانتباه إليه، شخصية متميزة حقا.. أحيا الله على يديه الدرس القرائي بالمغرب الأقصى في العصر الحديث … وهو يعتبر بحق رائد الدراسات القرآنية بالغرب الإسلامي، إنه العلامة الدكتور التهامي الراجي الهاشمي.

1) التهامي الراجي: نسب شريف وعقل حصيف

رأى العلامة التهامي الراجي الهاشمي -رحمه الله تعالى- النور في 24 ماي سنة 1936 في بيت شريف، يوجد في جوانب بحي أغزديس بالبهاليل، وهي مدينة صغيرة تبعد عن مدينة صفرو بـ 7 كلم، وعن مدينة فاس بـ 28 كلم.

ونشأ العلامة في كنف أسرة علمية عريقة، فجد والده هو: سيدي الهاشمي بن سيدي أحمد خريج جامعة القرويين، وهو الذي طَلب منه سكان البهاليل المجيء إلى قريتهم في شهر شتنبر من سنة 1847 لتذكيرهم بشرع الله الذي نسوْه بسبب تفشي الأميَّة فيهم واشتغالهم الشديد بأنشطتهم الفلاحية، فيسر الله له الأمر حتى صار معروفا عند العامة والخاصة بـلقب “فقيه الدين” وأسرته بلقب “عائلة فقيه الدين” وهو الوسم الذي مازال قائما ومتداولا إلا اليوم.

المزيد من المشاركات
1 من 39

كما أن والده سيدي الهاشمي بن عبد السلام المولود سنة 1896 كان هو كذلك عالما جليلا من خريج القرويين، غير أنه لم يغنم من والديه كثيرا خاصة الأم  زهرة بنت عبد الله بن الحسين جيجي، لأنها توفيت مبكرا كما أن والده لم يعمر كثيرا فقد مات وهو ابن 47 من عمره، يقول رحمه الله تعالى عن أسرته العلمية: ” الخير الذي أنعم الله به عليَّ في تعلمي واشتغالي بالقراءة، يعود إلى آبائي وأجدادي، فكان الجد الذي عشت معه طويلا، وهو قد عمِّر كثيرا (113سنة) والأب كذلك، كانوا يحفظون القرآن ويهتمون به، ويعلمونه الناس، فتعلمت على يدهم، وشجعوني على ذلك جزاهم الله خيرا ورحمهم الله وواصلت الدراسة بعد فراقهم الحياة، فتعلمت ما لم آخذه منهم والحمد لله”

بيئة علمية ووسط قرآني أهله لمسيرة علمية متميزة، بدأت بالتعليم الأولي بمسقط الرأس، ومن تم ولج المدرسة الابتدائية وهو ابن السابعة من عمره، ليحصل على الشهادة الابتدائية من المدرسة الفلاحية. أما تعليمه الثانوي فقد تابعه بمدينة صفرو، وقد اهتم خلال ذلك بحفظ القرآن الكريم حفظا جيدا، كما حفظ كثيرا من المتون العلمية. أما دراسته الجامعية فكانت بجامعة محمد الخامس بالرباط، ليشدَّ بعدها الرحال إلى باريس ليتابع دراسته بالسوربون حيث حضر رسالة دكتوراه السلك الثالث، ثم انتقل إلى جامعة مدريد لتحضير أطروحة الدولة في موضوع القراءات القرآنية، تخصص لسانيات بعنوان: “خلافات القراء بالمغرب والأندلس“،

2) التهامي الراجي: مسيرة علمية وصيت عالمي

فقد كان الشيخ رحمه الله موسوعيا في معرفته، يتقن اللغات العربية والإسبانية والفرنسية، وهذا ما مكنه من التدريس في معاهد متعددة وبلغات متعددة كذلك. كما كان أنيقا في ملبسه سواء المغربي أو الأوروبي. دائم الابتسامة شديد اللباقة، فقد كان بحق علما متميزا من علماء القراءات الذين استثمروا معطيات الدرس اللغوي في تخريج القراءات وتوجيهها، والاحتجاج لها، والتحقيق في ألفاظها واختلافاتها.. فصار جبلا من جبال العلم والاجتهاد والبذل والعطاء، في تواضع جم، ونكران للذات وحرص على التستر والخفاء، إمام ملأ المكتبة الإسلامية عامة والقرآنية خاصة بالمؤلفات والتحقيقات والإشراف على التحقيقات والدراسات العلمية الرصينة، ورحل كما يرحل كثير من أئمة أهل المغرب دون أن يعرفهم المشارقة ولا كثير من المغاربة المغبونون حتى يفيد منه!

