منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أبدِيّةُ النّارِ: الأدِلّة الكافِيّة، والرُّدودُ الشّافِيّة

0
الفهرس إخفاء
البابُ الثالثُ: شُبُهاتُ القائلين بفناء النار، والرد عليها.
* الشُّبْهَةُ العاشِرةُ: الزّعْمُ أنّه أُثِرَ عن بعضِ السّلف القولُ بفناءِ النّار.

بسمِ اللّهِ الرّحمَن الرّحيم

 

المقدمة:

الحمْدُ لِلّهِ ربِّ العالَمينَ، والصّلاةُ والسّلامُ على خاتَمِ النّبِيِّينَ والمُرسَلِين، وبعدُ:

لقد كثُرَ الكلامُ في أبَدِيّةِ النّارِ، التي نُقِلَ إجماعُ العُلماءِ عليها، وخاضَ فيها بعضُ الناس، وذهبوا إلى القول بفنائها، وأتوا بأدلة واهِية، ظانّين أنّها كافيةٌ، لِنَسْف أدِلّة أهل العلمِ والتحقيق، القائلين بأبدية العذاب والحريق.

إنّ أكثرَ الناسِ يقعون في المعاصي رغم إيمانهم بعذاب جهنم؛ لأنهم يُفكّرون في الاستمتاع باللحظة الآنِية، ولا يُفكّرون في العاقبةِ الآتية؛ ولأنّ خوفَهم ممّا يشاهدون أكبرُ من خوفهم ممّا لا يشاهدون، وفي الحديث النّبَوِيّ: “ليس الخبرُ كالمُعايَنَة.” [رواه أحمد وصحّحه الحاكم].

المزيد من المشاركات
1 من 24

ولقد اتفق عُلماءُ السُّنّة على أنّ عُصاةَ المؤمنين الذين يدخلون النار لا يَخْلُدون فيها، وهم منها مُخرَجون؛ ولكنْ القولُ بفنائِها قد يجعلُ بعضَ ضِعافِ النُّفوس مِن المسلمين، يَتَجرَّؤون على ارْتَكاب كبائر الذنوب والآثام والخروجِ من دائرة الإسلام؛ وذلك لأنّ الخوفَ من الخلود في النار هو الذي يُبْعِدُ المسلمَ من الكفرِ والإلحادِ، والوقوعِ في الشركِ الأكبر، الذي هو أعظمُ ذنْبٍ عند الله. واليهودُ لمْ يتَجَرَّؤُوا على اللّهِ ويُحَرِّفوا التوراة، ويكفروا برسالة الإسلام، إلاّ لِاعْتقادهم أنّهم لن يخلدوا في نارِ جهنّمَ؛ قال تعالى: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80].

 

قال الواحدي (468 ھ) في «التفسير البسيط»: “وقولُه تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} يعني: اليهود لما أوْعدَهم رسولُ الله -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- بالنار عند تكذيبهم إياه، قالوا: لن تمسَّنا النار إلّا أيامًا معدودة: أي: قليلة.”

وقال العلاّمةُ الطاهر بن عاشور (1393 ھ) في تفسيره «التحرير والتنوير»: “{وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ} ووَجْهُ المُناسبَةِ أنَّ قَوْلَهم {لَنْ تَمَسَّنا النّارُ} دَلَّ عَلى اعْتِقادٍ مُقَرَّرٍ في نُفُوسِهِمْ يُشِيعُونَهُ بَيْنَ النّاسِ بِألْسِنَتِهِمْ، قَدْ أنْبَأ بِغُرُورٍ عَظِيمٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى تِلْكَ الجَرِيمَةِ وغَيْرِها، إذْ هم قَدْ آمَنُوا مِنَ المُؤاخَذَةِ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً تُعادِلُ أيّامَ عِبادَةِ العِجْلِ أوْ أيّامًا عَنْ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِنَ العالَمِ يَوْمًا، وإنَّ ذَلِكَ عَذابٌ مَكْتُوبٌ عَلى جَمِيعِهِمْ؛ فَهم لا يَتَوَقَّوْنَ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي لِأجْلِ ذَلِكَ، فَبِالعَطْفِ عَلى أخْبارِهِمْ حَصَلَتْ فائِدَةُ الإخْبارِ عَنْ عَقِيدَةٍ مِن ضَلالاتِهِمْ.

 

ولِمَوْقِعِ هَذا العَطْفِ حَصَلَتْ فائِدَةُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ إذْ يَعْجَبُ السّامِعُ مِن جُرْأتِهِمْ عَلى هَذا الإجْرامِ!”

وهذا يُبَين خطورةَ هذه المسألةِ، وأنّ القولَ بفناء النار، قد يدفع بعضَ النفوس إلى اقتراف أعظم الموبقات، وإعلان الكفر والإلحاد!

ولِخطورة هذه المسألةِ؛ فإنّ المُهْتمّين بالبحث فيها عدَدُهم كبيرٌ، ويكفي أنْ نعلم أنّ مبحث «دعوى أن شيخ الإسلام يرى فناء النار!» للدكتور عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن، قد أُعْجِبَ به أكثرُ من مليون ومائة ألف قارئ!

[انظر https://www.saaid.net/monawein/taimiah/20.htm :]

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 8

وهذا يُبينَ أهميةَ الاهتمامِ بهذه المسألةِ، وبيانِ أنّ الحقَّ فيها هو القولُ بِأبَدِيّة النّار؛ سَدًّا لأبواب الكفر والإلحاد والفتن

وقد يقول بعضُهم: إنّنا نقول بفناء النارِ؛ ليَعلمَ الكُفّارُ والملاحدةُ أنّ الإلهَ الذي ندعوهم إليه رحيمٌ بعباده!

ولكن هل هذا سيفتحُ قلوبَهُم للإيمان، أمْ أنّهم سيزدادون كُفراً وانغِماساً في العِصيان؟ وهل ستُنكِرون بعضَ صفاتِ اللهِ، التي يرى الملاحدةُ أنها لا تُناسِبُ مقامَ الألوهية، مثل: صِفة الانتقام التي جاءت في قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم: 47]؟

وهل ستُنكرون عذاب جهنّمَ، الذي يرى الملاحدةُ أنّ مقام الألوهية يجب أن يتنزّه عن تعذيب عباده، مهما فعلوا من الخطايا والذنوب العظام؟

إنّ مسألةَ أبدِيَّةِ النّارِ تُعَدُّ مِنَ الأمور الغيبيةِ، التي لا مجالَ للخوضِ فيها باستعمالِ العقلِ وحدَه، بل لابدّ مِنَ الرجوع إلى القرآن الكريم والسُّنّة النبوية، ولا بد من النظر في أقوال أهل التفسير، وأهل اللُّغَةِ والبيان.

 

وفي هذا العصر، كثُرَ الباحثون الذين يتسرّعون في رَدِّ ما اتّفق عليه المُفسِّرون والعلماءُ في مسائل العقيدة، وكثُرَتِ الشُّبَهُ في الدين، وأصبح كثير من الشباب في حَيْرةٍ مِن أمرهم، ويطلبون الأدلّةَ القَوِيّةَ والمُقنعة التي ترد على هذه الشُّبه؛ ولم يعودوا يقتنعون ببعض الكلمات؛ لإشفاء غليل البحث والمعرفة، وردِّ شُبُهاتِ بعض المُعاصرين الذين يزعمون أنهم يُخاطبون شبابَ اليوم بأسلوبٍ عقلانِي، يناسب التقدم والحداثة!

 

ولهذا السبب ارتأيتُ أنْ أكتبَ بحثاً في هذه المسألةِ، مُتَتَبِّعاً النصوص الشرعية، وأقوال المفسرين والعلماء الأخيار، مع الاجتهاد في حسن الانتقاء والاختيار. ولقد أكثرتُ من إيراد الأدلّة على أبديّة النّار، وأكثرتُ -أيضاً- من إيراد الشُّبُهاتِ والرّدودِ عليها بالنُّصوصِ الشّرْعيّةِ، والحُجَجِ العقلِيّة.

 

الباب الأوّل: النّارُ أبدِيّةٌ، بإجماعِ الأُمَّة الإسلامية.

لقد وقَع قديماً، الإجماعُ بين علماءِ الأمّةِ الإسلاميّةِ على أَبَدِيَّةِ النّارِ وعدم فنائها، ونقل هذا الإجماعَ جَمعٌ من العُلماءِ الثِّقات والمُعتمَدِين، نذْكُر منهم:

 

  • الطحاوي (ت: 321 ھ): قال في «العقيدة الطحاوية» -التي أجمع عليها علماء المذاهب الإسلامية-: “والجَنَّةُ والنّارُ مخلوقتان، لا تَفْنيان أبداً ولا تبيدان”.
  • أبو زيد القيرواني (ت: 386 ھ): قال «في كتابه الجامع»: “فمِمّا أجمعت عليه الأُمّةُ من أمور الدِّيانة، ومن السُّنَن التي خِلافُها بدعةٌ وضلالة… وأنّ الجَنَّةَ والنارَ قد خُلِقَتا، أُعِدّت الجَنَّةُ للمتقين، والنّارُ للكافرين، لا تفنيان ولا تبيدان”.
  • ابن حزم الأندلسي (ت: 456 ھ): قال في «مراتب الإجماع» -التي جمع فيها ما أجمع عليه علماءُ الأمّة الإسلامية-: “وأنّ النَّارَ حقٌّ، وَأَنَّهَا دَارُ عَذَابٍ أبداً، لَا تفنى وَلَا يفنى أَهلُهَا أبداً بِلَا نِهَايَة، وَأَنَّهَا أُعِدّتْ لكل كَافِر مُخَالِف لدين الإسلام، وَلِمن خَالف الْأَنْبِيَاءَ السالفين، قبلَ مَبْعَثِ رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ- وبلوغِ خَبَرِه إليْه [أي: إلى مَن خَالف الْأَنْبِيَاءَ السالفين]”.

وقال في «الدرة» (ص207): “وأنّ البعثَ حقٌّ، والحسابَ حقّ، والجَنَّةَ حقّ، والنّارَ حقّ، دَارَان مخلوقتان مُخلَّدتان، هما ومَن فيهما بلا نهاية، يَجمع الله تعالى يوم القيامة بين الأرواح والأجساد؛ كلُّ هذا إِجماعُ أهلِ الإسلام، مَن خرج عنه خرج عن الإسلام.”

  • الإمام العلاّمةُ حافظُ المغرب ابنُ عبدِ البَرّ (463 ھ): ثبت عنه أنّه قال: “قال أهلُ السُّنَّةِ: إنّ الجَنَّةَ والنّارَ مخلوقتان، وأنهما لا تبيدان.” [فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر(2/116) ].
  • الحافظ عبد الغني المقدسي (600 ھ): قال في كتابه «الاقتصاد في الاعتقاد» (176): “اِعلمْ وفّقَنا اللّهُ وإياك لما يُرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغِ والزللِ، أنّ صالحَ السّلف، وخِيارَ الخلف، وسادةَ الأئِمّةِ، وعلماءَ الأُمَّةِ، اتفقت أقوالُهم، وتطابقتْ آراؤُهم على الإيمان بالله عز وجل… والإيمان بأن الجَنَّةَ والنّارَ مخلوقتان لا تفنيان أبدا، خُلِقتا للبقاء لا للفناء، وقد صحّ في ذلك أحاديث عدة… فهذه جملةٌ مختصرةٌ من القرآن والسنة، وآثارٌ من سلفٍ فَالْزَمْها، وما كان مثلها مما صح عن الله ورسوله، وصالح سلف الأمة ممن حصل الاتفاق عليه من خيار الأمة؛ وَدَعْ أقوالَ مَن كان عندهم محقوراً مهجوراً، مُبْعداً مدحوراً ومذموماً ملوماً، وإن اغتر كثير من المتأخرين بأقوالهم وجنحوا إلى اتباعهم، فلا تغتر بكثرة أهل الباطل! “
  • القرطبي (ت: 671 ھ): قال في كتابه «التذكرة» حاكياً للإجماع -في معرض ردِّه على من قال بفناء النار-: “فمَن قال: إنهم يخرجون منها، وإن النّارَ تبقى خاليةً بمُجمَلِها، خاويةً على عروشها، وإنها تفنى وتزول، فهو خارجٌ عن مقتضى المعقول، ومخالفٌ لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول.”

وقال -أيضاً-: “أجمع أهل السنة على أن أهلَ النارِ مُخلّدون فيها غيرُ خارجين منها، كإبليسَ وفرعون وهامان وقارون وكُلِّ من كفر وتكبّر وطغى فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي.” [التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي، ص 432، دار الفكر].

  • ابن حجر العسقلاني (ت: 852 ھ): قال في «فتح الباري»: “من زعم أنهم يخرجون منها، أو أنها تبقى خالية أو تفنى، فهو خارج عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه أهل السنة.” [فتح الباري(429/11)].

* تحقيق: هل خَرَق ابنُ تيميةَ وتلميذُه ابنُ القيِّم الإجماعَ على أبَدِيّةِ النّارِ؟

لقد نسب بعضُ أهلِ العلم إلى ابنِ تيميَّةَ وتلميذِه ابنِ القيِّمِ القوْلَ بفناء النّارِ، فهل هذا صحيح؟

  • أمّا ابنُ تيمِيَة (ت: 728 ھ) فإنّه قد صرّح في بعض كتبه، بِأبَدِيَّة النار وعدم فنائها؛ فقال: “ونعتقد أنّ الله تعالى خلق الجنة والنار وأنهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء.” [مجموع الفتاوى (5/77)، والحموية(55)].

وقال في مكان آخر: “فإنّ نعيمَ الجنَّةِ وعذابَ النّارِ دائمان، تُجَدَّدُ الحوادثُ فيهما؛ وإنما أنكر ذلك الجهم بن صفوان، فزعم أن الجنة والنار تفنيان.” [منهاج السنة النبوية (1/146)].

 

ونقل ابنُ تيميةَ الإجماعَ على أبَدِيّةِ النّارِ وعَدَمِ فنائِها، ولم يُعارضْهُ، فقال: “وقال أهل الإسلام جميعاً: ليس للجنة والنار آخر، وإنهما لا تزالان باقيتين، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعّمون، وأهل النار في النار يعذبون، ليس لذلك آخر.” [درء تعارض العقل والنقل(1/403) ].

وقال أيضاً: “وَقَد اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مَا لَا يَعْدَمُ وَلَا يَفْنَى بِالْكُلِّيَّةِ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْعَرْشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ…” [مجموع الفتاوى (18/307)].

 

ولم يُعَقِّبْ على الأشعري عندما نقل كلامه في «درء تعارض العقل والنقل» حول أبَدِيّةِ النّارِ، حيثُ قال: “قال الأشعري: وقال أهل الإسلام جميعا: ليس للجنة والنار آخر وإنهما لا تزالان باقيتين… وأهلُ النّارِ لا يزالون في النار يُعذَّبون وليس لذلك آخر.” [درء تعارض العقل والنقل (2/358)].

ولم يُعَقِّبْ -أيضاً- في كتابه «نقد مراتب الإجماع» على ابن حزم، الذي جمع في كتابه «مراتب الإجماع» المسائلَ التي أجمع عليها علماءُ الأُمّة، وذكر فيه: “أن النّارَ حقٌّ، وأنّها دارُ عذابٍ أبداً، لا تفنى ولا يفنى أهلُها أبداً بلا نهاية” [مراتب الإجماع (ص: 268)]؛ فلم يُعقِّب ابنُ تيمية على ذلك، ولم يَنْقُدْ نقلَه لهذا الاتفاق، مع نقده لمسائلَ كثيرةٍ، نقل ابنُ حزم فيها الإجماعَ، وخالفه فيها.

 

وقال الشيْخُ الألباني في تعقيبه على القول بفناء النار المنسوب إلى ابن تيمية: “ولعل ذلك كان منه إِبّان طلبه للعلم، وقبْل توسُّعِه في دراسة الكتاب والسُّنَّةِ، وتضلُّعِه بمعرفة الأدلة الشرعية.” [مقدمة «رفع الأستار» (ص: 25)].

وهذا على فرض أنّ نِسبةَ القول بفناء النار إلى ابن تيمية صحيحةٌ؛ ولكنْ الصحيحُ -كما رأينا- أنّ ابنَ تيميةَ لم يقل بفناءِ النّارِ، ولقد نبّه الشيخُ يوسفُ القرضاوي على أنّه لم يجد في كتب ابن تيمية ما يُشير صراحةً إلى قوله بفناء النار؛ وقال في فتوى له على موقِعِه حول (رأي ابن تيمية وابن القيم حول فناء النار): “وقد قرأت ذلك في بعض الكتبِ، كما قرَأَهُ السائلُ، ولكني -مع طول ما قرأت لابن تيمية- لم أعثر عليه في كتبه ورسائله الكثيرة؛ وقد طَبَعَت المملكةُ العربية السعودية منها بعضَ الكتب الكبيرة، مثل: «منهاج السنة» ومثل «درء تعارض العقل والنقل».

كما طَبَعَتِ الرسائلَ والفتاوى في سبعة وثلاثين مجلدًا، بفهارسها، ولم أجد في شئ منها هذا الرأي لابن تيمية.”

 

  • وأمّا الإمامُ ابنُ القيم (701 ھ)، فلقد رجّحَ الشيخُ المُحَدِّثُ الألباني، أنّه لا يقول بفناءِ النّارِ، قال -رحمه اللّهُ-: “ويؤسفني أن أقولَ: إن القاديانيةَ في ضلالهم المشارِ إليه آنفاً (ص 73) يَجدُون مُتَّكَأً لهم -في بعضِ ما ذهبوا إليهِ- في بعضِ كتبِ أئمتنا من أهلِ السنةِ؛ فقد عقد العلامةُ ابنُ القيمِ في كتابهِ «الحادي» [أي: «حادي الأرواح»] فصلاً خاصاً في أبديةِ النارِ، أطال الكلامَ فيه جداً، وحكى في ذلك سبعةَ أقوالٍ، أبطلها كلَّها، سوى قولينِ منها:

الأولُ: أن النارَ لا يخرجُ منها أحدٌ من الكفارِ، ولكنّ الله عز وجل يفنيها، ويزولُ عذابها.

والآخرُ: أنها لا تفنى وأن عذابها أبدي دائمٌ. وقد ساق فيه أدلةَ الفريقين وحُجَجَهُم من المنقولِ والمعقولِ، مع مناقشتها، وبيان ما لها وما عليها.

 

والذي يتأملُ في طريقةِ عرضه للأدلةِ ومناقشتهِ إياها، يستشعر من ذلك أنه يميلُ إلى القولِ الأولِ، ولكنهُ لم يجزم بذلك؛ فراجع إن شئتَ الوقوفَ على كلامهِ مفصلاً في الكتابَ المذكورَ .

ولكنني وجدتهُ يُصرِّحُ في بعضِ كتبهِ الأخرى بأن نارَ الكفارِ لا تفنى، وهذا هو الظنُ بهِ؛ فقال رحمهُ اللهُ في «الوابلِ الصيبِ» (ص 26) ما نصهُ: “وأما النّارُ فإنها دارُ الخبثِ في الأقوالِ والأعمالِ والمآكلِ والمشاربِ ودارُ الخبيثين، فاللهُ تعالى يجمعُ الخبيثَ بعضَهُ إلى بعضٍ فيَرْكُمُهُ كما يَرْكُمُ الشيء لتراكبِ بعضهِ على بعضٍ، ثم يجعلهُ في جهنمَ مع أهلهِ، فليس فيها إلا خبيثٌ. ولما كان الناسُ على ثلاثِ طبقاتٍ: طيبٍ لا يشوبهُ خبثٌ، وخبيثٍ لا طيبَ فيه، وآخرون فيهم خبثٌ وطيبٌ كانت دورهم ثلاثةً: دار الطيبِ المحضِ، ودار الخبثِ المحضِ، وهاتان لا تفنيان.” [انظر: الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفةِ(2/74 – 75) ].

 

والشيخ القرضاوي يميل -كما قال- إلى القول بفناء النار، متأثّراً بكتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» لابن القيم، ولكنه لم يأت بأدلة وتحقيقات لترجيح هذا القول.

 

هذا، ولقد زعم بعضُ النّاسِ أنّ الذي احْتجّ له ابنُ القيم هو إمكانية فناء النار ذاتها، ولم يقُلْ بفنائِها!

 

وهذا الكلامُ لا فائدةَ منه، ولا يمكن أنْ يصدر من ابن القيم؛ لأنّ القولَ بإمكانية فناء النار ذاتها ليس عليه خلاف؛ لأنّ كلّ ما سوى اللّه قابلٌ للفناء.

 

وعلى افتراض أنّ الصحيحَ عند ابن القيم هو القول بفناء جهنّمَ، فإنّه مسبوقٌ بالإجماع القديم، الذي حكاه الأئِمّةُ الأعلامُ، وقولُه يُعدّ من زلاّت العلماء، ونحن نُهِينا عن تتبُّع زلاتهم.

 

فائدة هامة: لقد استنتج بعضُ الباحثين من النص السابق لابن القيم، أنّ ابنَ القيم يرى أنّ النّارَ التي تفنى هي نارُ المُوَحّدِين لا نارُ الكافرين؛ لأنّه قال: “ودارٌ لمن معه خبث وطيب، وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة فإنه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين أحد.”

 

وقال بعضُ أهلِ العلم: “مِمّا يدل على أن ابنَ تيميةَ، بل وابنَ القيم أيضاً، لم يقولا بفناء النار: أنّه لم يَنقُل أحدٌ من تلامذتهما عنهما هذا القول ولم يقل به أحد منهم؛ وتلاميذُهما علماءُ محقِّقون وهم كثر، كالذهبي وابن كثير وابن رجب.”

 

البابُ الثاني: الأدلّةُ من الكتابِ والسُّنَّةِ النّبَوِيَّة، على أنّ النّارَ أبَدِيّة.

الدليلُ الأوّل: أهلُ النّارِ لا يموتون، ومُحَرّمٌ عليهم دخولُ الجنّة.

 

أ- أهل النّارِ لا يموتون فيها.

  • قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: 36].

قال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 ھ) في تفسيره «مفاتيح الغيب»: “{لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} أيْ: لا يَسْتَرِيحُونَ بِالمَوْتِ، بَلِ العَذابُ دائِمٌ.”

وقال أبو حيان (745 ھ) في تفسيره «البحر المحيط»: “{لا يُقْضى عَلَيْهِمْ} أيْ: لا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا.”

 

  • وقال تعالى: {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى. الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ. ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ} [الأعلى: 11-13].

قال البقاعي (885 ھ) في تفسيره «نظم الدرر»: “{ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها} أي: لا يَتَجَدَّدُ لَهُ في هَذِهِ النّارِ مَوْتٌ وإنْ طالَ المَدى.”

  • وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: “يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ؛ ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ؛ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} [مَرْيَمَ: 39]، وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يُؤَمِّنُونَ.” [متفق عليه].

 

ب- الجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ على الكُفّار أهلِ النّارِ تحريماً أبديّاً.

 

قال تعالى: {لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِینَ قَالُوۤا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِیحُ ٱبۡنُ مَرۡیَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِیحُ یَـٰبَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّی وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن یُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِینَ مِنۡ أَنصَارࣲ} [المائدة: 72].

قال أبو السعود (982 ھ) في تفسيره «إرشاد العقل السليم»: “{فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ} فَلَنْ يَدْخُلَها أبَدًا، كَما لا يَصِلُ المُحَرَّمُ عَلَيْهِ إلى المُحَرَّمِ، فَإنَّها دارُ المُوَحِّدِينَ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ {وَمَأْواهُ النّارُ} فَإنَّها هي المُعَدَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ، وهَذا بَيانٌ لِابْتِلائِهِمْ بِالعِقابِ إثْرَ بَيانِ حِرْمانِهِمُ الثَّوابَ.”

 

  • وقال تعالى: {وَنَادَىٰۤ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِیضُوا۟ عَلَیۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوۤا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ} [الأعراف: 50].

قال أبو السعود (982 ھ) في «إرشاد العقل السليم»: “{إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ} أيْ: مَنَعَهُما مِنهم مَنعًا كُلِّيًّا، فَلا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ قَطْعًا.”

 

  • وقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَ ٰبُ ٱلسَّمَاۤءِ وَلَا یَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ یَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِی سَمِّ ٱلۡخِیَاطِۚ وَكَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُجۡرِمِینَ} [الأعراف: 40].

قال الشوكاني (1250 ھ) في «فتح القدير»: قوْلُه “{ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ} أيْ: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، ولِهَذا عَلَّقَهُ بِالمُسْتَحِيلِ، فَقالَ: حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وهو لا يَلِجُ أبَدًا، وخُصَّ الجَمَلُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في كِبَرِ الذّاتِ، وخُصَّ سَمُّ الخِياطِ، وهو ثُقْبُ الإبْرَةِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ غايَةً في الضِّيقِ.”

 

ومِن الأدِلّةِ من السُّنَّةِ، على أنّ الكُفّارَ يَحْرُمُ عليهم يومَ القيامةِ دخولُ الجَنَّة تحريماً مُؤَبّداً، أنّ أهلَ الجَنَّة يرِثون منازلَهم التي كانت مخصصةً لهم في الجنة، لو أنّهم آمنوا باللّهِ وَحْدَه ولمْ يشركوا به، فلقد جاء في الحديث أنّ النَّبيَّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-قال: “مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّة، وَمَنْزِلٌ فِي النَّار، فَإِذَا مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّة مَنْزِلَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُه تَعَالَى: {أُولَئِكَ هُمْ الْوَارِثُون}” [رواه ابن ماجه، وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة»: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح].

 

وقال الطبري (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “وقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون: 10] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتُهم في الدنيا، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة.”

 

* النتيجةُ الحَتْمِيّةُ: إنّ أهلَ النّارِ محكومٌ عليهم بِعدمِ الموت، ومُحرَّمٌ عليهم دخول الجَنّة؛ ويومَ القيامة لا وجودَ لمكانٍ ثالثٍ، يمكن أنْ يلجأَ إليه أهلُ النّارِ؛ لقوله تعالى: {وَتُنذِرَ یَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَیۡبَ فِیهِۚ فَرِیقࣱ فِی ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِیقࣱ فِی ٱلسَّعِیرِ} [الشورى: جزء من الآية 7].

 

وبما أنّ أهلَ النّارِ لا يموتون فيها، ومُحرَّمٌ عليهم دخول الجَنّة، ولا وجودَ لِمكانٍ ثالثٍ يمكن أنْ يلجؤوا إليه، فإنّ مقامَهم الذي سيقضون حياتهم الأبدية فيه هو نارُ جهنّمَ؛ وهذا دليلٌ قاطعٌ على أبدِيّةِ النّارِ وعدم فنائها.

 

الدليلُ الثاني: أهل النّارِ لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها.

  • قال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةࣰ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّاۗ كَذَ ٰلِكَ یُرِیهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَـٰلَهُمۡ حَسَرَ ٰتٍ عَلَیۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِینَ مِنَ ٱلنَّارِ} [البقرة: 167].

قال شيخُ المفسرين أبو جعفر الطّبريُّ (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “يعني تعالى ذكره بذلك: وما هؤلاء الذين وصَفتُهم من الكفار = وإنْ نَدِموا بعد مُعاينتِهم مَا عاينوا من عذاب الله، فاشتدّت ندامتُهم على ما سلف منهم من أعمالهم الخبيثة، وتمنَّوا إلى الدنيا كَرّةً ليُنيبوا فيها، ويتبرأوا من مُضلِّيهم وسادتِهم الذين كانوا يُطيعونهم في معصية الله فيها = بخارجين من النار التي أصلاهُموها اللّهُ بكفرهم به في الدنيا، ولا ندَمُهم فيها بمنجِّيهم من عذاب الله حينئذ، ولكنهم فيها مخلدون.

وفي هذه الآية الدلالةُ على تكذيب الله الزاعمين أن عَذابَ اللّهِ أهلَ النار من أهل الكفر مُنْقضٍ، وأنه إلى نهاية، ثم هو بعدَ ذلك فانٍ؛ لأن الله تعالى ذِكْرُه أخبرَ عن هؤلاء الذين وصف صِفتَهم في هذه الآية، ثم ختم الخبر عنهم بأنهم غيرُ خارجين من النار، بغير استثناء منه وَقتًا دون وقت؛ فذلك إلى غير حدّ ولا نهاية.”

