منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نظرات في قضية اصلاح التعليم بالمغرب بين الخيار المؤسساتي والاتجاه الأكاديمي

هشام العفياوي

0

 

 

تقديم:

مما لا شك فيه، أن الوضع التعليمي بالمغرب عرف إصلاحات متعددة للمنظومة، لكن هذه الإصلاحات قد شابتها اختلالات بنيوية ومنهجية لم تمكنها من تحقيق المراد منها في تحقيق تعليم في تطلع المغاربة. ومن بين الأسباب الرئيسة في ذلك، نجد غياب فلسفة وتصور أو رؤية واضحة للتعليم المغربي.

إن غياب هذه الرؤية الفلسفية (غياب ماهية محددة للتعليم) الواضحة للتعليم، جعله يتخبط منذ البداية، من إصلاح إلى آخر، ومن سياسة إلى أخرى، ومن اجتهاد حكومة إلى أخرى. هذا مع ضياع الوقت، وضياع الجهد، وضياع الفرص والامكانيات والكفاءات…وفي هذا الصدد، يلخص الدكتور ادريس الكتاني مشكلة التعليم بقوله: ” لا يخفى عليكم أن كل دولة في العالم تحترم نفسها، تسهر وتخطط وتضع برامج للتعليم ومناهجه، طبق حضارتها وديانتها وتاريخها، وفلسفتها سواء كانت يسارية أو يمينية، أول ما يطرح على الدولة المسؤولة وعلى وزارة التعليم وأهداف التعليم، الأهداف التي يطمح المسؤولون الى تحقيقها من خلال تكوين أجيال الغد، طبق حاجياتهم ومتطلباتهم. كانت مشكلة الأهداف والسياسة التعليمية أول مشكل طرح على المغرب في بداية الاستقلال “[1].

هذا بالإضافة، إلى أنه بالرغم من تحديد المرتكزات الأساسية لتحديد فلسفة واضحة للتعليم، وبدأت الفرق واللجن الغيورة على مصلحة البلاد بعد كارثة الاستعمار من تحديد الأرضية واللبنة الأساسية لوضع فلسفة تنظيرية للتعليم المنشود للمغرب، إلا أن الاستعمار ومعاوله، ما فتئا يحاولان منع أي بلورة لفلسفة واضحة لتعليم يعبر عن هوية وخصوصية وحضارة البلد بشكل من الأشكال، إما تلميحا أو تصريحا، بتدخل مباشر أو غير مباشر في المسألة التعليمية. وكشهادة للدكتور ادريس الكتاني في الموضوع، يبين بقوله ” إن السياسة الاستعمارية ليست سياسة خفية على أي أحد، هم يعرفون ويصرحون بها، ولكنها بلغت القمة في احتقار المغرب واحتقار الشعب المغربي، ذلك أن يأتي وزير التعليم الفرنسي ويقدم لوزير التعليم المغربي مشروع إدخال برامج البكالوريا الفرنسية بنصها وفصلها بوزارة التعليم المغربي على أساس برنامج: المسالك المزدوجة، … هذا بالرغم من التنديد بهذا المشروع في وسط الأحزاب السياسية، والممثلة للحكومة، وهي تطبق هذه السياسة. لا تفسير لذلك، إلا حالة السقوط التي يعيشها العالم العربي” [2].

المزيد من المشاركات
1 من 8

وبهذا التدخل في الشأن التعليمي، ” تم وأد جهود محاولة بلورت تعليم مغربي أصيل مرتبط بهوية الحضارة المغربية وتاريخها ويتطلع إلى غد أفضل، وبقيت حبرا على ورق، عبر رفض المسؤولين كل التصاميم التي وضعها الخبراء المغاربة، وكانت النتيجة هي تكريس الازدواجية في التعليم على مستوى اللغة، وبإعطاء اللغة الأجنبية حصة الأسد في المعاملات، بعد 14 عاما من تجربتها، هي إعلان فشلها “[3].

يتضح مما سبق، ارتباط جوهر مشكلة التعليم المغربي بغياب فلسفة تنظيرية واضحة تخدم هوية الوطن الحضارية، وبتدخل الوصاية الأجنبية فيه، يبقى التساؤل حول ما جدوى مسلسل إصلاح التعليم بالمغرب بعد ارتباط أي مشروع إصلاحي بالإملاءات الأجنبية؟ وامام هذا الوضع المرتبط بخضوع التعليم للوصاية الاجنبية، فما هي معالم مشاريع الإصلاح التعليمي المرتبطة بتوجه الدولة؟ وهل استطاعت التخلي في خيارات مشاريع هذه الاصلاحات عن تأثير وضغط الوصاية الاجنبية؟ وما هي الاعطاب التي رافقتها بشهادة الخبراء؟ وما هي معالم الاجتهادات الأكاديمية في طرح نموذج إصلاحي لمنظومة التعليم؟ وما هو الرهان او الخيار الاساسي الذي قامت عليه هذه الاجتهادات الاكاديمية في دعوتها لإصلاح هذه المنظومة؟

للجواب على هذه التساؤلات، تجدر الإشارة أولا إلى أن أخطر التحديات التي عاشها المغرب هو تحدي الاستعمار الذي سلبه خيراته وثقافته وحضارته، مما دفع الشرفاء فيه الى النضال من أجل مواجهته، وقد استطاع المغرب من تحقيق الاستقلال بعد نضال وجهاد مريرين. لكن التحدي الثاني بعد الاستقلال هو تحدي بناء الوطن، في ظل وطن منهوب ومنهوك بالنضال والمقاومة وبالفقر والجهل ومخلفات وتداعيات الاستعمار عليه؛ ثقافيا، اقتصاديا، اجتماعيا، وسياسيا. ولعل أهم منطلق فكر فيه المغرب للانطلاق من جديد في هذا البناء كان هو الالتفات لقطاع التعليم، نظرا لأهميته وبعده الاستراتيجي للأمة المغربية ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا.

