منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إليا أبو ماضي … ذلك الإنسان

0

ما أعظم الإنسان الذي يسعى جاهدا لخدمة أخيه الإنسان، وما أجمل الذي يحوّل مواهبه وطاقاته وقدراته إلى قناديل تنير الطريق نحو عالم الفضيلة والارتقاء والسمو والانسلاخ عن كل ما هو بديئ وسيء وقبيح.

ولعل الشاعر العربي الكبير إليا أبو ماضي من هذا الصنف الحسن الذي يكرس حياته داعيا إلى الفضيلة ناهيا عن الرذيلة، كارها للحروب والخلافات، نابذا للنزاعات، مقربا المسافات بين كل الطوائف والديانات والأعراق والحضارات، لابسا لذلك ثوب الإنسانية، ممتطيا صهوة الكلمة المجنحة، متوشحا سيف الأدب، يفري به أوداج الخلافات والكراهية بين بني الإنسان جميعا.

إنه من الأدباء النادرين الذين فهموا وظيفة الأدب، فجعلوه قبسا يذيب البغضاء والحقد والصراعات، التي تنشأ بين هذا وذلك من بني الإنسان، إنه واحد من الذين وقفوا على حقيقة الحياة، فأدركوا أنه لا وقت فيها للإذاية، ولا مكان فيها لنشر الضغينة والفحشاء، ومن ثَمّ وجب الاستمتاع بالحياة واستغلال العمر في ما هو مشروع، ونشر قيم التسامح والعفو والصفح وحب الأوطان، والتزام المثل العليا والأخلاق الفاضلة. فكانت النتيجة قصائد شعرية وأعمالا أدبية { الخمائل ـ الجداول ـ تذكار الماضي ـ فلسفة الحياة ـ ابتسم …} تقطر إنسانية وفضيلة وتسيل قيما وأخلاقا وتستحيل فانوسا في يد الراغب في السمو والارتقاء، الناشد مراقي الكمال البشري، التواق إلى الصلاح والرقي، فيبدد به الرذائل والمكروهات وسائر عالم الظلمات.

وإن الناظر المتأمل في أعمال إليا أبو ماضي يجد علاوة على ما ذكرنا، نزعة إنسانية صارخة ومعالم بارزة ومسالك واضحة، تبين بجلاء الطريق الأمثل والسبيل الأقوم لاكتساب القيم الإنسانية والمثل العليا التي جاءت الديانات كلها لتؤكدها وتندب الناس إليها، قيم تضارع التسامح ونبذ العنف والتواضع والعطاء والحب والخير …

مات إليا سنة 1957، لكن لا زالت قصائده المفعمة بالحياة والحنين والتفاؤل والحب، تُرتّل من طرف عشاق الأدب العربي في محاريب الندوات واللقاءات والمهرجانات الأدبية. لكن الذي يميز شاعرنا الكبير هذا ليس فقط  النزعة الإنسانية التي تبناها في مشروعه الأدبي أو الأخلاق التي دعا إليها في كل أعماله، وإنما القالب الأدبي الجميل الذي صاغ فيه تلك القيم الإنسانية، والأسلوب الرائع الذي اعتمده والكلمات الراقية التي وظفها في بناء قصائده، ولعل من المفيد أن نذكر نماذج من شعر هذا الأديب الكبير، حتى يقف القارئ الكريم على حقيقة ما ذكرنا آنفا.

المزيد من المشاركات
1 من 50

يقول إليا عازفا على أوتار التفاؤل والأمل، داعيا إلى الانسلاخ عن متاعب الحياة في قصيدة “ابتسم” :

                قال السمـــاءُ كئيبة وتجهــــــــما                   قلت ابتسم يكفي التجهم في السمــا

                قال الصبا ولى فقلت له ابتســــم                   لن يرجع الأسف الصبا المتصرما

                قال الليالي جرعتني علقمــــــــا                   قلت ابتسم ولئن جرعت العلقمـــــا

                فلعل غيرك إن رآك مترنــــمــا                   طرح الكآبة جانبا وترنّــــــمـــــــا

إنها كلمات تغور إلى أعماق الروح، فتبعث فيها التفاؤل وترسم على ثغرك ابتسامة صادقة تخفف عنك متاعب الحياة، إنها دعوة صارخة إلى محاربة اليأس واستحضار التفاؤل لمداواة القلوب المهجورة المكلومة.

