منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ضوابط الدعاية الانتخابية وشروطها

ضوابط الدعاية الانتخابية وشروطها/ للدكتور محمد علي الصلابي

0

ضوابط الدعاية الانتخابية وشروطها

للدكتور محمد علي الصلابي

هي الحملة التي يقوم بها المرشح في المدة التي تسبق مرحلة الانتخابات؛ ليحقق بها أكبر عدد ممكن من الأصوات، مستخدماً في ذلك وسائل الاتصالات وأساليب التأثير (بن الصغير، 2004، ص151)، وقد تسمى بالدعاية الانتخابية، أو الحملات الانتخابية، أو الدعاية السياسية، وبيان حكم الدعاية الانتخابية يتطلب البحث عن أهم الأحكام التي تتضمنها هذه الدعاية، ثم بيان حكم الدعاية، وهذا ما تحتويه المطالب التالية:

1ـ تزكية النفس:

على الدولة الحديثة المسلمة إقرار مبدأ تزكية النفس في الدعاية الانتخابية، لوجود المصلحة والحاجة لذلك وحتى يعرف الناس الأكفأ والأقدر عند الاختيار، وعلى الدولة منع أي تجاوز شرعي في هذه التزكية، فلا يقر المدح الكاذب أو الإطراء والمبالغة المفرطة في الثناء على النفس، وعلى الاخرين، أو التنقص منهم (العجلان، 2009، ص404).

2ـ المبالغة في إنفاق الأموال:

قال تعالى: َ {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيْاطِينِ} فالآية صريحة في النهي عن تبذير المال، والمراد بتبذير المال هو وضع المال في غير حقه، وهو يتضمن صورتين:

الصورة الأولى: إنفاق المال في حرام، ولو كان الإنفاق شيئاً يسيراً.

الصورة الثانية: الإسراف المتلف للمال الذي يعرضه للنفاذ ووجه دخول الصورة الأولى في النهي ظاهر؛ لأن العبد المسلم يجب عليه تجنب الحرام مطلقاً، ومن وقع فيه فهو اثم، فكيف بمن يبذل المال فيه ومن أجله، وأما وجه تخصيص التبذير بما كان متلفاً للمال، ومعرضاً له للنفاذ، فالدليل عليه قول الله تعالى: َ {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا *}

والدعاية الانتخابية للتعريف بالمرشح وبرنامجه أمر لا بأس به، بل حاجة ملحة، إذ لماذا ينتخب الناس فلاناً دون غيره، ما لم يكن معروفاً لديهم، وذا رؤية فكرية واضحة أو برنامج معلوم، ولا يعقل أن يتجنب مرشح الدعاية الانتخابية، ثم يتصور نجاحه مهما كانت قوة برنامجه وقدرة شخصيته، وهذا التعريف بالشخص وبرنامجه يحتاج إلى مال ينفق وخطة تنفيذ، وقد تفنن الناس في الدعاية في عصرنا، وتتجدد هذه الدعايات بتجدد المواسم الانتخابية، وتتطور بتطور الوسائل الدعائية، والحق أن هذا الإنفاق لابد أن يراعى فيه التوسط الذي عرفت به الأمة، حيث قال ربنا: َ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (الشوكاني، 2007، ج3ص 291).

3 ـ شراء الأصوات كبيرة وجريمة:

إن شراء أصوات الناس بالباطل كبيرة يحاسب عليه الشرع، وجريمة يرفضها القانون، وهذا مما تعارف عليه بعض الناس وشاهدوه بالعيان، وهو جريمة أخذت في بعض المناطق تقنيناً مألوفاً بين الناس، والخلق متفاوتون في هذا الجرم، وكل مرشح حسب إمكانياته وقدراته، كما أن الناخبين متفاوتو القيمة والسعر، فمن الناس من يعطى سيارة فارهة، ومنهم من يباع بوجبة تسد رمق جوعه، وبين هذا وذاك من أسعار مختلفة وقيم متفاوتة، وشراء الأصوات رشوة مرفوضة، ومال سحت يحرم أخذه، وفي الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراشي والمرتشي في النار»[(271)]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة لحم نبت من سُحت، النار أولى به».

4 ـ البعد عن إثار ة العصبية والنعرات القبلية:

يجب على القائمين على الدعاية الانتخابية البعد عن إثارة النعرات القبلية، أو الارتماء في أحضان العصبية المقيتة، فذلك كله ليس من شيم الإسلام، ولا من أخلاق أهله، وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم التعصب المقيت فقال: «من قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو لعصبية، أو ينصر عصبية، فقتل، فقتلته جاهلية». وقال: «ليس منا من دعا إلى عصبية، أو قاتل على عصبية، أو مات على عصبية» ووصف صلى الله عليه وسلم التعصب والعصبية بوصف مقزز تنفر منه النفوس قال: «دعوها فإنها منتنة».

