منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فرحة العيد ودورها في إصلاح المجتمع (خطبة العيد)

عبد الله بن الطاهر التناني

0

الله أكبر (سبعا).

الله أكبر ما فرح المسلمون بالعيد فنالوا محبة الله ورضاه، وأشرقت بأنوار الطاعة القلوب والجباه. الله أكبر ما تعطر بنشر الذكر المجالس والأفواه، وتوجه المؤمن إلى مولاه في سره ونجواه، الله أكبر ما أعز الله من أطاعه واتقاه، وأذل من خالف أمره وعصاه.
الحمد لله الذي من على هذه الأمة ببعثة خير البرايا، وجعل التمسك بسنته عصمة من الفتن والبلايا، أحمده سبحانه وتعالى وأشكره على النعم والهدايا، وأسأله الثبات على السنة والسلامةَ من المحن والرزايا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم السر والخفايا، والمطلع على مكنون الضمائر والنوايا، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله كريم الخصال وشريف السجايا، عليه من الله أفضل الصلوات وأزكى التسليمات وأشرف التحايا، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم تكشف فيه النفوس عما فيها من الأسرار والخبايا…

الله أكبر (ثلاثا).
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي ألا بتقوى الله وطاعته، فبالتقوى تصل الأمة إلى أسمى المدارك، وبالطاعة تسلم من ضربات الشر والمهالك.
ها هو رمضان قد انتهى، إنه انتهى بأيامه ولياليه، بنفحاته وذكرياته، ولكن يجب أن يبقى فينا نتاجه وآثاره، يجب أن يبقى فينا سلوكه وأخلاقه، فهو موسم، والهدف من كل موسم ليس هو زمانَه ولحظاته، بل الهدف هو ثماره ونتاجه، وقد كان السلف الصالح يتضرعون إلى الله أن يبلغهم رمضان قبله ستة أشهر، كما يتضرعون إلى الله أن يقبله منهم بعده ستة أشهر، فكانت سنواتهم كلها نفحات رمضان وبركاته.
ها هو رمضان قد انتهى، فجاء العيد موسما للفرح والسرور، فشرع الله لنا فيه آدابا وسننا، تجعل دور العيد في الإصلاح كبيرا، فآداب العيد ليست مجرد طقوس وعادات نزين بها يوم عيدنا فحسب، بل هي عبادات تترك آثارها في النفوس، فتطهر مظهر المسلم ومخبره، وتصلح قلب المسلم وقالبه، فعيد المسلم ليس في المهرجانات، ولا في إقامة الحفلات، وليس فيه استقدام للفنانين والفنانات، فإذا كان العيد عند الصليبيين هو الرجوعَ إلى أوحال الفسق والمجون، هو الانحلالَ من كل روابط الإنسانية، هو تحولَ الإنسان إلى بهيمة بل هو أضل، فإن العيد في الإسلام ليس معناه الانسلاخ عن العبادة، بل هو الرجوع إلى عبادة الصلاة والزكاة، إلى عبادة اللقاء والدعوة إلى الله، وإذا كانت أعياد الكفار تتميز بالألعاب النارية، فإن عيد المسلم يتميز بالعبادات النورانية، فإذ ما سلطنا الأضواء الكاشفة على عيد المسلم نجده حقا مدرسة تربوية كبرى!
فتعالوا بنا اليوم نرفع الستار عن فوائد هذه المدرسة المباركة، نجلس في فصلها الدراسي الذي عقده لنا معلم الأمة الأولﷺ، نستعرض عيد المسلم فنستفيد من آدابه وسننه.
فمن مدرسة العيد نتعلم يا عبد الله أن التشبه بالكفار لا يجوز، فالمسلم ينبغي له أن يثبت بذاته، أن يستقل بهويته عن التبعية للغير، ألا ينصهر في عادات الغير وثقافته، لقد شرع الله لنا العيد لمحاربة التقليد الأعمى للكفار، شرعه الله لينتشل المسلم من وهدة الضياع في متاهات التشبه بغير المسلمين، لقد روى الإمام أحمد عن أنس رضي الله قال: «قدم رسول اللهﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقالﷺ: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، وهما يوم النيروز ويوم المهرجان، فقالﷺ: إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر».
إن النبيﷺ لا يريد للمسلم أن يتشبه بغيره، لقد أكد لناﷺ ذلك قولا وفعلا:

– أما القول فقد روى أبو داوود أن النبيﷺ قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»؛ بل تبرأﷺ ممن يتشبه بغير المسلمين فقال فيما روى الترمذي: «ليس منا من تشبه بغيرنا»؛ وويل لمن تبرأ منه الحبيب المصطفىﷺ، والصيام الذي كنا في رحابه في رمضان، جاء ليبعدنا بدوره أيضا عن التشبه بالكفار، فقال فيهﷺ: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور».

