منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قطرات من الألم (قصة قصيرة)

قطرات من الألم (قصة قصيرة)/ محمد بوعنونو

0

قطرات من الألم (قصة قصيرة)

بقلم: محمد بوعنونو

 

جرى الاتفاق بين الإمام الشاب وأهل القرية، والتزم كل طرف بما تم التفاوض بشأنه، الإمام يؤدي الصلاة ويدرس الأطفال، وأهل القرية يؤدون في مقابل ذلك أجرة سنوية محددة، مشفوعة بنصيب مما تجود به الأرض من ذرة أو قمح أو زيت …

وفي صباح اليوم الموالي باشر الإمام عمله، وصدح بأذان عذب ملأ أرجاء القرية الصغيرة، وتزين المسجد بأطفال يرتلون الآيات طرفي النهار.

كان الإمام ذا زوجة حسناء، فكانت تنسيه بحسن عشرتها ذل الفقر والحاجة، وتخفف عنه بابتسامتها وقناعتها ما يلقاه من أجلاف الناس، أولئك الذين لا شغل لهم إلا التشويش على المساجد وإهانة الإمام والتدخل في كل شيء، فكان كلما آب إلى أسرته يحمد الله تعالى على ما أنعم عليه ويجدد شكره لله تبارك وتعالى على ألطافه به.

في المقابل كان هناك رجل من أهل القرية لا شغل له سوى تلبية رغباته وإشباع نزواته، لا يفرق في ذلك بين حلال أو حرام، بين مطلقة أو متزوجة، بين صغيرة أو كبيرة، وإنما يدور مع هواه حيث دار، ويميل معه حيث مال، فالمهم عنده أن يشبع رغباته وشهواته، ثم يمضي إلى حال سبيله.

ثم حصل أن رأى زوجة الإمام صدفة وهي منهمكة في تنظيف الملابس وسط فناء الدار المخصصة للإمام، رآها وقد كستها أشعة الشمس حللا من نور، وشكلت على عنقها العاجي هالات من جمال وجلال، وما هي إلا لحظات حتى سرقت قلبه، وسلبت عقله، وسبت مجامع روحه، فأضحى أسيرها، وأصبح لا يفكر إلا في كيفية استدراجها وقضاء رغبته معها.

ظل أياما كثيرة يفكر ويقدر، حتى اهتدى في الأخير إلى خطة تقضي باستدعاء إلى الإمام إلى بيته، حتى إذا تأتى له ذلك، رجع هو إلى منزل الإمام، فيتسور الجدار ويدخل على الزوجة التي سبت قلبه.

وبالفعل، فقد دعا الإمام في عصر يوم من أيام الخريف إلى كأس شاي، ثم أعد له ما لذ وطاب من الطعام والشراب، ثم جلس معه هنيهة حتى يغطي عن سوء نيته وخبث مقصده، حتى إذا اطمأن الإمام وأنشأ يرتشف من كؤوس الشاي المزخرفة، خرج الرجل الخبيث متظاهرا بأن شخصا قد ناداه، فخرج لا يلوي على شيء، وبسرعة برق أو براق انطلق نحو منزل الإمام، وكخائل جموح قفز وسط الدار، وطفق يرواد الزوجة عن نفسها ويساومها عن شرفها، فبدأت تصرخ وتستغيث، ثم حاول معها بالقوة، بيد أن الصراخ علا واحتد، فلما تأكد أن خطته باءت بالفشل، خرج مسرعا واختفى بين الحقول.

أما الإمام فقد لبث في البيت مدة يرتشف من كؤوس الشاي، حتى إذا أبطأ عليه الرجل وساورته الشكوك، قرّر الخروج والرجوع إلى البيت. ما إن دخل حتى وجد زوجته تبكي وملابسها شبه ممزقة، صدم من هول المنظر، وأنشأ يستنطقها، فقصت عليه ما جرى والدموع تراودها والغصات تخنقها.

ثار الإمام من شدة الغضب، وضرب كل شيء أمامه، حتى زوجته لم تسلم من الضرب، ثم تأبّط خنجرا وخرج بسرعة يقتفي أثر الرجل الخبيث.

علم أصحاب القرية بما حدث وشاع الخبر بينهم، فأوصل الإمام زوجته إلى بيت أبيها، ثم ترك الإمامة وظل يبحث لأيام عن ذلك الرجل.

فلما استيئس، وخجل أن يعود لزوجته التي لم ينتقم لشرفها، حمل أمتعته وقصد وجهة غير معلومة، تاركا للعدالة الإلهية الانتقام من غريمه، واختفى مخلفا وراءه زوجة حبلى وذكريات أليمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.