ومن المعلوم أن الحديث عن موضوع التعليم ومشاريع إصلاحه، وإعادة بنائه بعد الاستقلال، قد تطرقت إليها أقلام عديدة. لكن سنحاول التركيز هنا على أهم الإصلاحات والمشاريع التي طبقت كخيار مرتبط بتوجه الدولة في الآونة الأخيرة، تلك التي استنفذ المغرب تجربته منها بعد تطبيقها، والتي اعتبرت كتجربة رائدة من قبل المسؤولين. ونخص بالذكر هنا: مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين والمخطط الاستعجالي الذي جاء بعده.

وقبل عرض مواقف واتجاهات هذه التجارب، نشير الى أهم ما جاء فيهما:

أولا: الخيار المؤسساتي لإصلاح التعليم بالمغرب نموذجا الميثاق الوطني للتربية والتكوين والمخطط الاستعجالي المكمل له

أ- الميثاق:

يعد الميثاق الوطني للتربية والتكوين كخيار سياسي جاء ليساير المستجدات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية التي دفعت اليها ضرورة تقارير دولية مثل البنك الدولي وكذا بعد أزمات عرفتها بلادنا ولا سيما في قطاع التعليم والمجال الاقتصادي أساسا، انتهت باللجوء إلى تبني سياسة التقويم الهيكلي باعتباره كسياسة اقتصادية مع منتصف الثمانينيات “نتيجة فشله في تسديد ديونه لمؤسسة صندوق النقد الدولي، حيث لجأت هذه المؤسسة المالية الدولية إلى تقديم هذا البرنامج الإصلاحي في البنيات والبرامج التي يقوم عليها الاقتصاد المغربي، وذلك سنة 1983، إذ أنه خلال هذه الفترة عرف المغرب فساد بيروقراطيا إداريا وفترة جفاف أثرت على القدرة الشرائية للمواطن وارتفاع حجم الديون الخارجية، كما أن تراكم المستحقات المتأخرة للدين الخارجي ونقص احتياط النقد الأجنبي وعدم كفايته لتمويل فواتير الواردات، هذا كله ساهم في لجوء مؤسسة صندوق النقد الدولي إلى فرض هذا البرنامج التقشفي الذي ينبني أساسا على خلق ضرائب جديدة وقليلة تحل محل الضرائب الكثيرة المعمول بها سابقا “[4]. ونظرا لسياسة التقشف هاته، انعكست على قطاع التعليم اساسا بشكل كارثي، إذ تمثلت في التقليل من نسبة الانفاق المالي على قطاع التعليم؛ والذي أفرز بدوره تعليما هشا ورديئا بسبب قلة توظيف الاطر التعليمية والادارية فيه، وظهور بطالة حاملي الشهادات العليا، وجعل الدولة في مأزق سياسي واجتماعي واقتصادي، انتهى بها الأمر في الأخير على مستوى قطاع التعليم للخروج من تداعيات هذه السياسة باللجوء إلى التفكير في وضع إصلاح تربوي شامل، تضعه لجنة من رجال المقاولة والتعليم والإدارة والمجتمع السياسي والمدني…الخ. ومن هنا يأتي سياق الحديث عن ميثاق التربية والتكوين والمخطط الاستعجالي المكمل له. فعلى مستوى الميثاق، فما هي ماهيته؟ وما هي مضامينه ودلالاته؟ وما هي مواطن قوته وضعفه؟

يعتبر الميثاق الوطني منظومة إصلاحية تضم مجموعة من المكونات والآليات والمعايير لتغيير نظامنا التعليمي والتربوي وتجديده على جميع الأصعدة والمستويات قصد خلق مؤسسة تعليمية مؤهلة وقادرة على المنافسة والانفتاح على المحيط السوسيو اقتصادي، ومواكبة كل التطورات الواقعية الموضوعية المستجدة، والتأقلم مع كل التطورات العلمية والتكنولوجية ولاسيما في مجالات: الاتصال والإعلام والاقتصاد. ويعتبر الميثاق الوطني مشروعا إصلاحيا كبيرا وأسبقية وطنية، والذي تحددت بموجبه عشرية الإصلاح التربوي (2001-2010) لتحقيق كافة الغايات والأهداف المرسومة لإخراج البلد من شرنقة التخلف والأزمات والركود والرداءة إلى بلد متطور حداثي منفتح تسوده آليات الديمقراطية والجودة والقدرة على المنافسة والمواكبة الحقيقية.

هذا، “ويتكون الميثاق الوطني من قسمين أساسيين: إذ خصص القسم الأول للمرتكزات الثابتة لنظام التربية والتكوين والغايات الكبرى المتوخاة منه وحقوق وواجبات كل الشركاء والمجهودات الوطنية لإنجاح الإصلاح. أما القسم الثاني، فقد خصص لمجالات التجديد ودعامات التغيير. كما قسم القسم الثاني إلى ست مجالات كبرى وتسع عشرة دعامة للتغيير. وهذه المجالات الستة الأساسية هي:

1- نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي.

2- التنظيم البيداغوجي.

3- الرفع من جودة التربية والتكوين.

4- الموارد البشرية.

5- التسيير والتدبير.

6- الشراكة والتمويل”[5].

