منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شبه الجابري في تجويز نكاح المتعة

سلسلة: "القراءات المعاصرة للقرآن الكريم" مساءلة نقدية لمشروع الجابري

0

لقد رأينا آنفا https://islamanar.com/al-jabris-denial/ كيف أن الجابري كرر مرارا أن القرآن هو المرجع المعتمد أولا وأخيرا، وأنه لا يقبل من السنة إلا ما شهد له القرآن بالصحة، ومع ذلك نجد الجابري يقول “بزواج” المتعة الذي ورد في السنة لفترة وجيزة ثم منع، في سياق التدرج الذي جاءت به الشريعة الإسلامية، فعن ابن مسعود قال ” كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس معنا نساء، فقلنا ألا نختصي ؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعدُ أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ” الآية [1]“. قال الحازمي رحمه الله تعالى في الناسخ والمنسوخ بعد أن ذكر حديث ابن مسعود المذكور آنفا ما لفظه :” وهذا الحكم كان مباحا مشروعا في صدر الإسلام، وإنما أباحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسبب الذي ذكره ابن مسعود، وإنما ذلك يكون في أسفارهم، ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أباحه لهم وهم في بيوتهم، ولهذا نهاهم عنه غير مرة ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى حرمه عليهم في آخر أيامه صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك في حجة الوداع، وكان تحريم تأبيد لا توقيت، فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة إلا شيئا ذهب إليه بعض الشيعة [2]“.

ويؤكد هذا المعنى ما روي عن  محمد بن كعب عن ابن عباس قال ” إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه الآية إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم قال ابن عباس فكل فرج سواهما حرام [3]“.

وقد جاء التقييد بوقت محدد عن إياس بن سلمة ، عن أبيه ، قال : ” رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس ، في المتعة ثلاثا ، ثم نهى عنها [4]“.

كما جاء في بعض الروايات أن المراد بالمتعة هو الزواج، وأن تحديد أجل معين في زواج المتعة إنما كان من جهة النساء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقر ذلك ثم نهى عنه، وأن النهي مستمر إلى يوم القيامة، فعن الربيع بن سبرة الجهني ، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضينا عمرتنا قال لنا : ” استمتعوا من هذه النساء ” قال : والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج فعرضنا بذلك النساء أن نضرب بيننا وبينهن أجلا قال : فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” افعلوا ذلك ” فخرجت أنا وابن عم لي معي بردة ومعه بردة وبرده أجود من بردي وأنا أشب منه فأتينا امرأة فعرضنا ذلك عليها فأعجبها شبابي وأعجبها برد ابن عمي فقالت : برد كبرد فتزوجتها، وكان الأجل بيني وبينها عشرا فلبثت عندها تلك الليلة ، ثم أصبحت غاديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحجر والباب قائم يخطب الناس وهو يقول : ” أيها الناس إني قد أذنت لكم في الاستمتاع في هذه النساء ، ألا وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيئا فليخل سبيله ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا [5]“.

فمن خلال هذا النص نفهم أن لفظ المتعة يطلق ويراد به التزويج، أما تحديد الأجل فقد جاء بناء على طلب النساء وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل استثنائي ثم نهى عنه، ولفظ المتعة الوارد في القرآن الكريم ينبغي أن يفهم في ضوء هذا المعنى الوارد في هذا النص الذي يوضح معهود العرب.

المزيد من المشاركات
1 من 85

لكن الجابري تجاوز في ذلك وخلط بين ما ورد في القرآن وما ورد في السنة دون فهم صحيح ولا إدراك دقيق، فذهب إلى جواز نكاح المتعة محتجا بما ورد في القرآن الكريم، فزعم أن »زواج المتعة، وقد نصت عليه الآية في قوله تعالى :” فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) مهورهن ( فَرِيضَةً [6]” أي واجبة لهن حسب ما هو منصوص عليه في عقد الزواج الذي وافق عليه الزوج والزوجة وهو عقد إلى أجل « [7]. فمن أين أتى الجابري بهذا الكلام ؟ والآية صريحة في وجوب الصداق عند الزواج دون تصريح أو تلميح من قريب أو بعيد لزواج المتعة، أو العقد إلى أجل.