شغل مهمة التدريس سيرا على خطى الحبيب المعلم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فدرس في جميع الأسلاك ابتدائي وتأهيلي وجامعي، وتقلد أكثر من منصب معلما، فمفتشا، فإداريا مسؤولا، فمكلفا بمراقبة معاهد القراءات المنتشرة في المغرب كمدرسة سيدي الزوين بمراكش ، ومدرسة دار ازهيرو بطنجة، ومدرسة سيدي التاغي بابن أحمد وغيرها كثير،  ليختم مساره وهو أستاذ كرسي علوم القرآن بكلية الآداب التابعة لجامعة محمد الخامس، وأستاذ كرسي القراءات القرآنية بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وأستاذا زائرا في أكثر من جامعة بكل من فرنسا وجـمـهـوريـة تــشــاد وجمهورية اليمن وغيرهم كثير، واستمر في هاته المهمة حتى وافته المنية بعد أن طلب منه رسميا مواصلة العمل بالتعليم العالي رغم بلوغه سن التقاعد، وإذا كان الدكتور التهامي درس بجميع الأسلاك، وشغل كل هاته الوظائف، فقد درس أكثر من مادة وتخصص طيلة مساره بدءا باللغة الفرنسية وعلوم القرآن والقراءات و الترجمة و دلائلية الإعلام الذي لفضيلته فيها كتاب خاص، ففضلا عن التدريس والإشراف على الرسائل، والمساهمة في التوعية الفكرية والدينية، والمساهمة في المؤتمرات والندوات العلمية داخل المغرب وخارجه، والمشاركات الإعلامية، فقد كان للشيخ حضورًا قويا في مجال التأليف والتحقيق، فقد تجاوزت مؤلفاته الثلاثين، منها  بعض تحقيقاته العلمية مثل المهذَّب فيما وقع في القرآن من المعرَّب، وبعض مؤلفاته التخصصية مثل كتاب  القراءات القرآنية والوقف القرآني، وكذلك بعض الكتب المدرسية مثل الرسم الحديث، والرياضيات الحديثة ( كتاب مدرسي )، وما زالت له بعض الكتب الأخرى التي لم تطبع بعد  مثل الإضافة في القرآن الكريم ، وهاء الكناية في القرآن الكريم ، وكذا تحقيق كتاب فيض نشر الاقتراح ، والأنصاص القرآنية، وتجاوزت مقالاته التي نشرها في مجلة الحق ستين مقالا، نسأل الله أن ييسر لها باحثا متقنا يقوم بجمعها وترتيبها والتقديم لها والعناية اللائقة بها. في حين بلغت الرسائل التي أشرف عليها في مختلف الجامعات المغربية 159 رسالة علمية، منها140 رسالة في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس في لرباط، وتسع رسائل في دار الحديث الحسنية، وأغلب الطلبة الذين أشرف على رسائلهم وأطاريحهم هم الآن عمدة الدراسات القرآنية بالجامعة المغربية، وحجر الزاوية في كثير من المؤسسات العلمية المغربية الرسمية والشعبية والدعوية، ولهم إسهاماتهم العلمية المشهود لها بالكفاءة والجدية، كما أن لهم حضورهم المتميز في كثير من الجامعات العربية والإسلامية.. ولت يمكن أن نختم هذا المحور دون التعريج على مشاركات العلامة- رحمه الله تعالى- المتميزة في الصحف والمجلات الوطنية والعربية والقنوات لتلفزية، وفي لجن تصحيح المصاحف الشريفة بعدد من الدول الإسلامية وإعداد المصاحف بأكثر من رواية، فرحم الله العلامة رحمة واسعة.

 3) التهامي الراجي: نهاية أنفاس وأعمار واستمرار اقتباس وأنوار

توفي العلامة الدكتور التهامي الراجي الهاشمي صاحب شعار “التجديد هو قتل القديم بحثا”؛ رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جنانه، فجر يوم الاثنين 12 جمادى الآخرة 1439 الموافق 29 يناير2018، وصلي عليه في مسجد القدس بحي السلام بمدينة سلا بعد صلاة العصر، ودفن في مقبرة سيدي بلعباس، وحضر الصلاة والدفن جمع غفير منهم فضلاء وشخصيات عامة ومجموعة كبيرة من علماء المغرب من تلامذة الفقيد وغيرهم.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 15