يستند الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى مجموعة من المبادئ والثوابت؛ كالاهتداء بالعقيدة الإسلامية، وروح الوطنية، والتشبث بالملكية الدستورية، والتمسك بالتراث الحضاري والثقافي واللغوي المغربي العريق، والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة، والسعي بالمغرب نحو امتلاك ناصية المعرفة والتكنولوجيا الحديثة. أما الغايات الكبرى، فتتمثل في جعل المتعلم محور الإصلاح والتغيير عن طريق رفع مستواه التحصيلي والمعرفي والمهاري وذلك بتلبية حاجياته الذهنية والوجدانية والحركية. والعمل على تكوين أطر مستقبلية مؤهلة ومؤطرة كفأة قادرة على الإبداع والتجديد وتنمية البلاد. وتسعى بنود الميثاق إلى جعل المدرسة المغربية مدرسة منفتحة سعيدة مفعمة بالحياة والتنشيط وجعل الجامعة كذلك جامعة منفتحة وقاطرة للتنمية. وينبغي أن تكون المؤسسات التربوية سواء كانت مدارس أم جامعات فضاءات للحريات والحقوق الإنسانية وأمكنة للحوار والتعلم الذاتي. ولابد من شراكة حقيقية مع الجماعات المحلية والآباء وأولياء الأمور والشركاء الآخرين للمساهمة في النهوض بالقطاع التعليمي قصد تحقيق الجودة والتعميم وإجبارية التمدرس. ومن ثم، سيكون الإصلاح التربوي ميثاقا وطنيا عشريا ذا أهمية وطنية كبرى يحقق نتائجه بشكل مرحلي متدرج خاضع للمراقبة والتقويم والتتبع. لكن أغلب هذه الوعود للأسف لم تبلغ مراميها، وهي التي ستمهد الى التفكير في المخطط الاستعجالي فيما بعد، والذي بدوره سيحاول تحقيق هذه الاهداف. لكن سرعان ما سيقف عاجزا عن بلوغا هو الآخر بالرغم من الاعتمادات المالية والجهود الكبيرة التي خصصت لذلك. إلا انه في الاخير لم يترجم كل وعوده إلى حقيقة، واستعجاليته خير دليل.

يهدف الميثاق الوطني للتربية والتكوين في مجاله الأول إلى نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي عن طريق تعميم تعليم جيد في مدرسة متعددة الأساليب ومحاربة الأمية في إطار التربية غير النظامية للقضاء عليها تدريجيا في سنة 2010 بنسبة 20% وبشكل نهائي في 2015 بنسبة100% ولن يتم ذلك إلا في إطار اللامركزية والشراكة في التربية بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني والسلطات المحلية والمجتمع السياسي والمنظمات الحكومية وغير الحكومية مع توظيف الإعلام المرئي لتحقيق الأهداف المسطرة للقضاء كليا على الأمية بكل أنواعها، فضلا عن خلق تلاؤم أكبر بين النظام التربوي والمحيط الاقتصادي عن طريق الاندماج المتبادل بين المؤسسة التعليمية والمحيط البيئي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمهني أو عبر الانفتاح الوظيفي على الحياة العملية وآفاق الإبداع إما بواسطة التمرس والتكوين بالتناوب وإما عن طريق التكوين المستمر [6].

ويستهدف المجال الثاني من الميثاق التنظيم البيداغوجي وإصلاحه وتغييره عن طريق إعادة الهيكلة وتنظيم أطوار التربية والتكوين ابتداء من التعليم الأولي والإعدادي مرورا بالثانوي التأهيلي وانتهاء بالتعليم الجامعي عن طريق تنظيم أسلاك التعليم وشعبه وشواهده وأهدافه ومضامينه وأساليب تقويمه مع مراعاة تطوير التعليم الأصيل والمجموعات ذات الحاجات الخاصة كأبناء الجالية في الخارج واليهود المغاربة. كما يستتبع الإصلاح البيداغوجي إصلاح أنظمة التقويم والمراقبة المستمرة والتتبع والمراقبة بموازاة مع إصلاح التوجيه التربوي والمهني [7].

أما المجال الثالث فيسعى إلى الرفع من جودة التربية والتكوين عبر مراجعة البرامج والمناهج والكتب المدرسية والوسائط التعليمية وتدبير أفضل لاستعمالات الزمن والإيقاعات المدرسية والبيداغوجية وتحسين تدريس اللغة الأمازيغية واستعمالها وإتقان اللغات الأجنبية من أجل امتلاك مفاتيح وآليات العلم والمعرفة والتكنولوجيا والتفتح على الأمازيغية لمعرفة مكونات الهوية الثقافية والحضارية دون أن ننسى الاستعمال الأمثل والوظيفي للتكنولوجيات الجديدة والإعلام والتواصل وتشجيع التفوق والتجديد والبحث العلمي وإنعاش الأنشطة الرياضية والتربية البدنية المدرسية والجامعية والأنشطة الموازية[8].

وفي المجال الرابع الخاص بالموارد البشرية، يتم التركيز على حفز الموارد البشرية وإتقان تكوينها وتحسين ظروف عملها ومراجعة مقاييس التوظيف والتقويم والترقية مع تحسين الظروف المادية والاجتماعية للمتعلمين والعناية بالأشخاص ذوي الحاجات الخاصة ولاسيما المعاقين منهم[9].

وفي المجال الخامس المتعلق بالتسيير والتدبير، فقد دعا الميثاق الوطني إلى سن سياسة اللامركزية وإقرار اللاتمركز في قطاع التربية والتكوين وتحسين التدبير العام وتقويمه بطريقة مستمرة وتوجيهه اعتمادا على سياسة التدبير ومحاربة البذخ والتبذير وترشيد النفقات والتحكم في الإنفاق بانتهاج الشفافية والمحاسبة والديمقراطية وسياسة التوازن بين الموارد والمصاريف. ويعمل المجال كذلك على تنويع أنماط البنايات والتجهيزات وضبط معاييرها وملاءمتها مع محيطها وترشيد استغلالها وحسن تسييرها[10]

ويخص المجال السادس والأخير الشراكة والتمويل عن طريق حفز قطاع التعليم الخاص وضبط معاييره وتسييره ومنح الاعتماد لذوي الاستحقاق وتعبئة موارد التمويل وترشيد تدبيرها[11].

وعلى الرغم من هذه المستجدات والمجالات والدعامات الإصلاحية الإيجابية والطموحة التي ينص عليها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فإن هناك في الواقع بعض الصعوبات والمشاكل تتجلى في التباعد الحاصل بين البرامج التعليمية والتطور العلمي، ونقص الموارد البشرية والمادية المتاحة للتربية والتعليم، والتنافر بين حاجيات سوق العمل والمناهج التعليمية…الخ.

