منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رجل أحلام (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

يظنه الناس أحمقا وهو أعقل العقلاء..غبيا وهو أحكم الحكماء..جاهلا وهو أعلم العلماء..فظا وهو ألطف اللطفاء..
الأمواج تتقاذفه، والأيام تعتصره، وهو صامد صمود الأقوياء..
ضن عليه الزمان، فهام في الخيال، وأطلق لأحلامه العنان..واستمتع بلذة الانتصار! الانتصار على كل شيء..الواقع المرير، والحظ العاثر، والرفاق الأشقياء، والنفس التي لا ترضى أو تقنع بشيء..نفسه تتوق للمعالي وأحلامه تضيق بحملها الجِمال..يعشق الحسن والجمال واللذة والكمال..تستهويه مجالس الكبار ومكاتبهم..يمشي في الطريق ساهما مطأطأ الرأس، يحمل على عاتقه هموما تخر لها الجبال..يحيي من يعرفه ومن لا يعرفه..يحدث نفسه كثيرا..تنفلت منه الهمهمات والقهقهات..يستيقظ من غفلته..يتذكر قوامه النحيل وجسمه العليل..السقوف مشققة تنساب منها الامطار..التجهيزات قد تهرأت وعلاها الصدأ..الراتب هزيل، والمتطلبات لا تنتهي..يحمر خداه..ينتفش شعر رأسه..يكاد يجن..يصرخ بملء فيه: أريد حديقة غناءة، تكثر فيها الظلال، تغرد فيها البلابل بأعذب الألحان، تجري فيها المياه، ويسبح فيها الإوز والأسماك، أريد مكتبا فاخرا كما يظهر على شاشات التلفاز.. أريد حياة ليست كهذه الحياة..
الرفاق يستلذون بترهاته، وهو يستلذ بتهكماتهم..ينبزونه بأقبح النعوت فلا يبالي..
يسير حيث يشتهي، لكنه أسير أحلامه التي لا تتحقق..وهو يتمنى أن لا يستفيق منها أبدا..حتى لو طلع النهار، ودقت الأجراس، معلنة بداية رحلة من العذاب والشقاء والتهممات الأبدية..
يبدو له الكل في حالة فوضى واغتراب..تختلط عليه الأحداث والأزمنة والفضاءات..يحاول عبثا ان يرتب فضاء كينونته، ويجد حيزا في واقع روايته.. وحين يستيقظ من سباته، يدرك ان الكون جميل، وأن نظرته للحياة تحتاج صدمة تعيده إلى واقعيته..وأنه مادام لم يستطع تغيير الكون، فليتعايش مع وضعه وطبيعته..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.