منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

« القيم التربوية من خلال النصيحة الولدية»لأبي الوليد الباجي ( ت 474 هـ )

« القيم التربوية من خلال النصيحة الولدية»لأبي الوليد الباجي ( ت 474 هـ )/ الباحث محمد أشندير

0

” القيم التربوية من خلال النصيحة الولدية ” لأبي الوليد الباجي ( ت 474 هـ )

الباحث: محمد أشندير

باحث في سلك الدكتوراه كلية الآداب والعلوم الإنسانية مارتيل بالمملكة المغربية

 

 

ملخص البحث:

يهدف هذا البحث إلى إبراز القيم التربوية النبيلة من رسالة أبي الوليد الباجي لولديه، وهذه القيم متعددة منها ما يتعلق بالجانب الاعتقادي، ومنها ما يتعلق بالجانب التعبدي، ومنها ما يتعلق بالجانب المعاملاتي، ومنها ما يتعلق بالجانب الأخلاقي.

وتبرز إشكالية هذا البحث فيما يلي:

ما هي القيم الموجودة في الرسالة؟، وإلى أي مجال تنتمي هذه القيم؟،وكيف يمكن للمسلم استثمارها في الحياة؟.

ثم إنني خلصت في هذا البحث إلى عدة نتائج، منها: ـ اشتمال الرسالة على وصايا متعددة الأبعاد ـ محبة أبي الوليد الباجي لولديه وحرصه على تشبعهما بالقيم التربوية ـ هذه الوصايا تجسد جوهر الإسلام وحقيقته.

الكلمات المفتاحية:  القيم ـ التربوية ـ النصيحة الولدية

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

وبعد، فإنني في هذا المقال سأتحدث عن القيم التربوية من خلال وصية أبي الوليد الباجي لولديه؛ وهي رسالة جديرة بالدراسة والتأمل؛ لأنها وإن كانت صغيرة الحجم فإنها تشتمل على قيم جمة.

إن القيم التربوية التي اشتملت عليها هذه الرسالة هي قيم إنسانية إيجابية، وواقعية، حث عليها الله تعالى في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته.

ويعد أبو الوليد الباجي من العلماء الذين اشتهرت بهم بلاد الأندلس سواء على مستوى التأليف أو المناظرة، أو التدريس.

وإن رسالة أبي الوليد الباجي لولديه؛ هي رسالة فريدة في بابها، لذلك آثرت أن أتتبع كل ما له علاقة بالتربية وأخصه بالدراسة.

المبحث الأول: مفهوم القيم التربوية:

القيم لغة: تطلق القيمة لغة على معان، أهمها: تثمين الشيء وتقويمه، كما تطلق على الاستقامة والاعتدال، قال ابن منظور: ” والقيمة واحدة القيم. وأصله الواو، والقيمة ثمن الشيء بالتقويم “.([1])

القيم اصطلاحا: عرفها علي خليل أبو العينين بأنها: ” مجموعة من المعايير والأحكام النابعة من تصورات أساسية عن الكون والحياة والإنسان كما صورها الإسلام , تتكون لدى الفرد والمجتمع من خلال التفاعل بين المواقف والخبرات الحياتية المختلفة، بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته تتفق مع إمكاناته، وتتجسد في الاهتمامات أو السلوك العملي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ” ([2])

وعرفها ماجد عرسان الكيلاني بأنها: ” محطات ومقاييس نحكم بها على الأفكار والأشخاص والأشياء والأعمال والموضوعات والمواقف الفردية والجماعية من حيث حسنها وقيمتها، أو من حيث سيئها وعدم قيمتها وكراهيتها “. ([3])

التربية لغة: تدل التربية في اللغة على:

الزيادة والنمو، يقال ربا يربوبمعنى نمى، كما تطلق على العلم، قال ابن منظور نقلا عن ابن الأعرابي: الرباني العالم المعلم؛ الذي يغذو الناس بصغار العلوم قبل كبارها. ([4])

التربية اصطلاحا: عرفها الإمام البيضاوي بقولة: ” وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا”. ([5])

وبنفس التعريف عرفها الراغب الأصفهاني فقال: “إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام”. ([6])

  • مفهوم القيم التربوية باعتبار التركيب:

يمكن تعريف القيم التربوية باعتبار التركيب بأنها: ” مجموعة من الضوابط الفردية والجماعية التي تعمل على صياغة الشخصية الإنسانية في جميع جوانبها الجسمية والعقلية والاعتقادية والروحية والنفسية والخلقية وفق مبادئ وقيم معينة التي يتحدد على أساسها السلوك في المجتمع “. ([7])

فالقيم التربوية من خلال ما سبق من التعريفات تمثل بالنسبة للفرد موجهات داخلية ومعايير ذاتية من خلالها يستطيع الفرد التمييز بين ما هو حسن وما هو قبيح.