ب- المخطط الاستعجالي:

شكل ” المخطط أو البرنامج الاستعجالي خطة إنقاذ للنسق التربوي التعليمي المغربي من الأزمات العديدة التي يتخبط فيها. ويستند في جوهره على مبدأين أساسين. المبدأ الأول يكمن في التخطيط المبرمج الذي يتسم بالتدقيق، والتركيز، والانتقاء، والفاعلية، والإجرائية، والبراجماتية، وقابلية التنفيذ… والمبدأ الثاني يتضح جليا في التنفيذ الفوري للبرنامج، والتسريع في تطبيقه، وترجمته ميدانيا وواقعيا، بدون تريث ولا إبطاء ولا تأخير، ولو تحقق ذلك التطبيق عبر فترات متعاقبة، وتم تنفيذه بشكل استعجالي متدرج عبر سنوات دراسية متوالية. ويقول وزير أحمد أخشيشن:” الزمن المدرسي زمن بطيء، على اعتبار أن إدخال أي تدبير يستغرق مدة من الزمن. وهذا يجعل كذلك محاسبة نجاح أو فشل العمليات الإصلاحية يتعدى الزمن السياسي والحكومي، بل عن النتائج الفعلية لن تظهر إلا بعد عشر أو خمس عشرة سنة.

ومنه، فالمخطط الاستعجالي، حسب وزير التربية الوطنية المغربي أحمد أخشيشن، هو عبارة عن رؤية متكاملة قابلة للإنجاز في ظرف وجيز وبمثابة خارطة طريق تحدد الخطوات العملية التي يجب الالتزام بها من أجل إصلاح المنظومة التعليمية المغربية. ويمكن اعتبار هذا المخطط الاستعجالي أيضا بمثابة ميثاق وطني ثان للتربية والتكوين يعتمد في قراراته ومبادئه على نتائج تقرير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2008م” [12].

وتتلخص الاسباب الاساسية التي استوجبت التفكير في هذا البرنامج الاستعجالي وكما هو معلوم في منظومة التعليم المغربي المشاكل البنيوية والوظيفية، والتعثرات العديدة التي تتخبط فيها المؤسسات التعليمية. ويمكن الاشارة هنا الى أسباب عامة وخاصة، ويمكن حصر البعض منهما فيما يلي:

اسباب عامة:

– التقارير الدولية التي رتبت المغرب ضمن الدول المتخلفة الفقيرة التي تنتشر فيها الكثير من الظواهر والآفات السلبية الخطيرة كالفقر، الرشوة، المتاجرة في المخدرات، تزييف الانتخابات، الأمية، استفحال الدعارة، كثرة حوادث السير، غياب الديموقراطية الحقة، الاستهانة بحقوق الانسان المشروعة الطبيعية والمكتسبة.

– تأرجح المغرب على مستوى مؤشر التنمية البشرية العالمية ما بين 126 و130 بسبب الاوضاع المتدهورة على مستوى الدخل الفردي والصحة والتعليم. ناهيك عن تردي الاوضاع الحقوقية والاجتماعية والثقافية والانسانية.

– تقرير التنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، الذي أشرف عليه البنك الدولي بواشنطن، الذي وضع المغرب على صعيد التربة والتعليم في مراتب الدول المتخلفة والاخيرة، بحيث صنف المغرب في المرتبة 11 من مجموع 14 دولة عربية وإسلامية[13].

أسباب خاصة:

– فشل الإصلاحات التعليمية السابقة.

– كساد بعض النظريات التربوية على مستوى التنظير والتطبيق. ومن بينها نجد: الحث على تطبيق نظرية الأهداف والأخذ بالنظرية التداولية، والإشادة بنظرية الجودة. والدعوة الى تمثل نظرية الشراكة. واستلهام نظرية مشروع المدرسة، واستنبات نظرية الكفايات، وتمثل نظرية الادماج، والالتزام بخوصصة المقررات الدراسية، وتحريرها تجاريا على ضوء الانضباط بمقررات دفتر التحملات…

– فشل وزارة التربية الوطنية في تطبيق بنود الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

– تردي وضع المدرسة المغربية هيكليا ووظيفيا وإنتاجيا وقيميا. كما بدأت تفقد جاذبيتها من قبل التلاميذ والأسر المغربية، بحيث أصبح التلاميذ يغادرونها نحو المدارس الخصوصية. كما تحولت المدارس الخاصة بدورها مؤسسات تجارية.

– تحول المدرسة المغربية الى فضاء للصراع الاجتماعي والتفاوت الطبقي وانتاج الاف من الطلبة العاطلين بدبلومات لا تستجيب لمعايير السوق الوطنية.

– ارتفاع نسبة الهدر المدرسي، حيث ينقطع أكثر من 380 ألف طفل عن المدرسة سنويا قبل بلوغ 15 سنة عام 2006م بسبب لم تعد المدرسة تؤمن المستقبل للأسر المغربية وتأهيل أبنائهم لفرص العمل في سوق الشغل. وذلك بنسبة 40%، وهو رقم يعاكس فلسفة الميثاق الذي نص على تعميم التعليم، والقضاء على الأمية نهائيا سنة 2015.

– بالإضافة الى ظاهرة الهدر المدرسي هناك ظاهرة التكرار التي تؤثر على ميزانية الدولة، إذ كانت تزداد بنسبة 13% في الابتدائي، و17% في الثانوي، وما فوق 30% في الاعدادي والسنة الثانية من الباكالوريا. علما أن التكرار في الدول المتقدمة ممنوع بموجب القانون.

– تدهور الفضاءات التربوية والتعليمية وضعف البنايات والتجهيزات الاساسية. مما كرس ظاهرة الاكتظاظ في الاقسام بسبب قلة الموارد البشرية وقلة بناء الاقسام من طرف الدولة.

– المحسوبية في قطاع التربية والتعليم وارتفاع الموظفين الاشباح، ونهج سياسة التفييض المقنع…

– عدم قدرة المنظومة التعليمية المغربية مع مستجدات الثورة المعلوماتية، وغياب التكوين المستمر للمدرسين ورجال ونساء الادارة..

