منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التكسب |شعب الإيمان | الشعبة (47)

سعيد ضياء

0

تَكَسَّبَ الْمالَ أَو العِلْمَ: رَبِحَهُ وطَلَبَهُ، وتكسَّب لأهله: كسب لهم؛ طلب الرزقَ والمعيشةَ لهم…

قال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [1]

هذه دعوة صريحة للعمل، والتكسّب، وبذل الجهد من أجل تحصيل لقمة العيش. وفي الآية بيان من الله عز وجلّ أنّه لا بُدّ للمسلم من الموازنة بين أمر دينه ودُنياه؛ فكما لا بد له من الصلاة، لابد له أيضا من العمل الكادّ، والسعي الجاد لتحصيل الرزق فلا يتكفف العباد، مع حضور المراقبة ودوام ذكر الملك الوهاب.

ولقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الكسب أطيب؟ فقال: “عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور”[2]

والمُرادُ بالكَسبِ: ما يتحصَّلُ عليه الإنسانُ مِن مالٍ، والمرادُ بأطيبِه: أفضَلُه ثوابًا وأكثَرُه بَرَكَةً، فدلّهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على أعمال اليد وتضم الفلاحة والصناعة “عمل الرجل بيده” ودلهم كذلك على التجارة “وكُلُّ بيعٍ مبرورٍ” وهو البيعُ الحلالُ الخالي مِن المُحرَّماتِ؛ فليس فيه شُبهةٌ ولا غِشٌّ ولا خِداعٌ.

المزيد من المشاركات
1 من 43

يقول الأستاذ ياسين رحمه الله:” العمال تحت الإسلام – وكل مجاهد في خير الأمة عامل- جنبا إلى جنب مع التاجر المبرور.”[3]

وقد حثّ مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمل والكسب فقال “ما أكل أحد طعامًا قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده”[4]

والتكسب من الحلال سواء عن طريق الفلاحة أو الصناعة أو التجارة لهو مطلب شرعي يجب العض عليه بالنواجذ، لما فيه من عظيم الفوائد. فالسعي للكسب الطيب يرقى بالعبد المؤمن ويقربه إلى الله تعالى. فطيب كسبه دليل طيب مطعمه ومشربه وملبسه، وهذا يجعل دعاءه أقرب إلى الله وإلا كان دعاءه مردودا لا يستجاب له. قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين وقال (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) وقال (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب أشعث أغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغدي بالحرام فأنى يستجاب لذلك.” [5]

وإحياء شعبة التكسب يخلّص المؤمنين من ربقة إرث الفتنة البغيض، الذي خلّف لنا تركة كلها أوبئة اجتماعية مهلكة، من أشدها فتكا أنفة الناس عن الأعمال اليدوية والكسب الكاد. وبناء الإسلام يريد قلوبا حية بالإيمان، وعقولا راسخة في العلم، وسواعد خبيرة صانعة. تستطيع الوقوف والثبات في السوق العالمية التي تحتكرها بقوة السلاح والتكنولوجيا ووفرة الإنتاج القوى الجاهلية، فتروِّج فيها بضاعة جاهلية، وتبيع وتشتري وتتعاقد بمقاييس جاهلية وقوانين جاهلية.

إحياء شعبة التكسب كواحدة من شعب الإيمان، تجعل من العبد المؤمن عضوا منتجا في أمته، نافعا لمجتمعه، غير عالة على الناس…بل هو ينفع الناس. ويحرص المجتمع بدوره على أن يكرّم هذا العامل، ويكرّم الأطر المسماة وسطى، ويشجع المهارات المهنية واليدوية، حتى يكون العمل والكسب القيمة الأولى في الاقتصاد. ويحرر العمل من طغيان رأس المال، فنؤسس لمجتمع العمران الأخوي الذي نعيد فيه الاعتبار للإنسان من حيث هو إنسان ومن حيث هو عبد لله لا لسواه.

إحياء شعبة التكسب في قلوب الشعوب يعطيها الفرصة للتحليق خارج أسوار العطالة والبطالة والعجز التي أسس لها المستكبرون البغاة وبناها لمصلحتهم المستبدون الطغاة، فتتمكن من اللحاق بركب الإنتاج والتصنيع والتسويق والمنافسة…فتكسب خير الدنيا وتنال أجر الآخرة. قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً إلاَّ كانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْه لَه صدقَةً، وَلاَ يرْزؤه أَحَدٌ إلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً”[6] وفي رواية: “فَلا يغْرِس الْمُسْلِم غَرْساً، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنسانٌ وَلاَ دابةٌ وَلاَ طَيرٌ إلاَّ كانَ لَهُ صدقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامة”. وقس عليه من يغرس حرفة نافعة تتنقل عبر الأجيال.

بل إن الإسلام يعتبر السعي للكسب من طريق حلال ضرباً من ضروب الجهاد في سبيل الله. فقد مر على النبي r رجلٌ، فرأى أصحاب رسول الله r من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، فقال r: (إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان) [7].


 [سورة الجمعة آية 100.].[1]

 [رواه البزار وصححه الحاكم عن رفاعة بن رافع بن خديج.].[2]

[عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص246 ].[3]

[أخرجه البخاري عن المقدام بن معدي كرب ].[4]

[أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ].[5]

[أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ].[6]

[رواه الطبراني عن كعب بن جعرة].[7]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.