منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“ادخُلْ-داخِلْ”( قصة قصيرة)

رضا نازه

0

رغم الجو البارد الغائم جلس منصف في الباحة الخارجية وقاوم رعشته. سيذهبها الإفطار ودفء السائل. هب إليه النادل كالريح. أنصت لطلبه واستأذنه في أخذ لفيف هلالية ليقدمها له في صحن بعد تسخينها وتقسيمها وتهييء المشروب. أعفاه منصف واعتذر. لا داعي لفضح كمية الزُّبْد الكامنة حين تخرجها الحرارة من مسام الرُّقاق، ثم الزمن زمنُ وسواسٍ غيرِ خناس. يقولون إن فيروس قورونا في كل مكان. نطح الشرق الأقصى بقوة ويضرب بحافره الأرض لينطح الغرب في أية لحظة. إنه هناك في صحن أو كوب أو في يد النادل الذي يناول الطلبات ويتناول النقود ويعيدها باليد نفسِها. انصرف النادل لنداء زبون في طرف المقهى. أجال منصف بصره بعيدا ذات يمينِ الشارع وهو يفكر في أصل عبارة الفيروس التاجي كورونا أو قورونا. ربما للأمر علاقة بالافتراس الخفي، وكورونا لها علاقة بالقرون من زمن كان فيه التاج من قرون على رأس ذي القرنين، يطوف به المغرب والمشرق وبين السدين ينشر العدل..

حين أعاد منصف بصره ذات الشمال وجد متسولا ماثلا أمامه ينتظر التفاته ليرجعه من اللغة إلى الوجود..

“- شِي دْرْهْم الله يحفظك..”

كان يبدو شيئا ما كالمجذوب، وفروة رأسه العارية اللامعة كانت تبدو حديثة عهد بالحلق. تحسس منصف جيبه. للأسف، لا فلس هناك. ورقةٌ بمائتي درهم سيجد أصلا حرجا في أدائها للنادل صباحا قبل وفرة الصرف. اعتذر للمتسول قائلا:

“- الله يسهل أسيدي..”

المزيد من المشاركات
1 من 24

رد عليه الرجل بنبرة قوية مشيرا بسبباته إلى باب المقهى:

– “ادْخُوولْ دَاااخْلْ!”

باغته. لم يشعر منصف أن التفت لعله يكشف سر إشارة الرجل بينما الرجل مر لمائدة زبون آخر. تتبعه منصف يعيد نفسَ العملية. ما من أحد يعتذر إلا وتقرع سمعَه العبارة نفسها تتبعها نفس الإشارة: “ادْخُوولْ دَاااخْلْ..” مضى الرجل يكررها مرارا حين لم يسعفه أيهم بقطعة نقود ثم كأنه اختفى وراء مفعولها الآمر، ليظهر بعيدا قرب مقهى في الرصيف المقابل. حين عاد النادل بالفنجان سأله منصف عن سر العبارة والإشارة. تبسم وقال متحرجا:

“- آه البوهالي.. أنت سيدي تجلس هنا أول مرة على ما يبدو.. عبارة البوهالي مثل اللقاح، يجب أن تسمعها أول مرة ثم تألفها.. في الحقيقة هو يقصد أنه إذا لم يكن لديك ما تعطي المتسولين فما جلوسك في الخارج؟ ادْخُوولْ دَاااخْلْ..”

ضحك منصف حين أعاد عليه النادل العبارة كما نطقها البوهالي، بوفاء. كأنها جرعة تلقيح ثانية. لم يشعر منصف أن أعادها على نفسه بنفس النبرة:

-“هكذا إذاً.. ادْخُوولْ دَاااخْلْ..”

رد عليه النادل ضاحكا كأنه رأى مفعول التطعيم: “- تماما! وقريبا ستصير شعار المرحلة..”

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

أتم منصف فطره وغادر المقهى وسط حركة غير عادية وصفارات ودوريات وسيارات إسعاف تمر من حين لآخر تزعق وتصنع جو الاستعجال والخوف الداهم والخطر المحدق. آخرُ عهد منصف بالسكينة كانت جلسة المقهى. فور انطلاقه هبت ريحٌ صارت ترافق مشية المارة السريعة وتسحبهم كأوراق الشجر الصفراء الذابلة. في المكتب لا حديث إلا عن قورونا الذي ينطح ولا يعيد.  زميلته كانت في حالة هستيريا. كانت تنتظر الخروج على أحر من الجمر منذ سمعت في الصباح أن الناس في المتاجر والأسواق يتبضعون بوفرة تحسبا لإغلاق كامل يلوح في الأفق القريب، ولا أمان للمتلكئين. سمع منصف في رأسه صدى عبارة المتسول وترديدَ النادل وترديدَ ترديده ” ادْخُوولْ دَاااخْلْ..”  وفور مغادرة عمله قصد هو كذلك المتجر الكبير الذي لم تغن مساحته الشاسعة شيئا وضاقت بالناس في غير احتياط ولا تباعد. كانت الرفوف تفرغ فور ملئها، كأن حربا بدأت والناس يشترون من البضائع ما يكفي لحصار العراق وبرنامج النفط مقابلَ الغذاء وقورونا مقابل السلام. تبا. غادر منصف المحل وعاد إلى البيت واستلقى على أريكة وشغل التفلزة. مفاجأة. الحجر سيبدأ. من الغد. البيان الوبائي رقم 1 ألقي على المواطنين. أرقام المصابين في تصاعد. وإجراءات “ادْخُوولْ دَاااخْلْ..” ستبدأ. ادْخُوولْ دَاااخْلْ.. ادْخُوولْ دَاااخْلْ.. صار منصف يسمع المتسول المجذوب في كل مكان. ادْخُوولْ دَاااخْلْ.. ادْخُوولْ دَاااخْلْ.. ليس في الخارج شيء ذو بال. الناس خلقوا من عجل وهلع وجزع. تذكر جده إمامَ المسجد الصغير ذي الباحة والنافورة الصغيرة التي كانت تعزف له صغيرا لحن الماء. كان جده يحثه على الإكثار من قول لا إله إلا الله في كل لحظة: “جدد إسلامك في كل لحظة يا ولدي، لا شيء مكتسب أبدا.. قل لا إله إلا الله .. ادخل بها إلى الداخل.. كررها على نفسك فإن الأهواء آلهة، إن خليت بينك وبينها جرتك إلى شتات الخارج.. ادْخُوولْ دَاااخْلْ.. الحرية في الداخل والسعة في الكهف.. والكهف منجاة في زمن الدجالية السامرية..” لبث يرددها  في زاويته. غمره شعور لذيذ وخدَرٌ عن العالم كله وبنج. اختفت الطرقات والشوارع والمتاجر والمارة المهطعون. سقفُ بيتِه حديد، ركنُ بيتِه حجر، فاعصفي يا رياح، واهطل يا مطر إني لا أخشى خطر..

أيقظه أذان الفجر. قام وحلق شعره حتى بدا له رأسه مثل حبة مسبحة جده التي كانت تلمع في ظلام الغرفة. تبسم وقال بقوة البوهالي:” ادْخُوولْ دَاااخْلْ..”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.