منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 في حضرة القاضي عياض… السيرة والمسيرة

محمد برار

0

مقدمة:

قيل قديما إذا ذكر القاضي ذكرت مراكش وإذا ذكرت مراكش اشرأبت الأعناق صوب بلاد المغرب الأقصى – خصوصا وأن هذا الأخير بات يعرف وحتى وقت قريب بمملكة مراكش-

كما قيل، أيضا، لولا القاضي لما ذكر المغرب. ولعل المكانة التي حظي بها هذا العلم لم تأت من فراغ وإنما هي نتاج ما حازه رحمه الله من ريادة علمية ضاهى بها أترابه سواء السابقين أو من أتى بعدهم من علماء المشرق والأندلس؛ فهو المحدث والفقيه والقاضي والمؤرخ وصاحب التصانيف المعتبرة في عديد المجالات والفنون والتي قال عنها ابن خلكان في وفيات الأعيان ” كل تواليفه بديعة ” فمن هو يا ترى هذا البحر الخضم الذي نحن بصدد الغوص في معمعان أغواره؟

النشأة والمسيرة العلمية

هو الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي، ثم السبتي المالكي ( ١ )
ولد رحمه الله سنة ( ٤٧٦ه – ١٠٨٣م ) بمدينة سبتة المغربية لعائلة اندلسية عريقة أصلها من مدينة ” بسطة ” نواحي غرناطة تلقى معارفه الأولى على يد الحافظ ابي علي الغساني قبل ان يشد الرحال وهو في بداية عقده الثاني نحو الأندلس نشدانا لإغناء زاده العلمي حيث أخذ بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله: محمد بن علي بن حمدين وأبي الحسين بن سراج وعن أبي محمد بن عتاب وروى عن القاضي أبي علي بن سكرة الصدفي، ولازمه، وعن أبي بحر بن العاص، ومحمد بن حمدين، وأبي الحسين سراج الصغير، وأبي محمد بن عتاب، وهشام بن أحمد، وعدة ( ٢ ).
وتفقه على يد أبي عبد الله محمد بن عيسى التميمي، والقاضي محمد بن عبد الله المسيلي أما بالمشرق فقد أخذ عن القاضي أبي علي: حسين بن محمد الصدفي وغيره.

المزيد من المشاركات
1 من 40

تولى القاضي عياض منصب القضاء بسبتة مسقط رأسه أولا قبل أن يعرج على غرناطة فيما بعد فقرطبة قال عنه الفقيه محمد بن حمادة السبتي جلس القاضي للمناظرة وله نحو من ثمان وعشرين سنة، وولي القضاء وله خمس وثلاثون سنة، كان هينا من غير ضعف، صليبا في الحق (٣ ) لقي رحمه الله حظوة ومكانة خاصتين لدى السلطة السياسية الحاكمة آنذاك ببلاد المغرب والأندلس والمتمثلة في ملوك الدولة المرابطية مما حدى به للوفاء لها وفاء منقطع النظير إلى غاية اللحظات الأخيرة من حياته.

من منحة السلطة إلى محنتها

بقدر ما حظي القاضي رحمه الله من رفعة المكانة والقرب من الحكام المرابطين والذين كان ينظر إليهم بمنظار السلطة الشرعية القائمة بحدود الشرع على أكمل وجه بقدر ماجرَّ عليه ذلك الويلات خاصة بُعيد ذهاب ريح هذه الدولة وقدوم الموحدين الذين رأى فيهم معظم فقهاء الوقت إذاك أصحاب دعوة باطلة وعقيدة منحرفة وعلى رأسهم القاضي عياض، بطبيعة الحال، وعلى رغم المراودات والإغراءات العدة التي تعرض لها من طرف السلطات الموحدية بهدف تليين موقفه اتجاهها إلا إنه ظل وفيا لمواقفه السابقة الشيء الذي عرضه لمضايقات جمة تراوحت بين السجن والنفي بل إنه دفع حياته على الأرجح ثمنا لذلك حيث يقال أنه قتل سنة (٥٤٤ ه – ١١٤٩ م) ونكل بجسده أيما تنكيل في واقعة ذهب ضحيتها غير واحد من العلماء الذين نحو منحى القاضي عياض وفضلوا الثبات على مواقفهم عوض مجاراة هوى السلطات الموحدية والقبول بعقيدتها في القول بعصمة المهدي بن تومرت حيث ووري الثرى في حومة باب أيلان بمدينة مراكش إذ أضحى ضريحه واحدا من مشاهد رجالات المدينة الكبار الذين عم صيتهم أرجاء الدنيا.

المصنفات والإنتاج الفكري

يعد كتاب ” الشفا في التعريف بحقوق المصطفى من بين أشهر تصانيف القاضي عياض والذي طبقت شهرته الآفاق شرقا وغربا وهو مؤلف في التعريف بشمائل سيد الخلق، ناهيك على تصانيفه البديعة في علم الحديث من قبيل كتاب” إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم ”

وكتاب ” مشارق الأنوار في تفسير غريب حديث الموطأ والبخاري ومسلم وضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات وضبط أسماء الرجال” وكتاب “الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع” ثم كتاب “بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد” فمؤلفاته في التراجم والاخبار نظير كتابيه “الغنية في تراجم شيوخه” و” المعجم في تراحم شيوخ بن سكرة” وغيرهما كثير من التصانيف الأخرى في اللغة والأدب والتاريخ والفقه والتي سارت بذكرها الركبان في مختلف الأقطار.

وقال عنه أبو عبد الله محمد الأمين في كتابه “المجد الطارف والتالد”، يصف مكانة “القاضي عياض” العلمية، وقدره الرفيع بين علماء الإسلام:

“مقام عياض مثل مقام البخاري والأئمة الأربعة؛ فهم حملة الشريعة وعلومها التي يبثُّونها في صدور الرجال بالتلقين والتأليف، ذَبُّوا عن الشريعة بسيوف علومهم؛ فبقيت علومهم خالدة تالدة إلى الأبد، وكم من ولي لله كان معهم وبعدهم بكثير، كان لهم تلاميذ وأوراد، وانقطعت تلك الأوراد وباد المريدون بمرور الأزمان، وأئمة العلم ما زالوا بعلومهم كأنهم أحياء ( ٤ )


المراجع

( ١ ) الحافظ الذهبي: سير اعلام النبلاء ج٢٠ ص٢١٣

( ٢ ) المرجع السابق ج٢٠ ص٢١٤

( ٣ ) المرجع السابق ج٢٠ ص٢١٥

( ٤ ) موقع قصة الإسلام: https://islamstory.com/ar/artical/21859/عياض_بن_موسى_بن_عياض_القاضي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.