المبحث الثاني: محطات مختصرة عن أبي الوليد الباجي ورسالته:

  • أولا: محطات موجزة من ترجمة أبي الوليد الباجي

أ ـ اسمه ونسبه:

هو أبو الوليد سليمان بن خَلَف بن سَعْد بن أيوب بن وارث التُّجِيبي التميمي الْبَطَلْيَوْسي، ([8]) الباجي ([9]) الأندلسي، القرطبي، المالكي، الذهبي، ([10]) الحافظ الفقيه، الأصولي المتكلم، المفسر الأديب الشاعر، صاحب التصانيف.([11])

ب ـ ولادته:

جمهور المترجمين لأبي الوليد الباجي ذكروا أن ولادته كانت يوم الثلاثاء خامس عشر من ذي القعدة من سنة: ( 403 هـ ).([12])

بينما ذهب ابن عساكر أنه ولد سنة: ( 404 هـ )، واستدل بقول أبي جعفر بن يونس بن زغلول الأموي قال: سألت الباجي عن مولده فقال: ولدت سنة أربع وأربع مائة، قال أبو جعفر: ثم رأيت بعد ذلك تاريخ وفاته بخط أمه وكانت امرأة فقيهة فيه: ولد ابني سنة: ثلاث وأربع مائة.([13])

لكن الراجح من هذا وهو القول الأول؛ وذلك لوجوه، منها:

1 ـ ذكر أبو علي الغساني – وكان من تلاميذه- قال: ” سمعت أبا الوليد الباجي يقول: مولدي في ذي القعدة سنة ثلاث وأربع مائة”.([14])

2 ـ ما ذكره تلميذه أيضا ابن زغلول الأموي، من أنه رأى تاريخ ولادة شيخه الباجي بخط أمه، وكانت فقيهة، فكان ذلك سنة: ( 403 هـ ) ([15])

ج ـ مكان ولادته:

كما اختلف في تاريخ ولادته اختلف أيضا في مكان ولادته: قيل ولد ببطليوس، ثم رُحِلَ به في صباه إلى باجة الأندلس، ثم انتقل بعدها إلى قرطبة، وإلى هذا ذهب الجمهور.([16]) وقيل ولد بباجة الأندلس، بعد انتقال أجداده من بطليوس، ومن باجة الأندلس انتقل إلى قرطبة مع أسرته.([17])

والذي يظهر أن الراجح من القولين: الأول؛ وذلك للوجهين التاليين:

1 ـ ورود تحديد مكان ولادته مقيدا بخط القاضي محمد بن أبي الخير، والكتاب يقتضي أن ولادته ببطليوس.([18])

2 ـ ذكر غالبية التراجم أن أصله من بطليوس، ثم انتقلوا إلى باجة الأندلس، ثم سكنوا قرطبة.([19])

د ـ طلبه للعلم:

أ ـ الرحلة داخل الأندلس:

تلقى أبو الوليد الباجي التعليم منذ الصغر؛ فأخذ العلم عن مجموعة من العلماء في الأندلس وفي مقدمتهم: ابن الرحوي،([20]) وابن الصفار،([21]) وابن حموش،([22]) وابن القبري،([23]) وغيرهم كثير.

ب ـ الرحلة خارج الأندلس:

أبو الوليد الباجي له رحلة خارج الأندلس في طلب العلم، ذهب إلى مكة وأقام فيها ثلاث سنوات يأخذ العلم من أبي ذر الهروي. ([24])

ثم ارتحل بعد ذلك إلى العراق، وأخذ عن شيوخ متعددي المذهب، ومنهم: الإمام الصيمري،([25]) وأبو جعفر السمناني،([26]) وهما من علماء الحنفية.