وقال مكي بنُ أبي طالب (437 ھ) في تفسيره «الهداية إلى بلوغ النهاية»: “{وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} أي: ليسوا يخرجون من النار أبداً، يعني به القومُ الذين تقدَّمَتْ صِفَتُهم وتبرأ بعضُهم من بعض، وتمنى بعضُهم الرجعة إلى الدنيا. وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله عز وجل للكفار له نهاية.”

وقال البيضاوي (685 ھ) في «أنوار التنزيل»: “{وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ} أصْلُهُ (وما يَخْرُجُونَ)، فَعَدَلَ بِهِ إلى هَذِهِ العِبارَةِ، لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُودِ والإقْناطِ عَنِ الخَلاصِ والرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا.”

وقال البقاعي (885 ھ) في تفسيره «نظم الدرر»: “{وما هُمْ} أيْ: بِفائِتِ خُرُوجِهِمْ، بَلْ هم وإنْ خَرَجُوا مِنَ السَّعِيرِ إلى الزَّمْهَرِيرِ يَعُودُونَ إلَيْهِ {بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ} يَوْمًا مِنَ الأيّامِ ولا ساعَةً مِنَ السّاعاتِ، بَلْ هم خالِدُونَ فِيها عَلى طُولِ الآبادِ ومَرِّ الأحْقابِ، بِخِلافِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم إذا خَرَجُوا مِنها لَمْ يَعُودُوا إلَيْها.”

وقال أبو السعود (982 ھ) في تفسيره «إرشاد العقل السليم»: “{وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ}: كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ؛ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ والأصْلُ: (وَما يَخْرُجُونَ)، والعُدُولُ إلى الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ دَوامِ نَفْيِ الخُرُوجِ، والضَّمِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ أمْرِهِمْ فِيما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ.”

 

  • وقال تعالى: {یُرِیدُونَ أَن یَخۡرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِینَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابࣱ مُّقِیمࣱ} [المائدة: 37].

قال البيضاوي (685 ھ) في تفسيره «أنوار التنزيل»: “وإنَّما قالَ {وما هم بِخارِجِين} بَدَل (وما يَخْرُجُونَ) لِلْمُبالَغَةِ.”

وقال البقاعي (885 ھ) في تفسيره «نظم الدرر»: “ثُمَّ نَفى خُرُوجَهُمْ، عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ الشَّدِيدِ؛ فَقالَ: {وما هُمْ}، وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِالجارِّ واسْمِ الفاعِلِ؛ فَقالَ: {بِخارِجِينَ مِنها} أيْ: ما يَثْبُتُ لَهم خُرُوجٌ أصْلًا.”

وقال أبو السعود (982 ھ) في تفسيره «إرشاد العقل السليم»: “وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَما هم بِخارِجِينَ مِنها} إمّا حالٌ مِن فاعِلِ يُرِيدُونَ، أوِ اعْتِراضٌ، وأيًّا ما كانَ فَإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ، مُصَدَّرَةً بِما الحِجازِيَّةِ الدّالَّةِ بِما في خَبَرِها مِنَ الباءِ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ، لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ بِاسْتِمْرارِ عَدَمِ خُرُوجِهِمْ مِنها؛ فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ كَما تُفِيدُ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الثُّبُوتِ، تُفِيدُ السَّلْبِيَّةُ أيْضًا بِمَعُونَتِهِ دَوامَ النَّفْيِ لا نَفْيَ الدَّوامِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: {ما أنا بِباسِطٍ}… إلَخْ. وقُرِئَ: {أنْ يُخْرَجوا} عَلى بِناءِ المَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ.

{وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ} تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا مِن عَدَمِ تَناهِي مُدَّتِهِ بَعْدَ بَيانِ شِدَّتِهِ.”

* النّتيجةُ الحَتْمِيّةُ: إنّ أهلَ النّارِ محكومٌ عليهم بِعدمِ الخروج منها، ومحكومٌ عليهم أيضاً بِعدمِ الموتِ فيها -كما جاءت بذلك النصوص التي ذُكِرَتْ في الدليل الأوّل-، وإذا قلنا بفناءِ النّارِ، فهناك ثلاثةُ احتمالات:

الاحتمال الأول: أنْ يموت الكافر في النّارِ قبل فنائها، وهذا مخالفٌ لقولِه تعالى: {إِنَّهُۥ مَن یَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمࣰا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ} [طه: 74]، الذي فيه التصريح بعدم موت الكافر في النار.

الاحتمال الثاني: أنْ يموت وقتَ فنائها، ولكن هنا أيضا سيكون داخلها؛ لأنّه مُحرّم عليه الخروجُ منها؛ لقوله تعالى {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِینَ مِنَ ٱلنَّارِ}، وسيكون في الحقيقة قد مات في النار، وهذا مخالف للنص السابق أيضاً، وهو قوله: {إِنَّهُۥ مَن یَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمࣰا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ} [طه: 74].

الاحتمال الثالث: أن يخرج منها، ثم تفنى، وهذا مخالفٌ لقوله تعالى: {وَمَا هُم بِخَـٰرِجِینَ مِنَ ٱلنَّارِ}.

 

وبهذا يَتبَيَّنُ لنا أنّ القولَ بفناءِ النّار قولٌ باطِلٌ، وأنّ النّارَ أبديةٌ لا تزول ولا تفنى.

* شُبْهَة ودفْعُها: قال بعضُهم: “ورد في القرآن الكريم أنّ أصحاب النّار غيْرُ (خارجين) من النّار، ولم يأت نصٌّ صريحٌ على أنّهم لن يُخرَجوا (بِضَمّ الياء وفتح الراء) منها؛ وهذا دليلٌ -عندهم- على أنّهم سيُخرَجون منها وتفنى جهنّمَ”!

فَهُمْ يَروْن أنّ عدم الخروج من النّارِ، لا يعني عدم الإخراج منها؛ فمَثَلُهم كمَثَل مَن يقول: إنّ فلانا لن يَخرُجَ (بفتح الياء وضم الراء) من بيته، لا يعني أنّه لن يُخْرَج (بضم الياء وفتح الراء) منه!

وهذا الكلام يدلُّ على أنّ القائِلَ به جاهلٌ بِأسَالِيب اللُّغَةِ العربية، التي شرَّفَها اللّهُ بأنْ تكون هي لُغَةَ القرآن الكريم، وهو جاهلٌ -أيضاً- بإجماع أهلِ التفسير والبيان:

 

  • فأمّا أهلُ التفسير واللُّغَةِ والبيان، فإنّهم فسروا قولَه تعالى {وما هم بِخارِجِين} -كما رأينا سابقاً- بتفاسيرَ متقاربةٍ، وقالوا: “{وَما هم بِخارِجِينَ} أصْلُهُ (وما يَخْرُجُونَ)، فَعَدَلَ بِهِ إلى هَذِهِ العِبارَةِ، لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُودِ والإقْناطِ عَنِ الخَلاصِ والرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا. وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ مُصَدَّرَةً بِما الحِجازِيَّةِ الدّالَّةِ بِما في خَبَرِها مِنَ الباءِ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ، لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ بِاسْتِمْرارِ عَدَمِ خُرُوجِهِمْ مِنها، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ كَما تُفِيدُ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الثُّبُوتِ، تُفِيدُ السَّلْبِيَّةُ أيْضًا بِمَعُونَتِهِ دَوامَ النَّفْيِ لا نَفْيَ الدَّوامِ.”

 

  • وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم، فإنّنا نجد فيه ما يدلّ على أنّ مَنْ أُخرِجَ (بضمّ الألف وكسر الراء) مِن مكان ما، يمكن أنْ نقول عنه بأنّه خرَج منه:

–  قال تعالى في سورة الحشر: {هُوَ ٱلَّذِیۤ أَخۡرَجَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ مِن دِیَـٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن یَخۡرُجُوا۟} [الحشر: جزء من الآية 2].

فاللّهُ تعالى {هُوَ ٱلَّذِیۤ أَخۡرَجَ} بني النَّضِير -الذين كفروا بالله، وحاربوا رسولَه صلّى اللّهُ عليه وسلّم- من ديارهم بالمدينة إلى الشام؛ ثم قال عنهم: {مَا ظَنَنتُمۡ أَن یَخۡرُجُوا}.

فهم قد أُخْرِجوا (بضمّ الألف وكسر الراء) من ديارِهم، وصدق عليهم القولُ بأنّهم خَرَجوا، بقوله تعالى {مَا ظَنَنتُمۡ أَن یَخۡرُجُوا}.

– وقال تعالى واصفاً خروج أهل القبور يوم الحشر: { یَوۡمَ یَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعࣰا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبࣲ یُوفِضُونَ} [المعارج: 48].

فهل أصحابُ القبور سيَخرُجون من قبورهم راغبين أم مُرغمين؟

لا شكّ أنّهم سيُخرَجون بقدرة اللّهِ وبِغَيْر إرادتهم، ومع ذلك فإنّ القرآن الحكيم لم يقل {يُخرَجون} (بضم الياء وفتح الراء)، ولكنْ قال {يَخرُجون} (بفتح الياء وضم الراء).

 

  • وأمّا في السُّنَّةِ النّبَوِيَّة، فلقد ثبت عَنْ رَسُول اللّهِ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: “إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ: رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْواً؛ فَيَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ… الحديث” [رواه البخاري ومسلم].

فهذا رجلٌ مؤمنٌ أُخْرِجَ (بضمّ الألف وكسر الراء) من النّارِ، أَخْرَجَه اللّهُ منها بفضله وشفاعة الشافعين، فصدقَ عليه القولُ بأنّه “يَخرُجُ” من النّار.

وهكذا يَتَبَيّنُ لنا أنّ قولَ القائل: “عدمُ الخُروجِ لا يعني عدم الإخراج”، هو قولٌ لا دليلَ عليه من اللغة، ومخالفٌ لما اتفق عليه أهل التفسير واللُّغَةِ والبيان.

الدليلُ الثالث: الآخرةُ هي دار الإقامة الدائمة.

قال تعالى: {یَـٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا مَتَـٰعࣱ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِیَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ} [غافر: 39].

  • قال ابن جرير الطبري (310 ھ) في «جامع البيان»: “{وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} يقول: {وإن الدار الآخرة}، وهي دار القرار التي تستقرّون فيها؛ فلا تموتون ولا تزول عنكم، يقول: فلها فاعملوا، وإياها فاطلبوا.”

 

  • وقال ابن كثير (774 ھ): “{وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} أَيِ: الدَّارُ الَّتِي لَا زَوَالَ لَهَا، وَلَا انْتِقَالَ مِنْهَا وَلَا ظَعْنَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، بَلْ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا جَحِيمٌ.”

 

  • وقال القرطبي (671 ھ) في «الجامع لأحكام القرآن»: “{يَا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ} أَيْ: يُتَمَتَّعُ بِهَا قَلِيلًا ثُمَّ تَنْقَطِعُ وَتَزُولُ. {وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ} أي: الِاسْتِقْرَارُ وَالْخُلُودُ. وَمُرَادُهُ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَفْنَيَانِ.”

 

* إضاءاتٌ:

-1الآخِرَةُ تعني -عند أهل اللغة-: دارُ البَقَاء، وهي صفةٌ غالبةٌ، كما نقله صاحب «تاج العروس» عن الزَّمخشريّ. [انظر مادة (أخر) في «تاج العروس» و«لسان العرب» و«القاموس المحيط»].

-2كلمةُ (الآخرة) لها عدة معانٍ في القرآن الكريم:

 

  • قد تأتي بمعنى القبر، كما في قوله تعالى: {بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی الآخِرَة} [إبراهيم: 27].

قال الواحدي (468 ھ) في «التفسير البسيط»: “معنى {وَفِي الْآخِرَةِ} قال ابن عباس: يريد في القبر، وهذا قول عامة المفسرين؛ قالوا: إن هذه الآية وردت في فتنة القبر وسؤال الملكين، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، وتثبيته إياه بها على الحق.”

 

  • وقد تأتي بمعنى يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَ ٰطِ لَنَـٰكِبُونَ} [المؤمنون: 74].

قال الواحدي (468 ھ) في «التفسير البسيط»: “قوله: {وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} قال ابن عباس، ومقاتل: بالبعث والثواب والعقاب.”

 

  • وقد تأتي بمعنى الجنَّة خاصّة، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة: 102].

قال الواحدي (468 ھ) في تفسيره «الوجيز»: “{مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ}: من نصيب في الجنة.”

 

  • وقد تأتي بمعنى الجحيم خاصّة، كما في قوله تعالى: {سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الآخرة} [الزمر: 9].

قال ابن الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: “قَوْلُهُ تَعالى: {يَحْذَرُ الآخِرَةَ} أيْ: عَذاب الآَخِرَةِ.”

]انظر هذه المعاني في: بصائر ذوي التمييز، مادة (الآخرة) للفيروزآبادي (817 ھ).[

 

-3لمّا جعل اللّهُ الآخرةَ دارَ البقاءِ، سمّاها في كتابه الكريم دارَ القرار؛ ولمّا جعل الأرضَ دارَ فناء، فإنّه تعالى أخبرَ آدمَ قبل نزوله إليها، أنّها {مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ}؛ قال تعالى: {وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُوا۟ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ} [البقرة: جزء من الآية 36].

قال ابن كثير (774 ھ) في تفسيره: “{وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} أَيْ: قَرَارٌ وَأَرْزَاقٌ وَآجَالٌ {إِلَى حِينٍ}، أَيْ: إِلَى وَقْتٍ مُؤَقَّتٍ وَمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ.”

فالأرض (مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) ومصيرُها الزوالُ والفناءُ، وأمّا الآخرةُ فإنّها (دَارُ الْقَرَارِ) ودار البقاء.

 

الدليلُ الرابع: النّارُ اِشْتِعالُها دائمٌ، وعذابُها لا ينقطع.

 

  • قال تعالى: {وَمَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن یُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡیࣰا وَبُكۡمࣰا وَصُمࣰّاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَـٰهُمۡ سَعِیرࣰا} [الإسراء: 97].

قال ابن الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: “قَوْلُهُ تَعالى: {كُلَّما خَبَتْ} قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: سَكَنَتْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ أنَّها تَأْكُلُهُمْ، فَإذا لَمْ تُبْقِ مِنهم شَيْئًا وصارُوا فَحْمًا ولَمْ تَجِدْ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، سَكَنَتْ، فَيُعادُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، فَتَعُودُ لَهم. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَبَتِ النّارُ: إذا سَكَنَ لَهَبُها، فاللَّهَبُ يَسْكُنُ، والجَمْرُ يَعْمَلُ، فَإنْ سَكَنَ اللَّهَبُ، ولَمْ يُطْفَإ الجَمْرُ، قِيلَ: خَمَدَتْ تَخْمُدُ خُمُودًا، فَإنْ طُفِئَتْ ولَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ، قِيلَ: هَمَدَتْ تَهْمَدُ هُمُودًا.”

وفي «معجم لسان العرب»/ مادة (خمد): خَمَدَت النّارُ تَخْمُد خُموداً: سكن لهبُها ولم يُطْفأْ جمرُها. وهمَدت هموداً إِذا أُطْفِئَ جَمْرُها البَتّةَ.

 

وقال أبو السعود (982 ھ) في تفسيره «إرشاد العقل السليم»: “قَوْلُهُ تَعالى: {كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا} أيْ: كُلَّما سَكَنَ لَهَبُها بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهُمْ، ولُحُومَهُمْ، ولَمْ يَبْقَ فِيهِمْ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ النّارُ وتُحْرِقُهُ، زِدْناهم تَوَقُّدًا بِأنْ بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها، فَعادَتْ مُلْتَهِبَةً، ومُسْتَعِرَةً.”

 

  • وقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِیهِمۡ نَارࣰا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَـٰهُمۡ جُلُودًا غَیۡرَهَا لِيَذُقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِیزًا حَكِیمࣰا} [النساء: 56].

قال الواحدي (468 ھ) في «التفسير البسيط»: “وقولُه تعالى: {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} استُعمِل لفظُ الذّوقِ ههنا، مع عظم ما نالوا من شدة العذاب، إخبارًا بأن إحساسهم به في كل حالٍ كإحْساسِ الذّائِق في تجديد الوجدان، من غير نقصان في الإحساس، كما يكون في الذي يستمر به الأكل فلا يجد الطعم.”

وقال أبو حيان (745 ھ) في تفسيره «البحر المحيط»: “{لِيَذُوقُوا العَذابَ} أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلَ كُلَّما نَضِجَتِ الجُلُودُ، هو لِيَذُوقُوا ألَمَ العَذابِ. وأتى بِلَفْظِ الذَّوْقِ المُشْعِرِ بِالإحْساسِ الأوَّلِ وهو آلَمُ [أي: أشدُّ إيلاماً]؛ فَجَعَلَ كُلَّما وقَعَ التَّبْدِيلُ كانَ لِذَوْقِ العَذابِ، بِخِلافِ مَن تَمَرَّنَ عَلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَذُوقُوا العَذابَ لِيَدُومَ لَهم دُونَهُ ولا يَنْقَطِعَ؛ كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ، أيْ: أدامَكَ عَلى عِزِّكَ، وزادَكَ فِيهِ.”

ولقد نبّه الإمامُ الماوردي (450 ھ) في تفسيره «النكت والعيون» إلى أنّ سكونَ اللّهبِ لا يُذهِبُ عذابَ أهلِ النّارِ، فقال: “وَسُكُونُ التِهابِها مِن غَيْرِ نُقْصانٍ في آلامِهِمْ ولا تَخْفِيفٍ مِن عَذابِهِمْ.”

 

ويُؤيِّدُ قولَهُ ما يأتي من الآيات:

  • قال تعالى: {إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِینَ فِی عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ. لَا یُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِیهِ مُبۡلِسُونَ} [الزخرف: 74-75].

قال ابنُ جريرٍ الطّبريُّ (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “{لَا یُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ} يقول: لا يُخفَّفُ عنهم العذابُ، وأصل الفتور: الضعف.”

وقال ابن كثير (774 ھ) في تفسيره: “{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} أَيْ: سَاعَةً وَاحِدَةً {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أَيْ: آيِسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ.”

وقال الإمامُ فخر الدين الرازي (606) في تفسيره «مفاتيح الغيب»: “{لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ والدَّوامِ أيْضًا.”

 

  • وقال سبحانه: {یُرِیدُونَ أَن یَخۡرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِینَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابࣱ مُّقِیمࣱ} [المائدة:37].

قال شيخُ المفسرين ابن جرير الطبري (310 ھ): “{لهم عذاب مقيم} يقول: لهم عذابٌ دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبدًا.”

وقال أبو حيان (745 ھ) في «البحر المحيط»: “{ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ} أيْ: مُتَأبِّدٌ لا يُحَوَّلُ.”

وقال ابن كثير (774 ھ) في تفسيره: “{وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} أَيْ: دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ لَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا، وَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا.”

وقال البقاعي (885 ھ) في تفسيره «نظم الدرر»: “ولَمّا كانَ المُعَذَّبُونَ في دارٍ رُبَّما دامَ لَهُمُ المُكْثُ فِيها وانْقَطَعَ عَنْهُمُ العَذابُ؛ قالَ: {ولَهُمْ} أيْ: خاصَّةً، دُونَ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ {عَذابٌ}، أيْ: تارَةً بِالحَرِّ، وتارَةً بِالبَرْدِ، وتارَةً بِغَيْرِهِما، دائِمُ الإقامَةِ، لا يَبْرَحُ ولا يَتَغَيَّرُ {مُقِيمٌ}.”

وقال ابن عاشور (1393 ھ) في «التحرير والتنوير»: “وقَوْلُهُ: {ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ} أي: دائِمٌ، تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: {وما هم بِخارِجِينَ مِنها}.”

 

  • وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: 36].

قال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 ھ) في تفسيره «مفاتيح الغيب»: “ثمَّ قالَ تَعالى: {لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} أيْ: لا يَسْتَرِيحُونَ بِالمَوْتِ بَلِ العَذابُ دائِمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: {ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} أيْ: النّارِ، وفِيهِ لَطائِفُ:

الأُولى: أنَّ العَذابَ في الدُّنْيا إنْ دامَ كَثِيرًا يَقْتُلُ، فَإنْ لَمْ يَقْتُلْ يَعْتادُهُ البَدَنُ ويَصِيرُ مِزاجًا فاسِدًا مُتَمَكِّنًا لا يُحِسُّ بِهِ المُعَذَّبُ، فَقالَ: عَذابُ نارِ الآخِرَةِ لَيْسَ كَعَذابِ الدُّنْيا، إمّا أنْ يُفْنِيَ، وإمّا أنْ يَأْلَفَهُ البَدَنُ، بَلْ هو في كُلِّ زَمانٍ شَدِيدٌ والمُعَذَّبُ فِيهِ دائِمٌ.

 

الثّانِيَةُ: راعى التَّرْتِيبَ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّرْتِيبَ أنْ لا يَنْقَطِعَ العَذابُ ولا يَفْتُرَ، فَقالَ: لا يَنْقَطِعُ ولا بِأقْوى الأسْبابِ، وهو المَوْتُ حَتّى يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ، ولا يُجابُونَ، كَما قالَ تَعالى: {ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ} [الزُّخْرُفِ: 77] أيْ: بِالمَوْتِ.

 

الثّالِثَةُ: في المُعَذَّبِينَ اكْتَفى بِأنَّهُ لا يَنْقُصُ عَذابَهم، ولَمْ يَقُلْ: نَزِيدُهم عَذابًا، وفي المُثابِينَ ذَكَرَ الزِّيادَةَ بِقَوْلِهِ: {ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ} [النِّساءِ: 173] ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّ عَذابَهم لا يُخَفَّفُ، قالَ تَعالى:{وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها} أيْ: لا يُخَفَّفُ، وإنِ اصْطَرَخُوا واضْطَرَبُوا لا يُخَفِّفُ اللَّهُ مِن عِنْدِهِ إنْعامًا إلى أنْ يَطْلُبُوهُ، بَلْ يَطْلُبُونَ ولا يَجِدُونَ، والِاصْطِراخُ مِنَ الصُّراخِ، والصُّراخُ صَوْتُ المُعَذَّبِ.

 

وقَوْلُهُ تَعالى: {رَبَّنا أخْرِجْنا} أي: صُراخُهم بِهَذا، أيْ: يَقُولُونَ: {رَبَّنا أخْرِجْنا} لِأنَّ صُراخَهم كَلامٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إيلامَهم تَعْذِيبٌ لا تَأْدِيبٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤَدَّبَ إذا قالَ لِمُؤَدِّبِهِ: لا أرْجِعُ إلى ما فَعَلْتُ وبِئْسَما فَعَلْتُ يَتْرُكُهُ، وأمّا المُعَذَّبُ فَلا، وتَرْتِيبُهُ حَسَنٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يُخَفِّفُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، ولا يَعْفُو عَنْهم، بَيَّنَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهم وعْدًا؛ وهَذا لِأنَّ المَحْبُوسَ يَصْبِرُ لَعَلَّهُ يَخْرُجُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، فَإذا طالَ لُبْثُهُ تَطَلَّبَ الإخْراج مِن غَيْرِ قَطِيعَةٍ عَلى نَفْسِهِ، فَإنْ لَمْ يَفْدِهِ يَقْطَعُ عَلى نَفْسِهِ قَطِيعَةً ويَقُولُ: أخْرِجْنِي أفْعَلْ كَذا وكَذا.”

 

  • وقال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ} [طه: 127].

قال الطبري في تفسيره: “{وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ} يقول جل ثناؤه: ولعذابٌ في الآخرة أشدُّ لهم مما وعدتهم في القبر من المعيشة الضنك {وأبقى} يقول: وأدْوَم منها؛ لأنه إلى غير أمد ولا نهاية.”

وقال فخر الدين الرازي (606 ھ) في تفسيره «مفاتيح الغيب»: “وبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى؛ أمّا الأشَدُّ فَلِعِظَمِهِ، وأمّا الأبْقى فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.”

* النّتيجةُ الحَتْميّةُ: إنّ اشتعالَ نارِ جهنّمَ لا يتوقفُ، وذلك أنّها تَأْكُلُ جلودَ الكُفّارِ ولحومَهم، فَإذا لَمْ تُبْقِ مِنهم شَيْئًا وصارُوا فَحْمًا ولَمْ تَجِدْ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، سَكَنَتْ، فَيُعادُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، فَتَعُودُ لَهم، وهكذا إلى ما لا نهاية!

وعذابُ النّارِ دائمٌ ومُتواصلٌ، لا يزول ولا ينقطع، ولا يَخِفّ ولو لحظة من اللّحظات.

وهذا لا يمكنُ أن يحدثَ إلاّ إذا كانت النّارُ أبدِيّةً لا تفنى؛ لأنّه بفنائها يتوقف اشتعالُها، وينقطع عذابُها.

 

تنبيه: وفي هذا ردٌّ على مَن زعم أنّ أهلَ النّار يُعذّبون فيها؛ ثُمّ تتحوّل طبيعتُهم إلى الطبيعة النّارية، فيتلذّذون بها!

وفيه ردٌّ -أيضاً- على مَن زعم أنّ أهلَ النّار يُعذّبون فيها؛ ثُمّ تفنى حياتُهم ويتحوّلون إلى جماداتٍ لا تتحرك، ولا تشعر بالألم!

 

* إضاءة: حول قولِه تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَـٰهُمۡ جُلُودًا غَیۡرَهَا} [النساء: 56]:

قال الإمامُ البغوي (516 ھ) في تفسيره «معالم التنزيل»: “فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُعَذَّبُ جُلُودٌ لَمْ تَكُنْ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ تَعْصِهِ؟

قِيلَ يُعَادُ الْجِلْدُ الْأَوَّلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَإِنَّمَا قَالَ: {جُلُودًا غَيْرَهَا} لِتَبَدُّلِ صِفَتِهَا، كَمَا تَقُولُ: صَنَعْتُ مِنْ خَاتَمِي خَاتَمًا غَيْرَهُ، فَالْخَاتَمُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ إِلَّا أَنَّ الصِّنَاعَةَ وَالصِّفَةَ تَبَدَّلَتْ.”

 

وقال ابنُ الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: “{بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها} قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها غَيْرُها حَقِيقَةً [أي: تتكوّن جلودٌ جديدةٌ] ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: كَيْفَ بُدِّلَتْ جُلُودٌ اِلْتَذَّتْ بِالمَعاصِي بِجُلُودٍ [أي: جديدةٍ] ما التَذَّتْ؛ لِأنَّ الجُلُودَ آلَةٌ في إيصالِ العَذابِ إلَيْهِمْ، كَما كانَتْ آلَةً في إيصالِ اللَّذَّةِ، وهُمُ المُعاقَبُونَ لا الجُلُودُ.

والثّانِي: أنَّها هي بِعَيْنِها تُعادُ بَعْدَ احْتِراقِها، كَما تُعادُ بَعْدَ البِلى في القُبُورِ. فَتَكُونُ الغَيْرِيَّةُ عائِدَةً إلى الصِّفَةِ، لا إلى الذّاتِ، فالمَعْنى: بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ، كَما تَقُولُ: صُغْتُ مِن خاتَمِي خاتَمًا آَخَرَ.”

 

الدليلُ الخامس: وصْفُ النّارِ ب{دار الخلد}.

قال تعالى: { ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ ۖ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 28].

قال الطبري (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “ثم قال: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ} يعني: لهؤلاء المشركين بالله في النارِ دارُ الخلد، يعني دارُ المكث واللبث، إلى غير نهاية ولا أمد؛ والدار التي أخبر جلّ ثناؤه أنها لهم في النار هي النار.”

وقال مكي بن أبي طالب (437 ھ) في تفسيره «الهداية إلى بلوغ النهاية»: “ثُمّ قال تعالى: {ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} أي: جزاء المشركين في الآخرة النار، لهم فيها دار المكث أبداً.”

وقال السمعاني (489 ھ) في «تفسير القرآن»: “قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك جَزَاء أَعدَاء الله النَّار لَهُم فِيهَا دَار الْخلد} أَي: دَار الخلود.”

وقال الزمخشري (538 ھ) في «تفسير الكشاف»: “فإن قلتَ: ما معنى قوله تعالى: {لهم فيها دار الخلد}؟ قلتُ: معناه أن النار في نفسها دار الخلد.”

