منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بعض معوقات العملية التربوية التعليمية وسبل معالجتها من خلال الرؤية التربوية للإمام الغزالي

0

تقد يـــم

إن من أشرف أعمال الدنيا أن تصهر على إصلاح وتعليم أبناء الأمة، الذين هم مستقبلها ورهان مجدها وتقدمها. هذا الصلاح الذي لا سبيل إليه إلا بالتربية التي بها يحقق الإنسان غاية وجوده في هذه الدار. إلا أنه من السخافة أن يظن المرء أنها بالأمر اليسير، بل هي غاية مشروع العمر وهدفه، هذا الهدف تقف أمامه مجموعة من العقبات والإكراهات، تفرض عليه اقتحامها وتحديها بعد معرفته إيها وعلمه بسبل معالجتها.

ولمحاكاة هذا الموضوع سنستند إلى علم من أعلام هذ المجال، ورائد من رواده العظام، الإمام أبو حامد الغزالي (505ه) رحمه الله تعالى، نتصفح بعض كتبه لنبز رؤيته التربوية في الموضوع وكيف تصدا لذلك.

فما معنى التربية عند الإمام الغزالي وماهي كبرى معيقاتها؟ وما هي سبل ومعالجتها؟

المحور الأول : مفهوم التربية عند الإمام الغزالي وكبرى معيقاتها :

يحدد الغزالي أولا معنى التربية، فيرى أنها تلك العملية التي” تشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ريعه”[1]، ويتضح من هذا المعنى إشارة الغزالي إلى مرونة الطبيعة الإنسانية للفرد، فهي ليست جامدة لا تتغير، بل تكتسب من الصفات ما ليس فيها، ويمكن تغيير ما بها من صفات وإضافة أخرى، “فالإسلام يقف موقفا وسطا؛ فالطبيعة الإنسانية ليست خيرة بالقطع، وليست شريرة. وإنما هي استعدادات وقدرات قابلة للتشكيل والصياغة، ومن خلال تفاعلها تتحدد صفتها بالخير أو بالشر، فليست هناك طبيعة إنسانية خيرة أو شريرة. فبقدر ما تحقق الطبيعة الإنسانية من نجاح وتوفيق بقدر ما تكون خيرة، وبقدر ما تفشل وتخفق بقدر ما تكون شريرة”[2]  ، يقول تعالى ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9ـ10].

وعليه فإن الإمام الغزالي يحث في منظوره التربوي على أن يسعى الإنسان إلى تنمية صفات الخير في مقابل التخلص من الصفات الرديئة، “ومن بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار وفي هذا نصيحة كافية لأهل العلم”[3]. هذا هو الأساس الذي تقوم عليه فلسفة التربية عنده، والذي به تتحقق السعادة للإنسان. والسعادة المقصودة هي السعادة الأخروية لأنها شاملة لكل ما هو مرغوب فيه “فهي بقاء بلا فناء، ولذة بلا عناء، وسرور بلا حزن، وغنى بلا فقر، وكمال بلا نقصان، وعز بلا ذل، وهي مؤبدة لا نهاية لها”[4].

إلا أن هذه السعادة التي هي غاية الغايات، ومحط ذوي الهمم العالية. تقف للطالب دونها عقبات نستشفها من كلام الغزالي رحمه الله الذي جعل أم هذه العقبات فساد النية، التي هي أصل صلاح العمل أو فساده. نستند في ذلك إلى الحديث الذي روي عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”[5] فقد يقوم شخصان بالعمل نفسه، إلا أن منطلق ونية أحدهما مخالفة للأخر. فيكون هذا مأجورا والآخر آثما.

فالمربي المرشد أول مهامه أن يحرص على صلاح نية تلميذه، وتصويبها فهي المنطلق وعليها يبنى العمل.

كما أن من أكبر تحديات التربية الاقتصار على علم دون ترجمته عملا، “أيها الولد لو قرأت العلم مائة سنة، وجمعت ألف كتاب، لا تكون مستعدا لرحمة الله إلا بالعمل لقوله تعالى: “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى” {النجم 39} وقوله تعالى ” فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا “{الكهف110} وقوله تعالى: “جزاء بما كانوا يكسبون ” {التوبة82} وقوله عز وجل: “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات” {البينة 7}. أيها الولد ما لم تعمل لن تجد أجرا.[6] العمل بلا علم جنون، والعمل بغير علم لا يكون”[7]. كما أن العلم حجة على صاحبه مالم يعمل به، كما قد يعد نوعا من أنواع النفاق، في مقابل أنه إذا كان المعلم أو المربي يتجلى فيه علمه عملا كان أبلغ لتلامذته. ف”لوكان العلم المجرد كافيا لك، ولا تحتاج إلى عمل سواه لكان نداء الله تعالى: “هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب؟  ضائعا بلا فائدة”[8] وعليه فإن العمل واجب والاعتماد عليه شرك.

وتمثل الأخلاق المفصل في نجاح العملية التربوية إذ بها يقاس صلاح الفرض في ظاهره، والله يتولى الباطن، والأخلاق من أجود ثمار العلم “فإذا قلت فكم من طالب رديء الأخلاق حمل العلم فما أبعدك عن فهم العلم الحقيقي الديني الجالب للسعادة، فما يحمله صاحب الأخلاق الرديئة حديث ينظمه بلسانه مرة، وبقلبه مرة أخرى وكلام يردده، ولو ظهر نور العلم على قلبه لحسنت أخلاقه”[9]  وتجلى ذلك في سلوكه فيصدق قوله ويتقن عمله “إذ المكافأة على درجة الإتقان لا نوع العمل “[10].