كما أخذ عن علماء الشافعية وفي مقدمتهم: أبو الطيب الطبري، ([27]) والإمام الشيرازي، ([28])

ثم ارتحل إلى الشام وأخذ عن المزني الدمشقي، ([29]) وابن السمسار. ([30])

هـ ـ وفاة أبي الوليد الباجي

بعد أن قضى أبو الوليد الباجي حياة جهادية من أجل تحصيل العلم، ونشره تعليما، وتأليفا ومناظرة، انتهى به السعي والمطاف بمدينة ألمرية، فتوفي بها ليلة الخميس بين صلاتي المغرب والعشاء، ليلة السابع عشر من رجب سنة: ( 474 هـ ).

وصلى عليه ابنه أبو القاسم ودفن يوم الخميس بعد صلاة العصر بمدينة ألمرية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط جنوب الأندلس.([31])

وتاريخ وفاته سنة: ( 474 هـ ) هو الذي أثبته جمهور المترجمين.

وذهب ابن فرحون، وياقوت الحموي إلى أنه توفي سنة: ( 494 هـ ) ([32])

وذهب ابن الأثير إلى أنه توفي في حدود سنة ثمانين وأربعمائة. ([33])

والراجح هو مذهب الجمهور؛ وذلك لأن جمهور المترجمين على إثبات وفاته سنة: ( 474 هـ ) وإذا كان الجمهور ذهب إلى هذا فلا يلتفت إلى النادر.

  • ثانيا: التعريف برسالته: النصيحة الولدية

هذه الرسالة هي صغيرة الحجم، لكنها تحتوي على فوائد نفيسة جدا؛ وذلك أن أبا الوليد الباجي بعد ما أحس بنضج ولديه وبقربهما من سن التكليف؛ أوصاهما بوصايا عظيمة النفع، وكانت نصيحته لهما نصيحة المحب لمحبه، ويتجلى هذا واضحا في وصيته، فلا شيء أجمل في عين المرء من ولد صالح يراه ينمو ويترعرع شيئا فشيئا، وهو يعمل على رعايته والسهر على إصلاحه.

ثم إن هذه النصيحة وجهها إليهما بعد أن قربا على سن البلوغ مما يدل على حرصه التام على ولديه؛ قال رحمه الله: “إنكما لما بلغتما الحد الذي قرب فيه تعيين الفروض عليكما، وتوجه التكليف إليكما، وتحققتُ أنكما قد بلغتما حد من يفهم الوعظ، ويتبين الرشد، ويصلح للتعليم والعلم، لزمني أن أقدم إلكما وصيتي”.([34])

ومضامين هذه الرسالة من أبي الوليد الباجي تتنوع إلى نوعين:

قال: “وتنقسم وصيتي لكما قسمين:

فقسم فيما يلزم من أمر الشريعة، أبين لكما منه ما يجب معرفته.

وقسم فيما يجب أن تكونا عليه في أمور دنياكما، وتجريان عليه بينكما”. ([35])

والقسم الأول اشتملت على ما يلي:

ـ الوصية بالإيمان، وحفظ القرآن، والعمل بما جاء فيه.

ـ الوصية بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والتابعين.

ـ الوصية بأداء أركان الإسلام.

ـ الوصية بطلب العلم والتفقه في الدين.

الوصية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة ولي الأمر.

ـ الوصية بالصدق،والأمانة، وإتمام الكيل.

واشتمل القسم الثاني على ما يلي:

ـ النصيحة بالإحسان، والإنفاق،والتسامح.

ـ النصيحة بصلة الأرحام، والتعاون مع الجيران.

ـ النصيحة بالصبر على إذاية الناس.

ـ النصيحة بشكر النعمة وعدم إهانتها.

ـ النصيحة بالزهد في الدنيا، واجتناب الفتن.

ـ النصيحة باجتناب مصاحبة السلطان، وعدم طلب الجاه والإمارة.

ـ النصيحة بالإقلال من المزاح.

وفي ختام الرسالة ذكر أبو الوليد الباجي وصايا لقمان لابنه التي ذكرها الله تعالى في كتابه العظيم.