وقال البيضاوي (685 ھ) في «أنوار التنزيل»: “{لَهم فِيها} في النّارِ. {دارُ الخُلْدِ} فَإنَّها دارُ إقامَتِهِمْ، وهو كَقَوْلِكَ: في هَذِهِ الدّارِ دارُ سُرُورٍ، وتَعْنِي بِالدّارِ عَيْنَها عَلى أنَّ المَقْصُودَ هو الصِّفَةُ.”

وقال الطاهر بن عاشور (1393 ھ) في تفسيره «التحرير والتنوير»: “ودارُ الخُلْدِ: النّارُ. فَقَوْلُهُ {لَهم فِيها دارُ الخُلْد} جاءَ بِالظَّرْفِيَّةِ بِتَنْزِيلِ النّارِ مَنزِلَةَ ظَرْفٍ لِدارِ الخُلْدِ، وما دارُ الخُلْدِ إلّا عَيْنُ النّارِ. وهَذا مِن أُسْلُوبِ التَّجْرِيدِ؛ لِيُفِيدَ مُبالَغَةَ مَعْنى الخُلْدِ في النّارِ. وهو مَعْدُودٌ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ… والخُلْدُ: طُولُ البَقاءِ، وأُطْلِقَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى البَقاءِ المُؤَبَّدِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ.”

* النتيجة: إنّ معنى {دار الخلد}: دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها، ووَصْفُ النّارِ بِدار الخُلد، دليلٌ على أنّها أبدِيّةٌ لا تفنى.

 

الدليلُ السادس: وصفُ عذابِ النّارِ بالخُلود والأبَدِيَّة.

أوّلاً- وَصْفُ العذابِ بالخُلود.

لقد وُصِفَ العذابُ بالخُلود في عدة آيات من كتاب اللّهِ، منها:

  • قولُهُ تعالى: {بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَیِّئَةࣰ وَأَحَـٰطَتۡ بِهِۦ خَطِیۤـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ} [البقرة: 81].

قال ابنُ جرير الطَّبَريُّ (310 ھ) في تفسيره: “{هم فيها} يعني: هم في النّار خالدون، ويعني بقوله: {خالدون} مقيمون.”

ونقل الطبري عن ابن عباس قولَه: “{هم فيها خالدون} أي: خالدون أبدا.”

وقال ابنُ عطيّة (564 ھ) في تفسيره «المحرر الوجيز»: “والخُلُودُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإطْلاقِ والتَأْبِيدِ في المُشْرِكِينَ.”

وقال أبو السعود (982 ھ) في تفسيره «إرشاد العقل السليم»: “{هم فِيها خالِدُونَ} دائِمًا أبَدًا؛ فَأنّى لَهُمُ التَّفَصِّي [أي: التّخلُّص] عَنْها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ أوْ أرْبَعِينَ، كَما زَعَمُوا؟ فَلا حُجَّةَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى خُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، لِما عَرَفْتَ مِنَ اخْتِصاصِها بِالكافِرِ؛ ولا حاجَةَ إلى حَمْلِ الخُلُودِ عَلى اللُّبْثِ الطَّوِيلِ؛ عَلى أنَّ فِيهِ تَهْوِينَ الخَطْبِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ.”

 

  • وقولُه تعالى: {وَمَن یَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَیَمُتۡ وَهُوَ كَافِرࣱ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا والآخِرَةِ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ} [البقرة: جزء من الآية 217].

قال ابنُ جرير الطّبَريُّ في تفسيره «جامع البيان»: “يعني بقوله: {حبطت أعمالهم} بطَلَتْ وذهَبَت. وبُطولُها: ذهابُ ثوابها، وبُطولُ الأجر عليها والجزاء في دار الدنيا والآخرة. وقوله: {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} يعني: الذين ارتدُّوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلَّدون فيها. وإنما جعلَهُم “أهلها”؛ لأنّهم لا يخرجون منها، فهم سُكّانُها المقيمون فيها، كما يُقال: “هؤلاء أهلُ مَحَلَّةِ كذا”، يعني: سُكّانُها المقيمون فيها. ويعني بقوله: {هم فيها خالدون} هم فيها لابثون لَبْثًا، من غير أمَدٍ ولا نهاية.”

 

  • وقولُه تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 13-14].

قال الطبري في تفسيره: “وقوله: {وذوقوا عذاب الخلد} يقول: يقال لهم أيضا: ذوقوا عذاباً تخْلُدون فيه إلى غير نهاية.”

وقال الشوكاني: “وقوله: {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} تكريرٌ لِقَصْدِ التّأكيد، أي: ذوقوا العذاب الدائم الذي لا ينقطع أبدًا، بما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي.”

 

  • وقولُه تعالى: {ثُمَّ قِیلَ لِلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ} [يونس: 52]

قال الإمامُ ابنُ جريرٍ الطّبَريُّ (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “يقول تعالى ذكره: {ثُمَّ قِیلَ لِلَّذِینَ ظَلَمُوا۟} أنفسَهم بكفرهم بالله {ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ} تجرّعوا عذابَ الله الدائم لكم أبدًا، الذي لا فناءَ له ولا زوالَ.”

يَتبيّنُ لنا -من خلال هذه النُّصوص- أنّ خلودَ الكفار في النّارِ يعني الخلودُ الأبدِيُّ السَّرْمَدِيُّ، ولقد جاء في السُّنَّةِ ما يؤكّد هذا المصيرَ المأساويّ؛ فلقد جاء في صحيح مسلم عن نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ.”

 

إنّ قولَه -صلى الله عليه وسلم-: “كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ”، لدليلٌ على أنّه لا فرقَ بين خلودِ أهلِ الجَنَّة وخلودِ أهلِ النّارِ، مِن حيثُ الأبديّةُ والسَّرمَديّةُ. ولا شكّ أنّ هذا هو ما سيفهمه أهلُ النّار بعدَ ذبْحِ الموت، وبعد سماعهم قولَ القائل: “يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ”؛ ولذلك سَيَشْتَدّ حُزنُهم بعد سماعِ هذا الخبر الصّاعق، كما جاء في رواية أخرى رواها البخاري: “ويزدادُ أهلُ النّارِ حُزناً إلى حزنهم.”

فهذا دليلٌ صريحٌ على أنّ خلودَ الكفار في النّارِ، هو خلودٌ أبدي سَرمدي، مثل خلودِ أهلِ الجَنَّة في الجَنَّة.

 

ثانيا- وَصْفُ العذابِ بالخُلودِ الأبَدِيّ.

ولقد وُصِفَ العذابُ بالخُلودِ الأبَدِيّ في عدة آيات من الذِّكر الحكيم، منها:

  • قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168-169].

 

قال ابن جرير الطبري (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “{خالدين فيها أبدًا} يقول: مُقيمين فيها أبدًا {وكان ذلك على الله يسيرًا} يقول: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وَصَفْتُ لكم صِفتَهم في جَهَنّمَ، على الله يسيرًا؛ لأنه لا يقدر مَن أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا لهُ أحدٌ يمنعه منه، ولا يَسْتَصْعِب عليه ما أراد فِعلَه به من ذلك، وكان ذلك على الله يسيرًا؛ لأنّ الخَلقَ خلقُه، والأمرَ أمرُه.”

 

وقال الواحدي (468 ھ) في «التفسير البسيط»: “وقوله تعالى: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}؛ لأنه لا يتعذّر عليه ولا يضرّه، ولأنه قادر على أن يخلق لهم العذاب والألم شيئًا بعد شيء إلى ما لا يتناهى، وذلك أنه لما وصَفَ أنه لا نهايةَ لخلودهم في جَهَنّمَ بيّن أنّهُ لا يتعذر ذلك عليه.”

 

وقال أبو السعود (982 ھ) في تفسيره «إرشاد العقل السليم»: “وقَوْلُهُ تَعالى: {أبَدًا} نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ رافِعٌ لِاحْتِمالِ حَمْلِ الخُلُودِ عَلى المُكْثِ الطَّوِيلِ {وَكانَ ذَلِكَ} أيْ: جَعْلُهم خالِدِينَ في جَهَنَّمَ {عَلى اللَّهِ يَسِيرًا} لِاسْتِحالَةِ أنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن مُراداتِهِ تَعالى.”

 

اعتراضان ورَدُّهُما.

 

الاعتراضُ الأوّل: زعم البعضُ أنّ كلمةَ (الخُلد) في القرآن الكريم، لا تعني المُكْث الأبدي، وإنّما تعني اللُّبْث الطَّوِيل فقط!

 

ولِلجواب عن هذا الاعتراض نرجع إلى القرآن الكريم، وإلى كُتب غريب القرآن وقواميس اللُّغَة العربية.

 

أ- معنى الخُلد في القرآن الكريم.

 

قال الطاهر بن عاشور (1393 ھ) في «التحرير والتنوير» عند تفسيره لقوله تعالى: {ذَ ٰلِكَ جَزَاۤءُ أَعۡدَاۤءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِیهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَاۤءَۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا یَجۡحَدُونَ}: “والخُلْدُ: طُولُ البَقاءِ، وأُطْلِقَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى البَقاءِ المُؤَبَّدِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ.”

 

ومِن الآيات التي تدلّ على أنّ الخُلْدَ يُطْلَقَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى البَقاءِ المُؤَبَّدِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ:

 

  • قولُه تعالى: {یَحۡسَبُ أَنَّ مَالَهُۥۤ أَخۡلَدَهُ} [الهمزة: 3]

 

قال الطبري في تفسيره: “يقول: {يحسب أن ماله} الذي جمعه وأحصاه، وبخل بإنفاقه، مخلده في الدنيا، فمزيل عنه الموت. وقيل: {أخلده} والمعنى: يُخَلِّده”

 

وقال القرطبي: “قوله تعالى: {يحسب} أي: يظن {أن ماله أخلده} أي: يُبْقيه حيًّا لا يموت.”

 

وقال الزمخشري: “{أخْلده} وخلّده بمعنى؛ أي: طوَّل المالُ أملَه، ومنّاه الأماني البعيدة؛ حتى أصبح لِفَرط غفلتِه وطولِ أمله يحسب أن المال تركه خالدا في الدنيا لا يموت.”

 

  • وقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ} [طه: 120].

 

قال أبو السعود (982 ھ) في تفسيره «إرشادُ العقل السليم»: “قالَ:{يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ} أيْ: شَجَرَةٍ مَنْ أكَلَ مِنها خُلِّدَ ولَمْ يَمُتْ أصْلًا، سَواءٌ كانَ عَلى حالِهِ أوْ بِأنْ يَكُونَ مَلِكًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: {إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ} [الأعراف: 20]. {وَمُلْكٍ لا يَبْلى} أيْ: لا يَزُولُ، ولا يَخْتَلُّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.”

 

* وَقْفَةٌ تَأمُّلِيَّةٌ مع شجرة الخُلْدِ:

 

قال تعالى: {وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ. فَقُلۡنَا یَـٰۤـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوࣱّ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا یُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰۤ. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِیهَا وَلَا تَعۡرَىٰ. وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُا۟ فِیهَا وَلَا تَضۡحَىٰ. فَوَسۡوَسَ إِلَیۡهِ ٱلشَّیۡطَـٰنُ قَالَ یَـٰۤـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكࣲ لَّا یَبۡلَىٰ} [طه: 116-120].

 

قال الشّيْخُ العلاّمةُ أبو زهرة (1394هـ) في تفسيره: “كان نعيمُ الجَنَّةِ نعيما هادئا آمنا، ولكن لم يُذكَرْ أنه خالد، ومن كان في عيشة راضية تمنّى أن تكون باقية، فجاء إبليس من ناحية هذه الأمنية، وقال لآدم: {هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكࣲ لَّا یَبۡلَىٰ}، وسوس إليهما بقول خفي يشبه وسوسة الذهب، وأثار التمني في نفسه بقوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} الاستفهام هنا للتنبيه، أي: أن هذه الشجرةَ التي نُهِيَ عن الأكل منها هي شجرةُ الخُلدِ، مَنْ أكل منها نال الخلودَ والبقاء والسلطانَ والسيطرة، وهذا هو المعنى المذكور في آية أخرى، إذ قال الله تعالى عنه: {…مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20]”. [زهرة التفاسير، أبو زهرة، ج 9 ص 4800].

 

إنّ آدمَ -عليْه السلامُ- لمْ يُخبَرْ بالمُدَّةِ التي سيبقى فيها في نعيم الجَنَّة، ورُبّما أنّه لم يُفَكّرْ في هذه المسألةِ، فهو يعلمُ فقط أنّه سيمْكُث في الجَنَّة، دون أن يجُوعَ فِیهَا أو يَعْرَى، ودون أن يظمأ فِیهَا أو يضْحى. وإبليسُ يعرفُ نُقطةَ ضَعْفِ آدمَ، وأنّه يَسْهُلُ عليْه دخولُه من باب الشهوات؛ لأنّه سبق له أنْ درسَ طبيعتَه قبل أنْ ينفخَ الحقُّ – سبْحانَه وتعالَى- فيه الروحَ؛ فلقد وَرَدَ في صحيح مسلم، أنّ النّبِيَّ -صلّى اللّهُ عليْه وسلّم-قال: “لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ في الجَنَّةِ تَرَكَهُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إبْلِيسُ يُطِيفُ به، يَنْظُرُ ما هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أجْوَفَ عَرَفَ أنَّه خُلِقَ خَلْقًا لا يَتَمالَكُ.”

 

وفي روايةٍ أخرى لمسلم أيضاً: “لمَّا صوَّر اللهُ تبارك وتعالَى آدمَ -عليه السَّلامُ- تركه، فجعل إبليسُ يطوفُ به ينظُرُ إليه، فلمَّا رآه أجوفَ، قال: ظفرتُ به، خلقٌ لا يتمالكُ.”

 

ولقد علِمَ إبليسُ أنّ آدمَ لمْ يُخبَرْ بالمُدَّةِ التي سيبقى فيها في نعيم الجَنَّة؛ فدخلهُ مِن باب حُبِّ الشهواتِ والملذّاتِ، وخوَّفَه مِن عدم البقاء في نعيم الجَنَّة التي أُدْخِلها، وذلك بإرشاده إلى الأكل من الشجرة التي زعم أنّها شجرةُ الخُلدِ؛ وكأنه قال له: “إنْ لمْ تأكلْ مِن شجرةِ الخلد، فإنّ هذا النعيم الذي أنت فيه لن يدوم وسينقضي.”

 

ولا شكّ أنّ كلامَ إبليسَ أفزَع آدمَ وزوجَه، ولا شكّ -أيضاً- أنّ آدمَ أدرك جيداً أنّ معنى الخلد هو البقاء حيًّا لا يموت ولا يخرج من الجَنَّة؛ لأنّه لو فهِم من كلمة الخلدِ المُكْثَ الطويلَ لا الخلودَ الأبدِيَّ، لما اهتمّ بهذه الوسوسة؛ إذْ -لو كان الأمرُ كذلك- فإنّ النعيمَ سيزولُ والمُلْكُ سيبلى مهما طال الزمن، حتّى ولو أكل من تلك الشجرة.

 

ولا شكّ -أيضاً- أنّ آدم عليه السلامُ قد فهم من كلام اللّهِ حين قال له -بعد أن أكل من الشجرة-: {قُلۡنَا ٱهۡبِطُوا۟ مِنۡهَا جَمِیعࣰاۖ فَإِمَّا یَأۡتِیَنَّكُم مِّنِّی هُدࣰى فَمَن تَبِعَ هُدَایَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَّ وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ} [البقرة: 38-39]، أنّ كلمة {خَـٰلِدُونَ} تعني خلودَ الكُفّارِ في النّارِ الخلودَ الأبدي؛ إذْ لا يوجدُ سبَبٌ يجعل آدم يُفرِّق بين الخلودِ الذي طَمّعَهُ فيه إبليس، والخلودِ في النّارِ الذي توعّد اللّهُ به الكُفّارَ.

 

وهذا يُقوِّي القولَ: بأنّ الأصلَ في معنى الخلودِ في القرآنِ الحكيم، هو الخلودُ الأبدي؛ ولا يُصْرَفُ إلى معنى المُكْثِ الطويلِ إلاّ بدليلٍ آخر؛ ولذلك فإنّ جمهورَ المُفسّرين أوّلوا خلودَ المؤمنِ -الذي يقتلُ أخاه المؤمنَ مُتَعمِّداً- في جهنّمَ بالمُكْث الطويل؛ لأنّ هناك أدِلةً قاطعةً منَ النصوصِ الشرعيةِ على عدم خلود عُصاةِ المؤمنين في جهنّمَ.

 

تنبيه هامّ: إنّنا نجهلُ اللفظَ الحقيقي الذي استعمله إبليسُ في خطابه لآدم، للتّعبير عن البقاءِ حيًّا وعدمِ الموت؛ لأنّنا نجهل اللغةَ التي خاطب بها إبليسُ آدم؛ قال ابن حزم الأندلسي (456 ھ): “ولا ندْري أيَّ لغة هي التي وقَفَ آدمُ عليه السلام عليها أوّلاً، إلا أننا نَقطَع على أنّها أتمُّ اللغاتِ كلِّها وأبْيَنُها عبارةً، وأقلُّها إشكالاً وأشدُّها اختصاراً.” [الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، ج 1، الصفحة 31].

 

ولا شكّ أنّ آدم فهِم ذلك اللفظَ الذي استعمله إبليس؛ والقرآنُ الكريم لمّا نزل باللسانِ العربي، عبّر عن البقاءِ حيًّا وعدمِ الموت، بِلفْظِ (الخُلْد).

 

*  نُكْتةٌ: إنّ آدم -عليْه السلامُ- رَغِبَ في الخلود في الجَنَّة، وصدّق إبليسَ، فأكلَ مِن الشجرةِ الممنوعةِ؛ فحُرِمَ من نَعِيمِها وأُخْرِجَ منها. واقْتَضَت الحكمةُ الإلهيّةُ فتَحَ باب الخلود في الجِنانِ لِمَن آمَن وأطاع الرحمن، وفتَحَ باب الخلودِ في النِّيران لِمَن كفر وأطاعَ الشيطانَ.

 

ب- الخُلْدُ في كُتب الغريب.

 

  • قال ابن الهائم (815 ھ) في «التبيان في تفسير غريب القرآن»: “{الْخُلُودِ}: البقاء الدائم الذي لا آخر له.”

 

  • وقال الراغب الأصفهاني في «مفردات غريب القرآن» (ص 154): “وأصلُ المُخَلَّد: الذي يبقى مدة طويلة، ومنه قيل: رجل مخلد لمن أبطأ عنه الشيب، ودابة مخلدة هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج رباعيتها، ثُمّ اسْتُعير للمبقي دائما.”

 

تنبيه: كتاب «مفردات غريب القرآن» للراغب الأصفهاني، يُعَدُّ -كما يقول العلماءُ- “مِن أشهر كتب الغريب، وأحسنِها، وأكثرِها دورانًا في المصنفات والعزو.”

 

*  إضاءة: فائدةُ معرفة (غريب القرآن).

 

قال مصطفى صادق الرافعي: “وفي القرآن ألفاظٌ اصطلح العلماءُ على تسميتها بالغرائب، وليس المرادُ بغرابتِها أنّها مُنكَرةٌ أو نافرةٌ أو شاذّةٌ، فإن القرآن مُنَزَّه عن هذا جميعِه، وإنّما اللفظةُ الغريبة هاهنا هي التي تكون حسنةً مستغرَبة في التأويل، بحيث لا يتساوى في العلم بها أهلُها وسائرُ الناس… ومَنْشأُ الغرابة في ما عدّوه من الغريب: أن يكون ذلك من لغات متفرّقة… أو: تكون مستعمَلةً على وجهٍ من وجوه الوضع يُخرجها مُخْرَجَ الغريب: كالظلم، والكُفر، والإيمان، ونحوها، ممّا نُقل عن مدلوله في لغة العرب إلى المعاني الإسلامية المحدَثَة… أو: يكون سياق الألفاظ قد دلّ بالقرينة على معنى معيّن غير الذي يفهم من ذات اللفظ؛ فقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة:18]، أي: إذا بينّاه فاعمل به.” [مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، ج2 ص71-72].

 

وقال الزركشي: “ومعرفةُ هذا الفن (أي: غريب القرآن) للمُفَسِّر ضروريٌّ، وإلا فلا يَحِلّ له الإقدامُ على كتاب الله تعالى.” [البرهان: (1/ 292)، وينظر: الإتقان(2/ 5) :].

 

فالظلم -مثلاً- نُقِلَ معناه إلى الشرك أيضاً، والخلودُ اسْتُعيرَ ونُقِل معناه إلى البقاء الدائم الذي لا يفنى، كما ذكر ذلك الراغب الأصفهاني!

 

ج- الخلدُ في معاجم اللُّغَة العربية المعتمدة:

 

  • «لسان العرب»: الخُلْدُ: دوامُ البقاء في دار لا يخرج منها، خَلَدَ يَخْلُدُ خُلْداً وخُلوداً بقي وأَقام، ودارُ الخُلْد الآخرة لبقاءِ أَهلها فيها … وقوله تعالى {أَيحسب أَنَّ ماله أَخلده} أَي: يعمل عمل من لا يظن مع يساره أَنه يموت … والمُخلِد من الرجال الذي أَسَنّ ولم يَشِب كأَنه مُخَلَّد لذلك وخَلَد يَخْلِد ويخْلُدُ خَلْداً وخُلوداً أَبطأَ عنه الشيب كأَنما خلق لِيَخْلُدَ.

 

  • «تاج العروس» (خ – ل – د): الخُلْدُ بالضّمّ: البقاء والدَّوامُ في دارٍ لا يخرج منها كالخُلود و{دار الخُلدِ}: الآخِرَةُ لبقاءِ أَهْلِها.

 

  • «القاموس المحيط»: الخُلْدُ، بالضم: البَقاءُ، والدوامُ.

 

  • «مقاييس اللغة»: فأما قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلّدُونَ} [الإنسان 19]، فهو من الخُلْد، وهو البقاء، أي لا يموتون.

 

الاعتراضُ الثاني: زعم البعضُ -أيضاً- أنّ كلمةَ (أبداً) في القرآن الكريم تعني اللُّبْث الطَّوِيل لا غير!

 

أمّا أهلُ التفسير واللُّغَةِ والبيان، فهم متفقون على أنّ كلمة (أبدًا) في القرآن الحكيم تعني المُكْث الأبدي.

 

وبالرُّجوعِ إلى قواميس اللُّغَةِ العربية، نجد ما يأتي:

 

  • والأَبَدُ: الدائم، والتأْبيد: التخليد … وقال عبيد بن عمير: الدنيا أَمَدٌ والآخرة أَبَدٌ. [لسان العرب].

 

  • الأَبَدُ، محرَّكةً: الدَّهْرُ، ـ ج: آبادٌ وأُبُودٌ، والدَّائِمُ، والقديمُ الأَزَلِيُّ… والتَّأْبِيدُ: التَّخْليدُ. ـ والآبِدَةُ: الدَّاهِيَةُ يَبْقَى ذِكْرُها أبَداً. [القاموس المحيط – للفيروز آبادي].

 

  • الأبد: الدهر؛ والجمع آباد وأبود. يُقالُ: أبد أبيد، كما يُقال: دهر داهر. ولا أفعله أبد الأبيد، وأبد الآبدين، كما يقال: دهر الداهرين، وعوض العائضين. والأبد أيضا: الدائم. والتأبيد: التخليد. [الصحاح في اللغة].

 

  • أ ب د: (الْأَبَدُ) الدَّهْرُ وَالْجَمْعُ (آبَادٌ) بِوَزْنِ آمَالٍ وَ (أُبُودٌ) بِوَزْنِ فُلُوسٍ وَ (الْأَبَدُ) أَيْضًا الدَّائِمُ. [مختار الصحاح].

 

وقال الراغب الأصفهاني (502 ھ): “قال تعالى: {خالِدِينَ فِيها أَبَداً} [النساء : 122]. الأبد: عبارة عن مدّة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان، وذلك أنه يقال: زمان كذا، ولا يقال: أبد كذا. وكان حقُّه ألاّ يثنى ولا يجمع، إذ لا يُتصوَّر حصول أبدٍ آخر يُضَمُّ إليه فيثنّى به، لكن قيل: آباد، وذلك على حسب تخصيصه في بعض ما يتناوله، كتخصيص اسم الجنس في بعضه، ثم يثنّى ويجمع؛ على أنّه ذَكَرَ بعضُ الناس أنّ آباداً مُوَلَّدٌ، وليس من كلام العرب العرباء. وقيل: أبد آبد وأبيد، أي: دائم، وذلك على التأكيد. وتأبّد الشيء: بقي أبداً، ويعبّر به عما يبقى مدة طويلة.” [«مفردات ألفاظ القرآن»، مادة (أبد)].

 

وقال السمين الحلبي (756 ھ): “الأبدُ: الزمنُ الطويلُ الممتدُّ غيرُ المُنْجَزِئِ، فهو أخصُّ منَ الزمانِ. قالوا: ولذلك يقال: زمانُ كذا، ولا يقالُ: أبدُ كذا. ويقالُ: أبَدٌ آبِدٌ وأبيدٌ على المبالغةِ، أي: دائمٌ؛ قال تعالى: {خالدين فيها أَبدًا} [النساء: 57]، أي: زمانًا لا انقضاءَ لآخرهِ.” [«عمدة الحفاظ»، مادة (أبد)].

 

ولقد أجاب العلاّمةُ أبو زهرة عن الاعتراضين السابقين -عند تفسيره للآيتين 168 و 169 من سورة النساء- فقال:”وقد ذكر سبحانه أنهم خالدون في جهنم أبدًا، فأكد سبحانه العذابَ بأنّه عذابٌ خالد دائم، فوصفهم بأنهم خالدون على وجه التأبيد، وقد وصفهم بالخلود الدائم في العذاب ولم يصف العذاب؛ للإشارة إلى أنهم متلبسون به ولتصوير الآلام التي تنزل بهم، وأنهم لا خلاص لهم منها، بل هي ملازمةٌ لهم ملازمةَ الوصْفِ للموصوف.

 

ولقد قال الأصفهاني في معنى الخلود: الخلود هو تبري الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤُه على الحالة التي هو عليها، وكل ما يتباطأ التغيير والفساد فيه تصفه العرب بالخلود… وأصلُ المُخَلّد الذي يبقى مدة طويلة… والخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها. قال تعالى: {وكان ذلك على الله يسيرا}.

 

والأبد قال فيه الراغب: (مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ…)، وإن تفسير الخلود على -ما ذكره الراغب يقتضي- بقاء الناس يوم القيامة بأبدانهم من غير أن يعتريَها فسادٌ ولا فَناءٌ ولا تحلُّلُ أجزاءٍ؛ فأهلُ الجَنَّةِ يبقون بقاءَ تمتع ونعيم، وأهل النار تبقى أجسامُهم في شقاء وعذاب أليم، لا تُبليها النار ولا يُفنيها العذاب، ولا يذهب بالحساسية فيها توالي الاكتواء، {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما} [النساء: جزء من الآية 56].

 

والأبدية معناها الدوام، كما دل على ذلك مجموع النصوص القرآنية، وإنّ تأكيدَ الخلود بالأبدية يدل على بقاء العذاب والنعيم.

 

ذَيَّل اللّهُ سبحانه وتعالى الآيات بهذا؛ ليبين لهم أن الله تعالى غالب على كل شيء، وأن عذابَهم أمرٌ يسيرٌ عليه؛ لإبطال زعمهم في أنّهُم لا يقدر عليهم أحد، ذلك أنّ كل طاغيةٍ من طغاة الدنيا سبَبُ طغيانِه واسترسالِه في شرِّه، ظَنُّه أنْ لن يقدر عليه أحد، مع أن الله تعالى هو القاهر فوق عباده.” [زهرة التفاسير، أبو زهرة].

 

* إضاءة: لا شكّ أنّ كفّار قريش -وهم أعلم بلغة القرآن من غيرهم- قد فهموا من الخلود المذكور في القرآن الكريم، أنه يعني الخلود الأبدي الذي لا انقطاع له؛ ولو أنهم فهموا منه طُولَ المُكْث فقط، لا المُكْثَ الأبدي الذي لا انقطاعَ له لبيّنوا ذلك، ولسألوا عن مدة بقاءِ جهنم، ولتساءلوا عن مصيرهم بعد فنائها: هل سيدخلون الجنة أم أنهم سَيُمْحَوْنَ من الوجود؟ والكفارُ كانوا حريصين جِدّاً على الجدال بالباطل، وردِّ الحقِّ، وبَثِّ الشُّبُهات!

