منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلسلة؛ الإعجاز الاقتصادي في القرآن والسنة. 3- التدبير والتخطيط الاقتصادي وتعظيم المنافع.

0

إن تعظيم المنافع هو أهم ما يُعنى به علم الاقتصاد، والقرآن الكريم والسنة النبوية يؤيدان هذا الأمر، على ألا تكون هذه المنافع دنيوية فحسب، بل دينية أيضاً، ولا خاصة فحسب، بل عامة كذلك، ولا قصيرة الأجل فقط، بل طويلة الأجل أيضاً، ولا هي من وَضع البشر وحدهم، بل هي بتوجيه وعون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

والتدبير والرشد الاقتصادي في القرآن والسنة يتمثل في مبدأ الاعتدال أو التوسط في الاستهلاك، وتحديد الاحتياجات الاستهلاكية وفقا لمبدأ إشباع الضروريات الأساسية أولا، ثم الحاجيات ثم الحسينيات.

أولا: تعظيم المنافع:

من المقرر عند العلماء أن المقصد العام للتشريع الإسلامي هو جلب المصالح ودرء المفاسد[1]. وهذا يقتضي تعظيم المصالح إلى أقصى حد ممكن، وتقليل المفاسد إلى أدنى حد ممكن. وتدنية المفاسد إنما تعنى قيدا على تعظيم المصالح ضمن الحدود المباحة.

نجد في القرآن الكريم إعجاز اقتصادي بليغ في باب تعظيم المنافع،قال الله تعالى: (وَإذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)[2].       فالمقصود بالطعام الواحد هو المن والسلوى كما في الآية 57 من سورة البقرة.(والمن ضرب من الحلوى، والسلوى لحم طائر. والمعنى: أتأخذون الذي هو أدنى، وتتركون الذي هو خير؟! فالباء تلحق المتروك والاستفهام في الآية يقصد به الإنكار عليهم والتعجب منهم أي هو استفهام إنكاري)[3].

المزيد من المشاركات
1 من 7

والمن والسلوى هما من مشمولات الموارد الحرة الطبيعية، والبقل وغيره مما ورد ذكره هو من قبيل الموارد الاقتصادية. والموارد الطبيعية هي التي تكون هبه من الخالق عز وجل، أي ليس فيها عمل إنساني ولا كلفه إنتاج، بخلاف الموارد الاقتصادية التي ينتجها الإنسان بسعيه واكتسابه، مع استفادته في إنتاجها من الموارد الطبيعية. وقال الإمام القرطبي: (ما أعطوا من المن والسلوى لا كلف فيه ولا تعب، والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب)[4]. ففي هذه الآية أمران اقتصاديان؛

الأمر الأول: يتعلق بالموارد الحرة والموارد الاقتصادية،

الأمر الثاني: يتعلق بالرشاد (لأنه هنا يتعلق بالعمل) كما في قوله تعالى (سبيل الرشاد). فإذا اجتمع أمران، أحدهما نافع، والآخر أنفع منه، فيجب اختيار الأنفع، إذا لم يمكن الجمع بينهما، وإلا لم يكن الإنسان رشيداً، أو كان قليل الرشد. ولهذا يجب اختيار أنفع المنفعتين، إذا تعارضتا ولم يمكن الجمع بينهما، واختيار أهون الشرين، إذا لم يمكن اجتنابهما معاً.وهذا ما يعرف بمبدأ تعظيم المنافع، أي البحث عن أعظم منفعة، بافتراض بقاء الأشياء الأخرى  على حالها. أي إذا استوى خياران في كل شيء إلا المنفعة، تم الأخذ بالخيار ذي المنفعة العظمى.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنها ترجح خير الخيرين، وشر الشرين، وتحصّل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال ـ بارتكاب ـ أدناهما)[5].

فإذا كانت هناك منفعتان دنيويتان، لا يمكن الجمع بينهما، وكانت إحداهما أنفع من الأخرى، أخذنا بالأنفع، وكذلك إذا كانت هناك منفعتان أُخـرويان، أو منفعتان عامتان، أو قصيرتان، أو طويلتان…إلخ، كل ذلك بشرط أن تستوي الأمور الأخرى، لكن إذا كانت هناك منفعتان متعارضتان، إحداهما عامة، والأخرى خاصة، قدمت العامة على الخاصة، أو منفعتان إحداهما أخروية والثانية دنيوية، قدمت الأخروية، أو منفعتان إحداهما متعدية والأخرى قاصرة، قدمت المتعدية.