المبحث الثالث: أنواع القيم التربوية من خلال الرسالة:

ويمكن أن ننوع هذه القيم التربوية إلى ثلاثة أنواع:

  • النوع الأول: القيم التربوية المتعلقة بالعقيدة:

وهذه القيم المتعلقة بالعقيدة كثيرة في رسالة أبي الوليد الباجي، ومنها:

1 ـ قيمة الإيمان: لأن الإيمان هو أصل ومنبع كل السلوكات، وهو المطلوب من المخلوقات البشرية جمعاء، وهو وصية الأنبياء لبنيهم، كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ويعقوب عليهما السلام: (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (سورة البقرة: 132 )

وما لهذا السلوك من الأهمية؛ أكد أبو الوليد الباجي على ذلك كثيرا، واعتبر أن التمسك بالإيمان هو الطريق المألوف عند آبائه وأجداده فكلهم كانوا مسلمين موحدين لله تعالى، قال: ” وأؤكد عليكما وصيتي، وأكررها حرصا على تعلقكما وتمسككما بهذا الدين الذي تفضل الله علينا به، فلا يستزلكما عنه شيء من أمور الدنيا، وابذلا دونه أرواحكما فكيف بدنياكما”.([36])

2 ـ قيمة المحبة: حاول غرس محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأطهارفي قلوب ولديه؛ لذلك أمر ولديه بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره المنقذ لأمته من الضلال، الرحيم المشفق عليهم.

وكذا محبة صحابته رضوان الله عنهم، وتفضيل الخلفاء الأربعة على غيرهم، ويجب حسن التأويل لما شجر بينهم؛ فإنهم أفضل المخلوقات بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه )).([37])

قال أبو الوليد الباجي مبينا منزلة الصحابة رضوان الله عنهم: “فمن لا يبلغ نصيفُ مده مثلَ أحد ذهبا فكيف يوازيه فضله، أو يدرك شأوه؟ وليس منهم رضي الله عنهم إلا من أنفق الكثير”. ([38])

3 ـ قيمة تزكية النفس: وذلك بعدم تعاطي الكهنة والتنجيم: أوصى ولديه باجتناب الكهنة والتنجيم، واعتبر من تعاطى ذلك مخرجا عن الملة والدين.

ثم بين لهما أن معرفة الكواكب، وطلوعها، وتعيين منازلها، وبروجها، وأوقات نزول الشمس والقمر بها، وتعرف أوقات الصلاة بها؛ فإن هذا مطلوب تعليمه، ولا يقدح في عقيدة المسلم، يدل على ذلك قوله تعالى: ( وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب). ( سورة يس: 5 )

4 ـ قيمة الاستعانة بالله وطلبه وحده دون سواه: قال رحمه الله: ” فإن الدعاء سفينة لا تعطب، وحزب لا يغلب، وجند لا يهرب”. ([39])

  • النوع الثاني: القيم التربوية المتعلقة بالعبادات:

1 ـ المحافظة على الصلاة: وفي هذه الوصية ألفت أبو الوليد الباجي انتباه ولديه إلى المحافظة على الصلاة في المسجد ولزوم الجماعة، وإتمام ركوعها وسجودها، لأن الصلاة هي عماد الدين. ([40])

فالصلاة من خلال المحافظة عليها في وقتها وأدائها جماعة؛ تربي في نفس المسلم كيفية الانضباط وعدم تضييع الوقت.

2 ـ المحافظة على الزكاة:وهذه الفريضة تزكي نفس المسلم من البخل؛ كما أنها تطهر المال وتزكيه، وتدفع إلى مستحقيها دون محاباة.([41])

3 ـ صيام رمضان: وصفه أبو الوليد الباجي بأنه عبادة السر، ويربي المسلم على حفظ لسانه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل؛ فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ). ([42])

4 ـ حج بيت الله الحرام: وهو فرض وواجب على كل من استطاع إليه سبيلا.

  • النوع الثالث: القيم التربوية المتعلقة بالمعاملات

وذكر مجموعة من المعاملات تندرج تحت قيمة واحدة وهي قيمة: العفة.

وهذه المعاملات هي:

1 ـ النهي عن الربا: واعتبر الربا بابا من أبواب الكبائر؛ فإن الله تعالى توعد بالعذاب الأليم من لم يتب من ذلك.