– وعلى المستوى الجامعي، يبرز مشكل الاكتظاظ. مع غياب التوازن بين المسالك العلمية والتكوينية الادبية. وتفاقم الخصاص في الموارد البشرية[14].

وبناء على هذه الاسباب، تقرر البرنامج الاستعجالي لتحقيق الاهداف الثلاثة الاتية هي:

– إعداد المدرسة

– تكوين المدرس

– جلب التلميذ إلى المدرسة.

وهي أهداف لم يستطيع الميثاق بلوغها، لذلك تم التفكير في البرنامج الاستعجالي كأولوية [15].

وعليه. يرتكز البرنامج الاستعجالي على مبدأ جوهري موجه، هو بمثابة أساس ينم عن مقاربة جديدة وعملية تتجلى في:

جعل المتعلم في قلب منظومة التربية والتكوين وجعل الدعامات الأخرى في خدمته وذلك بتوفير:

ـ تعليمات ترتكز على المعارف والكفايات الأساسية التي تمكن التلميذ من إمكانيات التفتح الذاتي.

ـ توفير الأدوات البيداغوجية اللازمة للأساتذة لممارسة مهامهم، والعمل في ظروف مواتية.

ـ توفير مؤسسات ذات جودة مناسبة لتحقيق التعليم.

وانسجاما مع التوجهات التي حددها تقرير 2008 للمجلس الأعلى للتعليم، اقترح البرنامج الاستعجالي خطة عمل تتوخى تحقيق أربعة أهداف أساسية تمثل مجالات التدخل ذات الأولوية:

1 ـ التحقيق الفعلي للإلزامية التمدرس إلى غاية السن 15 سنة وربطه ذلك بالتعليم الأولي، وضمان استمرارية هذا التمدرس، لهذه الغاية سيتم تفعيل كل الدعامات الكمية والنوعية. وسواء تعلق الأمر بتنمية العرض في مجال التعليم الأولي أو بتوسيع القدرات الاستيعابية للمدارس الابتدائية والإعداديات والثانويات، وتوسيع التغطية على مجموع التراب الوطني، وتأهيل المؤسسات التعليمية من خلال توفير ظروف ملائمة للتعليم، وبلورة تدابير كفيلة بضمان تكافؤ الفرص لفائدة ” المقصيين ” من المنظومة التربوية (الفتيات ـ الأطفال ذوو الحاجات الخاصة، الأطفال المعوزون، أو بنهج سياسة فعالة لمحاربة ظاهرة التكرار والانقطاع عن الدراسة. والعمل على تحسين جودة التعليم على مستوى المعارف والكفايات الأساسية وتحسين ظروف الحياة والمحيط المدرسي.

2 ـ حفز روح المبادرة والتفوق في المؤسسة الثانوية وفي الجامعة وهكذا فإن أهمية تفعيل إلزامية التمدرس إلى حدود 15 سنة، تفرض تشجيع وتنمية التمدرس إلى ما بعد هذا السن في مستوى الثانوي التأهيلي ثم في التعليم العالي ولهذا الغاية، اتخذت كل التدبير الضرورية من أجل تنمية العرض التربوي في الثانوي التأهيلي وتشجيع التميز به من جهة، ومن جهة أخرى دعم العرض في التعليم العالي قصد تيسير التحاق الطلبة به، وتأهيل خريجي التعليم وولوجهم سوق الشغل، والعمل على الرفع من قيمة البحث العلمي.

3 ـ وفي المقام الثالث: يسعى البرنامج الاستعجالي إلى مواجهة الإشكالات الأفقية للمنظومة التربوية، وإيجاد الحلول الناجعة لها من أجل إنجاح الإصلاح. فمن جهة يتضمن الأمر انخراط الأطر التعليم في عملية الإصلاح، ومن جهة ثانية، بات من اللازم إرساء حكامة تذكي روح المسؤولية وتضمن قيادة فعالة للمنظومة وتحسين أدائها باستمرار.

إن التحكم في اللغات، باعتباره عنصرا أساسيا في النجاح المدرسي والإدماج المهني يشكل إشكالية أفقية حاسمة، بحيث أصبح الانكباب على دراستها مسألة ملحة اليوم وذلك من خلال تحديث تدريس اللغة العربية، وإتقان اللغات الأجنبية والارتقاء بتدريس اللغة الأمازيغية.

وأخيرا لا يمكن نجاعة منظومة التربية والتكوين دون تحديد عدة للتوجيه التربوي، تضمن الانسجام بين مخرجات المنظومة وحاجيات القطاع الاقتصادي وسوق الشغل.

4ـ في المقام الأخير ينطوي البرنامج الاستعجالي على طموح كبير ينبغي أن تواكبه الوسائل الكفيلة بإنجاحه، وذلك من خلال اعتماد سياسة مضبوطة تروم ترشيد الموارد المالية مع العمل على توفيرها بشكل مستديم، لأن حجم التكاليف لا يوازيه إلا حجم التحديات اللازم مواجهتها، ومن تم سيكون من الضروري إحداث جهاز لهذا الغرض قصد تحقيق هذه الأهداف للحيلولة دون أن تغدو إشكالية التمويل سببا في إبطاء وتيرة إنجاز البرنامج الاستعجالي[16].

ويبقى نجاح إنجاز هذا البرنامج رهينا بتوفير شرط التغيير العميق لأساليب التدبير ووضع عدة متينة لقيادة مراحل إنجاز مقتضيات البرنامج الاستعجالي، وينبغي إزاء هذا الحجم من التحديات، تمكين نظام القيادة من الوسائل التي تضمن لها سبيل النجاح.

وعلى كل حال، يعتبر هذا الميثاق وما رافقه هذا البرنامج من طموحات مهمة للرفع من مستوى التعليم وجودته، فقد رافقتهما هذه المشاريع انتقادات وشهادات مهمة حولهما نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر فيما يلي:

ثانيا- مواقف واتجاهات حول الميثاق والمخطط الاستعجالي

يؤكد عدد من الأساتذة الجامعيين أن الإصلاح الجامعي جاء متسرعا، إذ لم يكن أغلب الأساتذة مستعدين لتطبيقه، بل الأدهى من ذلك أن أغلبهم لم يكونوا مستوعبين جيدا للإصلاح بالأحرى تطبيقه، ورغم أن الأمور تحسنت في ما بعد، إلا أن النتائج ظلت دون مستوى الانتظارات.

