منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أنواع التأويل في الخطاب الأصولي

لطيفة يوسفي

0

في معرض الحديث عن ضوابط التأويل قررنا أن التأويل لابد له من دليل صحيح يستند إليه وهذا الدليل يشترط فيه بدوره أن يكون راجحا على ظهور اللفظ في المعنى الذي يحتمله، إلا أن هذا الاحتمال يقرب تارة ويبعد تارة أخرى فقد يكون ” الاحتمال بعيدا جدا، فيحتاج الى دليل في غاية القوة، وقد يكون قريبا فيكفيه ادنى دليل، وقد يتوسط بين الدرجتين، فيحتاج دليلا متوسطا.”[1]

أو بصيغة أخرى أكثر تفصيلا وتدقيقا نص عليها الطوفي بقوله معنى هذا ” أن الاحتمال المرجوح المقابل للراجح الظاهر، قد يكون بعيدا عن الإرادة، وقد يكون قريبا منها، وقد يكون متوسطا بين البعيد عنها والقريب منها، فالاحتمال البعيد يحتاج في حمل اللفظ عليه إلى دليل قوي، لتجبر قوة الدليل ضعف الاحتمال، فيقويان على الاستيلاء على الظاهر، والاحتمال القريب يكفيه في ذلك أدنى دليل، وهذا إطلاق ليس بجيد، بل يكفيه دون ما يكفي الاحتمال البعيد، لكن بشرط أن يكون هذا الدليل الذي إذا انضم إلى ذلك الاحتمال القريب ترجحا جميعا على الظاهر، وإلا، فأدنى دليل قد لا يكون إذا انضم إلى الاحتمال القريب مؤثرا في استيلائهما على الظاهر، فيكون وجوده وعدمه سواء، والاحتمال المتوسط بين الاحتمالين قربا وبعدا يكفيه دليل متوسط بين الدليلين قوة وضعفا.”[2]

وعند الشافعية يقع الاحتمال على أنواع ثلاثة وهي كما قالوا: ” التأويل قريب وبعيد ومتعذر”،[3] وفي هذا يقول الايجي[4] ” التأويل ثلاثة أقسام: لأنه قد يكون قريبا فيترجح لقربه بأدنى مرجح وقد يكون بعيدا فيحتاج لبعده إلى المرجح الأقوى ولا يترجح بالمرجح الادنى وقد يكون متعذرا لا يحتمله اللفظ فلا يكون مقبولا بل يجب رده والحكم ببطلانه.”[5]

وخلاصة القول: إن أنواع التأويل عند الأصوليين تتعلق إلى حد كبير بالدليل فهو قوام العمل الأصولي، إذ يجب لكل نوع منها دليل مرجح على غيره يتوافق معه ويكون مناسبا له في طبيعته التشريعية.[6]

وفيما يلي بيان لهذه الأنواع:

  • التأويل القريب
  • التأويل البعيد
  • التأويل المتوسط
  • التأويل المتعذر[7]

1- التأويل القريب

التأويل القريب هو ما احتمله اللفظ احتمالا يعرف بقليل من التأمل اعتمادا على أدنى دليل ولا يتطلب نظرا عميقا ولا دليلا قويا ليترجح على المعنى الظاهر المستفاد من الألفاظ بل يكفي فيه الدليل القريب. وفي هذا الصدد يقول الغزالي في بيان معناه ” الا أن الاحتمال تارة يقرب، وتارة يبعد فإن فرب كفى في إثباته دليل قريب، وإن لم يكن بالغا في القوة.”[8]

يقول محب الله بن عبد الشكور: ” التأويل منه قريب إلى الفهم فيترجح المرجوح بمرجح ما.”[9]

ويقول الإيجي ” وقد يكون قريبا فيترجح لقربه بأدنى مرجح.”[10]

ومثاله قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا[11]

فالقيام الى الصلاة في هذه الآية إذن مصروف عن معناه الظاهر الى معنى قريب محتمل، وهو العزم على أداء الصلاة.