 

ولا شكّ -أيضاً- أنّهُم بعد سماعِهم قولَه تعالى: {خالِدِينَ فِيها أَبَداً} قد فهِموا أنّ كلمة {أبداً} جاءت توكيداً للخلودِ بالأبدية.

 

* استشكالٌ ورفعُه.

 

لقد استُشْكِل على بعض الناس قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]؛ لأنّ ظاهرَهُ خلودُ المؤمن في جهنّمَ إذا قتل مؤمنا متعمّداً، وهذا يتعارضُ مع القولِ بعدمِ خلودِ العُصاةِ المؤمنين في النار!

 

قال الشيْخُ ابنُ عثيمين: “{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء : 93].

 

وقعت بين آيتين، كلتاهما تدل على أن ما سوى الشرك فإنه تحت المشيئة، ففي أول سورة النساء قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48].

 

ثم جاءت آية القتل [النساء : 93]، ثم جاءت الآية الثانية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116].

 

إذن هذه الآيةُ [أي: الآية 93 من سورة النساء] لَا تدل على أن قاتل النفس مخلدٌ أبداً في نار جهنم؛ لأن الآياتِ الأخرى والنصوصَ الأخرى تدل على أن ما دون الشرك فهو تحت المشيئة.” [انظر: شرح أصول في التفسير: ص 279].

 

وقال البيضاوي (685 ھ) في «أنوار التنزيل»: “وهو عِنْدَنا إمّا مَخْصُوصٌ بِالمُسْتَحِلِّ لَهُ كَما ذَكَرَهُ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ،… أوِ المُرادُ بِالخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ؛ فَإنَّ الدَّلائِلَ مُتَظاهِرَةٌ عَلى أنَّ عُصاةَ المُسْلِمِينَ لا يَدُومُ عَذابُهم.”

 

وقال النسفي (710 ھ) في «مدارك التنزيل»: “{فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها} والخُلُودُ قَدْ يُرادُ بِهِ طُولُ المَقامِ”.

 

وقال ابن كثير (774 ھ) في تفسيره: “بَلِ الْخُلُودُ [أي: في هذه الآية] هُوَ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ. وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم: أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ.”

 

وقال الشيخُ حَسَنين محمد مخلوف -مُفتي الديار المصرية سابقاً-: “{فَجَزَاۤؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدࣰا فِیهَا} المُرادُ من الخلودِ هنا: المكثُ الطّويل لا الدّوام؛ لتظاهر النصوص على أنّ عُصاةَ المؤمنين لا يُخلّدون في النّارِ.” [صَفْوةُ البيانِ، لمعاني القرآن].

 

وقال ابن جُزَي (741 ھ) في «التسهيل لعلوم التنزيل» -عند تفسيره للآية 93 من سورة النساء: “وتأوّلَها الأشْعريّةُ بأربعة أوجه: أحدها: أنْ قالوا إنها في الكافر إذا قتل مؤمناً، والثاني: قالوا معنى المتعمد هنا المُسْتحِلّ للقتل، وذلك يؤول إلى الكفر، والثالث: قالوا الخلود فيها ليست بمعنى الدوام الأبدي، وإنما هو عبارة عن طول المدة، والرابع: أنها منسوخة بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 116] .”

 

ويرى الأستاذُ خالد السبت -في كتابه «شرح كتاب التسهيل لابن جزي»- أنّه لا يوجد في الآية ما يدل على أن حكم الخلود خاص بالكافرِ أو المؤْمنِ الذي يسْتَحِلُّ القتْلَ؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ والمعنى، لا بسبب نُزول هذه الآية.

 

ويرى -أيضاً- أنّ هذه الآيةَ ليست منسوخةً بقوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} [النساء:116]؛ لسببين:

 

الأول: أن النسخ لا يثبت بالاحتمال؛ لأنّه لا يوجد نصٌّ قاطع على ذلك.

 

الثاني: هو أن هذه الآية من قبيل الخبر، والأخبار لا يتطرقُ إليها النسخ، إلّا إذا كانت تتضمن معنى الإنشاء (الأمر أو النهي)، أما هذا فلا يتضمن معنى الإنشاء فهو خبرٌ محض، والأخبار لا يتطرق إليها النسخ؛ لأنّ نسْخَ الأخبارِ تكذيبٌ لها.

 

ورجّح الأستاذُ خالد السبت الوجْهَ الثالثَ، فقال: “وهذا أقرب هذه الأجوبة: أن الخلود في كلام العرب يأتي بمعنيين:

 

الأول: هو البقاء الأبدي السرمدي، وهذا هو الغالب في القرآن، وذلك في وعيد الكفار.

 

الثاني: هو البقاء لمدة طويلة، فالعرب تسميه خلودًا، ومثل هذا لا يكون من قبيل التأويل، فهذا معنًى صحيحٌ معروفٌ في كلام العرب.

 

فلا يُحكم بالخلود والبقاء الأبدي والسرمدي على أحد من أهل الإيمان إذا قارف ذنبًا دون الإشراك، ويكون ذلك أيضًا جمعًا بين النصوص لئلا يُفهم أنها متناقضة.” [شرح كتاب التسهيل لابن جزي، أ. د. خالد السبت].

 

وإتيانُ الخلود في كلام العرب بمَعْنَيَيْن -كما قال الشيخ الدكتور خالد السبت- يُؤَيِّدُه قولُ الراغب الأصفهاني في «مفردات غريب القرآن» -كما رأينا سابقاً-: “وأصلُ المُخَلَّد: الذي يبقى مدة طويلة، ومنه قيل: رجل مخلد لمن أبطأ عنه الشيب، ودابة مخلدة هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج رباعيتها، ثم اسْتُعير للمبقي دائما.”

 

هذا، ويمكن أن نستخلص ممّا سبق: أنّ الخلود في النّارِ في حق الكافر، هو خلودٌ أبدي سَرْمَدِي كما جاء مصرّحا به في نصوصٍ أُخَر؛ لأن سبَبَه هو الكفرُ. وأمّا الخلودُ في النّارِ في حق المؤمن المُوَحِّد الذي يقتل أخاه المؤمنَ ظُلماً؛ فهو خلود بمعنى طول المكث؛ لورود النصوص الكثيرة على أنّ عُصاةَ المؤمنين لا يُخلّدون في النّارِ.

 

وطول المكث في النّارِ دليلٌ على خطورة قتل المؤمن المُوَحِّد بدون حق، ولقد بيّن النَّبِيُّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- ذلك بقوله: “لَزوالُ الدُّنيا أهْوَنُ على الله مِن قَتْل رجلٍ مُسلمٍ” [رواه الترمذي، صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/56].

 

* إضاءةٌ: حوْلَ قوْلِهِ تعالى: {وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَیَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ یُدۡخِلۡهُ نَارًا خَـٰلِدࣰا فِیهَا وَلَهُۥ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ} [النساء: 14].

 

هذه الآيةُ لا دليلَ فيها -أيضاً- على أنّ العُصاةَ والفُسّاقَ مِن أهْلِ الإيمان يُخلَّدون في النّارِ؛ وإليك البيان:

 

قال ابن جرير الطبري (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “فإن قال قائل: أوَ مُخَلَّدٌ في النار من عصى الله ورسوله في قسمة المواريث؟ قيل: نعم، إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكًّا في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الآيتين، أو علم ذلك فحادَّ اللهَ ورسولَه في أمرهما =على ما ذكر ابن عباس من قول من قالَ حين نزل على رسول الله -صلّى اللّهُ عليْه وسلّم- قول الله تبارك وتعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ} إلى تمام الآيتين: أيُورَّث من لا يركب الفرس ولا يقاتل العدوَّ ولا يحوز الغنيمة، نصفَ المال أو جميع المال؟ استنكارًا منهم قسمةَ الله ما قسم لِصغارِ وَلَدِ الميت ونسائه وإناث ولده- ممن خالف قسمةَ الله ما قسم من ميراث أهل الميراث بينهم على ما قسمه في كتابه، وخالف حكمه في ذلك وحكم رسوله، استنكارًا منه حكمهما، كما استنكره الذين ذكر أمرَهم ابن عباس، ممن كان بين أظهُر أصحاب رسول الله -صلّى اللّهُ عليْه وسلّم- من المنافقين الذين فيهم نزلت وفي أشكالهم هذه الآية= فهو من أهل الخلود في النار؛ لأنه باستنكاره حكمَ الله في تلك، يصير بالله كافرًا، ومن ملة الإسلام خارجًا.”

 

وقال ابنُ أبي زَمَنِين (399 ھ) في «تفسير القرآن العزيز»: “{وَمن يعْص الله وَرَسُوله} فِي قسْمَة الْمَوَارِيث {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} الْآيَة، وَذَلِكَ أَن الْمُنَافِقين كَانُوا لَا يورثون النِّسَاء وَلَا الصّبيان الصغار؛ كَانُوا يظهرون الْإِسْلَام وهم على مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الشّرك، وَكَانَ أهلُ الْجَاهِلِيَّة لَا يورثون النِّسَاء.”

 

وقال الواحدي (468 ھ) في «التفسير البسيط»: “وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال الضحاك: المعصية ههنا الشرك؛ وقال عكرمة عن ابن عباس: من لم يرض بقسم الله، ويتعدى ما قال الله يدخله نارًا؛ وقال الكلبي: يعني: يكفر بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالًا.”

 

وقال ابن الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: “قَوْلُهُ تَعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ} فِلْمْ يَرْضَ بِقَسْمِهِ {يُدْخِلْهُ نارًا}، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قَطَعَ لِلْعاصِي بِالخُلُودِ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ إذا رَدَّ حُكْمَ اللَّهِ وكَفَرَ بِهِ، كانَ كافِرًا مُخَلَّدًا في النّارِ.”

 

وقال ابن كثير (774 ھ) في «تفسير القرآن العظيم»: “{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} أَيْ: لِكَوْنِهِ غيَّر مَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ وَضَادَّ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ. وَهَذَا إِنَّمَا يَصْدُرُ عَنْ عَدَمِ الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ وَحَكَمَ بِهِ، وَلِهَذَا يُجَازِيهِ بالإهانة في العذاب الأليم المقيم.”

 

وقال صديق حسن خان (1307 ھ) في تفسيره «فتح البيان»: “فإذا كفر كان حكمُه حكمَ الكُفّارِ في الخلود في النار، إذا لم يتب قبل موته، وإذا مات وهو مُصِرٌّ على ذلك كان مخلداً في النار؛ فلا دليلَ في الآية للمعتزلة على أن العصاةَ والفُسّاقَ مِن أهل الإيمان يخلدون في النار.”

 

وقال الشّيْخُ العلاّمةُ السعدي (1376 ھ) في تفسيره «تيسير الكريم الرحمن»: “{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شُبْهَة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي؛ فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب. ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصيةٌ وطاعةٌ، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوصُ المُتواتِرةُ على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد مانعٌ لهم من الخلود فيها.”

 

الدليلُ السابع: خلود إبليس وجنوده في العذابِ.

أ- الدليلُ من القرآن الكريم:

  • قال تعالى: {وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِآدَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ} [البقرة: 34].

لا يشكّ مسلمٌ أنّ مصيرَ إبليسَ يومَ القيامةِ هو الخلودُ الأبدِيُّ في نار جهنّمَ؛ لأنّه استكبر واستعلى، وكفر باعتراضه على الله في أمره بالسجود لآدم.

قال النسفي (710 ھ) في تفسيره «مدارك التنزيل»: “{وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ} وصارَ مِنَ الكافِرِينَ بِإبائِهِ، واسْتِكْبارِهِ، ورَدِّهِ الأمْرَ.”

وقال الشيخُ السعدي في تفسيره: “ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم؛ إكراماً له وتعظيماً؛ وعبوديّةً لِلّه تعالى، فامتثلوا أمر الله؛ وبادروا كلهم بالسجود، {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} امتنع عن السجود؛ واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} وهذا الإباء منه والاستكبار؛ نتيجة الكفر الذي هو مُنْطَوٍ عليه؛ فتَبَيّنَتْ حينئذ عداوتُه لِلّه ولآدم، وكفرُه واستكبارُه.”

إنّ إبليس تسَبَّبَ في إضلال كثيرٍ من الناس وإخراجهم من النور إلى الظلمات؛ ولقد حكم اللّه على كلّ من كفر وسلك طريق الشيطان، بالخلود معه في نار جهنّمَ؛ قال تعالى: {كَمَثَلِ ٱلشَّیۡطَـٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَـٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّی بَرِیۤءࣱ مِّنكَ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ. فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَاۤ أَنَّهُمَا فِی ٱلنَّارِ خَـٰلِدَیۡنِ فِیهَاۚ وَذَ ٰلِكَ جَزَ ٰۤؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِینَ} [الحشر: 16-17].

 

قال الآلوسي (1270 ھ) في تفسيره «روح المعاني»: “{فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها} أبَدَ الآبِدِينَ {وذَلِكَ} أيِ الخُلُودُ في النّارِ {جَزاءُ الظّالِمِينَ}.”

 

وجاء في «التفسير الميسر – مجمع الملك فهد»: “فكان عاقبةُ أمْرِ الشيطان والإنسان الذي أطاعه فكفر، أنهما في النار، ماكثَيْن فيها أبدًا، وذلك جزاء المعتدين المتجاوزين حدود الله.”

 

  • قال تعالى: {وَقَالَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لَمَّا قُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِیَ عَلَیۡكُم مِّن سُلۡطَـٰنٍ إِلَّاۤ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِیۖ فَلَا تَلُومُونِی وَلُومُوۤا۟ أَنفُسَكُمۖ مَّاۤ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَاۤ أَنتُم بِمُصۡرِخِیَّ إِنِّی كَفَرۡتُ بِمَاۤ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ} [إبراهيم: 23].

 

قال ابنُ كثيرٍ (774 ھ) في تفسيره: “يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا خَطَبَ بِهِ إِبْلِيسُ -لَعَنَهُ اللَّهُ- أَتْبَاعَهُ، بَعْدَمَا قَضَى اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فَأَدْخَلَ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّاتِ، وَأَسْكَنَ الْكَافِرِينَ الدَّرَكَاتِ، فَقَامَ فِيهِمْ إِبْلِيسُ -لَعَنَهُ اللَّهُ- حِينَئِذٍ خَطِيبًا لِيَزِيدَهُمْ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ وغَبْنا إِلَى غَبْنهم، وَحَسْرَةً إِلَى حَسْرَتِهِمْ، فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} أَيْ: عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَوَعَدَكُمْ فِي اتِّبَاعِهِمُ النَّجَاةَ وَالسَّلَامَةَ، وَكَانَ وَعْدًا حَقًّا، وَخَبَرًا صِدْقًا، وَأَمَّا أَنَا فَوَعَدْتُكُمْ وَأَخْلَفْتُكُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا} [النِّسَاءِ: 120].

 

ثُمَّ قَالَ: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} أَيْ: مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ مِنْ دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ عَلَى صِدْقٍ مَا وَعَدْتُكُمْ بِهِ {إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، هَذَا وَقَدْ أَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الرُّسُلُ الْحُجَجَ وَالْأَدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءُوكُمْ بِهِ، فَخَالَفْتُمُوهُمْ فَصِرْتُمْ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ، {فَلا تَلُومُونِي} الْيَوْمَ {وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ}، فَإِنَّ الذَّنْبَ لَكُمْ؛ لِكَوْنِكُمْ خَالَفْتُمُ الْحُجَجَ وَاتَّبَعْتُمُونِي بِمُجَرَّدِ مَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى الْبَاطِلِ، {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} أَيْ: بِنَافِعِكُمْ وَمُنْقِذِكُمْ وَمُخَلِّصِكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أَيْ: بِنَافِعِيَّ بِإِنْقَاذِي مِمَّا أَنَا فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ}.”

 

إنّ إبليسَ دخلَ النّارَ وهو يعلمُ أنّه مُخلّدٌ فيها خلوداً أبدياً، ويعلم -أيضاً- أنّ الكفارَ الذين دخلوا معه مُخلّدون معه في جهنّمَ؛ ولذلك فإنّ خطبتَه فيهم تدلّ على أنّه لا يوجد أيُّ أملٍ في النّجاة من عذابِ النّارِ والخلود فيها. فلو كان يعلمُ أنّ هناك أملاً في النّجاة من عذابِ اللّهِ -إمّا بالخروج منها، أوْ بفنائها والفناءِ معها- لتناول في خطبته الصّبْر على العذابِ والنكال، وذكّرهم برحمة اللّه الواسعة، وأنّ رحمَةَ اللّهِ قريبةٌ من جميع الكفرة وجنودِ إبليسَ أجمعين!

 

وبهذا يتبين لنا أنّ الشيطان ومَنْ سَلك طريقه مخلّدون في نار جهنّمَ، خلوداً أبديًّا سرمديا؛ وهذا دليلٌ على أبديّة النّار وعدم فنائها.

 

ب- الدليلُ من السُّنَّةِ: لقد ورد في وصف آخر أهل النار خُروجاً منها، عدةُ أحاديثَ صحيحةٍ، رواها الإمامان البخاري ومسلم؛ وورد في بعضِها حِوارٌ جَرَى بينه وبين ربه. ومن خلال هذا الحوار، يتبين لنا أن آخر من يخرج من النار هو رجل من بني آدم، ويتجلّى ذلك في قول اللّهِ له -بعد إخراجه من النّارِ-: “يا ابنَ آدم، ألم تُعاهِدْنِي أنْ لا تسألني غيرها؟”

 

وهذا دليلٌ على أنّ إبليس لن يخرج من النّارِ؛ لأنّه ليس مِن بني آدم، ولا يمكن أن يخرجَ بَعْد آخِر مَن ذَكَر النَّبِيُّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- أنّه خرج من النار؛ قال الإمام ابن هبيرة الحنبلي (560 ھ) -عند تعليقه على حديث (آخر من يخرج من النار) الذي رواه مسلم عن أبي ذر: “وقد تقدّم فيما مضى، شرحُ حال الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا وآخر أهل النار خروجًا في موضعين من مسند ابن مسعود، فإن كان هذا الرجل هو ذاك؛ ثُمّ قد ذكر كلٌّ من الرُّواةِ طرفًا من حاله، فلا يبعد، إذ ليس يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن رجل أنه آخرُ أهل النار خروجًا منها، ويخرج بعده أحد، فإذا ذكر ذلك في أحاديثَ مُتفرِّقةٍ دل على أن الحكاية في الأحاديث الثلاثة إنما هي عن رجل واحد، إلّا أن كل راوٍ من الرُّواة قد ذكر طرفًا من حديث ذلك الرجل، وقد كان في أمره ما يقتضي هذا التفصيل.” [الإفصاح عن معاني الصحاح، ابن هبيرة الحنبلي، ج 2 ص 176-177، تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد، الناشر: دار الوطن سنة النشر: 1417 ھ].

 

الدليلُ الثامن: أصحابُ النّارِ ملْعونون ومطرودون من رحمةِ اللّهِ.

 

قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [سورة الأعراف: 44].

قال الشيخ أبو زهرة في تفسيره: “{أن لعنة الله على الظالمين} أي: إنّ الحالَ المستقرَّ الثابتَ، لعنةُ اللهِ والطردُ من رحمته ومن نعيم الجنة، للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بتضليلها وكفرها، وظلموا الحق بالكفر به، وظلموا الآيات الإلهية بتكذيبها، وظلموا الناس بأفعالهم.”

إنّ أهل النار أصابتهم اللعنةُ بعد دخولهم جهنّم لا قَبْل ذلك، واللّعنةُ تعني الطّرد من رحمة الله؛ فهم قد طُرِدوا من رحمة الله بعد دخول النار، ومعلوم أنّ القول بفناء النار يقتضي إمّا إِدْخالُ أهلها الجَنَّة قبل فنائها، وإمّا القضاءُ عليهم وموتُهم!

أمّا إدخالُهم الجَنَّة فهذا لا يمكن أن يقعَ؛ لأنّ إدخالَهم الجَنَّة رحمةٌ، وهم قدْ لُعِنوا وطُرِدوا من الرّحمة.

وأمّا موتُهم فلا يمكن أنْ يقع أيضاً؛ لأنّ الموتَ رحمةٌ، والملعونُ مطرود من الرحمة.

 

ومن الأدِلّةِ على أنّ الموتَ فيه رحمةٌ للكافرين:

 

  • قولُه تعالى: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [سورة النبأ، جزء من الآية 40].

 

قال ابن كثير في تفسيره: “{وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} أَيْ: يَوَدُّ الْكَافِرُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ كَانَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا تُرَابًا، وَلَمْ يَكُنْ خُلِقَ، وَلَا خَرَجَ إِلَى الْوُجُودِ. وَذَلِكَ حِينَ عَايَنَ عَذَابَ اللَّهِ، وَنَظَرَ إِلَى أَعْمَالِهِ الْفَاسِدَةِ قَدْ سُطَّرت عَلَيْهِ بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ السَّفَرة الْكِرَامِ البَرَرة، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَوَدُّ ذَلِكَ حِينَ يَحْكُمُ الله بين

الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، فَيَفْصِلُ بَيْنَهَا بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ الَّذِي لَا يَجُورُ، حَتَّى إِنَّهُ ليَقْتَصّ لِلشَّاةِ الجمَّاء مِنَ الْقَرْنَاءِ. فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهَا قَالَ لَهَا: كُونِي تُرَابًا، فتصير تُرَابًا. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} أَيْ: كُنْتُ حَيَوَانًا فَأَرْجِعُ إِلَى التُّرَابِ.”

 

  • وقوله تعالى: {یَـٰلَیۡتَهَا كَانَتِ ٱلۡقَاضِیَة} [الحاقة: 27].

 

قال ابن جرير الطبري (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “وقوله: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} يقول: يا ليْت الموْتةَ التي مُتُّها في الدنيا كانت هي الفراغ من كلّ ما بعدها، ولم يكن بعدها حياةٌ ولا بعثٌ؛ والقضاء: وهو الفراغ.

 

وقيل: إنه تمنَّى الموت الذي يقضي عليه، فتخرج منه نفسه.”

 

وقال الشوكاني (1250 ھ) في تفسيره «فتح القدير»: “{يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} أيْ: لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مُتُّها كانَتِ القاضِيَةَ ولَمْ أحْيَ بَعْدَها، ومَعْنى: القاضِيَةَ القاطِعَةُ لِلْحَياةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ وعَدَمَ البَعْثِ لَمّا شاهَدَ مِن سُوءِ عَمَلِهِ وما يَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ، فالضَّمِيرُ في لَيْتَها يَعُودُ إلى المَوْتَةِ الَّتِي قَدْ كانَ ماتَها وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً، لِأنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ.

 

قَالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا شَيْءٌ عِنْدَهُ أكْرَهَ مِنهُ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ مِنهُ المَوْتُ.”

 

  • وقوله تعالى: {وَنَادَوۡا۟ یَـٰمَـٰلِكُ لِیَقۡضِ عَلَیۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُون} [الزخرف: 77].

 

قال ابن جُزَيّ (741 ھ) في «التسهيل لعلوم التنزيل»: “{وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} المعنى: أنهم طلبوا الموتَ ليستريحوا من العذاب.”

 

* اعتراضٌ ودفعُه: قال بعضُهم: “إن صفة الغضب الإلهي واللعن صفة عارضة غير مستمرة، بخلاف الحكمة والرحمة فهما مستمران، وذلك يقتضي تحديد العقاب، وفناء النار، وخروج أهلها برحمة الله الواسعة إلى الجنة في نهاية المطاف.”

 

ويكفي أن نُجيبَه بأنّ الحكمةَ الإلهيةَ -التي يُؤمِن بها- هي وحدَها التي تُقَرِّرُ مُدّةَ العذابِ التي يستحقّها المُعانِدون لِلحَقِّ، الرّافضون لمنهج الله؛ وهذه الحِكمةُ هي التي اِقْتَضَتْ أنْ يُصيبَ الكفارَ اللّعنةُ الأبدِيّةُ، والطّردُ من الرّحمةِ الإلهيّة، والخلودُ السَّرْمَدي في العذابِ الأبديِّ.

 

الدليلُ التّاسعُ: إقناطُ أصحابِ النّارِ عن تحْقيقِ تَمنِّياتِهم:

 

  • قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51].

قال فخر الدين الرازي: “وفي تفسير هذا النسيان قولان:

القول الأول: أن النسيان هو الترك. والمعنى: نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين.

والقول الثاني: أن معنى {ننساهم كما نسوا} أي: نعاملهم معاملة من نسي، نتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض عن آياتنا، وبالجملة فسمى الله جزاء نسيانهم بالنسيان كما في قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى : 40]؛ والمراد من هذا النسيان أنه لا يجيبُ دعاءهم ولا يرحمُهم.”

 

  • وقال تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا. لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} [سورة الفرقان: 13-14].

 

قال الإمامُ الشوكاني (1250 ھ) في تفسيره: “والمعنى: لا تدعوا على أنفسكم بالثبور (أي: الهلاك) دعاءً واحداً وادعوه أدعية كثيرة، فإنّ ما أنتم فيه من العذاب أشدُّ من ذلك لطول مُدّتِه وعدم تناهيه، … والأَوْلى أنّ المرادَ بهذا الجواب عليهم، الدّلالةُ على خلود عذابهم، وإقناطُهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المُنجي لهم ممّا هم فيه.”

 

  • وقال تعالى: {قَالُوا۟ رَبَّنَاۤ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَیۡنِ وَأَحۡیَیۡتَنَا ٱثۡنَتَیۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجࣲ مِّن سَبِیلࣲ. ذَ ٰ⁠لِكُم بِأَنَّهُۥۤ إِذَا دُعِیَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن یُشۡرَكۡ بِهِۦتُؤۡمِنُوا۟ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِیِّ ٱلۡكَبِیرِ} [غافر: 11-12].

 

قال مكي بن أبي طالب (437 ھ) في تفسيره «الهداية إلى بلوغ النهاية»: “ثم قال تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ}. في الكلام حذف، والتقدير: فأجيبوا أنْ لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دُعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وَحّدَهُ مُوَحِّدٌ أشركتم، وإنْ أشرك به مُشرِك صدّقْتموه.”

 

وقال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 ھ) في تفسيره «مفاتيح الغيب»: {فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ} أيْ: هَلْ إلى نَوْعٍ مِنَ الخُرُوجِ سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِن سَبِيلٍ، أمِ اليَأْسُ وقَعَ فَلا خُرُوجَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؟ وهَذا كَلامُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ اليَأْسُ والقُنُوطُ، واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الصَّرِيحَ عَنْهُ أنْ يُقالَ: لا أوْ نَعَمْ؛ وهو -تَعالى- لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ كَلامًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ، فَقالَ: {ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا} أيْ: ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، وهو أنْ لا سَبِيلَ لَكم إلى الخُرُوجِ قَطُّ، إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وإيمانِكم بِالإشْراكِ بِهِ {فالحُكْمُ لِلَّهِ} حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْكم بِالعَذابِ السَّرْمَدِيِّ. وقَوْلُهُ: {العَلِيِّ الكَبِيرِ} دَلالَةٌ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وعَلى أنَّ عِقابَهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ.”

 

وقال الآلوسي (1270 ھ) في تفسيره «روح المعاني»: “والجَوابُ إقْناطٌ لَهم بِبَيانِ أنَّهم كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ؛ فَجُوزُوا بِاسْتِمْرارِ العِقابِ والخُلُودِ في النّارِ كَما يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ تَعالى، وذَلِكَ جَوابٌ بِنَفْيِ السَّبِيلِ إلى الخُرُوجِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ،… وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ {فالحُكْمُ لِلَّهِ} الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَقْضِي إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. {العَلِيِّ الكَبِيرِ} المُتَّصِفُ بِغايَةِ العُلُومِ نِهايَةَ الكِبْرِياءِ فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ولِذا اشْتَدَّتْ سَطْوَتُهُ بِمَن أشْرَكَ بِهِ واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ خُلُودَهُ في النّارِ فَلا سَبِيلَ لِخُرُوجِكم مِنها أبَدًا إذْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ.”

 

  • وقال تعالى: “{رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ. قَالَ ٱخۡسَـُٔوا۟ فِیهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 107-108].