ومن المؤاخذات المسجلة على الإصلاح نجد:

-أن البنيات التحتية التي كان من المفروض أن تواكب متطلبات الإصلاح، ظلت متخلفة.

-النقص الحاد في الأطر التعليمية على مستوى مجموعة من الشعب مما انعكس ذلك سلبا على عملية التحصيل.

-الاستعجال والارتجال [17].

الصحفي جمال بورفيسي:” اليوم، وقد أقررنا بفشل ميثاق التربية والتكوين، أصبحنا نتحدث عن مشروع جديد للإصلاح من جديد. لم تتحدد معالمه بعد. الخبراء يصفون أزمة التعليم ب «البنيوية”، والأرقام والمعطيات لا تحتمل اللف والدوران حولها فهي واضحة: ما يقرب 300 ألف طفل خرج من النظام التعليمي، ونسبة الأطفال بالتعليم الأولي لا تتعدى 60 %. نسبة التكرار، برسم الموسم الدراسي 2005-2006 بلغت على مستوى التعليم الابتدائي 7.12 %، وفي التعليم الإعدادي5.16%، وفي التعليم الثانوي التأهيلي 9.16%”[18].

ويصرح الدكتور عبد الرحيم عمران استاذ علم النفس الاجتماعي:” أن مكامن الخلل في تطبيق الإصلاح ومعيقاته على مستوى التنمية وانعكاسات فشل تطبيق الإصلاح على مستوى التنمية الاجتماعية والاقتصادية ” [19]

اسماعيل العلوي:” إن الأزمة التي يتخبط فيها قطاع التعليم منذ زمن بعيد سببها عدم توفير الإمكانيات الضرورية لإنجاح المشاريع الإصلاحية التي انطلقت عقب الاستقلال.

إن الميثاق لم يفعل؛ لأن الحكومة لم توفر له الإمكانيات المادية اللازمة، وأتأسف على أن الإمكانيات والاعتماد المالية وجهت دائما لتحسين أجور العاملين. وفي السياق ذاته، أكد أن ضعف الحماس والمثابرة من طرف المسؤولين والعاملين في القطاع يعد سببا في إفشال الإصلاحات”[20].

وهكذا، تبقى مختلف المواقف والاتجاهات حول واقع التعليم تؤكد على أن التعليم المغربي يعرف مجموعة من المشاكل البنيوية، متجاهلة بذلك النقط الايجابية لهذا الإصلاح عن باقي الإصلاحات الأخرى، بيد أن المشكل الرئيس في فشل الإصلاح يرجع حسب بعض هذه الشهادات السابقة إلى ضعف المورد المالي المخصص لقطاع التعليم واستعجالية الإصلاحات في التطبيق. مع العلم أن هذه المشاكل نفسها تتكرر في اغلب الإصلاحات وتبرر بنفس السبب للتملص من المسؤولية بالنسبة للمشرفين على هذه السياسة دون محاسبة، زد على ذلك هدر للطاقات والأموال. وعلى كل حال تم إقرار الفشل، وسيحاول المغرب من جديد التفكير في مخطط جديد للإصلاح يتجلى في الرؤية الاستراتيجية، الذي يركز على أهم معالم الميثاق أساسا والمخطط الاستعجالي، مع التركيز من جديد على مشكل الفرنسة كخيار استراتيجي في التعليم المغربي في المواد العلمية، وجعلها أساسا وقاعدة تجبر المغاربة على اعتمادها على حساب هوية الوطن الحضارية والدينية له ولغته الرسمية. علما أن اعتماد التعليم على لغة المستعمر الذي نهب واستنزف خيرات الوطن باعتبارها هي الحل في نظر التوجه الرسمي لمن يرسم معالم الإصلاح التعليمي بالبلد. يرهن الوطن في متاهات مستقبلية يصعب التكهن بنتائجها؛ لا على المستوى الثقافي والقيمي أو الاجتماعي أو الديني أو الاقتصادي أو السياسي وحتى على روح الشخصية المغربية والمواطنة.

ونظرا لأهمية تناول هذا الموضوع، بالرغم من تقادم عناصره، يشكل قاعدة للتنبيه ومراجعة للأخطاء، واستدراكا للنصائح والتوجيهات والإشارات، وتجاوبا مع العقول الصادقة المحبة للخير لهذا الوطن. وأشير في هذا المقام لأحد أكبر المنظرين للمسألة التعليمية بالمغرب الذين شهد لهم أغلب الخبراء بقيمتهم العلمية والتنظيرية في هذا الشأن. وهذه أبرز المعالم التي كانوا يركزون عليها في قيام أي إصلاح تعليمي حقيقي.

ثالثا: معالم في اصلاح التعليم المغربي؛ الاتجاه الأكاديمي

أ- قراءة في تصور الدكتور عابد الجابري:

يعتبر عابد الجبري من المفكرين المغاربة الذين اهتموا بقضية التعليم أكثر من غيرها، ولم يكتف في ذلك بعرض مشاكل التعليم فقط، بل قام بإعطاء بعض الحلول الناجعة لمشروع تربوي متميز، ويتجلى هذا المشروع من خلال الأفكار الأساسية التالية:

_ ضرورة تعريب المضمون والأهداف والمحيط بما يستجيب والخصوصيات الحضارية المغربية العربية الإسلامية. وبخصوص التعريب يجب الفصل بين شيئين: بين ما هو ثابت ومبدئي لا مجال فيه للمراجعة ولا للتراجع وبين ما هو قابل للتغيير والتطوير. الثابت هنا هو كون اللغة العربية هي لغة المعرفة في المغرب. اللغة هي الوعاء الذي تنصهر فيه الهوية ووحدة الوطن والمواطنة.