5 ـ تجنب التلوث البصري في الدعاية:

ومما ينبغي مراعاته فـي العملية الانتخابية تجنـب التلوث البصري؛ الذي أصبح لازمة مـن لوازم الانتخابات حتـى أصبحت شوارع كـل قرية أو حي أو مدينة في فترة الانتخابات ـ بسبب المعلقات والملصقات الإعلانية ـ تؤثر على العيون.

والإسلام اعتنى بالصورة الجمالية في كل شيء، ومن ذلك شوارع الناس وطرقاتهم، واعتبر رفع الأذى عن الطريق صدقة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «يميط الأذى من الطريق صدقة»، فلا شك أن البعد عن هذه الصورة المشوهة، إن عده البعض حضارة ورقياً؛ فإن الإسلام يجعله قربة وعبادة، وإن دعت الحاجة إلى ذلك فينبغي العمل على إزالة هذه الملصقات بعد الانتهاء من العملية الانتخابية، وتجميل الصورة العامة، والاستفادة من هذه الملصقات، وعدم تركها للعوامل الجوية حتى تتآكل وتذهب سدى(كساب، 2012، ص101)

6ـ تجنب التزوير:

والحق أن التزوير جريمة نكراء؛ لأنه يعد شهادة زور، وقد حذر الإسلام منها حين قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على أكبر الكبائر، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور»، وقرن الله بين الشرك وشهادة الزور، وحذر منها تحذيراً مجتمعاً، فقال: َ {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ *} .

وقال سبحانه: َ {وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا *} . وتزوير الانتخابات تزوير لمستقبل أمة، ورقي بالضعفاء إلى مكان الأقوياء، وبالخونة إلى مكان الأمناء، والخب الوضيع مكان الخبير الرفيع، وهو ما جعله الإسلام أمارة من أمارات الساعة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».

7ـ تجنب التشهير بالخصوم وتتبع العورات:

جاء في الحديث: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يُفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله».

إن ما يقوم به بعض المتنافسين في الدعاية الانتخابية، وفي غيرها إلى التشهير بالخصوم كنوع من أنواع إثبات أحقية الشخص في المنصب، أو الكرسي المتنافس عليه، ولا يتورع البعض أحياناً عن الأكاذيب، والاتهام بالباطل، ونسبت جرائم وكبائر إلى خصومهم السياسيين، وهذا من الإفك المبين، والإثم العظيم، والفجور في الخصومة، وقد درج بعض المرشحين في بعض البلدان على تتبع زلات وعورات خصومهم، بل ومكافأة من يدلهم على هذه العورات، والأكثر من هذا أن تنصب للخصوم الفخاخ حتى يقعوا في بعض المخالفات دون

قصد، وقد نهى الإسلام عن ذلك، ولابد في الدولة الحديثة المسلمة من قوانين رادعة لأصحاب النفوس المريضة.

8ـ عدم فقدان رابطة الأخوة مهما حمي وطيس التنافس:

لا ينكر أحد على أحد التنافس في أبواب الخير والبر، والتنافس بين المرشحين، في العمليات الانتخابية فيما هو مشروع، وقد حكى القران الكريم نوعاً من أنواع التنافس بين أطراف متعددة، كل يريد القيام بما طلبه نبي الله سليمان عليه السلام، وهذه سورة النمل تقص علينا الواقعة، وقد جاء فيها: َ {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ *قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ *قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ *} [38 ـ 40].

وفي يوم أحد رد النبي صلى الله عليه وسلم بعض صغار الصحابة وقبل اخرين، فكانت منافسة بين المقبول والمردود، وكان النبي صلى الله عليه وسلم رد سمرة بن جندب وأجاز رافع بن خديج، فقال سمرة بن جندب لربيبه مري بن سنان: يا أبت أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج وردني وأنا أصرع رافع بن خديج، فقال مري بن سنان: يا رسول الله، رددت ابني وأجزت رافع بن خديج، وابني يصرعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرافع وسمرة «تصارعا»، فصرع سمرة رافعاً، فأجازه رسول الله، فشهدها مع المسلمين. (الطبري، 1967، ج2 ص 61). ومثل ذلك ما كان في بيعة عثمان رضي الله عنه، وقد تقدم ما كان بين عثمان وعلي رضي الله نهما


مراجع البحث:

علي محمد الصلابي، البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة، دار ابن كثير، لبنان،1435ه 2015م

محمد بن علي الشَّوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرِّواية والدِّراية من علم التَّفسير دار المعرفة، 1428ه-2007م

أبي جعفر محمَّد بن جرير الطبري،  تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمَّد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، بيروت 1387ه-1967م .

زكريا بن صغير، الحملات الانتخابية، مفهومها، وسائلها، أساليبها، دار الخلدونية للنشر والتوزيع،الجزائر،1424ه 2004م،

فهد بن صالح العجلان، الانتخابات وأحكامعا في الفقه الإسلامي، دار كنوز اشبيليه، 1430ه-2009م،

 

أحمد الريسوني، علال الفاسي عالما ومفكرا، دار الكلمة للنشر والتوزيع،القاهرة، 1433ه-2012م

أكرم كساب، الانتخابات أحكام وضوابط، دار السلام،1433ه-2012


منقول عن موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.