2 ـ عدم أكل مال اليتيم: لأن أكل مال اليتيم بغير حق ظلم وعدوان، قال تعالى: ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ). ( سورة النساء: 10 )

3 ـ تحري أكل الحلال: قال في هذه الوصية: “وعليكما بطلب الحلال واجتناب الحرام، فإن عدمتما الحلال فالجآ إلى المتشابه”. ([43])

4 ـ النهي عن الرشوة وشهادة الزور: فإن الرشوة تعمي عين البصير، وتخلد قبح ذكره، وشهادة الزور تفسد دين متقلدها، وتخلد قبح ذكره، وأول من يمقته المشهود له. ([44])

  • النوع الرابع: القيم التربوية المتعلقة بالأخلاق:

وهذه القيم المتعلقة بالأخلاق هي:

1 ـ قيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال: “وعليكما بالأمر بالمعروف وكونا من أهله، وانهيا عن المنكر واجتنبا فعله”. ([45])

2 ـ قيمتا الصدق والأمانة: ووصف الصدق بأنه زين، والكذب بأنه شين.ثم إن من اشتهر بالصدق فإنه محمود عند الناس ومن اشتهر بالكذب فإنه مذموم مهجور، ثم إن الله تعالى ما وصف أحدا بالكذب إلا على وجه الذم، وما وصف أحدا بالصدق إلا على وجه المدح.([46])

كما أوصاهما بأداء الأمانة، وتجنب الخيانة والوفاء بالعهد، وهذه كلها أخلاق حث عليها الإسلام.

5 ـ قيمتا الإحسان والتوقير: إحسان الكبير إلى الصغير، وتوقير الصغير للكبير: قال رحمه الله: “وليلزم أكبركما لأخيه الإشفاق عليه والمسارعة إلى كل ما يحبه، والمسامحة لكل ما يرغبه، ويلتزم أصغركما لأخيه تقديمه عليه، والاتباع له في سره وجهره، وتصويب قوله وفعله”. ([47])

6 ـ قيمة العفو: وهذه الوصية جديرة بالتأمل؛ وذلك أن أبا الوليد الباجي ذكرها في معرض عدم الأخذ بوصيته فقال: “وإن أحدكما زل، وترك الأخذ بوصيتي في بر أخيه ومراعاته فليتلاف الآخر ذلك بتمسكه بوصيتي والصبر لأخيه، والرفق به، وترك المقارضة له على جفوته، والمتابعة له على سوء معاملته؛ فإنه يحمد عاقبة صبره، ويفوز بالفضل في أمره، ولا يكون ما يأتيه أخوه كبير تأثير في حاله”. ([48])

7 ـ قيمة الإحسان: أمرهما بالإحسان؛ وخصوصا لأعمامهما؛ حيث أوصاهما بالتعامل معهما وإكرامهما، والقيام بحوائجهما، وكذا حسن التعامل مع الجار بحفظه والكف عن أذاه، ستر عورته، وإهداء الهدايا إليه، والصبر على أذاه. ([49])

خاتمة:

النتائج:

  • بعد التطواف والقراءة في وصية أبي الوليد الباجي؛ نستنتج ما يلي:

1 ـ هذه الرسالة نفيسة جدا؛ ذلك أنها اشتملت على وصايا متعددة سواء في مجال العقيدة، أو العبادت، أو المعاملات، أو الأخلاق.

2 ـ محبة أبي الوليد الباجي لولديه وحرصه على أن يكونا متشبعين بالقيم الروحية والأخلاقية.

3 ـ هذه الوصايا تجسد جوهر الإسلام وحقيقته؛ لأن المتمسك بهذه الوصايا متمسك بالدين الإسلامي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

4 ـ تأثر أبي الوليد الباجي بوصايا لقمان لابنه التي قصها علينا القرآن الكريم، وهذه الوصايا كانت متعددة في مجالات شتى؛ ولذلك ختم أبو الوليد الباجي رسالته هاته بوصايا لقمان الحكيم لابنه.

5 ـ كان أبو الوليد الباجي حريصا على غرس التربية والأخلاق في نفوس ولديه قبل العلم، ذلك أنه عندما أحس ببلوغ ولديه سن التكليف؛أوصاهما بمجموعة من الأخلاق أولا، ثم رغبهما في تحصيل العلم ثانيا؛ مما يدل على أهمية التربية والأخلاق داخل المجتمع المسلم.