– أما الفعل فإن النبيﷺ ما ترك مجالا في العبادات ولا في المعاملات، إلا وقد وخالف فيه اليهود والنصارى، حتى قال اليهود: «ما يدع من أمرنا شيئا إلا وخالفنا فيه»، وقد حذرنا النبيﷺ من اتباع اليهود والنصارى فأخبر أن الأمة المسلمة سوف يأتي عليها زمان تقلد فيه اليهود والنصارى تقليدا أعمى، فقالﷺ في الحديث المتفق عليه: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قلنا: آليهود والنصارى قال: فمن؟». لقد صدق الرسولﷺ! فها هو عصرنا هذا يتحقق فيه ما أخبر بهﷺ منذ أربعة عشر قرنا، لقد اتبعنا هؤلاء في شتى المجالات.

المزيد من المشاركات
1 من 92

فبإطلالة واحدة لواقع الأمة، نشاهد صدق هذا الحديث النبوي الشريف؛ إذ نجد الأمة مطبوعة بهذا التقليد طولا وعرضا، في مجال الأعياد، وفي مجال الاقتصاد، وفي مجال الإعلام وهلم جرا، أليس قد احتفلنا برأس السنة؟ أليس منا من يستعد لها أكثر من استعداده لليلة القدر وعيد الفطر؟ ألم يلهث شبابنا وراء ما استجد من (كُوِبَّات) الصهاينة وآخر قصات الشعر؟ ألم تحطم الموضة طهارة المرأة وعفتها؟ فتبدو بمظهرها لا هي في الحقيقة برجل ولا هي بامرأة، لا تكاد تستقر على موضة حتى تبدو لها أخرى أشد وأنكى، يقع كل هذا! والعيد إنما شرعه الله أساسا لمحاربة هذا التقليد.
يا من يحتفل برأس السنة أو بطنها! يا من يقلد الصليبيين! ها أنت اليوم في عيدك هل رأيت يهوديا أو نصرانيا يعتني بعيدك اليوم كما تفعل أنت بأعيادهم؟ فلم هذا التقليد الذي يجعل المسلم يفقِد هويته ويضِل عن ذاته؟ فلم نحتفل حتى بأعيادنا على طريقة أعيادهم؟ ونحن والله أولى بمخالفتهم!

الله أكبر (ثلاثا).

أيها الإخوة المؤمنون؛ إن المسلم عندما يستيقظ صباح العيد، عندما تلمس شغافَ قلبه المرهف بنفحات رمضان، نسماتُ العيد ونفحاتُه، يصلي صلاة الفجر في وقتها، ويحافظ على جماعتها، وهذا هو الواجب اليومي الذي رباه فينا رمضان.

لقد كنا في رحاب رمضان نرى المساجد تغُصُّ بروادها عند صلاة الفجر، ولكن مع الأسف صباح العيد فجأة ينتهي كل شيء، أين أصحاب تلك الصفوف التي ألفناها في رمضان؟ أتُراهم قد استسلموا للشياطين الذين صفدوا في رمضان فقد أطلق اليوم سراحهم؟ هل كنا حقا من عِبَاد الرحمان أو من عُبَّاد رمضان؟ فمن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد انتهى، ومن كان يعبد الله فإن الله حي أبدا، والمسلم رباني لا رمضاني، وهل تدرون أن النافقين أيضا يصلون؟ ولكنهم {لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى}: لا يصلون إلا الجمعة والعيد، يصلون الفجر مع طلوع الشمس، والظهر والعصر مع الغروب، والمغرب والعشاء بعد الانتهاء من برامج الفضائيات أو الفضائحيات التي في الواقع لا تنتهي، والرسولﷺ يقول فيما روى البخاري ومسلم: «أثقل صلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء»؛