 

قال الثعلبي (427 ھ) في تفسيره «الكشف والبيان»: “{رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها} أي: من النار. {فَإِنْ عُدْنا} لما تكره {فَإِنَّا ظالِمُونَ}. فيُجابُون بعد ألف سنة {اخْسَؤُا فِيها} أي: اِبْعَدُوا، كما يقال للكلب: اِخْسأ، إذا طُرِد وأُبعِد، {وَلا تُكَلِّمُونِ} في رفع العذاب، فإنّي لا أرفعه عنكم ولا أخفّفه عليكم، وقيل: هو دلالة على الغضب اللازم لهم، فعند ذلك أيِس المساكين من الفرج.”

 

وقال العلاّمةُ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»: “وَهَذا الخُرُوجُ مِنَ النّارِ الَّذِي طَلَبُوهُ قَدْ بَيَّنَ تَعالى [في مواضعَ أخرى من القرآن] أنَّهم لا يَنالُونَهُ … وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ أجْوِبَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِطَلَبِ أهْلِ النّارِ فَهُنا قالُوا: {رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها} فَأُجِيبُوا {اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ}، وفي السَّجْدَةِ {رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا} [السجدة: 12] فَأُجِيبُوا {وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ} الآيَةَ [السجدة: 13]، وفي سُورَةِ المُؤْمِنِ {قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ} [غافر: 11] فَأُجِيبُوا {ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ} [غافر: 12]، وفي الزُّخْرُفِ {وَنادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ} [الزخرف: 77]، فَأُجِيبُوا {إنَّكم ماكِثُونَ} [الزخرف: 77]، وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ} {نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ} [إبراهيم: 44] فَيُجابُونَ {أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالِ} [إبراهيم: 44]، وفي سُورَةِ فاطِر {وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37] فَيُجابُونَ {أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ} {فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ} [فاطر: 37] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ … وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: {وَلا تُكَلِّمُونِ} أيْ: في رَفْعِ العَذابِ عَنْكم، ولا إخْراجِكم مِنَ النّارِ.”

 

إنّ عدمَ الاستجابة لأدعية الكافرين، يدلّ على أبدية النار ودوام عذابها؛ لأنّه بِفنائِها سينالون طلبهم: وهو رحمتُهم وعدمُ تَرْكِهِم في العذابِ!

 

وإنّ نَهْيَ أهلِ النّارِ عن تَكْليم اللّه في إخْراجِهم مِنَ النّارِ، لَدليلٌ على أنّ طلبَهم الخروج منها غيرُ قابِل للتّلْبِية، وأنّه محكومٌ عليهم بالعذاب الأبدي السّرمدي، وهذا يستلزمُ أبديّةَ النّارِ وعدمَ فنائِها.

 

الدليلُ العاشر: الصَّبْرُ والجَزَعُ سَواءً في عَدَمِ نَفْعِ أصحاب النّارِ.

  • قال تعالى: {أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ. اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ. إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 15-16].

قال ابن جُزَيّ (741 ھ) في تفسيره «التسهيل لعلوم التنزيل»: “{فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ} ليس المرادُ بذلك الأمرُ بالصبر ولا النّهيُ عنه، وإنما المرادُ التّسويةُ بين الصبر وعدمه في أن كل واحد من الحالين لا ينفعهم، ولا يخفف عنهم شيئاً من العذاب.”

 

وقال محمد الأمين الشنقيطي (1394 ھ) في تفسيره «أضواء البيان»: “ذَكَرَ – جَلَّ وعَلا – في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ مُعَذَّبُونَ في النّارِ لا مَحالَةَ، سَواءٌ صَبَرُوا أوْ لَمْ يَصْبِرُوا، فَلا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ صَبْرٌ ولا جَزَعٌ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: {قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21].

 

وقال الإمامُ الرازي في تفسيره: “وقَوْلُهُ تَعالى: {فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا} فِيهِ فائِدَتانِ إحْداهُما: بَيانُ عَدَمِ الخَلاصِ وانْتِفاءِ المَناصِ، فَإنَّ مَن لا يَصْبِرُ يَدْفَعُ الشَّيْءَ عَنْ نَفْسِهِ إمّا بِأنْ يَدْفَعَ المُعَذِّبَ فَيَمْنَعَهُ وإمّا بِأنْ يُغْضِبَهُ فَيَقْتُلَهُ ويُرِيحَهُ، ولا شَيْءَ مِن ذَلِكَ يُفِيدُ في عَذابِ الآخِرَةِ: فَإنَّ مَن لا يَغْلِبُ المُعَذِّبَ فَيَدْفَعُهُ، ولا يَتَخَلَّصُ بِالإعْدامِ، فَإنَّهُ لا يُقْضى عَلَيْهِ فَيَمُوتُ؛ فَإذَن الصَّبْرُ كَعَدَمِهِ، لِأنَّ مَن يَصْبِرُ يَدُومُ فِيهِ، ومَن لا يَصْبِرُ يَدُومُ فِيهِ.

 

الثّانِيَةُ: بَيانُ ما يَتَفاوَتُ بِهِ عَذابُ الآخِرَةِ عَنْ عَذابِ الدُّنْيا، فَإنَّ المُعَذَّبَ في الدُّنْيا إنْ صَبَرَ رُبَّما انْتَفَعَ بِالصَّبْرِ إمّا بِالجَزاءِ في الآخِرَةِ، وإمّا بِالحَمْدِ في الدُّنْيا، فَيُقالُ لَهُ ما أشْجَعَهُ وما أقْوى قَلْبَهُ، وإنْ جَزِعَ يُذَمُّ، فَيُقالُ يَجْزَعُ كالصِّبْيانِ والنِّسْوانِ، وأمّا في الآخِرَةِ لا مَدْحَ ولا ثَوابَ عَلى الصَّبْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: {سَواءٌ عَلَيْكُمْ} (سَواءٌ) خَبَرٌ، ومُبْتَدَؤُهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ {فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا} كَأنَّهُ يَقُولُ: الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سَواءٌ.”

 

إنّ أصحابَ جَهَنّمَ لن ينفعَهم في النّارِ الجزعُ ولا الصبرُ، وهذا يعني أنّ العذابَ دائمٌ وأبَديٌّ، وهذا دليلٌ -أيضاً- على أبَدِيّةِ النّارِ.

 

وقفةٌ مع القائلين بفناء النّارِ: إذا كان أهلُ النّارِ سيخرجون منها، ويدخلون الجَنَّة في نهاية المطاف -كما يقول بعضُهم-، فلماذا يطلبون الموت والقضاءَ عليهم؟ ولماذا يطلبون الرجوعَ إلى الدنيا من أجل تصحيح أخطائهم، والإيمان باللّهِ وإفراده بالعبودية حتى يدخلهم الجَنَّة بعد موتهم؟ ومعلومٌ أنّ بقاءَهم في جهنّمَ والصبرَ على العذابِ ثمّ دخولَ الجَنَّة، أفضلُ لهم مِن الموت أو الرجوعِ إلى الدنيا لتصحيح أخطائهم، وقد يعودون إلى ما كانوا عليه، وقد يزدادون كُفْراً وطُغياناً وخُسْراناً، ولن يستفيدوا شيئاً من الفرصةِ التي أُعْطِيَت لهم!

 

البابُ الثالثُ: شُبُهاتُ القائلين بفناء النار، والرد عليها.

 

تمهيد: ضرورةُ الرّدِّ على الشُّبُهاتِ.

قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ مِنۡهُ ءَایَـٰتࣱ مُّحۡكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتࣱۖ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمۡ زَیۡغࣱ فَیَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَاۤءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَاۤءَ تَأۡوِیلِهِۦۖ وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّ ٰسِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ یَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ. رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَیۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ} [آل عمران: 7-8].

 

جاء في «المختصر في التفسير»: “هو الذي أنزل عليك -أيها النَّبِيُّ- القرآنَ، منه آياتٌ واضحةُ الدّلالةِ، لا لَبْسَ فيها، هي أصلُ الكتابِ ومُعظَمُه، وهي المرجِعُ عند الاختلاف، ومنه آياتٌ أُخَرُ مُحْتمِلَةٌ لأكْثرَ مِن معنى، يَلْتبِس معناها على أكثر الناس، فأمّا الذين في قلوبهم مَيْلٌ عن الحَقّ فيتركون المُحْكَم، ويأخذون بالمُتشابَه المُحْتَمل، يبتغون بذلك إثارةَ الشُّبْهَةِ وإضلالَ الناس، ويبتغون بذلك تأويلَها بأهوائهم على ما يوافق مذاهبهم الفاسِدة، ولا يعلم حقيقةَ معاني هذه الآيات وعاقبتَها التي تَؤُول إليها إلا اللهُ. والرّاسخون في العلم المُتمَكِّنون منه يقولون: آمنا بالقرآن كلِّه، لأنّه كلَّه من عند ربنا، ويُفسرون المتشابَه بما أُحْكِم منه. وما يتذَكّر ويَتّعِظ إلا أصحابُ العقولِ السليمةِ.”

 

إنّ الرّدَّ على الشُّبُهاتِ يشفي الصّدورَ، ويُطمْئِنُ النّفوسَ، وقدْ يزيدُ الأدِلّةَ قوّةً كما يزيدُ الإِحراقُ العُودَ طِيباً؛ قال الشيخُ ابنُ تيميةَ: “فكلُّ مَن لم يُناظرْ أهلَ الإلحادِ والبدعِ مُناظَرةً تقْطع دابرَهم، لم يكن أعطى الإسلام حقّه، ولا وفَّى بِمُوجِبِ العِلم والإيمان، ولا حصّل بكلامه شفاءَ الصدور وطمأنينةَ النفوس، ولا أفاد كلامُه العلمَ واليقين”. [درء تعارض العقل والنّقل (1/ 375)].

 

والرّدُّ على الشُّبُهاتِ يكشِفُ ضَعْفَ حُجَجِ المُشْتغِلين بإلْقائِها، وقِلَّةَ بِضاعَتِهم العِلميّة.

 

هذا، ولا يُمكنُ للباحثِ أنْ يَرُدَّ على جميعِ الشُّبُهاتِ، ولكنْ الرّدُّ على أهَمِّها فيه كفايةٌ {لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِیدࣱ} [ق: 37].

 

فلْنَشْرَعْ في ذِكر أهمّ هذه الشّبُهات:

 

* الشُّبْهَةُ الأولى: الزّعْمُ أنّ النّارَ ستفنى بفضلِ رحمةِ اللَّهِ التي سبَقتْ غضبَه، ووَسِعَتْ كلَّ شيْء.

 

أ) قالوا: إنّ رحمةَ الله وسِعَتْ كلَّ شيء، وهذا دليلٌ على أنّ النّارَ ستفنى. ويَسْتَدِلّون على ذلك بآيات من القرآن الحكيم.

 

وهذا القولُ يدلّ على التسرع وعدم فهم مُراد كلام اللّه؛ ولقد قرّر العُلماءُ أنّ “مِن شروط المفسِّر لكتاب اللّهِ: التّحرّي والتثبُّتُ في الفهم، والدِّقةُ في النّقْل، واعتمادُ القويّ الثابت؛ قال الإمامُ عبد الرحمن بن مهدي: “لا يجوز أن يكون الرجلُ إماماً حتّى يعلم ما يصحّ ممّا لا يصحّ، وحتى لا يحتجَّ بكلّ شيء، وحتى يعلم مخارج العلم.” [انظر: المُقدمات الأساسية في علوم القرآن، الدكتور عبد الله بن يوسف الجديع، مؤسسة الريان، طبعة 2001، ص 297].

 

ومِنْ أهَمِّ طُرُق التفسير: “أنْ يُفسَّرَ القرآنُ بالقرآن، وذلك بأنْ يُسْتكشَفَ معنى الآيةِ من نفس القرآن، وهذا على وجوهٍ: تارةً بمُلاحظة السّياقِ الذي ورَدتْ فيه الآيةُ، وتارةً بملاحظة سياق الآيات، وتارةً بفهم المراد من خلال تأمُّل ورود التفسير في موضعٍ آخَرَ في القرآن، وتارةً بِتَتبُّع مواضِعِ التَّكرارِ؛ لأنّ التَّكرارَ في كلّ موضع له من الدلالة ما يسْتقلّ به عن الوضع الآخر، إمّا بزيادةِ تفسيرٍ أو تفصيلٍ أو دليلٍ”. [بتصرف من المرجع السابق، ص 297-298].

 

“فالبحثُ عن معنى الآية أو الآيات من خلال جمعِهما، والمقارنةِ بينها وبين مواضعِ تَكْرارِها، طريقٌ عظيمُ الأثرِ في فهم القرآن.” [المرجع السابق، ص 298].

 

ونحن سنرجع إلى هذه النصوص، وكيف فهِمَها العلماءُ وأهلُ الاختصاص؛ عملاً بقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

 

  • النّصُّ الأوّل: قال تعالى: {وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِی هَـٰذِهِ ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣰ وَفِی ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَاۤ إِلَیۡكَۚ قَالَ عَذَابِیۤ أُصِیبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَاۤءُۖ وَرَحۡمَتِی وَسِعَتۡ كُلَّ شَیۡءࣲۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِینَ یَتَّقُونَ وَیُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِینَ هُم بِـَٔایَـٰتِنَا یُؤۡمِنُونَ. ٱلَّذِینَ یَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِیَّ ٱلۡأُمِّیَّ ٱلَّذِی یَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِی ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِیلِ یَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَیُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَیُحَرِّمُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰۤىِٕثَ وَیَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَـٰلَ ٱلَّتِی كَانَتۡ عَلَیۡهِمۡۚ فَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ مَعَهُۥۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} [الأعراف: 156-157].

 

قال الماوردي في تفسيره: “{ورحمتي وسعت كل شيء}، فيها ثلاثةُ تأويلاتٍ:

 

أحدها: أن مَخْرَجَها عام ومعناها خاص، تأويل ذلك: ورحمتي وسعت المؤمنين بي من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- لقوله تعالى: {فسأكتبها للذين يتقون} الآية، قاله ابن عباس.

 

والثاني: أنها على العموم في الدنيا، والخصوص في الآخرة، وتأويل ذلك: ورحمتي وسِعتْ في الدنيا البَرَّ والفاجرَ، وفي الآخرة هي للذين اتقوا خاصّةً، قاله الحسن، وقتادة.

 

والثالث: أنها التوبة، وهي على العموم، قاله ابن زيد.”

 

وقال الشيخُ حَسَنين محمد مخلوف (من كبار العلماء المعاصرين، ومُفتي مصر الأسبق، توفي سنة 1990م) في تفسيره «صفوة البيان لمعاني»: “{قال عذابي أصيبُ به من أشاء} جوابٌ من اللّهِ تعالى لنبيِّه موسى بِإِجابةِ سُؤْلِه بقَبُول توبةِ قومِه؛ وحاصلُه -كما قال الآلوسي-: إنّ عذابي الذي تخشى أنْ يُصيبَ قومَك [أي: بني إسرائيلَ]، أصيبُ به من أشاء، فلا يتعيّن قومُك لأنْ يكونوا غرضاً له بعد توبتهم، {ورحمتي وسِعت كلَّ شيء} فلا تَضِيق عن قومك. كيف -وقد تابوا ووَفَدُوا إليَّ- أرُدُّهُم خائبين؟ بل إنّي سأرحمهم، وأكتب الحظ الأوفر من رحمتي لأخلافهم وذراريهم الذين يأتون من بعدهم، ويتّصفون بما يُرضيني ويقومون بما آمرُهم به، وهم مَن أدركوا بعثة النّبِيِّ محمّدٍ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، واتّبعوه إيماناً به وبما جاء مِن نُعوتِه في التوراة والإنجيل، فيكونون مِمّن آمن بالكتابَيْن، وأفلح في الدّارين. ووَصْفُ أخْلافِهم بما وُصِفوا به؛ لاسْتِنْهاضِ هِمَم بني إسرائيل إلى الثّبات على التوبة، وما يوجِب الفلاح على الطاعة. والقَصْرُ المُستفادُ مِن الجملة قصْرٌ نِسْبيٌّ، أي: فسأجعلُها خاصّةً بهؤلاء دون مَن بقي منهم على دينه، ولم يُؤمن بالنَّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم حين بعثته.”

 

وقال ابن كثير (774 ھ) عند تفسيره لقوله: {وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَـٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفࣰا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِیبࣱ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ} [الأعراف: 56]: “أَيْ: إِنَّ رَحْمَتَهُ مُرْصَدة لِلْمُحْسِنِينَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أَوَامِرَهُ وَيَتْرُكُونَ زَوَاجِرَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156].”

 

إنّ بابَ الرحمةِ مفتوحٌ في هذه الدنيا لجميع عباد اللّه التائبين مهما كانت ذنوبهم؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا جَاۤءَكَ ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِـَٔایَـٰتِنَا فَقُلۡ سَلَـٰمٌ عَلَیۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوۤءَۢا بِجَهَـٰلَةࣲ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ} [الأنعام: 54].

 

ومن رحمته تعالى أنّه لا يُعجِّل لعباده العقوبة، قال سبحانه: {وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ یُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدࣱ لَّن یَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ موئلا} [الكهف: 58].

 

  • النَّصُّ الثاني: قال تعالى: {ٱلَّذِینَ یَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ یُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَیُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَیَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَیۡءࣲ رَّحۡمَةࣰ وَعِلۡمࣰا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِینَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِیلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِیمِ} [غافر: 7].

 

قال ابن كثير (774 ھ): “{رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} أَيْ: إِنَّ رَحْمَتَكَ تَسَعُ ذُنُوبَهُمْ وَخَطَايَاهُمْ، وَعِلْمُكَ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ، {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} أَيْ: فَاصْفَحْ عَنِ الْمُسِيئِينَ إِذَا تَابُوا وَأَنَابُوا وَأَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ، وَاتَّبَعُوا مَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ، مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ، {وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} أَيْ: وَزَحْزِحْهُمْ عَنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ.”

 

  • النَّصُّ الثالث: قال تعالى: {قُل لِّمَن مَّا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَیَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ لَا رَیۡبَ فِیهِۚ ٱلَّذِینَ خَسِرُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ} [الأنعام: 12].

 

قال ابنُ عطيّة (546 ھ) في تفسيره «المحرر الوجيز»: “{كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ} مَعْناهُ: قَضاها وأنْفَذَها؛ وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- تَتَضَمَّنُ كَتْبَ الرَحْمَةِ. ومَعْلُومٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنَ الشَرِيعَةِ أن ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، ولِجَمِيعِ الناسِ في الدُنْيا … ويَتَضَمَّنُ هَذا الإخْبارَ عَنِ اللهِ تَعالى بِأنَّهُ كَتَبَ الرَحْمَةَ؛ لِتَأْنِيسِ الكُفّارِ، ونَفْيِ يَأْسِهِمْ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى إذا تابُوا، وأنَّ بابَ تَوْبَتِهِمْ مَفْتُوحٌ. قالَ الزَجّاجُ: اَلرَّحْمَةُ هُنا إمْهالُ الكُفّارِ، وتَعْمِيرُهم لِيَتُوبُوا.”

 

وقال البيضاوي (685 ھ) في تفسيره «أنوار التنزيل»: “{كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} الْتَزَمَها تَفَضُّلًا وإحْسانًا، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما يَعُمُّ الدّارَيْنِ، ومِن ذَلِكَ الهِدايَةُ إلى مَعْرِفَتِهِ، والعِلْمُ بِتَوْحِيدِهِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، وإنْزالُ الكُتُبِ والإمْهالُ عَلى الكُفْرِ.”

 

نعم، إنّ رحمة الله واسعة، ولكنْ الكفرُ باللّهِ والإشراكُ به أمرٌ فظيعٌ، وصاحبُه ملعونٌ ومطرودٌ من رحمة اللّهِ الواسعة، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا. لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا. وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا} [مريم: 88-93].

 

قال القرطبي: “قوله تعالى: {لقد جئتم شيْئا إدًّا} أيْ: مُنكَراً عظيماً، عن ابن عباس ومجاهد وغيرِهِما. قال الجوهري: الْإِدُّ والْإِدَّةُ: الدّاهيّة والأمرُ الفظيع، ومنه قولُه تعالى {لقد جئتم شيئا إدّا}.”

 

وقال تعالى عن الشرك: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

 

قال الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد الله التويجري في كتابه «مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة»: “الشرك بالله ظلم عظيم؛ لأنه اعتداء على حق الله تعالى الخاص به وهو التوحيد. فالتوحيدُ أعدلُ العدل، والشرك أظلم الظّلم وأقبح القبيح؛ لأنه تَنقُّصٌ لرب العالمين، واستكبارٌ عن طاعته، وصَرْفُ خالِصِ حَقِّه لِغيره، وعدْلُ [أيْ: تسْوِيةُ] غيره به؛ ولِعظيم خطرِه فإنّ مَن لَقِي الله مُشرِكاً، فإن الله لا يغفر له كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] .”

 

وقال العلاّمةُ أبو زهرة -عند تفسيره للآية 48 من سورة النساء-: “وفي هذا النصِّ الكريم فتحٌ لباب المغفرة التي كتبها الله على نفسه لعباده؛ لأنه كتب على نفسه الرحمة، ومعنى النص: إن الله تعالى ليس من شأنه أن يغفر لمن يُشرِكُ به في العبادة أو في الربوبية؛ لأنّ الشركَ انحرافٌ شديدٌ لا يَقبَل الغُفران، إلاّ أنْ يعودَ إلى التّوحيد المطْلَق بعد الإشراك”. [زهرة التفاسير، أبو زهرة].

 

  • ولقد اسْتَدلّ بعضُهم بقَوْلِه -صلى الله عليه وسلم-: “إنَّ الله خلق الرَّحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة. وأرسل في خلقه كلِّهم رحمةً واحدة، فلو يعْلم الكافر بكلِّ الَّذي عند الله من الرَّحمة، لم ييْأسْ من الجنَّة، ولو يعلم المسلم بكلِّ الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النَّار” [رواه البخاري].

 

وفي رواية أخرى: «لو يعلمُ المؤمنُ ما عند الله من العقوبة، ما طَمِع بِجَنَّتِهِ أحدٌ، ولو يَعلمُ الكافرُ ما عند الله من الرَّحمة، ما قَنَطَ من جَنَّتِهِ أحدٌ». [رواه مسلم].

 

وهذا الحديثُ ليس فيه دليلٌ على إخراج الكُفّار من النّارِ وفنائها، غايةُ ما فيه -كما جاء في شرحه- أنّ المؤمنَ سيجعله هذا الخبرُ، يخاف ولا يتساهل في الوقوع في المُحرّماتِ خوفًا من عقوبة الله -تعالى-، وأنّ الكافرَ لوِ اطّلعَ على رحمة اللّهِ، لظن أنّه -تعالى- سيرحمه ويدخله الجنة رُغْمَ كفره؛ فهذا لا يعني أنّه سيخرُج من النار ويدخل الجنة؛ لأنّه مُحرّمٌ عليه دخولها، إلّا أنْ يتوبَ ويدْخُلَ في دين الله قبل أن يموت؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]، وللنُّصوصِ المُحْكمة التي تدل على أبدية النّارِ وخلود الكفار فيها.

 

ب) وقالوا -أيضاً-: إنّ رحمةَ اللَّهِ سبَقَتْ غضَبَهُ؛ وهذا دليلٌ على أنّ رحمة اللّهِ سَتُطْفِئُ غضَبَه، وتفني النّارَ بعْدَ أنْ يُخرِجَ -سبحانَه- كلَّ مَنْ فيها.

 

ويحتجّون على ذلك بقول النّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: “لمّا خلق الله الخَلْق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلِب غضبي” وفي رواية: “غَلَبَت غضبي” وفي رواية أخرى: “سبقت غضبي” [متفق عليه].

 

قال ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري»: “والمُرادُ من الغضب لازمُه، وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، لأنّ السّبْق والغلبةَ باعتبار التّعلُّق، أي: تعلُّقُ الرحمةِ غالبٌ سابقٌ على تعلق الغضب، لأنّ الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأمّا الغضبُ فإنه متوقف على سابقةِ عملٍ من العبدِ الحادثِ، وبهذا التقرير يندفع اسْتِشْكالُ من أوْرَد وقوعَ العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن، كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة وغيرها. وقيل معنى الغلبة الكثرةُ والشمولُ، تقول غلب على فلان الكرَمُ، أي: أكثرُ أفعالِه؛ وهذا كلُّه بِناءً على أن الرحمةَ والغضبَ من صفات الذات، وقال بعض العلماء: الرحمة والغضب من صفات الفعل لا من صفات الذات، ولا مانع من تقدم بعض الأفعال على بعض، فتكون الإشارة بالرحمة إلى إسكان آدم الجنة أوّلَ ما خُلِقَ مثلا، ومُقابِلُها ما وقع من إخراجه منها؛ وعلى ذلك استمرّتْ أحوالُ الأمم بتقديم الرحمة في خَلْقِهِم بالتوسع عليهم من الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم. وأما ما أُشْكِلَ مِن أمْرِ مَن يُعذَّبُ مِن الموحدين فالرحمةُ سابقةٌ في حقهم أيضا، ولولا وجودها لخلدوا أبدا”.

 

وجاء في رواية عند الترمذي: “إنّ الله حين خلق الخلق، كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي” [رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح غريب].

 

جاء في قاموس «لسان العرب» (ج11 ص69 – مادة: غلب): “وَفِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ رَحْمَتي تَغْلِبُ غَضَبي) هُوَ إِشارةٌ إِلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ وَشُمُولِهَا الخَلْقَ، كَمَا يُقال: غَلَبَ عَلَى فُلَانٍ الكَرَمُ أَي هُوَ أَكثر خِصَالِهِ. وإِلا فرحمةُ اللَّهِ وغَضَبُه صفتانِ رَاجِعَتَانِ إِلى إِرادته، لِلثَّوَابِ والعِقاب، وصفاتُه لَا تُوصَفُ بغَلَبَةِ إِحداهما الأُخرى، وإِنما عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِلْمُبَالَغَةِ.”

 

وجاء في كتاب «تُحْفة الأحوذي شرح سنن الترمذي»: “وَقَالَ الطّيبِيُّ: أَيْ: لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ، حَكَمَ حُكْمًا جَازِمًا وَوَعَدَ وَعْدًا لَازِمًا لَا خُلْفَ فِيهِ، بِأَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. فَإِنَّ الْمُبَالِغَ فِي حُكْمِهِ، إِذَا أَرَادَ إِحْكَامَهُ عَقَدَ عَلَيْهِ سِجِلًّا وَحَفِظَهُ، وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ قَضَاءِ الْخَلْقِ وَسَبْقِ الرَّحْمَةِ، أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ لِلْعِبَادَةِ شُكْرًا لِلنِّعَمِ الْفَائِضَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَدَاءِ حَقِّ الشُّكْرِ، وَبَعْضُهُمْ يُقَصِّرُونَ فِيهِ؛ فَسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ فِي حَقِّ الشَّاكِرِ بِأَنْ وَفَّى جَزَاءَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، وَفِي حَقِّ الْمُقَصِّرِ إِذَا تَابَ وَرَجَعَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ. وَمَعْنَى (سَبَقَتْ رَحْمَتِي تَمْثِيلٌ) لِكَثْرَتِهَا وَغَلَبَتِهَا عَلَى الْغَضَبِ بِفَرَسَيْ رِهَانٍ تَسَابَقَتَا فَسَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.”

 

* الشُّبْهَةُ الثانيّةُ: الزّعْمُ أنّ الكُفّارَ سيخرجون مِنَ النّارِ، بشّفاعة أرْحَمِ الرّاحِمين.

 

ويُرَدُّ عليهم بما يأتي:

 

أوّلاً- لقد أجْمًع علماءُ الإسلامِ على أنّ الكافرَ محرومٌ من الشّفاعة، لقولِه تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِینَ} [المدثر: 48].

 

قال ابنُ جُزَيّ (741 ھ) في «التسهيل لعلوم التنزيل»: “{فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} إنما ذلك لأنهم كفار، وأجمع العلماءُ أنّه لا يَشْفع أحدٌ في الكُفّار.”

 

وقال تعالى: {وَأَنذِرۡهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡآزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَـٰظِمِینَۚ مَا لِلظَّـٰلِمِینَ مِنۡ حَمِیمࣲ وَلَا شَفِیعࣲ یُطَاعُ} [غافر: 18].

 

قال ابن كثير (774 ھ) في تفسيره: “أَيْ: لَيْسَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهُمْ يَنْفَعُهُمْ، وَلَا شَفِيعٍ يُشَفَّعُ فِيهِمْ، بَلْ قَدْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ.”