التوصيات:

  • أود أن أوصي الباحثين بما يلي:

ـ البحث عن القيم التربوية عند علماء المسلمين عامة، وعلماء الغرب الإسلامي خصوصا؛ حتى يتسنى للباحث الاقتداء بهم في السلوك والأخلاق؛ فإن القيم التربوية، وتنزيلها على أرض الواقع مما تفتقده غالب المجتمعات الإسلامية.

ـ البحث عن القيم التربوية عند أبي الوليد الباجي من خلال مؤلفاته.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.


المصادر والمراجع:

ـ ابن الأثير، ( ت 637 هـ ) اللباب في تهذيب الأنساب. مكتبة المثنى-بغداد.بدون رقم الطبعة.

ـ ابن العماد، ( ت 1089 هـ ) شذرات الذهب. دار ابن كثير- دمشق، ط1 / 1406 هـ.

ـ ابن بسام، ( ت 542 هـ ) الذخيرة، الدار العربية للكتاب ليبيا ـ تونس. بدون رقم الطبعة.

ـ ابن بشكوال، ( ت 578 هـ )، الصلة في تاريخ أئمة الأندلس. مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2 ( 1374هـ)

ـ ابن خلكان، ( ت 681 هـ ) وفيات الأعيان، دار صادر بيروت. بدون رقم الطبعة.

ـ ابن فرحون، ( ت 799 هـ ) الديباج المذهب. دار التراث القاهرة، بدون رقم الطبعة.

ـ ابن كثير، ( ت 774 هـ ) البداية والنهاية، دار هجر للطباعة القاهرة، ط1 / 1418 هـ.

ـ ابن كثير، ( ت 774 هـ ) طبقات الفقهاء الشافعيين. بدون طبعة.

ـ ابن منظور ( ت 711 هـ )، لسان العرب. دار صادر بيروت، ط3 / 1414 هـ.

ـ أبو الوليد الباجي، ( ت 474 هـ ) النصيحة الولدية، دار ابن حزم بيروت، ط1 / 1421 هـ.

ـ أبو داود، ( ت 275 هـ )، سنن أبي داود. المكتبة العصرية صيدا بيروت. بدون طبعة.

ـ أحمد الضبي، ( ت 599 هـ ) بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس. دار الكاتب العربي القاهرة، 1967 م.بدون رقم الطبعة

ـ البيضاوي، ( ت 685 هـ )، أنوار التنزيل وأسرار التأويل. بدون طبعة.

ـ الحجوي الثعالبي، ( ت 1376 هـ ) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. دار الكتب العلمية، 1416هـ. بدون رقم الطبعة

ـ الذهبي، ( ت 748 هـ ) سير أعلام النبلاء. مؤسسة الرسالة، ط3 / 1405 هـ.

ـ الراغب الأصفهاني، ( ت 1108 هـ ) مفردات ألفاظ القرآن. دار القلم ـ ودار الشامية، 1430 هـ. بدون رقم الطبعة

ـ السيوطي، ( ت 911 هـ ) طبقات المفسرين. دار النوادر الكويتية. بدون طبعة.

ـ الشيرازي، ( ت 476 هـ ) طبقات الفقهاء، دار الرائد العربي بيروت. ط1 / 1970 م.

ـ القاضي عياض، ( 544 هـ ) ترتيب المدارك وتقريب المسالك، وزارة الأوقاف المغربية، ط1 / 1970 م.

ـ القيم التربوية في قصص الصحابة من كتاب بداية المجتهد، رهام بنت محمد بن عمر بادويلان، جامعة أم القرى، قسم التربية وعلم النفس، 1430 هـ. بدون رقم الطبعة.

ـ المقري، ( ت 1041 هـ ). دار صادر بيروت، ط1 / 1968 م.

ـ النباهي المالقي، ( ت 792 هـ ) المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا، دار الآفاق الجديدة بالمملكة المغربية. ط5 / 1403 هـ.

ـ جمال الدين أبو المحاسن، ( ت 874 هـ ) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي. بدون رقم الطبعة.