ثانيا: في التدبير والتخطيط الاقتصادي:

نجد الإعجاز الاقتصادي في التخطيط الإداري – الاقتصادي في سبق الإسلام بمبدأ سلطان الإرادة، وفي قصة يوسف عليه السلام، فعندما نقرأ سورة يوسف في القرآن الكريم نجد إحدى عبقريات الإدارة الاقتصادية الحكومية في وقت الأزمات، لقد كان تأويل نبي الله يوسف عليه السلام للرؤيا بقدوم سبع سنوات من الأمطار والازدهار الزراعي وكثافة الإنتاج، التي ستتبعها سبع سنوات من الجدب والقحط وانقطاع المطر، لم يكتف النبي الرحيم وهو في السجن ويعاني الظلم بالتفسير دون النصيحة، فقدم نصيحته التي تعبر عن الفكر الاقتصادي الخلاق والعلم بالزراعة ودقائقها حين قدم لهم وصفة النجاة، ونصحهم بالاقتصاد وعدم الإسراف أثناء الصرف والاستهلاك على الرغم من كثافة المحصول، وهذا سلوك مناف للفطرة وللطبيعة البشرية أصلاً، حيث يكون السلوك في أعلى معدلاته الاستهلاكية في حالات الرواج، فكانت عبقرية يوسف عليه السلام الفذة في التجهيز للأزمة والاستعداد لعلاجها بدأت قبل سبع سنوات من وقوعها.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 22

كان يوسف عليه السلام أول من وضع قواعد الادخار الحكومي الموثق على مر التاريخ، وأول من أشار إلى الدورات الاقتصادية من حيث الرواج والكساد، وقاس كثير من المنظرين هذه الدورات بمدة “سبع سنوات” كعمر تقديري متوقع للدورة الواحدة. ونستفيد من القصة أن علاج الأزمات يجب أن يتم الشروع فيه قبل وقوعها، حيث تتوافر الأدوات، وأن التوقع والاستشراف أهم من العلاج، كما نستفيد منها أهمية تولي القوي (علماً ومعرفة) والأمين (خلقاً وأمانة وإخلاصاً) المسؤوليات الصعبة.

وقد حدد الخبير الاقتصادي ميكيل شنايدر، وغير من الخبراء، الدورة الاقتصادية في سبع سنوات، وقام باستقراء للأزمات الاقتصادية، ليبرهن على صحة هذه النظرية[6].

ومن حسن التدبير أن الله تعالى، الرزاق ذو القوة المتين، أمر بالتوسط والاعتدال، ونهى بأساليب تُقرع الآذان عن التبذير وإضاعة المال، فقال عز وجل: “وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً. إِنَّ الْمُبَذرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ” (الإسراء:26-27). والقيمة المؤكدة في القرآن الكريم في هذا الباب هي التوسط والقوامة، قال تعالى: “وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا” (الفرقان:67).

ثالثا: التخطيط وحسن التدبير من السنة والسيرة النبوية.

لقد حـثّ النبي صلى الله عليه وسلم على عدَّة تدابير؛ لعدم الوقوع تحت طائلة الظروف الاقتصادية الضاغطة. ومن أهم هذه التدابير: الاقتصادُ في المعيشة، والتي تقتضي عدمُ التبذير، والتوسط في الإنفاق؛ فعن عبد الله بن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما عال من اقتصد)[7]. وعن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَعِيلُ أَحَدٌ عَلَى قَصْد وَلَا يَبْقَى عَلَى سَرَفٍ كَثِير). وعن ثَابِت، عَنْ أَنَس، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الِاقْتِصَادُ نِصْفُ الْعَيْشِ). ومعنى هذه الأحاديث: ما افتقر من اقتصد في معيشته وتجنّب الإسراف، ولن يصل إلى حد الفقر المذقع من تجنّب التبذير، وكان خلقه عليه السلام التوسط والاعتدال في كل شيء، وكان يجتهد في التخطيط وحسن التدبير للعيش اليومي، ولكل تصرفاته المالية، كما هو ثابت في السنة الفعلية، وفي سيرته عليه السلام.

والحمد لله رب العالمين.

[1]-يُنظر: شفاء الغليل للإمام الغزالي الصفحة: 103، والموافقات للشاطبي، ج: 1/ ص:165.

تخريج وتعليق الشيخ عبد الله درّاز. (دار الحديث القاهرة، طبعة: 1427هـ-2006م).

[2]– سورة البقرة / الآية: 61.

[3]– تفسير الطبري، المسمى جامع البيان في تأويل القرآن.ج:1 / ص: 312. (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: 1412هـ-1992م).

[4]– الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي، ج:1 / ص: 428.تحقيق الدكتور مجدي محمد سرور.

(دار البيان العربي، الطبعة الأولى: 1429هـ-2008م).

[5]– فتاوى ابن تيمية، تحقيق: عبد الله جار الله.ج: 2 / ص: 48. (مكتبة الطرفين، الطبعة الأولى: 1410هـ).

[6]– ميكيل شنايدر. دورة السبع سنوات من الانهيارات الاقتصادية، مجلة “الغـد”، سبتمبر 2014م.

[7]– رواه الإمام أحمد حديث رقم: 2469.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.