 

وقال ابن الجَوْزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: “{ما لِلظّالِمِينَ} يَعْنِي الكافِرِينَ {مِن حَمِيمٍ} أيْ: قَرِيب يَنْفَعُهم {وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ} فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتُهُ.”

 

ولذلك فإنّ الله -تعالى- لا يقبل شفاعةَ خلِيلِه إبراهيمَ في أبيه آزر المُشْركِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّار.ِ” [رواه البخاري].

 

والذِّيخُ: ذَكَرُ الضِباعِ، وأَراد بالتَّلَطُّخ التَّلَطُّخَ برجِيعه أَو بالطين. [لسان العرب، ابن منظور، مادة (ذيخ)].

 

وأمّا شَفاعَتُهُ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ، فهي خاصة، وهِي في تخفيفِ العذابِ عنه فقط؛ فعن العَبَّاس بْن عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنّه قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: “هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.”

 

جاء في معجم «لسان العرب» -مادة (ضَحْضاح): “وماءٌ ضَحْضاحٌ، أَي: قريبُ القعر. وفي حديث أَبي المِنْهال: في النار أَوديةٌ في ضَحْضاح؛ شَبَّه قِلَّةَ النار بالضَّحْضاحِ من الماء فاستعاره فيه؛ ومنه الحديث الذي يُرْوى في أَبي طالب: وجدتُه في غمراتٍ من النار، فأَخْرَجْتُه إِلى ضَحْضاحٍ.”

 

ثانياً- وأمّا حديث الشفاعة الذي يحتجّون به، فلقد جاء فيه: “فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ … فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؛ فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ.” [رواه البخاري: 7440].

 

وهذا الحديثُ لا حُجَّةَ لهم فيه على ما ذهبوا إليه؛ لأمور:

 

أ) لقد جاءت أقوالُ العلماء الراسخين في العلم، تُؤكّد على أنّ هَؤُلَاءِ العُتَقَاءُ كانوا مؤمنين:

 

  • قال ابن رجب الحنبلي (795 هـ) في «التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار» (ج 1 ص 186)، في (الباب الثامن والعشرون: في ذكر حال المُوحِّدين في النار وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين): “والمراد بقوله (لم يعملوا خيرا قط) من أعمال الجوارح، وإن كان أصلُ التّوحيد معهم؛ ولهذا جاء في حديثِ الذي أمَر أهلَه أن يحرقوه بعد موته بالنار، أنّه لم يعمل خيرا قط غيرَ التوحيد … وهذا يدل على أن الذين يُخرِجُهم الله برحمته، مِن غير شفاعةِ مَخْلُوقٍ، همْ أهلُ كلمة التوحيد، الذين لم يعملوا معها خيرا قط بجوارحهم.”

 

  • وقال بدر الدين العيني (885 ھ) في «عمدة القاري شرح صحيح البخاري»: “قَوْله: (بِغَيْر عمل عملوه) أَي: فِي الدُّنْيَا (وَلَا خير قدموه) فِي الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَة: أَرَادَ مُجَرّد الْإِيمَان، دون أَمرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ من الْأَعْمَال والخيرات، وَعُلِم مِنْهُ أَن شَفَاعَة الْمَلَائِكَة والنبيين وَالْمُؤمنِينَ، فِيمَن كَانَ لَهُ طَاعَةٌ غيرُ الْإِيمَان الَّذِي لَا يطلع عَلَيْهِ إلاَّ اللّهُ.”

 

  • وقال شهاب الدين القسطلاني (923 ھ) في «إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري»: (فيَقْبِضُ قَبْضَةً مِن النّارِ فيُخْرِج) تعالى (أقوامًا) وهم الذين معهم مجرد الإيمان.”

 

ومِنَ الأحاديثِ التي يُحْتجُّ بها على أنّ الذين يُخرِجُهم اللّهُ برحمته كانوا مؤمنين:

 

  • قولُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: “يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وفي قَلْبِهِ وزْنُ شَعِيرَةٍ مِن خَيْرٍ، ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وفي قَلْبِهِ وزْنُ بُرَّةٍ مِن خَيْرٍ، ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وفي قَلْبِهِ وزْنُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ.” [رواه البخاري].

 

  • وقَوْلُهُ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- في حديثٍ طويل: “ثُمَّ يَشْفَعُ الْأَنْبِيَاءُ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا، فَيُخْرِجُونَهُمْ مِنْهَا قَالَ: ثُمَّ يَتَحَنَّنُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ عَلَى مَنْ فِيهَا؛ فَمَا يَتْرُكُ فِيهَا عَبْدًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا أَخْرَجَهُ مِنْهَا.” [رواه أحمد، وقال محققو المسند: إسناده حسن].

 

  • وجاء في حديث آخر: “ثُمَّ تُشَفَّعُ الْأَنْبِيَاءُ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا، فَيَسْتَخْرِجُونَهُمْ مِنْهَا، ثُمَّ يَتَحَنَّنُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ عَلَى مَنْ فِيهَا فَمَا يَتْرُكُ فِيهَا أَحَدًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا أَخْرَجَهُ مِنْهَا.” [رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد].

 

ب) قَوْلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ: “هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ.” يدلّ على أنّ هَؤُلَاءِ العُتَقَاءَ كانوا مؤمنين، إلاّ أنّهم لم يعملوا عملاً ولا قدّموا خيراً ينفعهم لدخول الجَنّة؛ ولو كانوا كافرين لَقال أَهْلُ الْجَنَّةِ: “هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ إيمان”؛ لأنّ التّعَجُّبَ من دخول الجنة بدون إيمان، أعظمُ من التعجبِ من دخولها بدون عمل!

 

وهذه الملحوظةُ لمْ ينتبه إليها المُحتجُّون بهذا الحديث!

 

فتعجُّبُهم من دخول عُتَقَاء الرحمن الجَنَّة بدون عملٍ عملوه ولا خيرٍ قدّموه، دليلٌ على أنّهُم كانوا مُوَحِّدين.

 

ج) والحديثُ الذي احْتجّ به المخالفون، جاء فيه: “فَيَقُولُ الْجَبَّارُ بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا …الحديث”، وهذا يعني أنّه لنْ يُخرِجَ جميعَ مَن في النّار؛ لأنّه لو أخرج جميع أهل النّارِ، لجاء في الحديث: “فَيَقُولُ الْجَبَّارُ بَقِيَتْ شَفَاعَتِي؛ فَيُخْرِجُ مَن بَقِيَ في النَّارِ”!

 

وهذه الملحوظةُ لمْ ينتبه إليها -أيضاً- المُحتجُّون بهذا الحديث!

 

* الشُّبْهَةُ الثالِثةُ: الزّعْمُ أنّ تحديد مُدَّة بقاءِ الكُفّارِ في النّارِ بالأحقاب دليلٌ على فناءِ النّارِ.

 

تقول الشُّبْهَةُ: “لقد حدّدَ اللّهُ تعالى مُدَّةَ بقاءِ الكُفّارِ في النّارِ بقولِه: {لَّـٰبِثِینَ فِیهَاۤ أَحۡقَابࣰا} [النبأ: 23]، وهذه المُدّةُ محدودةٌ وليْستْ أبَدِيّةً؛ لأنّ الأَبَدَ لا يُقدّرُ بالأحقاب.”

 

أوّلاً- لقد أَوْضَحَ بعضُ المُنْتَمِين إلى طائفة (القرآنيون) جُمْلةَ: “الأبَدُ لا يُقدّر بالأحقاب”، بقولِه: “وكلمة أحقاب: جمع كلمة (حُقْب)، التي تدل على مجموعة زمنية طويلة جداً، ولكن في النهاية هي محدودة من حيث الكم، ومجموع المحدودات محدود ضرورة، بينما اللانهاية لا تُجْمَع!”.

[انظرامرإسلامبولي https://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=505730&r=0 :].

 

ويُرَدّ عليه بما يأتي:

 

أ) كلمةُ لانهاية تدل على “عدم وجود نهاية”، وفي عالم الحساب ترمز اللانهاية لِمفْهومٍ عدَدِيٍّ، لا يمكن تَخَيُّلُ ما هو أكبرُ منه؛ ويُعَبّرُ عنه في مادة الرياضيات باستعمال رمزٍ خاصٍّ يُقْرأُ: لانِهايَة.

 

ب) العددُ الصحيحُ الموجَبُ 80 -مثلاً- محدودٌ، ومجموعُ مِائَةٍ من الأعداد تساوي كلُّها 80، هو عددٌ محدودٌ -لا شكّ في ذلك-، وقيمته هي 8000.

 

ولكنْ -حسب قواعد الرياضيات- مجموعُ ما لا نِهاية مِن الأعداد تساوي كلُّها 80، لا يمكن أن يكون محدوداً، بل هو غيرُ محدودٍ، ومِن السهل -لِغيْر المتخصصين في مادة الرياضيات- ملاحظةُ ذلك: قُمْ بهذا الجمع -مثلاً-:

 

فإنّك ستُلاحظُ أنّه كُلّما أضفْتَ العددَ 80 إلى آخر نتيجةٍ وصلْتَ إليها، فإنّك ستَحصُل على نتيجةٍ أكبرَ منها؛ ثمّ تصوّر الآن أنك لمْ تتوقّف عن إضافة العدد 80 بعد كلّ نتيجة وصلْتَ إليها، فهل النتيجةُ ستكون محدودةً؟

 

تنبيه هامّ: اِنْتشَرَتْ مُؤَخَّراً على شبكةِ الإنترنت، نتيجةٌ غيرُ صحيحةٍ، اِدّعَى مُرَوِّجُوها أنّه إذا قُمْتَ بجمع الأعداد الصحيحة الموجبة المتتابعة: 1+2+3+… وبدون توقّف، فإن النّتيجَة لن تكون اللانهاية، بل ستكون: 12/1-

 

ويمكن لِأَيِّ شخصٍ مُثقَّف أنْ يقتنع بنفسه، بعدم صِحَّة هذه النتيجة، التي لا يَسْتسِيغُها العقلُ، ولا تتقبلها قواعدُ الرياضيات. وأوّلُ خطأ هو أنّ مجموعَ عِدَةِ أعدادٍ صحيحةٍ موجَبةٍ لا يكون سالباً، بل يكون موجباً. [وانظر: الرّدَّ على هذه المغالطة -إنْ شِئتَ- في https://www.google.com/amp/s/www.syr-res.com/amp.php%3fid=6787 ].

 

ومثلُ هذه المُغالطاتِ تخْدِمُ بعضَ المفاهيمِ الخاطئة، مثل القاعدة الباطلة السابِقة، التي تقول بأنّ “مجموعَ المحدوداتِ محدودٌ ضرورةً”، والتي يستَدِلُّ بها البعضُ على أنّ مُدّةَ العذابِ في النّارِ محدودةٌ، وأنّ النّارَ ستفنى!

 

والقاعدةُ المشهورةُ التي تقول: “ما بُنِيَ على باطلٍ فهو باطلٌ”؛ تكفي لإِبْطال كلّ مفهوم بُنِيَ على باطلٍ .

 

ج) قال تعالى: {جَنَّـٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِی وَعَدَ ٱلرَّحۡمَـٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَیۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِیࣰّا. لَّا یَسۡمَعُونَ فِیهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَـٰمࣰاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِیهَا بُكۡرَةࣰ وَعَشِیࣰّا} [مريم: 61-62].

 

قال ابن كثير (774 ھ) في «تفسير القرآن العظيم»: “وَقَوْلُهُ: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} أَيْ: فِي مِثْلِ وَقْتِ البُكُراتِ وَوَقْتِ العَشِيّاتِ، لَا أَنَّ هُنَاكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَلَكِنَّهُمْ فِي أَوْقَاتٍ تَتَعَاقَبُ، يَعْرِفُونَ مُضِيَّهَا بِأَضْوَاءٍ وَأَنْوَارٍ.”

 

وقال ابن الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: “قَوْلُهُ تَعالى: {وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا} قالَ المُفَسِّرُونَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، ولَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِرِزْقِهِمْ -عَلى مِقْدارِ ما كانُوا يَعْرِفُونَ- في الغَداةِ والعَشِيِّ.”

 

في الجَنَّة أَوْقَاتٌ تَتَعَاقَبُ، يَعْرِفُها أهلُ الجَنَّة بِعلاَمَاتٍ، ولا شكّ أنّ هذه الأوقاتَ محدودةٌ؛ فهل سنقول: إنّ مجموعَ هذه الأوقاتِ المحدودةِ محدودٌ، إذن مُدةُ البقاء في الجنة محدودٌ أيضاً، وأنّ الجنة ستفنى؟

 

د) جاء في القرآن الكريم، أنّ أهل الجنة يتمتعون بأنواع النعيم: وقت يأكلون فيه، ووقت يشربون فيه، ووقت يتحدثون مع زوجاتهم، إلخ. ولا شكّ أنّ كلَّ وقتٍ من هذه الأوقاتِ محدودٌ، فهل سنقول أيضاً: إنّ مجموعَ هذه الأوقاتِ المحدودةِ محدودٌ؛ إذن مدّةُ البقاءِ في الجَنَّةِ محدودٌ، وهذا دليلٌ على أنّ الجَنَّةَ ستفنى وينقضي نعيمُها؟

 

ھ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا، يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ، وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا.” [رواه مسلم].

 

قال الإمامُ النووي في «شرح مسلم»: “الْمُرَادُ بِالسُّوقِ مَجْمَعٌ لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ كَمَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا فِي السُّوقِ، وَمَعْنَى (يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ) أَيْ: فِي مِقْدَارِ كُلِّ جُمْعَة، أَيْ: أُسْبُوعٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةً أُسْبُوعٌ؛ لِفَقْدِ [أي: لعَدَمِ وجودِ] الشَّمْسِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.”

 

إنّ المُدّةَ التي تفْصِل بين جُمعةٍ وجُمعةٍ محدودةٌ، فهل سنقول أيضاً: إنّ مجموعَ هذه المُدَدِ المحدودةِ محدودٌ، إذن مدّةُ البقاءِ في الجَنَّةِ محدودٌ؛ وهذا دليلٌ على فناء الجنة؟

 

ثانياً- تفسير قوله تعالى: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} عند أهل اللُّغَة والتفسير:

 

قال ابن قتيبة (276 ھ) في «تفسير غريب القرآن»: “{لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} يقال: “الْحُقْبُ ثمانون سنة. وليس هذا مما يدلُّ على غايةٍ، كما يظن بعض الناس؛ وإنما يدُلُّ على الغايةِ التوقيتُ: خمسةُ أحْقابٍ أو عشَرةٌ (*). وأراد: أنهم يَلْبَثُون فيها أحقابًا، كلَّما مضى حُقْبٌ تَبِعه حقبٌ آخرُ.”

 

(*) أيْ: أنّ الذي يدلُّ على عَدَدٍ مَحْصُورٍ، هو أنْ نقول -مثلاً-: خمسةُ أحقابٍ أو عشَرةُ أحقابٍ، أو عشرون حُقُباً.

 

وقال النسفي (710 ھ) في تفسيره «مدارك التنزيل»: “{أحْقابًا} ظَرْفٌ، جَمْعُ (حُقُبٌ)، وهو الدّهْرُ، ولَمْ يُرَدْ بِهِ عَدَدٌ مَحْصُورٌ، بَلِ الأبَدُ، كُلَّما مَضى حُقُبٌ تَبِعَهُ آخَرُ، إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، ولا يُسْتَعْمَلُ الحُقُبُ والحُقْبَةُ إلّا إذا أُرِيدَ تَتابُعُ الأزْمِنَةِ، وتَوالِيها.”

 

وقال ابن الجوزي (597 ھ) في «زاد المسير»: “وأمّا الأحْقابُ فَجَمْعَ حِقْبٍ، وقَدْ ذَكَرْنا الِاخْتِلافَ فِيهِ في [الكَهْفِ: 60] .

 

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ذِكْرِ الأحْقابِ، وخُلُودُهم في النّارِ لا نَفادَ لَهُ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ:

 

أحَدُهُما: أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى غايَةٍ، لِأنَّهُ كُلَّما مَضى حِقْبٌ تَبِعَهُ حِقْبٌ. ولَوْ أنَّهُ قالَ ” لابِثِينَ فِيها عَشَرَةَ أحْقابٍ أوْ خَمْسَةً ” دَلَّ عَلى غايَةٍ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ والجُمْهُورِ. وبَيانُهُ أنَّ زَمانَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ يُتَصَوَّرُ دُخُولُهُ تَحْتَ العَدَدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها نِهايَةٌ.

 

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا {لا يَذُوقُونَ} في الأحْقابِ {بَرْدًا ولا شَرابًا}، فَأمّا خُلُودُهم في النّارِ فَدائِمٌ. هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وبَيانُهُ أنَّ الأحْقابَ حَدٌّ لِعَذابِهِمْ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ، فَإذا انْقَضَتِ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ.”

 

وقفةٌ تأمُّليّةٌ: في الجَنَّة كُلّما مضى أسبوعٌ من النّعيم، تَبِعَه أسبوعٌ آخرُ من النّعيم، أبدَ الآبدين؛ وفي النّار كلَّما مضى حُقْبٌ من العذابِ، تَبِعه حقبٌ آخرُ من العذابِ، أبدَ الآبدين.

 

* الشُّبْهَةُ الرابِعةُ: الزّعْمُ أنّ الاِسْتِثْناءَ الواردَ في خلود الكُفّارِ في العذابِ، دليلٌ على أنّ النّارَ ستفنى.

 

قالوا: “الاِسْتِثْناءُ في قوله تعالى: {وَیَوۡمَ یَحۡشُرُهُمۡ جَمِیعࣰا یَـٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِیَاۤؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضࣲ وَبَلَغۡنَاۤ أَجَلَنَا ٱلَّذِیۤ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 128]؛ دليلٌ على أنّ النّارَ ستفنى.”

 

ولا ندْري كيف فهِموا مِنْ قولِه تعالى: {إلاّ ما شاء اللّهُ} على أنّ اللّهَ تعالى قد شاءَ فعلاً انتهاءَ عذابِ الكُفّارِ وفناءَ النّارِ؛ فأيْنَ دليلُهم على ما ذهبوا إليه؟

 

إنّ كِبارَ المفسرين اختلفوا في مَعْنى هذه الآيَةِ، ولكنْ لا أحدَ منهم فهِم مِنها أنّ النّارَ ستفنى؛ لأنّه قدْ “تَقَرَّرَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ الأُمَّةِ أنَّ المُشْرِكِينَ لا يُغْفَرُ لَهم، وأنَّهم مُخَلَّدُونَ في النّارِ بِدُونِ اسْتِثْناءِ فَرِيقٍ ولا زَمانٍ” -كما قال العلاّمةُ الطاهر بن عاشور في تفسيره.-

 

إنّ هذه الآيةَ تُعَدُّ من الآيات المتشابهات، التي لا يجوز أنْ يخوضَ في تفسيرها إلاّ الرّاسِخون في العِلم؛ وهذه بعضُ أقوالهم:

 

قال ابن عطِيّة (546 ھ) في تفسيره «المحرر الوجيز»: “ويُتَّجَهُ عِنْدِي في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ – صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ – وأُمَّتِهِ، ولَيْسَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُسْتَثْنى هو مَن كانَ مِنَ الكَفَرَةِ يَوْمَئِذٍ يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللهِ تَعالى؛ كَأنَّهُ لَمّا أخْبَرَهم أنَّهُ قالَ لِلْكُفّارِ: {النارُ مَثْواكُمْ} اِسْتَثْنى لَهم مَن يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم.”

 

هذا ترجيحُ العلاّمةِ ابنِ عطِيّة الذي قال عنه الذهبي في السِّيَر: “الإمامُ العلاّمةُ شيخُ المفسرين، كان إمامًا في الفقه وفي التفسير وفي العربية، قويَّ المشاركة، ذكيًّا فَطِنًا مُدْرِكًا، مِن أوْعِيَة العلم”. وكان غايةً في توقُّد الذهن وحسن الفهم، كما وصفه بعضُ العلماءِ.

 

وهناك أقوالٌ أخرى، ذكرها العلاّمةُ الإيجي (905 ھ) في «جامع البيان» -عند تفسيره للآية 107 مِن سورة هود-، حيثُ قال: “{إلّا ما شاءَ رَبُّكَ} استثناءٌ من الخلود؛ فإنّه ليس لبعضهم -وهم فُسّاقُ الأُمّة- خلودٌ، وهمُ الأشقياءُ مِن وجْه، وهو المراد بالاستثناء الثاني، فإنهم ليسوا في الجَنّة مُدَّةَ عذابِهم. والتأبيدُ مِن مَبْدأٍ مُعيَّنٍ، كما يُنتَقَصُ من الانتهاء يُنتَقَصُ من الابتداء، وهو المنقولُ عن كثير من السلف؛ أو هو كقولك: والله لأضربَنَّك إلّا أن أرى غير ذلك، مع أن عزيمتك على ضربه. فعلى هذا: الاستثناءُ في الموضِعيْن لِبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر، لا أنّه واجبٌ عليه، ويُؤَيِّدُه قولُه: {إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ}، أو هو مِن باب {حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ} [الأعراف: 45]، و {لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى} [الدخان: 56]، على إحدى التّأويلات؛ أو المستثنى توقُّفُهم في الموقف، أو مُدّةَ لَبْثِهم في الدنيا والبرزخ؛ أو الاستثناء لخروج الكُلِّ من النّارِ إلى الزمهرير، ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، {إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ} حاكمٌ غيرُ محكوم.”ٍ

 

*  الشُّبْهَةُ الخامِسةُ: الزّعْمُ أنّ مُدّةَ عذابِ النّارِ لا تتجاوز مُدّةَ دوامِ السموات وَالْأَرْضِ.

قالوا: قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 106-107]. وهذا دليلٌ على أنّ مُدّةَ بقاءِ النّارِ هي مُدّةُ دوامِ السموات وَالْأَرْضِ، وهذا دليلٌ على فنائِها.”

 

قال ابن كثير في تفسيره: “{خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} قال الإمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبداً قالت: “هذا دائمٌ دوامَ السموات والأرض”، وكذلك يقولون: هو بَاقٍ ما اختلف الليل والنهار، وما سَمر ابْنَا سمير، وما لألأت العفر بأذنابها. يعنون بذلك كلمة: “أبدا”، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم، فقال {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض}”

 

قال ابن الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: “قَوْلُهُ تَعالى: {خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ} المَعْرُوفُ فِيهِ قَوْلانِ:

 

أحَدُهُما: أنَّها السَّمَواتُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَنا، والأرْضُ المَعْرُوفَةُ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: لِلْعَرَبِ في مَعْنى الأبَدِ ألْفاظٌ؛ تَقُولُ: لا أفْعَلُ ذَلِكَ ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما دامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ، وما اخْتَلَفَتِ الجِرَّةُ والدِّرَّةُ، وما أطَّتِ الإبِلُ، في أشْباهٍ لِهَذا كَثِيرَةٍ، ظَنًّا مِنهم أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا تَتَغَيَّرُ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ بِما يَسْتَعْمِلُونَ في كَلامِهِمْ.

 

والثّانِي: أنَّها سَماواتُ الجَنَّةِ والنّارِ وأرْضُهُما” اھ. كلامُ ابنِ الجوزي.

 

والقولُ الثاني الذي أوْردَه ابنُ الجوزي، ردّهُ الإمامُ البيضاوي (685 ھ) بِقوْلِه في «أنوار التنزيل»: “وقِيلَ المُرادُ سَمَواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماوات} وإنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا بُدَّ لَهم مِن مُظِلٍّ ومُقِلٍّ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يَعْرِفُ أكْثَرُ الخَلْقِ وجُودَهُ ودَوامَهُ.”

 

*  وقْفَةٌ أُصُولِيّةٌ وتأمُّلِيّةٌ مع الشُّبَهِ: الثالثةِ والرّابعةِ والخامِسةِ:

 

إنّ أوّلَ آيةٍ تَوَعَّدَت الكُفّارَ بالخلودِ في النّارِ، هي آيةٌ مكِّيّةٌ جاءت في قوله تعالى: {وَیَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى. ٱلَّذِی یَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ. ثُمَّ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ} [الأعلى: 11-13].

 

وقولُه تعالى: {ثُمَّ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ} واضحٌ في الدّلالة على الخلود الأبدي في النّارِ.

 

ثمّ نزل بعد ذلك -في مَكّةَ المُكرَّمَةِ- قولُه تعالى: {وَٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ عَنۡهَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ} [الأعراف: 36]؛ ثمّ نزل قولُه: {إِلَّا بَلَـٰغࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦۚ وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدًا} [الجِن: 23].

 

ولا شكّ في أنّ كفّارَ قريش قدْ فهموا من لفظ {خَـٰلِدُونَ} الخلودَ الأبَدِيَّ في النّارِ؛ لأنّهم عَلِموا قبْل ذلك أنّ مَن دخل النّارَ فإنّه {لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ}.

 

ولا شكّ -أيضاً- في أنّهُم قد فهموا أنّ قولَه تعالى: {خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدًا} جاء لتوكيد الخلودِ السَّرْمَدِيِّ في جهنّمَ.

 

ثُمّ نزل بعد ذلك -بِمَكّةَ المُكرَّمَةِ- قولُه تعالى: {خَـٰلِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَاۤءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالࣱ لِّمَا یُرِیدُ} [هود: 107]، وقولُه: {ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِیمٌ عَلِیمࣱ} [الأنعام: 128]، وقولُه: {لَّـٰبِثِینَ فِیهَاۤ أَحۡقَابࣰا} [النّبأ: 23].

 

ولقد فهم بعضُ النّاسِ من هذه الآيات عدمَ خلودِ الكُفّارِ في النّارِ، وقد يرى بعضُهم أنّها جاءت لتنسخَ الخلودَ الأبدي في النّارِ، الذي جاء حُكمُه في الآياتِ السابقة التي نزلتْ قبلها، والتي وَرَدَتْ في السُّوَر: الأعلى، والأعراف والجن. وهذا يُسمَّى عند علماءِ الأصول بالنَّسْخِ في القرآن الكريم.

 

ومعنى النسخ عند الأصوليين هو: “رَفْعُ الحُكْم الشرعي بِدَليلٍ شَرْعيٍّ مُتَأخِّرٍ”. [الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، محمد مصطفى الزحيلي، ج 1 ص 226].

 

وأَوْضَحَ بعضُ أهلِ العلْمِ هذا التعريفَ بقولِه: “أي: رفْعُ استمرارِ العملِ بالحُكْمِ السّابِق، والعملُ بالحُكْمِ الثّابِتِ آخِراً” [الواضح في علوم القرآن، أ. د. مصطفى ديب البغا ومحيي الدين ديب مستو، ط 2 سنة 1998، دار الكلم الطيب، ص 140].

 

والذين فهموا من الآيات السابقةِ عدمَ خلودِ الكُفّارِ في النّارِ، يُرَدُّ عليهم بما يأتي:

 

أوّلاً: لقد كان كفارُ قريش إذا نزلت آيةٌ بأمْرٍ أو نهْيٍ، ونسخَتْ حُكمَ آية أخرى، يقولون: “هذا افتراء ولو كان من عند الله لم يُبَدّل”؛ قال تعالى -مُبَيِّناً موقِفَهم من النّسْخ-: {وَإِذَا بَدَّلۡنَاۤ ءَایَةࣰ مَّكَانَ ءَایَةࣲ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا یُنَزِّلُ قَالُوۤا۟ إِنَّمَاۤ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ} [النحل: 101].

 

قال ابن الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: “قَوْلُهُ تَعالى: {وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً} سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُنْزِلُ الآيَةَ، فَيُعْمَلُ بِها مُدَّةً، ثُمَّ يَنْسَخُها، فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ مِن أصْحابِهِ، يَأْمُرُهُمُ اليَوْمَ بِأمْرٍ، ويَأْتِيهِمْ غَدًا بِما هو أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والمَعْنى: إذا نَسَخْنا آيَةً بِآيَةٍ، إمّا نَسْخُ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ، أوْ نَسْخُ الحُكْمِ مَعَ بَقاءِ التِّلاوَةِ {واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ} مِن ناسِخٍ ومَنسُوخٍ، وتَشْدِيدٍ وتَخْفِيفٍ، فَهو عَلِيمٌ بِالمَصْلَحَةِ في ذَلِكَ {قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ} أيْ: كاذِبٌ.”