– ضرورة الاستقلال التاريخي للذات والسياسة التعليمية: لأنه من خلال هذا النوع من الاستقلال التاريخي أي استقلال الوعي وعدم استلابه، يتوقف على استقلال الفكر من جهة وعلى تبلور الخصوصية واغتنائها من جهة أخرى وهذا وذاك في الواقع من فعل إنتاج السياسة التعليمية، وبالتالي فلتحقيق هذه الاستقلالية يبقى هذا الدور متوقفا على استقلالية السياسة التعليمية.

– يجب إعادة الاعتبار للهوية والاهتمام بها باعتبارها الجدار الحامي لأي اختراق إيديولوجي أو ثقافي من الخارج، لأن سؤال الهوية في زمن العولمة أصبح يشكل هاجس كل الشعوب، والأمة التي لا تاريخ ولا هوية لها لا ماض ولا مستقبل لها.

– توسيع مدى الاهتمام بالفلسفة يساهم في تعميق الديمقراطية وإغناء الهوية لأن الفلسفة بنت الديمقراطية.

– إن المطلوب من التعليم اليوم وفي ظل هذا الواقع، يجب ألا يندمج في تخلف المجتمع، بل أن يعمل على تغييره. لأن علاقة التعليم بالمجتمع هي علاقة ثنائية الاتجاه: فمن جهة يجب أن يكون التعليم قادرا على استقبال نتائجه، ومن جهة أخرى يجب أن يكون قادرا على تلبية حاجيات المجتمع [21].

ومن نافلة القول، التأكيد على أن التخطيط للتعليم يجب أن يتم في إطار التخطيط للمجتمع ككل.

– في وضع كالوضع الذي يعاني منه التعليم بالمغرب، يجب أن يمنح لقطاع التربية والتعليم أكبر قدر من الاستقلال عن الاعتبارات الحزبية. إن السياسة الوطنية للتعليم يجب أن يرسمها مجلس أعلى يضم جميع الفعاليات في ميدان التربية والتعليم والبحث العلمي، وكذا ممثلين عن هيئات المجتمع المدني ذات العلاقة بالقطاع التربوي. ويجب أن تتفرع عن المجلس الأعلى للتعليم لجان دائمة للمتابعة والمراقبة. ويجب كذلك أن تنظم العلاقة بين هذا المجلس والوزارة بقانون، حتى يعرف كل مسئوليته.

– ينبغي إدماج التعليم في المجتمع، بمعنى أن المطلوب هو تعميم التعليم في جسم المجتمع لتحريك عوامل التغيير والتجديد في كيانه. في حين أن تبرير تقليص التعليم وعدم تعميمه بعدم كفاية الموارد المالية فهذا تبرير يفتقد المصداقية أمام التبذير الذي نشاهده في كثير من المجالات والمناسبات.

– على التعليم المغربي أن يبدأ بإصلاح أجهزته وتجديدها وفسح المجال أمام العناصر ذات الكفاءة والمصداقية. وهذا شأن عام يصدق على الإدارة المغربية كلها [22].

ب– قراءة في تصور الدكتور المهدي المنجرة

يعتبر المهدي المنجرة من بين الذين ساهموا بآرائهم الإصلاحية لمنظومة التعليم المغربي، ويعتبر من الباحثين الأكاديميين المعترف بكفاءتهم العلمية داخل المغرب وخارجه، وقد شغل عدة مناصب في هيأة الأمم المتحدة، كما أنه يعتبر أحد المنظرين المستقبليين.

وتتجلى النظرة التصورية الإصلاحية لمنظومة التعليم المغربي حسب المهدي المنجرة من خلال ما يلي:

– ضرورة تعميم التمدرس، وتعريب التعليم.

– إن مسألة المجانية في التعليم هي مسالة بقاء ومسالة إمكانية الحق في الحياة، وهي محاولة بسيطة وصغيرة لتصحيح عدم العدل الموجود في النظام الاقتصادي وفي الاحتكار وفي الاستغلال والاستبداد.

– يجب ان نعطي الأهمية للاعتماد على النفس وأظن أن القطاع الذي يجب الا يعتمد على فلس واحد خارج أموال المغاربة، هو قطاع التعليم، وبالتالي فسياسة الاعتماد على النفس شيء أساسي وضروري في هذا الميدان الحساس.

– تحديد أولويات السياسات التعليمية ووضوحها، وهذه الأولويات هي التي تترجم بها أهداف ورؤية وقيم المجتمع التي لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان الشعب يأخذ مسؤولية القرار بنفسه وبدون وصاية من أحد.

– يجب أن نأخذ بعين الاعتبار العلاقة ما بين منظور المدرسة الابتدائية والمجتمع والبيئة التي تتطور فيها المدرسة والإمكانيات المرصودة لهذه المدرسة.

– يجب ان يكون هناك نظام مفتوح. إن التكوين الأساسي الآن، لا يجب أن يكون فيه التعليم الابتدائي يهيئ للتعليم الثانوي وبدوره يهيئ للبكالوريا وبدوره يهيئ للجامعة، والجامعة تهيئ للسلك الثالث الذي يهيئ بدوره للدكتوراه. إن دور المدرسة والمعاهد والمؤسسات، هي ان تكون مكانا ومجالا للناس، لكي يجدوا جميع الامكانيات والتسهيلات للحصول على المعرفة، وبالخصوص لكي يجدوا من يمنحهم التوجيه التربوي.

– يتعين على التعليم الخاص أن يأتي في إطار تكاملي مع ما هو موجود عن طريق التنسيق مع التكوين الأولي والأساسي.

– النظام التربوي الواقعي هو الذي له علاقة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، وبالناس الذين يكونون عند انتهاء دراستهم، مؤهلين مباشرة، أو بعد تكوين خاص، لشغل وظائف محددة.