لقد اعتمد الجابري في القول بجواز زواج المتعة على ثلاثة أمور هي :

1 – الاحتجاج بالآية السابقة وتأويلها تأويلا تعسفيا، وتحميلها ما لا تحتمل، خصوصا فيما يتعلق بلفظ الاستمتاع كما بينا ذلك.

2 –  رخص الله تعالى للمرء الزواج بالأمة المؤمنة بشروط مذكورة في قوله تعالى :” وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً اَنْ يَّنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُومِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُومِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّنم بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنَ اَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَالِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [8]“. وقد اعتمد الجابري على القياس الفاسد والاجتهاد الباطل عندما اعتبر أن انتهاء زمان الرق وعدم وجود إماء في العصر الحاضر مسوغا لزواج المتعة، في قوله : » وبما أن العصر الحاضر هو عصر إلغاء الرق، إذ لم يبق منه في بلاد المسلمين إلا ما هو في إطار السرية، فإن إباحة الزواج ب” الإماء ” للمضطر في وقت كان فيه الرق سائدا وعاديا، يمكن – في وقت لم يعد فيه مقبولا – أن يتخذ دليلا ومرشدا في حالة اضطرار[9]…وبما أن الرق قد صار اليوم محرم دوليا، وهذا ينسجم مع التوجه القرآني، فإن باب الإباحة الذي فتح لزواج المضطر من الإماء، وهو مغلق الآن بمنع الرق، يجب أن يفتح في وجه زواج المتعة. وإلا فالزنا ب”الرقيق الأبيض ” سيبقى مفتوحا ينتج مزيدا من الزناة ومزيدا من الرقيق الأبيض « [10].

وهذا كلام باطل شرعا وعقلا، لأنه لا علاقة بين زواج المتعة وبين الزواج بالإماء، فالأول نوع من الزنا أبيح ثم حرم إلى يوم القيامة، وقد وقفنا على ظروف تلك الإباحة سابقا، أما الثاني فزواج صحيح شرعا.

3 – الأمر الثالث الذي اعتمد عليه الجابري هو ما يتعلق بصعوبات العصر وإكراها ته المادية والمعنوية، وفي ذلك يقول الجابري : »ونحن نرى في عصرنا ما يحمل على النظر إلى زواج المتعة على أنه ” يحل للمضطر ” فغلاء المهور، والصعوبات التي يواجهها معظم شباب اليوم في العثور على سكن مقبول وبثمن مقبول، الخ مما يضطره إلى الزنا أو إلى ما يسمى ب” الزواج العرفي ” أو بغيره من الأسماء التي في معناه…كل ذلك يبرر العودة إلى العمل به، بوصفه من المباح للمضطر « [11]. وكان الأولى بالمفكر الكبير والمثقف العظيم أن يبحث للشباب عن حلول للمهور الغالية والسكن الممتنع، بدل تحليل ما حرم الله تعالى، لأن هذا الكلام لا يفهم منه إلا أن هؤلاء يريدون استباحة ما حرم الله بالاجتهاد الذي لا يمتلكون شروطه، والقول على الله بغير علم، وجعل القرآن يشهد زورا على ما يريدون هم.

أما زعم الجابري أن زواج المتعة جائز للمضطر، فقد جاء مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه، إلا أنه فسر الاضطرار تفسيرا لا يتفق وما ذهب إليه الجابري، فعن أبي جمرة ، قال : سمعت ابن عباس : سئل عن متعة النساء ” فرخص ” ، فقال له مولى له : إنما ذلك في الحال الشديد ، وفي النساء قلة ؟ أو نحوه ، فقال ابن عباس : ” نعم[12]“. فهل في النساء قلة في هذا الزمان، كلا، بل إن النساء يعانين في هذا الأمر أكثر من معانات الرجال، ولذلك وجب وضع حلول حقيقية، تأخذ بعين الاعتبار المصلحة الحقيقية المتفقة مع صحيح الشرع وليس المتعارضة معه.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 25