 

إنّ كفّارَ قريش كانوا يَعِيبُون على النَّبِيِّ محمّد -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- كلّما جاء بآيةٍ فيها أمرٌ أو نهيٌ، تنسخ حكمَ آية أخرى؛ ولكن لَمْ يثبتْ عنهم أنّهم عابوا عليه نزولَ الآياتِ التي جاء فيها قولُهُ تعالى: {خَـٰلِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَاۤءَ رَبُّكَۚ} وقولُهُ: {خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُۗ} وقولُه: {لَّـٰبِثِینَ فِیهَاۤ أَحۡقَابࣰا}؛ ولو أنّهم فهموا من تلك الآياتِ عدمَ الخلودِ في جهنّمَ، لكان تعجُّبُهم أشدّ، وردُّهُم أقوى، ولقالوا: “لقد سبق لِمُحمّد أنْ حَكمَ علينا بالخلود في النّارِ، والآن يتراجعُ ويحكم علينا بعدم الخلود؛ فلنصبرْ عليه ريْثما يَحْكم علينا بدخول الجَنَّة معه”!

 

وهذا يدلُّ على أنّ كفّار قريش -الذين هم أهل اللُّغَة والفصاحة بالطبيعة والسليقة- لم يفهموا من تلك الآياتِ عدمَ الخلودِ في النّارِ؛ فهل الذين جاءوا بعدهم، واسْتدلّوا بتلك الآيات على فناء النّارِ، أعلمُ بلغة العرب من كُفّار قريش؟

 

ملحوظة: حسب ترتيب نزول السور، نزلت السُّوَرُ التي اسْتَدْللْنا بالآيات الواردة فيها، مرتبةً كما يأتي: سورة الأعلى، ثمّ الأعراف، ثمّ الجن، ثمّ هود، ثمّ الأنعام، ثمّ النحل، ثمّ النبأ. [انظر: ترتيب السُّوَر في معجم علوم القرآن، إبراهيم محمد الجرمي، دار القلم-دمشق، ط 1 سنة 2001، ص 86-87].

 

ثانيا: النسخُ لا يكون في الاعتقاداتِ والأخلاقِ وأصولِ العباداتِ، والأخبارِ الماضيةِ والأخبارِ التي ستقع في المستقبل (مثل: أحوال أهل الجَنَّة، والحكم على أهل النّارِ بالخلود فيها، وأبدية النّار)؛ وإنّما يكون في الأوامر والنواهي الشرعية. ومِن أمثلة النّسخ الذي وقع في الأوامر والنواهي الشرعية، في القرآن الحكيم:

 

  • قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180].

 

فالآية تفيدُ وجوبَ الوصِيّة على مَن حضرته الوفاة وله من يُوصَى له من الوالدين أو الأقربين. والجمهورُ على أن حكم هذه الآية منسوخ بآيات المواريث، التي بَيّنتْ لكلٍّ من الوالدين والأقربين حقّه ونصيبَه من الميراث.

 

  • قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15].

 

فالآية تدلّ على أن عقوبةَ مَن ثبت زناها الحبسُ في البيوت حتى الموت، وقد كان الحكم كذلك في ابتداء الإسلام، حتى نُسِخَ بوجوب الجَلْد بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].

 

والجَلْدُ الثابتُ في الآية بالنسبة لِلْبِكْر رجلاً كان أو امرأةً، وأمّا المُحْصَنُ مِن كلٍّ منهما، فالعقوبةُ هي الرجمُ، والتي ثبَتَتْ بأدِلّة أخرى. [الواضح في علوم القرآن، د. مصطفى ديب البغا ومحيي الدين ديب مستو، ط 2 سنة 1998، دار الكلم الطيب، ص 144-145].

 

وأمّا ما يَقْبَلُ النّسْخَ وما لا يَقْبَلُهُ، فلقد بيَّنَهُ علماءُ الأُصولِ، وإليك أقوالَ بعضِهم:

 

  • قال أ. د. مصطفى سعيد الخن: “من النصوص التي لا تقبل النسخَ الإِخبارُ بما وقع وبما سيقع، وهي لا تقبل النسخ؛ لأنّ النسخَ لهذا النوع من الأخبار تكذيبٌ لمن أَخبَر به، والكذبُ على الشّرع محال.” [الكافي الوافي في أصول الفقه الإسلامي، أ.د. مصطفى سعيد الخن، مؤسسة الرسالة، ط 1 سنة 2000، ص 352].

 

  • وقال ابنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (320 ھ): “فصل: والنسخ إنما يقع في الأمر والنهي، ولا يجوز أن يقع في الأخبار المحضة”. [الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 8]

 

  • وقالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (437 ھ): “فأمّا ما لا يجوز نسخُه فهو كلُّ ما أخبرنا الله تعالى عنه أنه سيكون أو أنه كان، أوْ وَعَدنا به، أو قصّ علينا من أخبار الأمم الماضية، وما قصّ علينا من أخبار الجنة والنار، والحساب والعقاب والبعث والحشر، وخلقُ السموات والأرضين، وتخليدُ الكُفّار في النار والمؤمنين في الجنة.” [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 65-66].

 

  • وقالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): “والنسخ إنما يكون في الأحكام، ولا نَسْخَ في الأخبار؛ لأن خبرَ اللَّهِ عز وجل حقٌّ، لا يصح أنْ يكون على خِلافِ ما هو عليه.” [جمال القراء: 248].

 

  • وقال أبو جعفرٍ النّحّاس في مَعْرِض رَدِّه على مَن قال بجواز نسخ الأخبار: “وهذا القولُ عظيمٌ جِداً يؤول إلى الكفر، لأنّ قائلا لو قال: قام فلانٌ ثمّ قال: لم يقم، فقال: نسخته، لكان كاذباً”. [نقل قولَه ابنُ الجوزي في «نواسخ القرآن»: 93- 94].

 

ثالثا: مَن رأى أنّ الخلودَ الأبدي في النّارِ قد نُسِخَ بما جاء في سورَتَيْ هود والأنعام، نُجِيبُه بأنّه قد جاء الخلودُ الأبدي في النّارِ في سورتين مَدنِيَّتَيْن نزلتا بعدَهما، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِیرًا. خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰاۖ لَّا یَجِدُونَ وَلِیࣰّا وَلَا نَصِیرࣰا} [الأحزاب: 64-65]، وقولِه تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمۡ یَكُنِ ٱللَّهُ لِیَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِیَهۡدِیَهُمۡ طَرِیقًا. إِلَّا طَرِیقَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰاۚ وَكَانَ ذَ ٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣰا} [النساء: 168-169].

 

وهذا يُحتِّمُ عليه -حسب مذهبه الباطل- أن يقولَ بأنّ الخلودَ الأبدي رجعَ مرّةً أخرى؛ لينسخَ عدمَ الخلودِ في النّارِ!

 

تنبيه: العصيانُ الذي ورَدَ في قولِه تعالى: {وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدًا} [الجِن: جزء من الآية 23]، لا يعني عصيان أهل التوحيد والإيمان -كما زعم البعضُ-، بل يعني الكفر وعدم الإيمان برسالة الإسلام، وإليك البيان:

 

قال تعالى: {وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ یَدۡعُوهُ كَادُوا۟ یَكُونُونَ عَلَیۡهِ لِبَدࣰا. قُلۡ إِنَّمَاۤ أَدۡعُوا۟ رَبِّی وَلَاۤ أُشۡرِكُ بِهِۦۤ أَحَدࣰا. قُلۡ إِنِّی لَاۤ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرࣰّا وَلَا رَشَدࣰا. قُلۡ إِنِّی لَن یُجِیرَنِی مِنَ ٱللَّهِ أَحَدࣱ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًاّ. إِلَّا بَلَـٰغࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦۚ وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدًا} [الجِن: 19-23].

 

قال ابن الجوزي (597 ھ) في تفسيره «زاد المسير»: “{وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ} بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.”

 

وقال ابن جُزَيّ (741 ھ) في «التسهيل لعلوم التنزيل»: “والآيةُ في الكفار، وحَمَلَها المعتزلةُ على عصاة المؤمنين؛ لأنّ مذهبَهم خلودُهم في النار. والدليل على أنها في الكفار وَجْهان: أحدُهُما أنها مكِّيّةٌ، والسورةُ المكّيةُ إنّما الكلامُ فيها مع الكُفّار. والآخَرُ دلالةُ ما قبْلَها وما بعدها على أنّ المرادَ بها الكفارُ.”

 

ولذلك -أيضاً- قال الشوكاني (1250 ھ) في تفسيره «فتح القدير»: “{ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ} في الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ السِّياقَ فِيهِ.”

 

وزِيادةً في التوضيح والبيان، قال العلاّمةُ السعدي (1376 ھ) في تفسيره «تيسير الكريم الرحمن»: “{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} وهذا المُرادُ به المعصِيّةُ الكُفْرِيّةُ، كما قيّدَتْها النُّصوصُ الأُخَرُ المُحْكَمةُ.

 

وأمّا مُجَرَّدُ المَعصيّةِ، فإنّه لا يوجبُ الخلود في النار، كما دلت على ذلك آيات القرآن، والأحاديث عن النّبِيِّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-، وأجمع عليه سلفُ الأُمّةِ وأئِمَّةِ هذه الأمة.”

 

ثُمّ لو صحّ أنّ العصيانَ الذي ورَدَ في قولِه تعالى: {وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدًا} يعني عصيان أهل التوحيد والإيمان؛ لفزع المسلمون واشتدّ حزنُهم، ولقالوا لِلنّبِيِّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-: أيَخْلُد المؤمنون العُصاةُ -الذين خطفَهم الموتُ قبْلَ أنْ يتوبوا- في النّارِ مع المشركين والكفّار؟ إذن، فما فائدةُ إيمانِهم؟

 

ولقد ثبتَ أنّهم اشتدّ فزَعُهم وحُزنُهم لمّا نزل قولُه تعالى في المدينة: {لِّلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُوا۟ مَا فِیۤ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ یُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَیَغۡفِرُ لِمَن یَشَاۤءُ وَیُعَذِّبُ مَن یَشَاۤءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ} [البقرة: 284].

 

فإنّهم لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، التي تُخْبِرُهم أنهم سيُحاسَبون عَلَى مَا يُخفُون فِي صُدُورِهِمْ؛ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيهم، وَخَافُوا على أنفسِهم!

 

ولو صحّ أنّ العصاةَ المُؤمنين سيخلدون في النّارِ، لقال الكُفّارُ لِلنّبِيِّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-: إذا كان عصاةُ المسلمين سيخلدون في النّارِ معنا، فلِمَاذا تتبرّؤون منّا، ولا تتبرؤون من إخوانكم العُصاة الذين سيُخلّدون في النّارِ معنا؟ ولماذا تدعوننا إلى دينكم، ونحن مُعرّضون لعصيان اللّهِ حتّى ولو دخلنا في دينكم، ومصيرُنا سيكون أيضاً الخلودُ في النّار؟

 

إنّ سبَبَ الخلودِ الأَبَدِيِّ في النّارِ هو الكفرُ لا المعاصي، والكُفّارُ والمُنافقون كانوا يُدرِكون ذلك؛ ولذلك فإنّهم كانوا يُحاوِلون جرَّ المؤمنين إلى الكُفْر لا إلى المعاصي، قال تعالى: {وَدُّوا۟ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَاۤءࣰۖ} [النساء: جزء من الآية 89].

 

قال البيضاوي (685 ھ) في تفسيره «أنوار التنزيل»: “{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا} تَمَنَّوْا أنْ تَكْفُرُوا كَكُفْرِهِمْ. {فَتَكُونُونَ سَواءً} فَتَكُونُونَ مَعَهم سَواءً في الضَّلالِ.”

 

وجاء في «المختصر في التفسير»/مركز تفسير: “تمنّى المنافقون لو تكفرون بما أُنْزِل عليكم كما كفروا، فتكونون مُسْتَوِينَ معهم في الكفر.”

 

* الشُّبْهَةُ السادِسةُ: الزّعْمُ أنّ عذابَ جَهَنّمَ مُدّتُه يومٌ واحدٌ فقط.

 

قال بعضُهم: إنّ عذابَ جَهَنّمَ مُدّتُه يومٌ واحدٌ فقط، وقدَّروه بخمسين ألف سنة أو ألف سنة؛ لأنّهم وَجَدوا أن عذابَ أهلِ النار في كثير من آيات الكتاب الحكيم، مضافٌ إليه كلمةُ (يوم)، مثل: {عذاب يوم عظيم} و {عذاب يوم أليم} … وفهموا مِن هذا أنّ عذابَ أهل النّار في جهنّمَ مُدّتُه يومٌ واحد فقط!

ولهذا ذهبوا إلى أنّ قولَه تعالى عن أهل النّارِ: {فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} دليلٌ على أنّهُم سيُخرَجون منها، بعد انقضاء مدّةِ المُكْثِ في جَهَنّمَ، التي قدّروها بِيوْمٍ واحدٍ!

 

وهذا القول غريبٌ، لم يَقُلْ به أحدٌ من أهل التفسير، والذين هم -قبل ذلك- أهل اللُّغَةِ والبيان!

 

ويُردُّ على هذه الشُّبْهَةِ بما يأتي:

 

  • إنّ كلمة (يوم) في اللُّغَة لا تُطلق دائما على الوقتِ المَعْرُوفِ المُمْتَدِّ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا، أوْ على أحَدِ أَيَّام الأُسْبُوعِ:

 

جاء في قاموس «لسان العرب» في مادة (يوم): “… وقالوا: اليومَ يومُك، يريدون التشْنِيعَ وتَعظيمَ الأمْرِ… وقد يُرادُ باليوم الوقتُ مطْلَقا؛ ومنه الحديث: تلك أيامُ الهَرْج، أي: وقته، ولا يختص بالنهار دون الليل” .

 

وجاء في «معجم مختار الصحاح»: “وَرُبَّمَا عَبَّرُوا عَنِ الشِّدَّةِ بِالْيَوْمِ، يُقَالُ: يَوْمٌ (أَيْوَمُ) كَمَا يُقَالُ: لَيْلَةٌ لَيْلَاءُ.”

 

  • والمعنى اللُّغوي لكلمة (يوم) لمْ يكُن خافياً عن أهل التفسير، واللُّغَةِ والبيان؛ فعلى سبيل المثال: فسّر الإمامُ فخر الدين الرازي (606 ھ) في «مفاتيح الغيب» قولَه تعالى: {إِنَّاۤ أَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ رِیحࣰا صَرۡصَرࣰا فِی یَوۡمِ نَحۡسࣲ مُّسۡتَمِرࣲّ} [القمر: 19]، بقوله في (المَسْألَةُ الرّابِعَةُ): “قالَ هُنا {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} وقالَ في فُصِّلَتْ: {فِي أيّامٍ نَحِساتٍ} [فصلت: 16] وقالَ في الحاقَّةِ: {سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا} [الحاقة: 7] والمُرادُ مِنَ اليَوْمِ هُنا الوَقْتُ والزَّمانُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: {يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 33] وقَوْلُهُ: (مُسْتَمِرٌّ) يُفِيدُ ما يُفِيدُهُ الأيّامُ؛ لِأنَّ الِاسْتِمْرارَ يُنْبِئُ عَنْ إمْرارِ الزَّمانِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الأيّامُ، وإنَّما اخْتَلَفَ اللَّفْظُ مَعَ اتِّحادِ المَعْنى؛ لِأنَّ الحِكايَةَ هُنا مَذْكُورَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، فَذَكَرَ الزَّمانَ ولَمْ يَذْكُرْ مِقْدارَهُ ولِذَلِكَ لَمْ يَصِفْها.”

 

وقال الآلوسي (1270 ھ) في تفسيره «روح المعاني»: “{فِي يَوْمِ نَحْسٍ} شُؤْمٍ عَلَيْهِمْ {مُسْتَمِرٍّ} ذَلِكَ الشُّؤْمُ لِأنَّهم بَعْدَ أنْ أُهْلِكُوا لَمْ يَزالُوا مُعَذَّبِينَ في البَرْزَخِ حَتّى يَدْخُلُوا جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ والمُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: {فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ} [فُصِّلَتْ: 16]، وقَوْلهُ سُبْحانَهُ: {سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا} [الحاقَّةَ: 7].”

 

* الشُّبْهَةُ السابِعةُ: الزّعْمُ أنّ كَوْنَ اللّهِ تعالى هو الأوّل والآخر، يستلزمُ عدم بقاء النّارِ.

 

تقول الشُّبْهَةُ: إنّ اللّهَ تَعالى وَصَفَ نفسَه بِأنَّهُ هو الأوَّلُ والآخِرُ؛ فلا بُدَّ أنْ تفنى النّارُ حتّى لا يبقى شيءٌ بعدَه، ويتحقّقُ اسمُه (الآخر)!

 

ومعلومٌ أنّ قولَهُم هذا يستلزِمُ أيضاً فناءَ الجَنَّة!

 

ويُردُّ على هذه الشُّبْهَةِ بما يأتي:

 

قال تعالى: {هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡآخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمٌ} [الحديد: 3].

 

قال الطبري (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “يقول تعالى ذكره: {هُوَ الأوَّلُ} قبل كل شيء بغير حدّ، {وَالآخِرُ} يقول: والآخرُ بعد كل شيء بغير نهاية. وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيءَ موجودٌ سِواهُ، وهو كائنٌ بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جلّ ثناؤه: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ}.”

 

وقال أبو حيان (745 ھ) في تفسيره «البحر المحيط»: “{هُوَ الأوَّلُ} الَّذِي لَيْسَ لِوُجُودِهِ بِدايَةٌ مُفْتَتَحَةٌ، {والآخِرُ} أي: الدّائِمُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نِهايَةٌ مُنْقَضِيَةٌ. وقِيلَ: الأوَّلُ الَّذِي كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والآخِرُ الَّذِي يَبْقى بَعْدَ هَلاكِ كُلِّ شَيْءٍ.”

 

وقال البقاعي (885 ھ) في تفسيره «نظم الدرر»: “ولَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ القُدْرَةِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {هُوَ} أيْ: وحْدَهُ {الأوَّلُ} أيْ: بِالأزَلِيَّةِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَلا أوَّلَ لَهُ، والقَدِيمُ الَّذِي مِنهُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ ولَيْسَ وُجُودُهُ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ما نُشاهِدُهُ مُتَأثِّرٌ لِأنَّهُ حَقِيرٌ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ غَيْرِ مُتَأثِّرٍ {والآخِرُ} بِالأبَدِيَّةِ، الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في سِلْسِلَةِ التَّرَقِّي، وهو بَعْدَ فَناءِ كُلِّ شَيْءٍ، ولَوْ بِالنَّظَرِ إلى ما لَهُ مِن ذاتِهِ فَلا آخِرَ لَهُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ نَعْتُ العَدَمِ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُتَغَيِّرٌ؛ وكُلُّ ما تَغَيَّرَ بِنَوْعٍ مِنَ التَّغْيِيرِ جازَ إعْدامُهُ، وما جازَ إعْدامُهُ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْدِمٍ يَكُونُ بَعْدَهُ ولا يُمْكِنُ إعْدامُهُ.”

 

وقال النسفي (710 ھ) في «مدارك التنزيل» عند تفسيره لقوله -تعالى-: {وَهُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ} [البقرة: جزء من الآية 25]: “{وَهم فِيها خالِدُونَ} الخُلْدُ: البَقاءُ الدائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. وفِيهِ بُطْلانُ قَوْلِ الجَهْمِيَّةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ بِفِناءِ الجَنَّةِ وأهْلِها؛ لِأنَّهُ تَعالى وُصِفَ بِأنَّهُ الأوَّلُ والآخِرُ، وتَحْقِيقُ وصْفِ الأوَّلِيَّةِ بِسَبْقِهِ عَلى الخَلْقِ أجْمَعَ، فَيَجِبُ تَحْقِيقُ وصْفِ الآخِرِيَّةِ بِالتَأخُّرِ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، وذا إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ فَناءِ الكُلِّ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِهِ ضَرُورَةً، ولِأنَّهُ تَعالى باقٍ، وأوْصافُهُ باقِيَةٌ، فَلَوْ كانَتِ الجَنَّةُ باقِيَةً مَعَ أهْلِها لَوَقَعَ التَشابُهُ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ، وذا مُحالٌ. [انتهى قولُ الجَهْمِيَّةِ]

 

قُلْنا: الأوَّلُ في حَقِّهِ هو الَّذِي لا ابْتِداءَ لِوُجُودِهِ، والآخِرُ هو الَّذِي لا انْتِهاءَ لَهُ، وفي حَقِّنا الأوَّلُ هو الفَرْدُ السابِقُ، والآخِرُ هو الفَرْدُ اللّاحِقُ. واتِّصافُهُ بِهِما لِبَيانِ صِفَةِ الكَمالِ، ونَفْيِ النَقِيصَةِ والزَوالِ، وذا في تَنْزِيهِهِ عَنِ احْتِمالِ الحُدُوثِ والفَناءِ لا فِيما قالُوهُ. وأنّى يَقَعُ التَشابُهُ في البَقاءِ، وهو تَعالى باقٍ لَذَاتِهِ، وبَقاؤُهُ واجِبُ الوُجُودِ، وبَقاءُ الخَلْقِ بِهِ، وهو جائِزُ الوُجُودِ؟!”

 

وقال العلاّمةُ الآلوسي (1270 ھ) في مَعْرِضِ رَدِّهِ على الجَهْمِيَّةِ -أيضاً- في تفسيره «روح المعاني»: “فَهو الواجِبُ القِدَمِ المُسْتَحِيلُ العَدَمِ، والخَلْقُ لَيْسُوا كَذَلِكَ، فَأيْنَ الشَّبَهُ؟”

 

* الشُّبْهَةُ الثامِنةُ: الزّعْمُ أنّ فناءَ النّارِ حتْمِيٌّ؛ لأنّ كلَّ شَیۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُ.

 

قال بعضُهم بحَتْمِية فناءِ النّارِ؛ لقوله تعالى: {كُلُّ شَیۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُ} [القصص: 88].

 

ومعلومٌ أنّ قولَهُم هذا أيضاً يستلزِمُ فناءَ الجَنَّة!

 

ويُرَدُّ عليهم بما يأتي:

 

إنّ قولَه تعالى: {كُلُّ شَیۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُ} لا يدلّ على أنّ كلّ موْجودٍ أخْرَجَه اللّهُ إلى الوجود لا بُدّ أنْ يهلك ويفنى، قال ابنُ كثير (774 ھ) في تفسيره: “وَقَوْلُهُ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ}: إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ الدَّائِمُ الْبَاقِي الْحَيُّ الْقَيُّومُ، الَّذِي تَمُوتُ الْخَلَائِقُ وَلَا يَمُوتُ … وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} أَيْ: إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ.”

 

وقال البقاعي (885 ھ) في تفسيره «نظم الدرر»: “{كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ} أيْ: هُوَ في قُوَّةِ الهَلاكِ والفَناءِ ومُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ {إلا وجْهَهُ} أيْ: هو، فَهو الباقِي لِأنَّهُ الواجِبُ الوُجُودِ، ووُجُودُ كُلِّ مَوْجُودٍ إنَّما كانَ بِهِ.”

 

وقال أبو السعود (982 ھ) في تفسيره «إرشاد العقل السليم»: “{كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ} إلّا ذاتَهُ، فَإنَّ ما عَداهُ كائِنًا ما كانَ مُمْكِنٌ في حَدِّ ذاتِهِ عُرْضَةٌ لِلْهَلاكِ والعَدَمِ.”

 

وقال الآلوسي (1270 ھ) في تفسيره «روح المعاني»: “{كُلُّ شَيْءٍ} أيُّ: مَوْجُودٍ مُطْلَقًا {هالِكٌ} أي: مَعْدُومٌ مَحْضٌ، والمُرادُ كَوْنُهُ كالمَعْدُومِ وفي حُكْمِه، {إلا وجْهَهُ} أي: إلّا ذاتَهُ عَزَّ وجَلَّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ وُجُودَ ما سِواهُ -سُبْحانَهُ- لِكَوْنِهِ لَيْسَ ذاتِيًّا، بَلْ هو مُسْتَنِدٌ إلى الواجِبِ تَعالى، في كُلِّ آنٍ قابِلٌ لِلْعَدَمِ وعُرْضَةٌ لَهُ؛ فَهو كَلا وُجُودٍ، وهَذا ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، والكَلامُ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.”

 

* الشُّبْهَةُ التاسِعةُ: قالوا بجواز الخُلْف على اللّهِ تعالى في الوعيد.

تقول الشُّبْهَةُ بأنّه يجوز على اللّهِ تعالى أنْ يُبدِّلَ وَعِيدَهُ وتهديدَه لِلكُفّارِ بالخلودِ في النّارِ، ويدخلهم الجَنَّة؛ لأنّ الخُلْفَ في الوعيد لا يُعدُّ نقصاً بل يُعدُّ كَرَماً يُمْتدَحُ به!

 

وهذا القول ردّهُ أهل التفسير والقرآن، وإليكم البيان:

 

  • قال تعالى: {لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡآخِرَةِۚ لَا تَبۡدِیلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ} [يونس: 64].

 

قال أبو حيان (744 ھ) في «البحر المحيط»: “{لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ} لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ، ولا خُلْفَ في مَواعِيدِهِ كَقَوْلِهِ: {ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 28].

 

  • وقال تعالى: {قَالَ لَا تَخۡتَصِمُوا۟ لَدَیَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَیۡكُم بِٱلۡوَعِیدِ. مَا یُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَیَّ وَمَاۤ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمࣲ لِّلۡعَبِیدِ} [ق: 28-29].

 

قال ابن عطية (546 ھ) في «المحرر الوجيز»: “المَعْنى: قَدْ قَدَّمْتُ بِالوَعِيدِ أنِّي أُعَذِّبُ الكُفّارَ في نارِي، فَلا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ولا يَنْقُصُ ما أبْرَمَهُ كَلامِي، ثُمَّ أزالَ مَوْضِعَ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: {وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} أيْ: هَذا عَدْلٌ فِيهِمْ؛ لِأنِّي أعْذَرْتُ وأمْهَلْتُ وأنْعَمْتُ بِالإدْراكاتِ، وهَدَيْتُ السَبِيلَ والنَجْدَيْنِ، وبَعَثْتُ الرُسُلَ.”

 

وقال النسفي (710 ھ) في «مدارك التنزيل»: “{ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ} أيْ: لا تَطْمَعُوا أنْ أُبَدِّلَ قَوْلِي ووَعِيدِي بِإدْخالِ الكُفّارِ في النارِ، {وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} فَلا أُعَذِّبُ عَبْدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ، وقالَ: {بِظَلّامٍ} عَلى لَفْظِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّهُ مِن قَوْلِكَ: هُوَ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ، وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ.”

 

وقال البيضاوي (685 ھ) في «أنوار التنزيل»: “{قالَ} أي: اللَّهُ تَعالى {لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ} أي: في مَوْقِفِ الحِسابِ، فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ وهو اسْتِئْنافٌ مِثْلَ الأوَّلِ {وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ} عَلى الطُّغْيانِ في كُتُبِي وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي فَلَمْ يَبْقَ لَكم حُجَّةٌ. وهو حالٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أيْ: لا تَخْتَصِمُوا عَالِمِين بِأنِّي أوْعَدْتُكُمْ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ مُعَدِّيَةٌ عَلى أنَّ قَدَّمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالوَعِيدِ حالًا والفِعْلُ واقِعًا عَلى قَوْلِهِ: {ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ} أيْ: بِوُقُوعِ الخُلْفِ فِيهِ، فَلا تَطْمَعُوا أنْ أُبَدِّلَ وعِيدِي. وعَفْوُ بَعْضِ المُذْنِبِينَ لِبَعْضِ الأسْبابِ لَيْسَ مِنَ التَّبْدِيلِ، فَإنَّ دَلائِلَ العَفْوِ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الوَعِيدِ {وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} فَأُعَذِّبَ مَن لَيْسَ لِي تَعْذِيبُهُ.”

 

وقال الشيْخُ ابن تيمية: “وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُه تَعَالَى: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ قَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالْوَعِيدِ وَقَالَ: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ صَادِقٌ فِي وَعِيدِهِ أَيْضًا، وَأَنَّ وَعِيدَهُ لَا يُبَدَّلُ. وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ فُسَّاقَ الْمِلَّةِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

 

لَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُضْعِفُ جَوَابَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ إخْلَافَ الْوَعِيدِ جَائِزٌ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَعِيدَهُ لَا يُبَدَّلُ كَمَا لَا يُبَدَّلُ وَعْدُه.” [مجموع الفتاوى(14/489)].