ما ذا دهاكم يا رواد المساجد؟! يا أصحاب القيام والركوع والسجود؟! لماذا تقلصت صفوفنا عن صلاة الفجر اليوم؟! يا من يكون فجره بعد طلوع الشمس! يا من تسبقه الشمس إلى الظهور كل يوم! أما تستحيي أن تسميها صلاة الفجر؟! أي فجر يكون بعد طلوع الشمس؟! أو لست تعلم أن الشيطان قد اتخذ من أذني من ينام عن صلاة الفجر مرحاضا ومبالا؟! لقد روى البخاري أن النبيﷺ ذُكِر عنده رجل فقيل: «ما زال نائما حتى أصبح فقام إلى الصلاة، فقالﷺ: بال الشيطان في أذنه»؛ فإذا ما انهزمنا أمام لحظات الفجر وهي بين أيدينا، أفلا ننهزم أمام ضربات العدو وهذه حالتنا؟ بل قد انهزمنا فعلا في كثير من المواقع: الاقتصادية والإعلامية والعسكرية وغيرها، وفي أكثر من ثغرة؛ وإذا كنا نطن أن الصيام وأخلاق الصيام خاصة برمضان، فهذا خطأ كبير، فالصيام مشروع طيلة السنة كلها، وقد كان النبيﷺ يكثر الصيام في شعبان قبل رمضان، ويأمر بصيام ست أيام من شوال بعد رمضان، كأني بالرسولﷺ يريد أن ينبهنا بذلك، إلى المحافظة على الصيام وأخلاق الصيام طيلة السنة كلها.

الله أكبر (ثلاثا).

فبعد أن يصلي المسلم صلاة الفجر في وقتها، يبدأ مباشرة في ممارسة آداب العيد وسننه. وأول آداب عيد الفطر وسننه الخاصة أن يتناول المسلم فطوره قبل الذهاب إلى المصلى، أن يأكل شيئا ولو تمرة أو ثلاث تمرات، وهذا الفطر هو عبادة لأنه من سنة النبيﷺ؛ روى البخاري عن أنس قال: «كان رسول اللهﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات».

مقالات أخرى للكاتب
1 من 9

وبهذا الفطر السني نتعلم من مدرسة العيد أن العبادة ليست دائما في حرمان الشهوة عن ملذاتها، بل العبادة في الإسلام تكون أيضا في الاستمتاع بالحلال، ويؤيد هذا قولُ النبيﷺ: «وفي بضع أحدكم صدقة»؛ ففي البارحة كان الحرمان عن الأكل والشرب هو العبادة، واليوم في العيد يصبح الأكل والشرب هو العبادة، فتكون عبادة البارحة محرمة اليوم، كما كانت عبادة اليوم محرمة البارحة،

وبهذا الفطر السني يقرر لنا الإسلام قاعدة مهمة، وهي أن روح العبادة وسرها ليس هو أن يؤديها المسلم على وجه مخصوص، بل هو امتثال أوامر رسول اللهﷺ، والإذعان لشرع الله سبحانه وتعالى، ولهذا نجد في الإسلام صياما واجبا وهو رمضان، وصياما محرما وهو يوم العيد، كما نجد فيه أيضا صلاة واجبة وهي خمس صلوات، وصلاة محرمة وهي النوافل عند طلوع الشمس وعند غروبها.

الله أكبر (ثلاثا).