وإن كان الفقيد رحمه الله تعالى ظل من العلماء الأخفياء ، الذين لم يحظوا بما يستحقون من التكريم والإكرام الرسمي، الذي يحظى به في زماننا مروجو التفاهة والسخافة، فإن أجر الفقيد دائم غير منقطع بما خلفه من دراسات وأبحاث علمية مفيدة خادمة للتكامل بين لغة القرآن الكريم وقراءاته، وهي جهود ركزت على منهج الاستقصاء لألفاظ لغة القرآن الكريم، وتحليل أوضاعها الصوتية، والتركيبية، والدلالية، كما ركزت على عطاء القراء واللغويين وإسهامهم التاريخي في خدمة النص القرآني، وهي أبحاث كشفت عن عمق مستواها النظري- حسب شهادة المتخصصين- وينبغي أن تستثمر في الدرس القرائي واللغوي على حد سواء، وأن تعتمد أنموذجا علميا تأسيسيا لطالب التخصص في هذه المادة، ودعوات وشهادات محبيه شرقا وغربا خلدت ذكره في الآفاق، وإنه لمن عظيم منن الله علي أن وفقني الله بالاحتفاء به وتكريمه في عرس قرآني سنة 2004 بسطات وبحضور ثلة من القراء المتقنين و عشرات من علماء القراءات الذين شدوا له الرحال من ربوع المغرب وخارجه، ومئات المحبين، عرس قرآني بهيج تليت فيه القراءات الأربعة عشر، وألقيت شهادات في حق الفقيد من طلبته وزملائه، ومدح في الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وألقى فيه العلامة الرادي رحمه الله تعالى درسا قرآنيا أنهض به الهمم لاستشراف القمم، وصرح في ختامه قائلا: “هذه جنة الله في الأرض من لم يدخلها لم يدخل جنة السماء، وهذه بركة القرآن التي تقاس بموازين، فارزقنا الهمة لنبلغ القمة” فاللهم ارحم جميع علماء الأمة وصالحيها وألحقنا بهم صالحين، وأختم هذه السيرة برثاء العلامة الدكتور محمد الروكي حفظه الله  تعالى والذي بلغه وفاة الدكتور التهامي الراجي وهو وثلة من العلماء بجوار المسجد النبوي، فرفعوا أكفهم داعين الله تعالى له ومؤمِّنين متخشعين.

وأهدى إلى روحه هذه القصيدة في رثائه.

            ” من رحاب المسجد النبوي إلى روح عالم”

 خفق القريض لخطبه فتجهمـا     ***      وطغى المصـاب بوقعـه وتسنّمـا

وعلـى الربـاط كآبــةٌ بنيـــــــــةٌ      ***     وعلى ســلا حزنٌ يَفُـتُّ الصلدما

وأتــى النعــي مقاومـا انفاســـه   ***   يلقـي الكـلام مبعثرا متلعثمــــــا

ويقول فـــي أسـف وحزن لاذع:   ***   مات الشريـف الهاشميُّ مُعَلِّمـــــا

مـــات الشريف مجاهدا بدروسه   ***   مستقبلا متهلـلا متبسمــــــــــــــا

ومجـالس القـــــرآن في تجويده  ***     وعلومه تبكي عليـه تَرَحُّمــــــــــا

ومرابع الحلقات في أرجائهــــــــا   ***   كرسيُّـه يبكــــــي عليـــه تألُّمـــــا

وعلى المدارس والمعــاهد حسرة     ***   مشبوبة بالحزن يَفْري الأعظُمــــا

لهفـى عليـه مواريــــــــا جثمانـَـهُ   ***   أهلُ المودة في الثـرى مستسلمـا

لهفي عليـه وقــــد تعـالت روحـه    ***   نحو السمـاء لتستقـل الأنجمــــــا

لهفـي عليه مفارقـــــا أحبابـــــــه  ***    لبــى النـــــداء معـززا ومكرمـــــا

لهفــــــي عليــه مبارحــــا طلابـه   ***    وصِحابَــه مُتَسَرْبِــلاً وَمُعَمَّمـــــــا

لهفي عليه وقد بكت من فقــــده    ***    كليــةُ الآداب دمعـا أو دمـــــــــــا

في المسجد النبويِّ معتكفا بـــــه  ***    جـــــاء النعـي مهاتفـا ومسَلِّمـــــا

فحزنت من نبا الرحيل مفاجئــــا  ***   وذُهِلت من أن المصــــاب تحتمـا

والموت ليـس بمخلِف ميعـــــادَهُ    ***   أبدا وليس بناقـض مــــــا أبرمـــا

ولقد ذكـرت وفــاته في مجمــــع   ***   فيه المشايـخُ يعقـــدون الأقومــا

فتــــأثـروا وتألموا وإذا بهـــــــــم  ***   رفعوا الأكف من الدعاء إلى السما

بالمسجد النبـوي في جنباتـــــــــه  ***  يدعون يرجون الأعـز الأكرمـــــــا

فالله يرحمـه ويسقــي قبـــــــــره   ***   بالعفو والرضـــوان أغدق أنسمــــا

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.