والذي رجح هذا الاحتمال ” أن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلفين بعد الشروع في الصلاة، اذ الوضوء شرط لصحتها، والشرط يوجد قبل المشروط لا بعده، وهو معنى قريب يتبادر فهمه بمجرد قراءة الآية أو سماعها.”[12]

2 – التأويل البعيد

وهو ما كان بعيدا عن الفهم يحتاج الى دليل قوي يجبر بعده ويعضده الاحتمال ولبيان هذا المعنى نورد ما قاله الغزالي ” وان كان بعيدا افتقر الى دليل قوي يجبر بعده، حتى يكون ركوب ذلك الاحتمال البعيد اغلب على الظن من مخالفة ذلك الدليل.”[13] وقال ابن قدامة ” وقد يكون الاحتمال بعيدا جدا فيحتاج الى دليل في غاية القوة.”[14]وقال محب الله بن عبد الشكور ” ومنه بعيد عن الفهم فلا يصار اليه الا بباعث قوي فيترجح به وينساق الى الذهن.”[15]

وقد اختلف علماء الاصول في هذا النوع بالرغم من اتفاقهم على أصل وجود البعد في التأويل فتباينت اجتهاداتهم في استنباط الاحكام من بعض الادلة فبعضهم اعتبر بعض التأويلات بعيدا، بينما راه الاخر قريبا صحيحا.

ومثاله قوله تعالى﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ[16]

وفي تأويل هذه الآية يقول أبو حنيفة ” باعتبار الحاجة مع القرابة وحرمان من ليس بمحتاج من ذوي القربى” [17]وقال عنه الآمدي ” وهو بعيد جدا.”[18]

وعده الإمام الشافعي ” من القبيلالمقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾فقال علق الله الاستحقاق بالقرابة ولم يتعرض لذكر الحاجة فاعتبر أبو حنيفة الحاجة ولم يشترط القرابة والذي ذكره مضادة ومحادة.”[19]

ومثاله أيضا: قول النبي صلى الله عليه وسلم «من ملك ذا رحم محرم فهو حر»[20]

اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على مذاهب:

فالشافعية ومتبعيهم حملوا هذا الحديث على انه لا يعتق إلا الاباء والابناء والأمهات، وتحقيق ذلك ما ورد في ثنايا كتب الفقه الاسلامي نذكر بعضها:

ففي (نيل الأوطار) ” وذهب الشافعي وغيره من الأئمة والصحابة والتابعين إلى أنه يعتق عليه الأولاد والآباء والأمهات ولا يعتق عليه غيرهم من قرابته.”[21]

ودليلهم فيما ذهبوا إليه من تأويل الحديث على أن العتق للآباء والأبناء والأمهات دون غيرهم وفي ذلك يقول الشوكاني: ” غير الوالدين والأولاد قرابة لا يتعلق بها رد الشهادة ولا تجب بها النفقة مع اختلاف الدين، فأشبه قرابة ابن العم وبأنه لا يعصبه فلا يعتق عليه بالقرابة كابن العم، وبأنه لو استحق العتق عليه بالقرابة لمنع من بيعه إذا اشتراه، وهو مكاتب كالوالد والولدولا يخفى أن نصب مثل هذه الأقيسة في مقابلة حديث سمرة وحديث ابن عمر مما لا يلتفت إليه منصف، والاعتذار عنهما بما فيهما من المقال المتقدم ساقط لأنهما يتعاضدان فيصلحان للاحتجاج.”[22]

وذكر الجويني أنه لا يصح تأويل مذهب الشافعية ومتبعيهم فقال: ” إن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله «من ملك ذا رحم محرم فهو حر»فلا يصح تأويل متبعي الشافعي حمل اللفظ على الذين هم عمود النسب، وهم الأصول والفروع.”[23]