ثم بعد أن استمتع المسلم بعبادة الأكل والفطر، يغتسل ويتنظف، ويزيل ما به من الأدران والأوساخ، ثم يلبَس أجود ما يجد من الثياب، ويتطيب بأجود ما يجد من الروائح الطيبة، إظهارا للنعمة، لأنه سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، روى الحاكم بسند لا باس عن أنس رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول اللهﷺ في العيدين أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد».
والنظافة هدف أسمى للإسلام يجب على المسلم أن يكون نظيفا طيلة السنة كلها، فالنظافة ليست مشروعة في العيد فحسب، بل الإسلام دعا لنظافة أطراف المسلم بالوضوء، ودعا للغسل في كل أسبوع وعند الجنابة، وحث على تنظيف الفم والأسنان، وعلى تنظيف الشوارع من الأزبال، فقالﷺ: «حق على كل مسلم أن يغتسل كل جمعة يغسل رأسه وبدنه»، وقالﷺ: «السواك مطهرة للفم مرضات للرب»، وقالﷺ: «نظفوا ساحاتكم ولا تتشبهوا باليهود».
ثم بعد ذلك يُخرِج المسلم زكاة الفطر، والزكاة في الإسلام ليست مجرد دريهمات أو آصع تدفع للفقراء وكفى، بل هي طهارة أيما طهارة! والله تعالى يقول: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، ويقولﷺ في زكاة الفطر: «طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين»؛ ففي البارحة في رمضان، ربى الله في المؤمن الإحساس بجوع الجائعين، في درس يتلقاه بواسطة الصيام من صوت المعدة ونداء الأمعاء، دون خطبة بليغة ولا لسان فصيح، فلو لم يشرع الإسلام الصيام، ما أحس الأغنياء بعضة الجوع أبدا، من أين لهم ذلك وأشكال الطعام والشراب على موائدهم تترا، وهي طوع أمعائهم كل حين؟ واليوم في العيد يؤكد الله تعالى هذا الإحساس بعد الصيام بزكاة الفطر، فهي طهارة القلوب وتزكية النفوس، تطهر المجتمع من أمراض الأغنياء وأوساخ الأموال، أتدرون ما هي أمراض الأغنياء وأوساخ المال؟ إنها الكبر والإعجاب بالنفس، إنها الأنانية وحب الذات والدورانُ على النفس، إنها البخل والشح والشره والطمع، وكلها أمراض خطيرة، ما ضاع شرع الله إلا بها، وما ضاعت حقوق الإنسان إلا بها، وما ضاعت الثقة والأمانة إلا بها، وما سقطنا في متاهات الديون الربوية إلا بها، وما سادت الرشوة في معاملاتنا إلا بها، وما انتشر الغش في أسواقنا إلا بها. ذلك أن الإنسان عندما يحس بأن جيبه قد امتلأ، وأن حسابه في البنوك تتكدس، يطغى ويتجبر، فتعجبه نفسه فيتكبر، فيكون كلُّ همه الحرصَ على المال، فيزداد مقياس البخل في نفسه، فيتحول إلى شح مطاع، والرسولﷺ يقول: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب الأمر بنفسه»؛ وهنا يحتقر الفقراء، ويستهزئ بالمساكين، فلا يكاد ينظر إلا إلى نفسه، ولا يستمع إلا لنفسه، فيقول كما قال قارون: {إنما أوتيته على علم عندي}؛ والله تعالى يقول: {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}.

فالزكاة يا عباد الله تطهر الأغنياء من هذه الأمراض، كما تطهر أيضا الفقراء من أمراض الفقر وأوساخ الحرمان، إنها تطهر الفقير من بغض الأغنياء، وحسدهم، والحقد عليهم، والعمل على إيذائهم، والسطو على ممتلكاتهم بالمكر والاختلاس والخديعة، لأنهم في نظره يتمتعون وهو محروم، ويأكلون وهو جائع، ويلبسون وهو حاف عار، ويسكنون الفلل البهية وهو متشرد في دور الصفيح؛ فبسبب أمراض الفقر والحرمان، وأوساخ العوز والحاجة، يُعتَدى على المنازل والسيارات، وتُقطَع الجيوب في الأسوق والحافلات.

فالغني عندما يتواضع، ويبحث هو بنفسه عن الفقير والمسكين، ليسعفه ويقضي حاجته بزكاة الفطر، فهو بذلك يعود نفسه التواضع والتضامن والإحسان، يعود نفسه الجود والكرم والبذل والعطاء، يمرن نفسه على الابتعاد عن أمراض الأغنياء المذكورة. فهو بذلك أيضا إنما يمد يده الرحيمة لتمسح عن قلب الفقير آثار الفقر والحرمان، إنما ينسج خيوطا من المحبة بينه وبين الفقراء.