ـ علي خليل أبو العينين، الأخلاق والقيم التربوية في الإسلام، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، دار الوسيلة جدة، ط1 / 1998 م.

ـ ماجد عرسان الكيلاني، فلسفة التربية الإسلامية، مكتبة هادي مكة المكرمة، 1998 م، بدون رقم الطبعة.

ـ محمد بن إسماعيل البخاري، ( ت 256 هـ ) صحيح البخاري، دار طوق النجاة بيروت، ط1 / 1422 هـ.

ـ مخلوف، ( ت 1360 هـ ) شجرة النور الزكية. دار الكتب العلمية بيروت، ط1 / 1424 هـ.

ـ ياقوت الحموي، ( ت 626 هـ ) معجم البلدان، دار صادر بيروت. ط2 / 1985 م.


([1]) ابن منظور، لسان العرب، حرف الميم فصل القاف، كلمة ( قوم )، دار صادر بيروت، ط3 / 1414 هـ.( ج12 / ص 500 )

([2]) علي خليل أبو العينين، الأخلاق والقيم التربوية في الإسلام، ضمن موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، دار الوسيلة، ط1 / 1998 م.( ج1 / ص 79 )

([3]) ماجد عرسان الكيلاني، فلسفة التربية الإسلامية، مكتبة هادي مكة المكرمة، 1998 م. ( ص 299 )

([4]) ابن منظور، لسان العرب، باب الباء، فصل الراء، كلمة ( رب )، ( ج1 / ص 404 )

([5]) الإمام البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تح: المرعشلي، بدون طبعة، ( ج1 / ص 4 )

([6]) الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تح: صفوان عدنان داوودي، دار القلم ـ دار الشامية 1430 هـ.( ص 336 )

([7]) القيم التربوية في قصص الحصابة من خلال كتاب البداية والنهاية، رهام بنت محمد بن عمر بادويلان، جامعة أم القرى، قسم التربية وعلم النفس، 1430 هـ. ( ص 33 )

([8])بطليوس: بفتحتين وسكون اللام، وياء مفتوحة وسين مهملة، وقيل بضم الياء، وهي مدينة كبيرة بالأندلس على نهر آنه غربي قرطبة. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان، دار صادر بيروت، ط2، 1985 م، ( ج1/ ص 447 )/ ابن خلكان، وفيات الأعيان، تح: إحسان عباس، دار صارد بيروت، بدون طبعة.( ج3 / ص 98 )

([9]) باجة من أقدم مدن الأندلس، وتقع اليوم في البرتغال على بعد 140 كلم ناحية الجنوب الشرقي من لشبونة. ينظر تعليق على سير أعلام النبلاء، تح: مجموعة من المحققين بإشراف: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط3 / 1405 هـ. ( ج18 / ص 536 )

([10]) نسبة إلى الذهب، لأنه كان يضرب ورق الذهب للغزل. ينظر:ابن العماد العكري، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تح: محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير دمشق، ط1، 1406 هـ، ( ج5 / ص 315 )

([11])القاضي عياض،ترتيب المدارك، تح: مجموعة من المحققين، مطبعة فضالة المحمدي بالمغرب، ط1. وزارة الأوقاف المغربية، ( ج8 / ص 117 ) / ابن خلكان، وفيات الأعيان، ( ج2 / ص 408 ) /ابن فرحون، الديباج المذهب، تح: محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث القاهرة، بدون طبعة (ج1/ ص 377 )/ المقري، نفح الطيب،( ج2 / ص 67 )/ ابن كثير، البداية والنهاية، ( ج12/ ص 150 ) / السيوطي، طبقات المفسرين، تح: علي محمد عمر، دار النوادر الكويتية، (ج1 / ص 208)/ الثعالبي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، دار الكتب العلمية، 1416 هـ.( ج2 / ص 252 )/ أحمد الضبي، بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس،، دار الكاتب العربي القاهرة، سنة: 1967 م، ( ج1 / ص 302 ـ 303 )/ النباهي المالقي، المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا، تح: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، الناشر: دار الآفاق الجديدة بيروت لبنان، ط5، 1403 هـ، ( ص 95 )