أما محاولة الجابري منع الزواج العرفي بإباحة زواج المتعة فمصيبة أخرى، تدل على انعدام الفهم الشرعي  السديد، لأن الزواج العرفي صحيح إذا توفرت فيه شروط الزواج الصحيح، فهو الأصل أما التوثيق بالمحاكم فأمر طارئ. أو لنقل إن الزواج العرفي محل خلاف بين الفقهاء المعاصرين، أما زواج المتعة فحرام بالإجماع، فعن ابن المنذر رحمه الله تعالى أنه قال ” ” جاء عن الأوائل الرخصة فيها[13] ولا أعلم اليوم أحدا يجيزها إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله [14]“. وقال القاضي عياض رحمه الله :” ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض [15]“. وقال ابن بطال رحمه الله تعالى :” وأجمعوا على أنه متى وقع الآن أبطل سواء كان قبل الدخول أم بعده [16]“.

فالجابري هنا يذهب مذهب الشيعة الذين قالوا بجواز المتعة – بغض النظر عن الأسباب التي تسبب بها الجابري – رغم أن النهي الوارد عن نكاح المتعة إنما ورد على لسان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فعن الزهري ، عن الحسن ، وعبد الله ، ابني محمد بن علي، عن أبيهما ، عن علي ، ” أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الأهلية [17]“. وقال الخطابي رحمه الله :” تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المخالفات إلى علي، فقد صح عن علي أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال هي الزنا بعينه [18]“. وجعفر هذا هو جعفر الصادق – رضي الله عنه – أحد أئمة الشيعة المزعومين الذي ينسبون إليه كل أباطيلهم.

وقد شدد العلماء على تحريم نكاح المتعة حتى قالوا ببطلان كل نكاح يحدد بوقت، قال ابن دقيق العيد :” بالغ المالكية في منع النكاح المؤقت حتى أبطلوا توقيت الحل بسببه، فقالوا لو علق على وقت لا بد من مجيئه وقع الطلاق الآن، لأنه توقيت للحل فيكون في معنى نكاح المتعة [19]“. وقد صرح القاضي عياض بالإجماع “على أن شرط البطلان التصريح بالشرط، فلو نوى عند العقد أن يفارق بعد مدة صح نكاحه إلا الأوزاعي فأبطله [20]“.

وهكذا ينتهي كل ذي لب أجال النظر في هذا الموضوع إلى عكس ما ذهب إليه الجابري، تماما، فنكاح المتعة كان مجرد رخصة مقيدة بزمان ومكان انتهيا، ولذلك قال القرطبي رحمه الله :” الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل، وأنه حرم ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض [21]“. وعن الربيع بن سبرة الجهني ، أن أباه ، حدثه ، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” يا أيها الناس ، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء ، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا “، وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن عبد العزيز بن عمر ، بهذا الإسناد ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما بين الركن والباب ، وهو يقول: بمثل حديث ابن نمير[22]“.

[1] رواه البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، باب قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ، حديث : 4348 .

[2] نيل الأوطار مجلد 2 ج 5 ص 251.

[3] رواه الترمذي ، باب ما جاء في تحريم نكاح المتعة ، 1077 .

[4] رواه مسلم ، كتاب النكاح ، باب نكاح المتعة ، 2578 .

[5]رواه ابن حبان ، كتاب الحج ، ذكر البيان بأن المصطفى صلى الله عليه وسلم حرم المتعة ، حديث : 4208 .

[6] النساء ، الآية 24 .

[7] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 248 .

[8] النساء ، الآية 25 .

[9] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 248 – 249 .

[10] نفس المرجع ، ص 256 .

[11] نفس المرجع والصفحة .

[12] رواه البخاري ، كتاب النكاح ، باب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة ، حديث : 4828 .

[13] يقصد زواج المتعة .

[14] نيل الأوطار مجلد 2 ج 5 ص 250.

[15] نفس المرجع والصفحة.

[16] نفس المرجع والصفحة.

[17] رواه مسلم ، كتاب النكاح ، باب نكاح المتعة ، حديث : 2590 .

[18] نيل الأوطار مجلد 2 ج 5 ص 250.

[19] نفس المرجع والصفحة.

[20] نفس المرجع والصفحة.

[21] نفس المرجع والصفحة.

[22] رواه مسلم ، كتاب النكاح ، باب نكاح المتعة ، حديث : 2581 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.