وزكاة الفطر يا عباد الله هي بمثابة إسعاف أولي سريع، لما قد يحتاج إليه الفقير لتحقيق الفرح بعيده، حتى لا يستأثر الأغنياء وحدهم بفرح العيد، وقد أوجبها الله عز وجل على كل مسلم صغير وكبير ذكر وأنثى، وأن تخرج صباح يوم العيد، أو قبله بيوم أو يومين، فمن أداها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، ولا تسقط بمضي زمانها، وقلل الله قدرها، حتى يخرجها أكبر عدد ممكن في الأمة المسلمة، بحيث لا تتجاوز قيمتها هذه السنة خمسة عشر درهما لكل فرد، ورغم بساطتها وقلة قدرها تعد بالملايير، لو أن مليونا فقط من البشر جمعوا زكاة أموالهم لكان مجموعها مليارا، فكيف أن الأمة المسلمة اليوم تجاوزت المليار نسمة! فهي والله ثروة هائلة لو أحسنا استغلالها، لو نظمنا أخذها ودفعها، فالأزمة في الأمة ليست أزمة المال والثروة، بل هي أزمة الثقة المفقودة، أزمة الضمير والإيمان، أزمة من لا يملك نفسه عندما يسمع المليون والمليار، أزمة الفساد والبعد عن الدين، أزمة غياب برامج تنظم الزكاة وتحصي الفقراء.

الله أكبر (ثلاثا).

فبعد نظافة مظهر المسلم بالغسل والثوب الجديد والطيب الجيد، وطهارة نفسه بالزكاة، يكون قلبه أهلا لذكر الله، يكون لسانه أهلا لترديد ذكر الله، {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}؛ والقلوب لا تصلح إلا بالطمأنينة والإيمان، فيشرع المسلم في التكبير والتهليل: الله أكبر لا إله إلا الله. متوجها في جو إيماني إلى المصلى، ناشدا الفوز والفلاح، لقوله سبحانه وتعالى: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} وقد جاء في الأثر : “زينوا أعيادكم بالتكبير”.

وفي المصلى يؤدي المسلم صلاة العيد، والصلاة هي عماد الدين ودورها في الإصلاح بينه الله تعالى إذ قال: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}؛

فالمسلم عندما يفرح يكون من مظاهر فرحه الصلاة:

صلاة العيد وسجود الشكر، وعندما يحزن أو يصاب بمصيبة يفزع أيضا إلى الصلاة، وقد كانﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة: صلاة الاستسقاء والكسوف والخسوف وصلاة الجنازة؛ لأن الإسلام يريد أن يرتبط المسلم بربه في أفراحه وأتراحه، في مأساته ومسراته، فبالصلاة يستعين المؤمن على الصبر في الضراء، لأنه سبحانه وتعالى جمعها بالصبر في أكثر من آية فقال سبحانه: {واستعينوا بالصبر والصلاة}، وبها أيضا يستعين على الشكر في السراء؛ بل هي تعبير صادق عن شكر نعم الله تعالى وكيف لا! وقد ربطها الرسولﷺ بالشكر عندما أنكرت عليه زوجته عائشة الإكثار من القيام حتى تورمت قدماه فقالﷺ: «أفلا أكون عبدا شكورا». والصلاة هي راحة المؤمن على كل حال، وقد كان النبيﷺ عندما يرى العياء يتسرب إلى أصحابه في أسفاره يقول لمؤذنه الرسمي بلال: «أرحنا بها يا بلال»، والتراويح التي كنا في رحابها في رمضان ما سميت بهذا الاسم إلا لأنها تروح النفوس من مأساتها، وتمسح عن القلوب معاناتها.