([12])ابن خلكان، وفيات الأعيان، ( ج2 /ص 409 )/ الذهبي، سير أعلام النبلاء، (ج18/ ص 536 )/الحجوي الثعالبي، الفكر السامي، ( ج2 / ص 253 )

([13])ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق، بدون طبعة، ( ج3 / ص 371 )

([14])ابن بشكوال، الصلة، مكتبة الخانجي، 1374 هـ.( ج2 /ص 199 )

([15])ابن بشكوال، الصلة، ( ج2 /ص 249 )/ مختصر تاريخ دمشق، ( ج3/ ص 1371 )

([16])ابن بشكوال، الصلة، ( ج1 / ص 199 ) / القاضي عياض، ترتيب المدارك، (ج8 / ص 117 )ابن خلكان، وفيات الأعيان، ( ج2/ ص 409 ) / الذهبي، سير أعلام النبلاء، ( ج18/ ص 536 ) / ابن فرحون، الديباج المذهب، ( ج1 / ص 377 )

([17])ابن فرحون،الديباج المذهب، ( ج1 / ص 377 )

([18]) ابن بشكوال، الصلة، ( ج1 / ص 199 )

([19])ابن بسام، الذخيرة، تح: إحسان عباس، الدار العربية للكتاب ليبيا ـ تونس. ( ج3 / ص 523 ) /القاضي عياض، ترتيب المدارك، ( ج8 / ص 117 ) /الذهبي،سير أعلام النبلاء، ( ج18/ ص 536 ).

([20]) ينظر ترجمته في ترتيب المدارك، ( ج8 / ص 49 )

([21]) ينظر ترجمته في: الصلة لابن بشكوال، ( ج1 / ص 646 ) / ترتيب المدارك، ( ج8 / ص 15 )

([22]) ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء، ( ج17 / ص 592 ) / شجرة النور الزكية، دار الكتب العلمية بيروت، ط1/ 1424 هـ.( ج1 / ص 160 )

([23]) ينظر ترجمته في ترتيب المدارك، ( ج8 / ص 144 ) /

([24]) ينظر: ترتيب المدارك، ( ج8 / ص 229 ) / سير أعلام النبلاء، ( ج17 / ص 554 )

([25]) ينظر ترجمته في: ترتيب المدارك، ( ج7 / ص 78 )

([26]) ينظر ترجمته في: ترتيب المدارك، ( ج8 / ص 120 )

([27]) ينظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي، ( ج1 / ص 127 ) / وفيات الأعيان، ( ج2 / ص 512 )

([28]) ينظر ترجمته في: طبقات ابن السبكي، ( ج4 / ص 215 ).

([29]) سير أعلام النبلاء، ( ج18 / ص 550 )

([30]) سير أعلام النبلاء، ( ج16 / ص 225 )

([31])ابن بشكوال، الصلة، (ج1 /ص 199 ) /القاضي عياض، ترتيب المدارك، (ج8 / ص127) /ابن خلكان، وفيات الأعيان، (ج2 / ص 409 ) المقري، نفح الطيب، (ج2/ ص 77 )/ جمال الدين أبو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، بدون طبعة، (ج5 / ص 114 ).

([32])ياقوت الحموي، معجم الأدباء، (ج1/ ص485 ) / ابن فرحون، الديباج المذهب، (ج1 / ص 385)

([33])ابن الأثير، اللباب في تهذيب الأنساب، تح إحسان عباس، مكتبة المثنى بغداد، (ج1 / ص 119 )

([34]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، تح: إبراهيم باجس عبد المجيد، ط1 / 1421 هـ. ( ص 13 )

([35]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 17 )

([36]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 16 )

([37]) أخرجه البخاري، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذا أحدا خليلا، رقم الحديث: ( 3673 ). ( ج5 / ص 8 )

([38]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 19 ـ 20 )

([39]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 41 )

([40]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 20 )

([41]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 20 ـ 21 )

([42]) أخرجه أبو داود، كتاب الصوم، باب الغيبة للصائم، رقم الحديث: ( 2363 ). ( ج2 / ص 307 )

([43]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 30 )

([44]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 32 )

([45]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 26 )

([46]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 26 )

([47]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 35 ـ 36 )

([48]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 37 ـ 38 )

([49]) أبو الوليد الباجي، النصيحة الولدية، ( ص 39 )

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.