– إذا كانت الجامعة هي وجه ومرآة البلاد، فهي مع ذلك لم تستطع إلى حد الآن الإجابة عن هذا السؤال ما هو دور الجامعة بالمغرب، مغرب المستقبل؟

– يجب ان تكون هناك مشاريع وتخطيط على مستوى الوسائل والموارد البشرية خاصة في البحث العلمي

– ضرورة اندماج الجامعة في وسطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

– يجب العودة إلى القيم الحضارية والإسلامية والاهتمام بالتعددية والدفاع عن الهوية المحلية.

– يجب الايمان بقدرة هذا الشعب، وإمكانياته في الابتكار والتجديد والتغيير [23].

على سبيل الختم

ونافلة القول مما سبق، فإن رهان نجاح إصلاح المسألة التعليمية بالمغرب، يبقى رهينا في نظري بأهم ما يدعوا إليه كل من الجابري والمنجرة وباقي الأكاديميين الذين لا يسع المقام ذكرهم بالرغم من أهمية تصوراتهم ومقترحاتهم السديدة في الموضوع كالدكتور ادريس الكتاني وغيره. ثم يتجلى أيضا في ضرورة الاهتمام بالهوية عبر تعريب التعليم؛ لأن اللغة هي ذلك الوعاء الذي يحوي وتنصر فيه الهوية ووحدة الوطن والمواطنة، وتحديد أولويات السياسة التعليمية ووضوحها واستقلاليتها، والإيمان بقدرات وكفاءات هذا الوطن في التغيير لتحقيق التنمية. وأكد على العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا مناص من نجاح اي اصلاح الا بهما. والانطلاق من المشترك، ذلك الذي يجمع كل المغاربة في مشروع واحد، دون النظر او الاغترار بما في قبعة الآخر، والقطع التام مع جذور الاستعمار وآثاره وثقافته. والعمل على تقوية سيادة الوطن بالأسس التي بنى عليها القادة العظام والتاريخيون من هذا البلد حضارة المغرب قديما وحديثا.


لائحة المراجع

1- د. ادريس الكتاني، نظرات في السياسة التعليمية بالمغرب، مجلة النداء التربوي، العدد 5- 6، السنة الثانية 1419هـ 1999 م، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

2- الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المركز الوطني للإعلام، الطبعة الثانية، دجنبر، 2003.

3- د. جميل حمداوي، مجلة علوم التربية (دورية مغربية متخصصة)، ملف خاص: المخطط الاستعجالي للتربية والتكوين 2009-2011، العدد 42، يناير 2010م.

4- المملكة المغربية وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، من أجل نفس جديد للإصلاح (تقديم البرنامج الإستعجالي:2009- 2012 م)، التقرير التركيبي، نونبر 2008.

5- الباحث محمد علي شبايشب: جامعة محمد الخامس بالرباط، برنامج التقويم الهيكلي بالمغرب، موقع تغيرت نيوز. https://www.tighirtnews.com/?p=39180

6- الصباح التربوي، إصلاح التعليم في حاجة إلى إصلاح، العدد 2476، الأربعاء 26/ 3/2008.

7- محمد عابد الجابري، قضايا التعليم في مسار متعدد الأوجه – التربية والتعليم والتحديات الراهنة – التعليم والاختراق الثقافي العولمة والهوية وقصور التنمية، مواقف، العدد 14، الطبعة الأولى، ابريل 2003.

8- عبد الكريم غريب، مع المهدي المنجرة، منشورات عالم التربية، الطبعة الأولى، 2007، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.


[1] د. ادريس الكتاني، نظرات في السياسة التعليمية بالمغرب، مجلة النداء التربوي، العدد 5- 6، السنة الثانية 1419هـ 1999 م، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 16.

[2] نفس المرجع السابق، ص 27 – 28.

[3] نفس المرجع، ص 28.

[4] الباحث محمد علي شبايشب: جامعة محمد الخامس بالرباط، برنامج التقويم الهيكلي بالمغرب، موقع تغيرت نيوز. https://www.tighirtnews.com/?p=39180

[5] ميثاق التربية والتكوين، المركز الوطني للإعلام، الطبعة الثانية، دجنبر، 2003، ص 3.

[6] الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المركز الوطني للإعلام، الطبعة الثانية، دجنبر، 2003، ص من 11 الى 22.

[7]نفس المرجع، ص 23 إلى 36.

[8]نفس المرجع، ص. 36 إلى 48.

[9] نفس المرجع، ص.49 إلى 53.

[10]نفس المرجع، ص.53 إلى 60.

[11]نفس المرجع، ص.61 إلى 66.

[12] د. جميل حمداوي، مجلة علوم التربية (دورية مغربية متخصصة)، ملف خاص: المخطط الاستعجالي للتربية والتكوين 2009-2011، العدد 42، يناير 2010م، ص 12.

[13] نفس المرجع، ص 13.

[14] نفس المرجع السابق، ص من ص 13 الى ص 16.

[15] د. جميل حمداوي، مجلة علوم التربية، نفس المرجع، ص 17.

[16] المملكة المغربية وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، من أجل نفس جديد للإصلاح (تقديم البرنامج الإستعجالي:2009- 2012 م)، التقرير التركيبي، نونبر 2008، ص 3 و4.

[17] الصباح التربوي، إصلاح التعليم في حاجة إلى إصلاح، العدد 2476، الأربعاء 26- 3- 2008، ص.4.

[18]جمال بورفيسي، مسؤولية الدولة والمدرسين، نفس المرجع، ص.4.

[19]عبد الرحيم عمران، التعليم بالمغرب حافظ على طابعه النخبوي، نفس المرجع، ص.6.

[20]نفس المرجع، ص.7.

[21]محمد عابد الجابري، قضايا التعليم في مسار متعدد الاوجه – التربية والتعليم والتحديات الراهنة – التعليم والاختراق الثقافي؛ العولمة والهوية وقصور التنمية، مواقف، العدد 14، الطبعة الأولى، ابريل 2003، ص. 73 الى 98.

 [22]نغس المرجع، ص 73 إلى 98.

[23]: عبد الكريم غريب، مع المهدي المنجرة، منشورات عالم التربية، الطبعة الأولى، 2007، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 168 إلى ص 190.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.