وبعد الانتهاء من صلاة العيد المزدانة، بالتكبيرات يجلس المسلم ليستمع للخطبة، ودور الخطبة في الإصلاح وتجديد الإيمان واضح، فهي مجلة إسلامية أسسها الرسولﷺ لينشد فيها المسلم الحلول لمشاكله، تستعرض واقعه وتعرض مجتمعه على ميزان شرع الله سبحانه، في لقاء مبارك بين المؤمنين، واللقاء لقاح القلوب والنفوس بمادة الإيمان، ولا يتحقق هذا اللقاح إلا عن طريق التوعية والإرشاد، ولهذا شرع الإسلام الخطبة في لقاءات المؤمنين الشرعية: في اللقاء الأسبوعي لأهل الحي يوم الجمعة، وفي اللقاء الدوري لأهل المدينة في عيدي الفطر والأضحى، وفي اللقاء السنوي للأمة كلها في عرفات الله.
وبعد الانتهاء من الخطبة يسود جوَّ المؤمنين سحائبُ التهاني وبشاشاتُ الوجوه، فيتبادلون التسامح والعناق، لا عبوس ولا قلق، الكل يبتهل ويدعو؛ روى الإمام أحمد بسند جيد: «أن أصحاب رسول اللهﷺ كانوا إذا التقى بعضهم ببعض يوم العيد قالوا: تقبل الله منا ومنكم»؛ وهنا تدفن الأحقاد والضغائن، فيتصافح المتخاصمون، ويسامح المتناطحون، ثم يرجع المسلم في غير الطريق الذي جاء منه إلى المصلى، ليشهد له الطريقان يوم القيامة ولتشهد له ملائكة هذا الطريق وملائكة ذاك، وليتصدق على فقراء هذا الطريق وفقراء ذاك، روى البخاري «أن النبيﷺ إذا كان يوم العيد خالف الطريق»، ويستمر هذا الجو العاطفي السامي طيلة اليوم كله، فيوسع المسلم على عياله، ويعطي لأطفاله فرص إظهار الفرح، إيناسا لهم بالجو الديني الرباني، لأن ذلك يشعرهم بانتمائهم للإسلام، وباعتناء الإسلام بهم، فينشئون على حب الدين، ويعتصمون بتعاليمه، وإذا كان عصرنا هذا بما فيه من سرعة التقلبات قد وثر الأعصاب، فأصبح الإنسان فيه أسرع إلى الغضب، فإنه يتحتم على المؤمن أن يكبِت نوازع الغضب والعنف يوم العيد، وأن يتخذه يوم فرح لنفسه ولزوجه ولصبيانه، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها «أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان فقال: أمزامير الشيطان في بيت رسول اللهﷺ؟ وذلك في يوم العيد، فقال رسول اللهﷺ: يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا»…
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الله أكبر (خمسا)

الله أكبر ما انتشرت أفراح العيد بين الأسر، الله أكبر ما أذن مؤذن فهلل وكبر، الله أكبر ما فاحت الأفواه بذكر الله أكبر.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبه ورسوله الأمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

الله أكبر (ثلاثا)

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ إن الإسلام ربط أعياد المسلم بخالقه، ربطها بالقرآن وهو كلام ربه، فشرع عيد الفطر عند تمام عبادة الصيام، وعيد الأضحى عند تمام عبادة الحج إلى بيت الله الحرام، وعيد الفطر ليس عيدا لأننا أكلنا فيه وشربنا، ليس عيدا للبطن والمعدة، بل هو عيد للقلب والروح.

فهو عيد لأنه به نحيي ذكرى بداية نزول القرآن الكريم في رمضان، كما كان عيد الأضحى عيدا لأنه ذكرى خاتمة نزول القرآن ففي عرفة نزل قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.

وهو عيد أيضا لأنه يوم الجائزة الكبرى، يوم التخرج من مدرسة الصيام وإعدادية القيام، يشترك في توزيع الجوائز فيها على الصائمين ملائكة الرحمن، فتعيش الدنيا كلها أرضها وسماؤها في أفراح، روى الطبراني في الكبير أن النبيﷺ قال: «إذا يوم عيد الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق، فنادوا: اغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم، يمن بالخير ثم يثيب الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلَّوْا نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة» (حديث ضعيف إلا أنه في فضائل الأعمال).

وهو عيد أيضا لأنه به تنتهي رحلة عبادة الصيام، وبه تبتدئ رحلة عبادة الحج والإحرام، قال الله تعالى: {الحج أشهر معلومات} ومن أشهر الحج شوال، وأول شوال هو عيد الفطر، وإن يوما تنتهي فيه رحلة روحية، وتبتدئ فيه أخرى لجدير بأن يكون للمسلمين عيدا، لجدير بتبادل التهاني والتزاور بين الأحباب والأصدقاء، لجدير بالتراحم وصلة الأرحام بين الأهل والقرابة، ولكن لا يجوز بحال من الأحوال أن ننساق وراء الزيارات والتهاني باسم العيد، حتى نقع في حبائل الشيطان، ينبغي أن نبتعد عن تلك العادات الفاسدة التي يمقتها الدين، من الاختلاط بين النساء والرجال الأجانب عنهن، وما يتبع ذلك من تقبيل الخدود دون قيد ولا حدود، من الأقارب والأباعيد، وما أدراك ما جمال المرأة في العيد! فهذا تقليد أعمى لعادات النصارى واليهود، والعيد إنما شرعه الله أصلا لمحاربة هذا التقليد.

وهكذا يا عباد الله؛ نختم خطبة اليوم بمطلع بدايتها…

ألا فاتقوا الله عباد الله! وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.