وينبغي أن يكون القول والفعل موافقان للشرع، إذ العلم والعمل بلا اقتداء بالشرع ضلالة، فالميزان الذي يحكم به على الأعمال، صلاحا وفسادا هو: الشرع ومنطقه.

هذه بعض أمهات العقبات التي تحول دون لب العملية التربوية عند العزالي وهي التزكية التي تستهدف الارتقاء بالإنسان من مستوى الخضوع للشهوات، والأهواء، إلى مقام العبودية لله الذي يصبح الفرض بمقتضاه يتصرف طبقا لمراد الله تعالى.

المحور الثاني: رؤية الإمام الغزالي في معالجة هذه الاشكالات:

الأصل في النفس الإنسانية أنها قابلة للتعلم والتربية، لأن العلم والحكمة كامنان أصلا في نفس الإنسان، ولابد من سعي في إبرازهما بالفعل، كما لابد من سعي في الحفر لإخراج الماء.

ولكن قابلية التعلم هذه تتفاوت من شخص لٍآخر، لأسباب طارئة لم تنج منها إلا نفوس الأنبياء التي بقية على صفائها، ويقتضيها الأمر الذي أهلهم لعلاج النفوس ودعوة الخلق إلى الفطرة.

ولتعطي التربية أكلها يضع الغزالي مبادئ تشمل مكونات العملية كلها، انطلاقا من المربي فالتلميذ ثم منهج التربية ووسائلها.

فالمعلم أو المرشد هو شخص تقلد أمرا عظيما، وخطرا جسيما، فهو مطالب بحفظ آدابه ووظيفته. بحيث يحرص على الاقتداء بالمعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم فيشفق على تلامذته ولا يدع من النصح شيئا إلى وقدمه لهم، يسلك في ذلك أسلوب التدرج فيلقنهم ما هو مجمع عليه “ويستبعد عن الخوض في مواضع الاختلاف سواء في علوم الدنيا أو الآخرة “[11]. كما يراعي الاستعدادات، والفروق الفردية في الأساليب المستعملة في التعليم والتربية استناد لما ورد في الآية الكريمة ” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”{النحل 125}. فالحكمة تستعمل مع قوم، والموعظة مع قوم، والمجادلة مع آخرين، إلا أن هذا لا يعنى إغفال مسألة الثواب والعقاب التي تسمح “بمعاقبة المتعلم دون إسراف في ضربه أو صراحة في التأنيب “[12]تارة، وترغيبه وتشويقه تارة أخرى.

أما من جانب التلميذ فيؤكد الغزالي على ضرورة صحبته لمعلمه، لأن في ذلك ما يسهل تحصيل العلم والمعرفة. كما أن الأستاذ مرب بحاله أبلغ منه من مقاله كما سلف الذكر، لذلك يجب على المعلم أن يبدأ بمعالجة نفسه فإن أعينهم إليه ناظرة، وآذانهم إليه صاغية، وما استحسنه فهو عندهم الحسن، وما استقبحه فهو عندهم القبح. ضف إلى ذلك أن المصاحبة لا تكسب العلم والمعرفة فقط، بل تورث طريق التفكير والمعالجة والبحث.

كما يجب على الطالب الممارسة والتطبيق فالتربية “شأنها شأن الصناعات فهي تحتاج إلى ممارسة قد تكون في الأول تصنعا ولكن مع كثرة التكرار تصير طبعا “[13]، هذا كله يحتاج إلى تفرغ بحيث يتفرغ المتعلم فيقلل من علاقاته وأشغاله الدنيوية.

خــــــــاتمة

هذه النصائح يمكن أن تعد مادة لميثاق تربوي أخلاقي إسلامي، في علاقة المعلم المربي بالتلميذ المتعلم، فالتربية صقل لملكات الإنسان واستعداداته، كما هو حال الفلاح مع حقله. فيصير بذلك ذو عقيدة صحيحة لا بدعة فيها، وتحصل له توبة نصوح لا يرجع بعدها إلى أتون النفس والشهوات، فيشتغل بما ينفعه ويترك ما لا يعنيه لتكون الحصيلة تحقيق هدف ومرمى وجوده في الدنيا.

المصادر و المراجع:

القران الكريم

الجامع الصحيح للإمام البخاري

رسالة أيها الولد للغزالي

إحياء علوم الدين للغزالي

ميزان العمل للغزالي

مبادئ التربية الجسمية في السنة النبوية ،دكتورة  أحمد عبد الفتاح شعلة

[1]  الغزالي، رسالة ايها الولد

[2] أحمد عبد الفتاح شعلة، مبادئ التربية الجسمية في السنة النبوية ،دكتورة  ص 400، كلية التربية جامعة الزقازيق

[3]  الغزالي، رسالة أيها الولد

[4]  الغزالي، ميزان العمل، تعليق محمد مصطفى أبو العلا القاهرة مكتبة الجندي ص 14\13

[5]  الحديث أخرجه البخاري باب بَدْءُ الوَحْيِ، رقم[1] بَابٌ: مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ

[6]  الغزالي، ايها الولد

[7] المصدر السابق

[8]  المصدر السابق

[9]  الغزالي، ميزان العمل ص127\126

[10]  الغزالي، ميزان العمل ص124

[11]  الغزالي، الإحياء ج1 ص148

[12]  الغزالي، ميزان العمل ص142

[13]  المصدر السابق، ص66\67

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.