منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دولة الإنسان (3) : مبدأ الحرية السياسية

0

مقدمة:

إن الفقه السياسي المنزل، مؤسس على مبادئ سامية منها مبدأ الحرية السياسية، ونعني به، حرية الرأي، وحرية الاختلاف، حرية نقد الحاكم ومناصحته والخروج عليه، وخلعه.. فلا حكم إلا برضى ولا سلطة إلا بتعاقد، ولا شورى إلا بحرية، وهي المبدأ الثالث من مبادئ الفقه السياسي في الإسلام.

المبدأ الثالث: الحرية السياسية

هذا المبدأ السامي، تأسس على أصول واضحة من القرآن والسنة النبوية، ولذلك لم يحتج المسلمون آنذاك إلى نقاشه، بل كانوا ينطلقون في ممارسة النصيحة  أو “حرية الرأي والتعبير” من أساس واضح هو أن هذه الحرية السياسية، أو لنسمها يقظة ومشاركة، هي من الواجب الذي لا يتم الواجب إلا به، وهي الحصن الذي يحمي الأمة من أن يتسلط عليها متسلط بالإكراه والغصب،  يفهمون ذلك من قوله سبحانه: “لا إكراه في الدين” (البقرة:256) ويتسرب إلى أعماق إراداتهم وأفهامهم من تربيتهم على معنى “لا إله إلا الله”، فالله وحده سبحانه الذي له الألوهية ولا جلال لغيره جل وعلا، ويفهمون ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: “لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة بالمعروف”[1] ويتحمسون لذلك بحافز سامي حين يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”[2] ويخافون من غياب ذلك وهم يسمعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه وابن حبان وصححه: “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه عمهم الله بعقاب”[3] وقوله صلى الله عليه وسلم “سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله”[4]، وقوله أيضا صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم، فقد تودع منها”[5] .

هذه الأصول شكلت الدرع الواقي من التسلط والفساد بما جعلت كلمة الحق وهي ممارسة سياسية وحرية رأي، سببا للشهادة في سبيل الله وهي أسمى ما يطلبه المؤمن، وجعلته سببا لدفع العقاب الرباني والبلايا، وسببا لأن يكون للأمة شأن ورفعة، وإلا فقد تُوُدِّع منها.

المزيد من المشاركات
1 من 71

ونركز على مظهرين من مظاهر الحرية السياسية في الفقه السياسي المنزل، وهما:

1ـ حرية الرأي والتعبير

ليست حرية الرأي والتعبير في الفقه السياسي المنزل شعارا فارغا من كل مضمون، بل إن فترة النبوة شكلت الشهادة التاريخية على مثالية الإسلام في هذا الباب، “فقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من كان يُضمر العداوةَ له صلى الله عليه وسلم ويكيدُه كالمنافقين في المدينة وكان يعرفهم ولم يتعرض لهم، وقد نزل قول الله تعالى في شأن زعيمهم عبد الله بن أبي ابن سلول (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) وهذا عزم على إسقاط الدولة الإسلامية وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، ومع ذلك لم يتعرض له النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، بل قال بعد أن بلغه هذا الخبر عن ابن أبي ابن سلول وأراد بعض الصحابة قتله: (لا بل نحسن صحبته) وقال: (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)”[6]

وروى أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، أن رجلا دخل على أبي بكر فأغلظ القول له -قال له كلاما قويا- فقال أبو برزة الأسلمي: ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله؟ فغضب أبو بكر أشد الغضب من هذه الكلمة التي قالها أبو برزة وقال: والله ما كانت لأحد بعد رسول الله”[7].

وقد طالب الثوار الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه أن يخلع نفسه من الخلافة، -أي أن يستقيل-  وأن يدع الأمة تختار رجلا ً آخر، ودعا عثمان رضي الله عنه الأشتر النخعي وهو أحد قادة الثوار،  فطرح له وسادة (لاحظ تعامله رضي الله عنه مع المعارض الثائر) فقال له عثمان: يا أشتر، ما يريد الناس مني؟ فقال: ثلاث ليس لك من إحداهن بُد؟ قال عثمان: ما هن؟ قال: يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم (لاحظ وضوح أن أمر الحكم عائد للأمة لا للحاكم)، فتقول: هذا أمركم فاختاروا له من شئتم، وبين أن تقص من نفسك، فإن أبيت فإن القوم قاتلوك”[8]. وقد استشار عثمان عبد الله بن عمر فيما عرضه عليه الثوار من الخلع، فأشار عليه ألا يفعل حتى لا تصبح سنة، كلما كره بعض الناس أميرهم قتلوه أو خلعوه، حتى وإن كان الأكثرية معه، كما هو حال عثمان رضي الله عنه إذ كان معه أكثر الصحابة وأهل الحل والعقد، وليس للأقلية أن تفرض رأيها على الأمة؛ ولهذا حذر عبد الله بن عمر عثمان رضي الله عنه من النزول عند رغبتهم. حتى لا تكون سنة تفرض الأقلية فيها رأيها على الأكثرية.