ورد علماء الأصول هذا التأويل ودعواهم في الرد والإبطال أن تأويل الحديث على شكل يخصـص ذوي الرحم المحرم بعمود النسـب الذين هم الأصـول والفروع تأويل بعيد قال الآمدي: ” فإن ظهور وروده لتأسيس قاعدة، وتمهيد أصل، في سياق الشرط والجزاء، والتنبيه على حرمة الرحم المحرم، وصلته قوي الظهور في قصد التعميم لكل ذي رحم محرم، وذلك مما يمتنع معه التأويل بالحمل على الأصول والفصول، دون غيرهم لأنهم قد امتازوا بكونهم على عمود النسب عن غيرهم ممن هو على حواشيه من الأرحام، وذلك موجب لاختصاصهم بالتنصيص عليهم، إظهارا لشرف قربهم ونسابتهم، فلو كان القصد متعلقا بهم دون غيرهم بالذكر لما عدل عن التنصيص عليهم إلى ما يعم، لما فيه من إسقاط حرمتهم وإهمال خاصيتهم، ولذلك فإنه لو قال السيد لعبده: ” أكرم الناس ” قاصدا لإكرام أبويه لا غير كان ذلك من الأقوال المهجورة المستبعدة.”[24]

ومنه أيضا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: « فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر، وما سقي بالسواني والنضح نصف العشر»[25]

أول بعض العلماء هذا الحديث على أنه سيق لبيان الفرق بين العشر ونصف العشر، لا بيان ما يجب فيه العشر ونصف العشر ” فقد ذهب بعض القائلين بصيغ العموم إلى أن هذا لا يحتج به في إيجاب العشر، ونصف العشر في جميع ما سقته السماء، ولا في جميع ما سقي بنضح، لأن المقصود منه الفرق بين العشر، ونصف العشر لا بيان ما يجب فيه العشر حتى يتعلق بعمومه.”[26]

هذا التأويل بعيد أيضا لأن ” اللفظ عام في كل ما سقت السماء وسقي بنضح أو دالية بوضع اللغة عند القائلين به، وكون ذلك مما يقصد به العشر ونصف العشر غير مانع من قصد التعميم، إذ لا منافاة بينهما اللهم إلا أن يبين أن الخبر لم يرد إلا لقصد الفرق وذلك مما لا سبيل إليه.”[27]

كما أشار إلى بعد هذا التأويل عن وجه الحق والصواب الإمام الجويني بقوله أن ” الشارعلم يقصد التعميم فما كان كذلك فلا يسوغ الاستدلال بحكم العموم فيه ولا حاجة إلى التأويل فيه وهذا نضرب فيه أمثالا منها أن الرسول عليه السلام قال: “ما سقت السماء ففيه العشر وما سقي بنضح أو دالية ففيه نصف العشر” فإذا استدل الحنفي بهذا الظاهر في إثبات العشر في كل ما تنبته الأرض كان ذلك مردودا عليهم فإن الرسول استاقكلامه هذا للفرق بين السيح والنضح لا للتعرض لجنس ما يجب فيه العشر فإذا ظهر أن هذا الفن من العموم لم يقصده الشارع وإن جرى في كلامه اللفظ له وهو «فيما سقت السماء»فالاستمساك به في قصد التعميم باطل إذ ظهر من كلامه خلافه.”[28]

3 – التأويل المتوسط

ومفاده أن الاحتمال يكون بين درجة القرب ودرجة البعد فيه ويحتاج إلى دليل متوسط ” وقد يتوسط بين الدرجتين فيحتاج دليلا متوسطا.”[29]

ومن أمثلته قوله صلى الله عليه وسلم«من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل، فإن له بذلك أجرا وإن قال بغيره فإن عليه منه».[30]

يدل ظاهر هذا الحديث على وجوب طاعة الامير مطلقا من كل قيد بحيث تكون الطاعة واجبة أيا كان الشيء المأمور به.