وفي نبذ التعصب ونشر قيم التسامح والتضامن والتضحية، يقول إليا بأسلوبه الساحر :

مقالات أخرى للكاتب
1 من 9

            حرّ ومذهـــــــب كل حــرّ مذهبــــي               مــــا كنـــت بالغاوي ولا المتعصـــــب

            وأحب كل مهذب ولو أنه خصمــــي              وأرحم كل غيــــــــر مهــــــــــــــــــذب

            يأبــــــى فؤادي أن يميــل إلى الأذى              حب الأذية من طبـــــــاع العقـــــــــرب

            إني إذا نــــزل البلاء بصاحبــــــــي              دافـــعت عنــه بنــــاجذي وبمخـــــلــبي

            وشددت ساعده الضعيف بســـاعدي              وستــــرت منكـــبه العــــري بمنكـــــبي

فانظر أصلحك الله إلى جمالية الأسلوب وقيمة المضمون، ما أعظم أنامل إليا التي عزفت هذه السمفونية الرائعة التي إن كتبت بماء العين أو رقنت بماء الذهب، لكان ذلك غير كاف البتة في حقها.

وفي إنكار شهوة التكبر والاستعلاء ونبذ التعالي واحتقار الآخر، يقول أبو ماضي بأسلوب لا يقل جمالا عن سابقه، وبكلمات كانها الياقوت والزبرجد :

           نسي الطين ســــاعة أنـــه طـــــــين               حقيــــــر فصال تيـــــــها وعربــــــــــــــد 

          وكســــــى الخــــــز جســـمه فتباهى                وحوى المـــــــــال كيـــــــسه فتمـــــــــرد  

          يا أخي لا تمــــل بوجـــــهك عنــــي                ما أنا فحــــــمة ولا أنـــــــــت فرقــــــــــد  

         أنت مثلي من الثــــــرى وإلـــــــــــيه                 فلم يا صــــاحبي التـــــــــيه والصـــــــــد

         لو ملكــــــت الحقـــــول طــــــــــــرا                 لم تكن من فراشــة الحــــقل أســـــــــــعد

فلله درّ هذا الشاعر العربي العظيم، الذي كان وسيظل وسام اعتزاز وافتخار في صدر وعلى كتف كل عربي، الرجل الذي كرس حياته من أجل بناء إنسان ذي أخلاق عالية، متجرد من علائق الحقد والكره والبغض النتنة السيئة، التواق إلى الكمال البشري، الذي هو الغاية الأسمى.

وقبل أن نختم نزهتنا هاته في عالم إليا، يحسن أن نجيب عن سؤال قد يتبادر إلى ذهن القارئ مفاده : ما هو الدافع الذي جعل إليا يلبس ثوب الإنسانية ويتميز عن غيره من أترابه الشعراء الذين اهتموا بالحب والفخر والرثاء والوصف وغيرها من ضروب الشعر وأصناف النثر؟ لماذا كل هذا الجهد في بث القيم وغرس الفضيلة؟

إن هذا التساؤل لهو من الأهمية بمكان، ويمكن مقاربته من وجهة نظر شخصية تكمن في الآتي :

  • قناعة إليا الشخصية وحبه للخير والفضيلة.
  • إنتماؤه لبلد عربي ذي طوائف مختلفة، الشيء الذي يقتضي نشر قيم التسامح والتعايش، ونبذ التعصب والخلاف.
  • هجرته إلى أمريكا ومن ثم الاحتكاك بالأجنبي الذي يحتاج إلى قيم عالية وأخلاق سامية، وإلا لا يستطيع الاندماج وسط مجتمع مختلف عن الوسط الذي نشأ فيه.
  • الحروب والأزمات التي كانت طاغية على العالم في عصر إليا.
  • الفقر وصعوبة الحياة وهجرة الوطن مبكرا.

كل هذه الأمور يمكن أن تكون خلف النزعة الإنسانية الكبيرة التي كان يتمتع به صاحبنا، والتي بدت واضحة من خلال ما عرضت لك من نماذج شعرية، تكاد تستحيل قرنفلات أريجة نسرينات فواحة تغمر بعبقها الإنسانية جمعاء.

فما أحوجنا إلى أمثال إليا أبو ماضي، خصوصا في زمن طغت فيه الماديات واستفحلت الشهوات على حساب الأخلاق والفضائل، وأضحى الإنسان يوزن بما في جيبه لا بما في عقله وفؤاده، خصوصا أمام فشل المؤسسات الرسمية الذريع في غرس القيم التي حث عليها ديننا الحنيف، فهل يا ترى سيحبل الدهر بمثل إليا، يجمع بين نبل الرسالة وجمالية الأسلوب وحسن الصياغة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.