إن ما يهمنا في هذه الرواية هو هذا المظهر الواضح لمبدإ الحرية السياسية، حيث يخرج طائفة من المسلمين على الحاكم لعِلَّة يُقدِّرون أنها موجبة لأن يتنحى عن الحكم، وليس لهذا الحاكم وإن كان له وجهة نظر وصواب، سوى أن يحاور هؤلاء المعارضين بتقدير واحترام وحفظ لحقهم في الاعتراض، وهذا عثمان رضي الله عنه، استقبل وفد مصر فناظروه وناظرهم، وكتبوا عليه ميثاقا ووضعوا عليه شرطا، وكل ذلك إنما يشكل صورة واضحة من صور الحرية السياسية التي كفلها الفقه السياسي المنزل، والتي غدت من بعد أماني وسرابا ..

2ـ حرية التنظيم

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

لئن كان بعض الفقه المنحبس يُحَرِّم الأحزابَ السياسية والمعارضةَ المنظَّمةَ بناء على حديث افتراق الأمة إلى فرق كلها في النار وواحدة منها في الجنة، فإن هذا الفهم إلى جانب مخالفته العقل، يخالف صريح الوقائع التاريخية التي وقعت في عهد الصحابة، ولم يُكفَّر أهلها ولا طُعنوا في دينهم.

إن من مظاهر التنظيم، هذه الوفود التي جاءت سيدنا عثمان رضي الله عنه، بملف مطلبي، يحمله قادة وزعماء سياسيون، وأحيانا وسطاء بين الثوار والحاكم، فقد كان علي وجابر بن عبد الله الأنصاري وسطاء بين عثمان رضي الله عنه وبين الثوار، فقال لهم علي: تعطون كتاب الله، وتُعتبون من كل ما سخطتم.  فأقبل معه ناس من وجوههم فاصطلحوا على خمس: أن المنفي يقلب، والمحروم يُعطى، ويُوفَّر الفيء، ويُعدَل في القسم، ويُستعمل ذو الأمانة والقوة.  وأن يردَّ ابن عامر على البصرة، وأبو موسى على الكوفة. كتبوا ذلك في كتاب”[9] فهذه مطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، طالب بها تنظيم سياسي، وإن لم يحمل اسما وتعامل معه الخليفة وتوسط في شأنه صحابة كبار، حتى أن عمار بن ياسر رضي الله عنه بعثه عثمان رضي الله عنه محاورا للثوار في مصر، فانضم إلى صفوفهم [10].

وهؤلاء الخوارج، في عهد علي كرم الله وجهه، طائفة منظمة مسلحة خارجة على أمير المؤمنين، كانوا يطعنون فيه وهو على المنبر، فلا يُتعرَّض لهم، وقال: لهم علينا ثلاث: ألا نبدأهم بقتال ما لم يقاتلونا، وألا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه، وألا نحرمهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا”[11]  ثم اشترط مقابل ذلك عليهم ف”قال: على ألا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا ذميا. قالت عائشة رضي الله عنها فلم قاتلهم إذا؟ قال عبد الله بن شداد: والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء واستحلوا الذمة”[12].

لقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم مشروعية المعارضة السلمية بل ونزلوا عند رأيها وأشادوا في خطبهم بها، وهذا عثمان رضي الله عنه بعد اتفاقه مع ثوار مصر، يقوم خطيبا فيقول عن ثوار مصر: ” ما رأيت ركبا كانوا خيرا من هؤلاء الركب، والله إن قالوا إلا حقا، وإن سألوا إلا حقا”[13]

خاتمة

إننا إذ نستذكر مبادئ الفقه السياسي المنزل، نرسم خط السير وإعادة البناء، وإنه لا يصلح أمر أمة من الأمم بغير مبادئ الحرية والشورى وتحمل المسؤولية على أرضية تعاقد واضحة، وإلا فهو الوهْن والهوان، والذلة والصغار، والإكراه والاستكبار..

من الجدير بالذكر، أن لكل حرية حدودا، وأن الحرية السياسية إن تجاوزت حدود الفعل المدني والاعتراض الحر والجهر بالرأي والنصيحة، وتجاوزت ذلك إلى الفعل العنيف المستبيح حرم المسلمين، الساعي إلى تحقيق مآربه بالإكراه والعسف، فإنه آنذاك يصير هذا الفعل حِرابةً يواجَه بما يلزم، وهو ما وقع مع الخوارج الذين زاغوا عن أهدافهم الإصلاحية وتجاوزوا حدود ما أنزل الله، إلى حمل السلاح ومحاربة المسلمين، فكان قتالهم آنذاك واجبا.

[1]  رواه البخاري عن علي بن أبي طالب رقم الحديث 4340

[2]  رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رقم الحديث 49

[3]  رواه أبو داوود عن قيس بن أبي حازم

[4]  أخرجه ابن حبان (1/186)، والحاكم (4884)، والديلمي (3472) باختلاف يسير.

[5]  رواه الطبراني عن جابر بن عبد الله 8/18

[6]  رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رقم الحديث 3518

[7]  أخرجه أبو داود (4363) ، والنسائي (4071) ، وأحمد (54)

[8]  رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 7/234

[9]  شمس الدين، الذهبي. سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة الطبعة : الثالثة ، 1985 م، ج1 ص 195

[10] ابن جرير2/648 ، والبداية والنهاية 7/178

[11] أخرجه البيهقى 8/184، رقم 16540، وابن أبي شيبة 7/464، رقم 37255.

[12] أخرجه أحمد (656)، وأبو يعلى (474)، والحاكم (2657)

[13]  ابن شبه، تاريخ المدينة، ب ط ، 1399هـ ، ج3 ص 1128.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.