والعلماء قد أولوا هذا الحديث وصرفوه عن ظاهره وقالوا المراد به طاعة الأمير في المعروف فقط وليس في أي شيء، قال الشوكاني ” فيه بيان ما يطاع فيه من كان من أولي الأمر، وهو الأمر المعروف لا ما كان منكرا، والمراد بالمعروف ما كان من الأمور المعروفة في الشرع لا المعروف في العقل أو العادة، لأن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها على ما تقرر في الأصول.”[31]

ودليل هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم« انما الطاعة في المعروف»[32]وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:«السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة»،[33] وهذا ” تقييدلما أطلق في الأحاديث المطلقة القاضية بطاعة أولي الأمر على العموم.”[34]

4- التأويل المتعذر

وفي بيان حقيقة هذا التأويل يقول محمود البخاري هو ” ما لا يحتمله اللفظ لعدم وضعه له وعدم العلاقة بينه وبين ما وضع له.”[35]ويقول الإيجيمضيفا بيان حكمه ” وقد يكون متعذرا لا يحتمله اللفظ فلا يكون مقبولا بل يجب رده والحكم ببطلانه.”[36]

فالتأويل المتعذر ” والذي أشار إليه الشافعية، فظاهر أنه مرفوض بما تدل عليه تسميته. إذ لا يوجد له دليل، وإن وجد فهو دليل ضعيف لا يستند إليه.”[37]

” فأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور لأنه تأويل الجاهلين.” [38]

وهناك من اصطلح عليه بالمستكره حيث أن الزركشي عرفه بقوله: ” وأما المستكره فما يستبشع إذا عرض على الحجة.” [39] وهو يأتي على عدة ” أوجه:

  • الأول: أن يكون لفظا عاما فيختص ببعض ما يدخل تحته كقوله:﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ٌ[40]فحمله بعضهم على علي رضي الله عنه فقط.
  • والثاني: أن يلفق بين اثنين كقول من زعم تكليف الحيوانات في قوله:﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ[41]مع قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ[42] إنهم مكلفون كما نحن.
  • الثالث: ما استعير فيه كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ[43]في حمله على حقيقته.
  • الرابع: ما أشعر باشتقاق بعيد كما قال بعض الباطنية في البقرة: إنه إنسان يبقر عن أسرار العلوم وفي الهدهد إنه إنسان موصوف بجودة البحث والتنقيب.” [44]
  • الخامس: التأويل الذي لا دليل عليه من سياق أو قرينة، ويخالف مقصد المتكلم من خطابه.
  • السادس: التأويل الذي يناقض وحدة التشريع في قواعده العامة والمحكمة.
  • السابع: التأويل الذي يأتي مناقضا للأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، ولنصوصه القطعية خاصة. ” [45]

ومن أمثلته:

تأويل الروافض لقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ[46]أنهما علي وفاطمة ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ[47]يعني الحسن والحسين رضي الله عنهما. ” [48]

يتبين أن الدليل هو معيار أنواع التأويل عند الأصوليين، فهو ” الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم.”[49]

والأدلة كلها ليست على مرتبة واحدة أو وزن واحد، بل يتراوح الدليل بين القوة والضعف، مما يترتب عليه الحكم بقرب التأويل وصحته، أو الحكم ببعده، أو رده وعدم القبول به.

والأصوليون قد فصلوا القول في هذا المقام فذهبوا إلى أن ” الدليل يصبح قادرا على صرف اللفظ المراد تأويله إذا كان قويا في الظهور عليه، أما إذا كان الدليل ضعيفا، فلا قدرة له حينئذ على مساندة التأويل.

وإذا جاء الدليل مساويا لظهور اللفظ في الدلالة دون ترجيح، أصبح الموقف مترددا بين الاحتمالين على السوية.”[50]

مقتطف من كتاب:

”التأويل في الخطاب الأصولي وأثره في الفقه الحضاري للأمة”

رابط تحميل الكتاب:

https://www.islamanar.com/he-fundamentalist-discourse/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.