 

تنبيه: يستدلّ بعضُ القائلين بجواز الخُلْف على اللّهِ تعالى في الوعيد، بما رُوِيَ عن النّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنّه قال: “مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ وَعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ.”

 

وهذا الحديث رواه أبو يعلى (6/66)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (8/240)، وابن أبي عاصم في «السُّنَّة» (960)، والأصفهاني في «الحجة» (2/71)

 

وقال البوصيري في «إتحاف المهرة» (7/136): “رواه أبو يعلى والبزار، ومَدارُ إسنادَيْهِما على سهيل بن أبي حزم، وهو ضعيف.”

 

وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/214): “رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، وفيه: سهيل بن أبى حزم، وقد وُثِّقَ على ضُعفِه، وبَقِيّةُ رجالِه رجالُ الصّحيح.”

 

وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2463): “والحديث مع ضُعفِ سَنَدِه فهو ثابتُ المتْنِ عندي.”

 

وقولُ الألباني: “فهو ثابت المتن عندي”، لا يعني أنّه يقول بجواز الخُلْف على اللّهِ تعالى في الوعيد؛ لأنّه -رحمه اللّهُ- كان يقول بأبدية النّارِ، وخلودِ أهلِ الكفر والشرك فيها؛ ولا شكّ أنّه كان يرى أنّ هذا الحديثَ خاصٌّ بأهل الإيمان والتوحيد.

 

وهذا الحديثُ رواه الحافظُ بن حجر في «المطالب العالية»، في (كِتَابُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ – بَابُ الْعَفْوِ عَمَّا دُونَ الشِّرْكِ)، رقم الحديث 3083؛ حيث قال: “قَالَ أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا، فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ وَعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا، فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ قَالَ الْبَزَّارُ: سُهَيْلٌ لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ.”

 

ووضْعُهُ الحديث في (كِتَابُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ – بَابُ الْعَفْوِ عَمَّا دُونَ الشِّرْكِ) يدلّ على أنّه كان يرى أنّه خاصٌّ بأهل التوحيد والإيمان، لا بأهل الشِّرْك والكُفْران؛ فالوعيدُ في حقّ عُصَاة المؤمنين هو الذي يكون تحت مشيئة الله تعالى، فقد يقع هذا الوعيد جزاءً وعدلاً، وقد يختلف هذا الوعيد في حقّ بعض العصاة.

 

إضاءة: حول الاحتجاج بحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ السابق.

 

أوّلاً- هذا الحديث ضعيف، فلا يمكن أن يُحتجَّ به في مسائل الاعتقاد.

 

ثانياً- على فرض صحته، لا يمكن أنْ يُعارِضَ نصوصَ القرآنِ المُحْكمَة، التي نصّت على أبَدِيّةِ النّارِ وأبَدِيّةِ العذابِ؛ فلا بُدَّ أن يُحْملَ على المُوحِّدين.

 

* الشُّبْهَةُ العاشِرةُ: الزّعْمُ أنّه أُثِرَ عن بعضِ السّلف القولُ بفناءِ النّار.

 

ولقد زَلَّ قلَمُ ابنِ أبي العز الحنفي في «شرح العقيدة الطحاوية» بقولِه: “قال بِبَقاءِ الجنة وبفناء النار جماعةٌ من السلف والخلف، والقولان مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرها.”

 

وما قاله ابن أبي العز غيرُ صحيحٍ؛ قال صاحب كتاب «الزواجر»: “لَمْ يصح عنهم -يعني الصحابة- من ذلك شيء، وعلى التَّنَزُّل فمعنى كلامهم -كما قاله العلماء- ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين، أمّا مواضعُ الكُفّار فهي ممتلئةٌ بهم، لا يخرجون عنها أبداً، كما ذكره الله في آيات كثير.” [الزواجر عن ارتكاب الكبائر، ابن الهيثمي، ج1 ص37].

 

وقال الشيخ المحدّث الألباني -رحمه اللّهُ- في تعليقهِ على «شرح الطحاويةِ» في الحاشيةِ (ص 424 رقم 591): “قلتُ : لم يثبت القولُ بفناءِ النارِ عن أحدٍ من السلفِ، وإنما هي آثارٌ واهيةٌ لا تقومُ بها حجةٌ، وبعضُ أحاديثهِ موضوعةٌ، لو صَحّتْ لمْ تدُلَّ على الفناءِ المزعومِ، وإنما على بقاءِ النارِ، وخروجِ الموحدين منها، وقد كنتُ خَرّجْتُ بعض ذلك في «الضعيفةِ» برقم (606 ، 707). ثم وقفتُ على رسالةٍ مخطوطةٍ في مكتبةِ المكتبِ الإسلامي للعلامةِ الأميرِ الصنعاني في هذه المسألةِ الخطيرةِ، ردَّ فيها على ابن القيمِ رحمهُ اللهُ، فعلقتُ عليها وخرَّجتُ أحاديثَهما وقدَّمتُ لها بِمُقدِّمةٍ ضافيةٍ.” اهـ.

 

وقال الصنعانيُّ في الرسالةِ التي أشار إليها الشيخُ الألباني (ص 116): “وأقولُ: قد عرفْتَ أنّهُ -أي: ابنُ القيم- نَقَل عن سِتةٍ من الصحابةٍ عباراتٌ لا تدلُ على مَدْعاهُ [أي: ما ادَّعَاه ابن القيم]، وهو فناءُ النارِ بنوعٍ من الدلالاتِ كما أوضحناهُ، ولا يصِحُّ نسبتهُ لتلك الدعوى إلى واحدٍ من أولئك الستةِ، فلم يوجدْ لأحدٍ مما وجدنا عن واحدٍ من الصحابةٍ أنه يقولُ بفناءِ النارِ، كما أنهُ لا يوجدُ قائلٌ من الصحابةِ أنه يقولُ بعدمِ فناءِ النارِ؛ فإن هذه المسألةَ، وهي فناءُ النارِ، لا تُعْرفُ في عصرِ الصحابةِ، ولا دارت بينهم، فليس نفي ولا إثباتٌ، بل الذي عرفوهُ فيها هو ما في الكتابِ والسنةِ من خلودِ أهلِ النارِ أبداً، وأنّ أهلَها ليسوا منها بِمُخْرَجين، وعرفوا ما ثبت من خروجِ عصاةِ الموحدين.

 

إذا عرفْتَ هذا عرفْتَ أنّ دعوى فناءِ النارِ أو عدمِ فنائها قولٌ للصحابةِ، دعوى باطلةٌ؛ إذ هذه الدعوى لا توجدُ في عصرهم، حتى يُجْمِعوا عليها نفياً أو إثباتاً. نعم القولُ الذي دل عليه القرآنُ من خلودِ النارِ أهلها فيها أبداً، يتضمنُ القولَ عنهم بما تضمنهُ القرآنُ، ودل عليه الأصلُ فيما أخبر اللهُ به عن الدارين الأُخْرَوَيْنِ البقاء، فلا يحتاجُ مدعي عدم الفناء إلى الدليلِ على ذلك الأصل.” اهـ.

 

وانظر مناقشة هذه الآثار وإبطال الاستدلال بها في «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (2/651، 652) في الحاشية، طبعة مؤسسة الرسالة بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط.

 

وهذه بعض الآثار التي نُسِبَت إلى بعض السلفِ، وحُكْمُ أئِمّة الحديث عليها:

 

  • عنِ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ قَال: “لَوْ لَبِثَ أَهْل النَّار فِي النَّار عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ، لَكَانَ لَهُمْ يَوْمٌ يَخْرُجُونَ فِيهِ.”

 

قال الذهبي: “والحَسَن مع جلالته فهو مدلس ومراسيله ليست بذاك” [السير: 4\572].

 

وقال ابن سعد: “وما أرسله من الحديث فليس بحجه” [تهذيب الكمال 2\121].

 

وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ في«الفتحِ» (11/429): “وَهُوَ مُنْقَطِعٌ.”

 

ولقد صحَّحَ ابنُ القيمِ هذا الأثرِ في كتابه «حادي الأرواحِ إلى بلادِ الأفراحِ»، ورَدّ عليه الألباني في «سلسلته الضعيفةِ» (606)؛ وقال في تحقيقهِ لكتابِ «رفعِ الأستارِ» (ص 65): “قلتُ: إسنادهُ ضعيفٌ لانقطاعهِ.”

 

وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ في «فتحِ الباري» (11/429) -على فرضِ ثبوتِ الأثرِ عن عمر-: “قُلْت: وَهَذَا الْأَثَر عَنْ عُمَر لَوْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ.”

 

والدليلُ على ما قاله ابن حجر العسقلاني، هو أنّ هذا الأثرُ ليس فيه أنّ النّارَ ستفنى، وإنّما فيه أنّ أهلها سيخرجون منها -كما قال بعضُ الباحثين.-

 

  • عنْ اِبْن عَبَّاس: {قَالَ النَّار مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه إِنَّ رَبّك حَكِيم عَلِيم} قَالَ: “إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ آيَةٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُم عَلَى اللَّه فِي خَلْقه أَنْ لَا يُنْزِلَهُمْ جَنَّة وَلَا نَارًا.”

 

قال الألباني في تحقيقه لـ «رفعِ الأستارِ» (ص 71): ” قلتُ: هذا أثرٌ منقطعٌ، لأنّ علي بنَ أبي طلحةَ لم يسمع من ابنِ عباسٍ، وإن كان معناهُ صحيحاً على ما سيُبَيِّنُهُ المؤلفُ -رحمهُ الله تعالى-، ثم إن في الطريقِ إليه عبدَ الله بنَ صالحٍ وفيه ضعفٌ.” اهـ.

 

وقد علّق الصنعاني على الأثر بقولهِ: “وأقولُ: لا يخفى على ناظرٍ، أنهُ لا دلالةَ في هذا الأثرِ، ولا رائحةَ دلالةٍ على المدعى من فناءِ النارِ، بل غايةُ ما يُفيدُه: الإخبارُ عن أنه لا يُجْزَمُ للمؤمنِ أنه من أهلِ الجنةِ، ولا العاصِ من عصاةِ المؤمنين أنه من أهلِ النار. وهذا المعنى ثابتٌ في الأحاديثِ الصحيحةِ.”

 

  • عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرو قَالَ: “ليَأْتِيَنّ عَلَى جهنّمَ يومٌ تَصْفِق فيه أَبْوَابُهَا، وَلَيْسَ فِيها أَحَدٌ، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا.”

 

هذا الحديث في سنده أبو بَلْج يحيى بن سليم، ضعيف مِن قِبَل حفظه، قال الحافظ الذهبي في ترجمته: وهذا منكر، قال ثابت البناني: سألت الحسن عن هذا فأنكره.” [ميزان الاعتدال، ج 4 ص 385].

 

وقال أحمد: “روى حديثاً منكراً.”

 

وقال البخاري: “فيه نظر”؛ قال الذهبي في «الموقظة»: “عادة البخاري إذا قال: “فيه نظر”، أنه بمعنى أنه متهم أو ليس بثقة، فهو عنده أسوأ حالاً من الضعيف.”

 

والدليلُ على أنّ هذا الأثر لَم يثبت عن الصحابي عبد الله بن عمْرو -رضي اللّهُ عنه-، هو وُرودُ أثرٍ صحيح عنه، يقول فيه بأبدية النّارِ؛ فلقد ثبت عنه أنّهُ قال: إنَّ أهلَ النارِ يَدعون مالكًا، فلا يجيبُهم أربعينَ عامًا، ثم يقولُ {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}؛ ثم يَدعون ربَّهم فيقولون {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} فلا يجيبُهم مثل الدنيا؛ ثم يقول {اخْسَؤُا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ}؛ ثم ييأس القومِ- فما هو إلا الزّفيرُ والشهيقُ، تشبه أصواتُهم أصواتَ الحميرِ أولُها شهيقٌ، وآخرُها زفيرٌ”. قال الألباني في «صحيح الترغيب»: “صحيح.”

 

  • عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى جَهَنَّمَ زَمَانٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا يَلْبَثُونَ فِيهَا أَحْقَابًا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَهُ.

 

قال الشيخ الألباني مُعلِّقاً على هذا الأثر: “وهذا إسناد مُظْلِم”.[تحقيق كشف الأستار للألباني: ص 76].

 

وقال الإمام البغوي مُعلِّقا على نفس الأثرِ: “ومعناهُ عند أَهْلِ السُّنَّةِ إِنْ ثَبَتَ: أَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ. وَأَمَّا مَوَاضِعُ الْكُفَّارِ فَمُمْتَلِئَةٌ أَبَدًا” [معالم التنزيل: ج 2 ص 403].

 

ولقد وَردَ عن عبد الله بن مسعود -رضي اللّهُ عنه- أثرٌ بإسناد جَيِّدٍ، قال فيه بأبدية النّارِ؛ قال ابن رجب الحنبلي في كتابه «التخويف من النار»: “فإنه رُوِيَ عنه -أي: عبد الله بن مسعود- موقوفاً من وجه آخر بإسناد جيد، قال أبو الحسن بن البراء العبدي في كتاب الروضة له: حدثنا أحمد بن خالد -هو الخلال- حدثنا عثمان بن عمر حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: عن عبدِ اللهِ، قال: لَوْ أنَّ أهلَ جهنمَ وُعِدوا يومًا من أَبَدٍ أوْ عَدَدَ أَيَّامِ الدنيا، لفرحُوا بذلكَ اليومِ؛ لأنَّ كلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.” [التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، الباب السابع والعشرون ـ في ذكر و رود النار، مكتبة دار البيان – دمشق، الطبعة الأولى، 1399 ھ، ص 249].

 

  • عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: “يأتي على جهنّمَ يومٌ، ما فيها مِن بني آدم واحد، تَخْفُقُ أبوابُها كأنّها أبوابُ المُوحِّدين.”

 

قال ابن الجوزي: “هذا حديث موضوعٌ محال، وجعفر هو ابن الزبير، قال شعبة: كان يكذب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال السعدي: نبذوا حديثه، وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك” [كتاب الموضوعات، ج 3 ص 268].

 

وقال الذهبي في ترجمة جعفر بن الزبير: “ويَروِي بإسناد مُظْلِم عنه حديثه متنه: يأتي على جهنم يومٌ، ما فيها أحدٌ من بني آدم تخفق أبوابها.” [«ميزان الاعتدال» ج 1 ص 407].

 

  • أثر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله -تعالى-: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107] قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله.

 

هذا الحديثُ لا دلالة فيه على فناء النار؛ قال البيهقي: “أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ، أنا أَبُو سَعِيدٍ الرَّازِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، ثنا مُعْتَمِرٌ، فَذَكَرَهُ. وَإِنَّمَا أَرَادَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْمُسِيءِ مَا أَوْعَدَ عَلَى إِسَاءَةٍ فَعَلَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ قَيَّدَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى بِمَا دُونَ الْشِّرْكِ فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وَهُوَ فِيمَا دُونَ الشِّرْكِ عَلَى كُلِّ وَعِيدٍ فِي الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.”

 

وأخرج البيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} قال: فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار، وأن يخلد هؤلاء في الجنة.

 

تنبيه هام: لقد نبّه القرطبي إلى أنّ النّارَ التي تفنى، هي النّارُ التي يدخلها عُصاةُ المُوَحِّدِين، وليستِ النّارُ التي أعدّها اللّهُ للكافرين، فقال: “فمن قال: إنهم يخرجون منها، وأن النّارَ تبقى خاليةً بجملتها خاوية على عروشها، وأنها تفنى وتزول، فهو خارجٌ عن مقتضى المعقول، ومخالفٌ لِما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهلُ السُّنةِ والأئمّةِ العدولِ. وإنّما تخلى جهنم، وهي الطبقة العلية التي فيها العصاة من أهل التوحيد.” [التذكرة للقرطبي، ص 436].

 

ملحوظة: من الغريب أنّ بعض الباحثين المعاصرين، يحتجّون بمثل هذه الآثار التي لا تَصِحُّ، ويُعرِضون عن الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم؛ لأنّها تخالف آراءَهم!

 

* الشُّبْهَةُ الحادِيةَ عَشْرَةَ: الزّعْمُ أنّ حكمةَ اللّهِ ورحمتَه تقتضيان أن يكون العقاب محدوداً ومناسباً للعمل فقطْ.

قال بعضُهم: “مفهومُ أسماء الله الحسنى وبالذات اسْمَيْ الحكيم والرحيم يقتضيان أن يكون العقاب مناسب[اً] للعمل، وليس أكبر أو أكثر منه. فمهما كان العمل إجرامي[اً]، فهو لا شك محدود في النهاية، وبالتالي لابد من محدودية وانتهاء مدة العقاب.” اھ.

 

ويُرَدّ على هذه الشُّبْهَةِ بقوله تعالى: {مَن جَاۤءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَاۤءَ بِٱلسَّیِّئَةِ فَلَا یُجۡزَىٰۤ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ} [الأنعام: 160].

 

قال القرطبي (671 ھ) في «الجامع لأحكام القرآن»: “{وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ} يَعْنِي الشِّرْكَ {فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها} وَهُوَ الْخُلُودُ فِي النَّارِ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ، وَالنَّارَ أعظمُ العقوبةِ، فذلك قول تَعَالَى: {جَزاءً وِفاقاً} يَعْنِي جَزَاءً وَافَقَ الْعَمَلَ.”

 

وقولُه تعالى: {جَزاءً وِفاقاً} جاءت في سورة النّبأ، قال تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادࣰا. لِّلطَّـٰغِینَ مَـَٔابࣰا. لَّـٰبِثِینَ فِیهَاۤ أَحۡقَابࣰا. لَّا یَذُوقُونَ فِیهَا بَرۡدࣰا وَلَا شَرَابًا. إِلَّا حَمِیمࣰا وَغَسَّاقࣰا. جَزَاۤءࣰ وِفَاقًا. إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ لَا یَرۡجُونَ حِسَابࣰا. وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا كِذَّابࣰا. وَكُلَّ شَیۡءٍ أَحۡصَیۡنَـٰهُ كِتَـٰبࣰا. فَذُوقُوا۟ فَلَن نَّزِیدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا} [النّبأ: 21-30].

 

قال البغوي (516 ھ) في تفسيره: “{جَزَاءً وِفَاقًا} أَيْ: جَزَيْنَاهُمْ جَزَاءً وَافَقَ أَعْمَالَهُمْ. قَالَ مُقَاتِلٌ: وَافَقَ الْعَذَابُ الذَّنْبَ، فَلَا ذَنْبَ أَعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، وَلَا عَذَابَ أَعْظَمُ مِنَ النَّارِ.”

 

وقال ابنُ عطية (546 ھ) في تفسيره «المحرر الوجيز»: “وقَوْلُهُ تَعالى: {جَزاءً وِفاقًا} مَعْناهُ: لِأعْمالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أيْ: هو جَزاؤُهُمُ الجَدِيرُ بِهِمْ، المُوافِقُ مَعَ التَحْذِيرِ لِأعْمالِهِمْ، فَهي كُفْرٌ والجَزاءُ نارٌ.”

 

وقال العلاّمةُ الطاهر بن عاشور (1393 ھ) في تفسيره «التحرير والتنوير»: “والوِفاقُ: مَصْدَرُ وافَقَ وهو مُؤَوَّلٌ بِالوَصْفِ، أيْ: مُوافِقًا لِلْعَمَلِ الَّذِي جُوزُوا عَلَيْهِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ وتَكْذِيبُ القُرْآنِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: {إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا} [النبأ: 27] {وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا} [النبأ: 28] .

 

نَعم، الحِكْمةُ الإلهيةُ تقتضي أنْ يكونَ العقابُ مُناسِباً لِلْعمَل، ولكنْ الحكمةُ الإلهيّةُ هي وحدَها التي لها الحقُّ في اختيار العقاب المناسب للعمل لا الإنسانُ؛ وهذه الحكمةُ هي التي اقتضت أنْ يكون جزاءُ الكافرِ وعقابُه الذي يلحقه والمناسبُ للكفر هو الخلود السَّرْمَدِي في النّارِ، ولا رادّ لحكمه. ولا يجوز لأحدٍ أنْ يعترضَ على حكمته -تعالى-، التي لا يعلم كُنْهها إلاّ هو!

 

* الشُّبْهَةُ الثانيةَ عشْرةَ: الزّعْمُ أنّ أصْلَ لفظِ (العذاب) هو التّصْفِيّةُ والتّنْقِيّةُ، وهذا لا يستلزمُ سَرْمَدِية العذابِ، وأبدِيّة النّارِ.

قال بعضُهم: “كلمة (عذاب) من عذب، التي تدل على عزل أو فصل أو تنقية شيء من أمور لحقت به، نحو الماء العذب، وهو الماء الصافي الصالح للشرب وخالي من الشوائب. والعذاب للإنسان هو القيام بتطهيره أو عزل الشوائب التي أصابت نفسه، وهذا مفهوم التعذيب، وإذا انتفت الغاية انتفى مفهوم العذاب وصار تشفياً، وهذا الفعل منزه عنه الخالق الصمد المستغني عن كل شيء، والقيام بالتعذيب ومن ثم إفناء المعَذبين عبث، واستمرار التعذيب إلى ما لا نهاية أيضاً عبث وخلاف الحكمة.” اھ.

 

وهذه الشُّبْهَةُ يُردّ عليها بما يأتي:

 

أوّلاً: لقد جاءت الأدلةُ القاطعةُ من الكتاب والسُّنَّةِ على أبدية النّارِ، وخلود الكفار في عذابِها -كما رأينا سابقاً-؛ ولقد اتفق أهل اللُّغَة على أن المعنى اللُّغَوِي لكلمة (عذاب) هو: النَّكَالُ والعُقُوبة، يقال: عَذَّبْتُه تَعْذِيباً وعَذَاباً. [انظر مادة (عذب) في: «لسان العرب»، و«تاج العروس»، و«القاموس المحيط»]؛ أو هو: الإيجاعُ الشّديد. [انظر: مفردات القرآن، للراغب الأصفهاني/ وعمدة الحفاظ، للسمين الحلبي].

 

وهذا المعنى لا يُعارِضُ القولَ بأبَدِيّة عذابِ الكفارِ في النّارِ. ومعنى العذاب في النّار، لا يختلفُ عن معناه اللغوي؛ ولكنْ كيْفيّةُ العذابِ وشِدّتُه ومُدّتُه، تختلفُ بين المُعذَّبِين: فالمؤمنُ المُوحِّدُ يكون عذابُه تطهيراً له وتصفيةً؛ ولذلك فإنّه يخرج من النّارِ، ولا يخلد فيها. وأمّا الكافرُ فإنّ عذابَه في النّارِ هو جزاءُ كُفْرِه؛ لقوله تعالى: {فَلَنُذِیقَنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ عَذَابࣰا شَدِیدࣰا وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِی كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ. ذ ٰلِكَ جَزَاۤءُ أَعۡدَاۤءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِیهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَاۤءَۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا یَجۡحَدُونَ} [فصلت: 27-28].

 

والكفرُ لا يَقبَل التّطْهيرَ والتّصْفيّةَ؛ لقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَغۡفِرُ أَن یُشۡرَكَ بِهِۦ وَیَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَ ٰلِكَ لِمَن یَشَاۤءُۚ وَمَن یُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَـٰلَۢا بَعِیدًا} [النساء: 116]، ولقوله تعالى: {إِنَّهُۥ مَن یُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِینَ مِنۡ أَنصَارࣲ} [المائدة: جزء من الآية 72]؛ ولذلك فإنّ جزاءَه هو الخلودُ الأبَديُّ في النّارِ.

 

فالمؤمنُ جزاءُ إيمانِه وتوحيدِه هو الخلودُ في الجَنّة، وقد يدخل النّار لكي تُطهِّرَه؛ ثم يخرج منها ويدخل الجنة. وأمّا الكافرُ فجزاءُ كفرِه هو الخلودُ السَّرْمَديُّ اللّامُتَناهِيُّ في عذابِ النّارِ.

 

هذا ولم يقل أحدٌ من أهل اللُّغَة بأنّ مفهومَ تعذيب الإنسان هو تطهيره أو عزل الشوائب التي أصابت نفسه، وإنّما قال بعضُهم: إنّ أصْلَ كَلِمةِ (عذاب) هو المنعُ مِن مُعاوَدة ما عوقِبَ عليه. [عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، مادة (عذب)].

 

ويبدو أنّ القائلَ بالشُّبْهَةِ المذكورة سابقاً، قد وقع له خلْطٌ بين أصْلِ كلمة (عذاب) ومعناها اللُّغوِيِّ؛ والمعهودُ عند علماءِ التفسير، عندما يَرْجِعون إلى اللُّغَة لتفسيرِ ألفاظ القرآن الكريم هو تفسيرُها بمعانيها اللُّغَوِيّة، لا بِأُصُولِها!

 

مسألةٌ هامّة: متى يجوزُ تفسيرُ ألفاظِ القرآن الكريم باللغة؟

 

قال الإمامُ القرطبي -مُحذِّراً من تفسير القرآن باللُّغة بدون ضوابط- في كتابه «الجامع لاحكام القران»: “ما جاء من الوعيد في تفسيرِ القرآن بالرأي، والجرأةِ على ذلك: الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهارٍ بالسَّماع والنّقْل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المُبْهَمَة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير.”

 

وقال الدكتور عبد الله الجُدَيع: “ثُمّ إنّ الاقْتِصارَ على مُجَرَّدِ اللُّغَةِ لا يُعَيِّنُ المُرادَ الشّرْعيَّ بالألفاظِ، فلفظُ الصّلاةِ أو الزكاةِ أو الصيام مثلاً، لا تُسْعِفُك فيها اللُّغَةُ لِمعرِفةِ مُرادِ اللَّهِ تعالى بها؛ ولذا احتيجَ إلى بيان الرّسول صلّى اللّهُ عليه وسلّم”. [د. عبد الله الجديع، المقدِّمات الأساسية في علوم القرآن، مؤسسة الريان، ط 1 سنة 2001، ص 353].

 

ولخطورة تفسير ألفاظ القرآن الكريم باللغة، وضع العلماءُ ضوابطَ؛ لاختيار المعنى المناسب للكلمة المراد تفسيرها، إذا كانت تحْتَمِل أكثر من معنى في لغة العرب، وكان هناك تعارضٌ أو تناقضٌ بينها، وهي -باختصار-:

 

-1 أنْ تكونَ الكلمةُ المُفسِّرةُ صحيحةً في اللغة، فلا يجوز تفسير القرآن بما لا يُعرَف في لغة العرب.

 

-2أنْ تُفسَّرَ الكلمةُ على الأغلب المعروف من لغة العرب، دون الشاذ أو القليل.

 

3- أنْ يُراعيَ المُفسِّرُ -عند تفسيره لِلكلمة- السِّياقَ، فلا يختار إلا ما يتناسب معها؛ وهذا ما كان يفعله الراغب الأصفهاني في كتابه «مفردات القرآن الكريم»؛ قال الزركشي: “وهذا يُعنَى به الراغب كثيراً في كتابه المفردات؛ فيذكر قيْداً زائداً على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السِّياق”. [البرهان في علوم القرآن، (2/172)].

 

-4 أنْ يعرف مُلابَساتِ النُّزولِ [أيْ: نزولِ الآيةِ التي ورَدَتْ فيها الكلمةُ المُرادُ تفسيرُها] إذا احتاجها عند تفسير لفظة ما؛ لكيْ يعرفَ المراد بها في الآية.

 

-5أن يُقَدِّمَ المعنى الشرعيَّ على المعنى اللُّغَوِيِّ إذا تنازعَهُما اللفظُ، إلا إذا دلّ الدّليلُ على إرادة المعنى اللغوي؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة.

 

فالصّلاةُ في قولِه تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] تحتمل الدعاءَ، وتحتمل صلاةَ الجنازة، وهذا هو المُقَدَّمُ؛ لأنّه المعنى الشرعي. [انظر التفاصيل في كتاب «فصول في أصول التفسير»: د مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار، تقديم: د. محمد بن صالح الفوزان، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، 1423ھ، ص 58 وما بعدها،

https://al-maktaba.org/book/32881 ].

 

 ثانياً: تحقيق حول البحث في أصل كلمة (عذاب).

 

أ) متى يُبحث في أصل اللفظ؟

 

البحثُ في أصول ألفاظ اللُّغَة العربية، يدخل في مجال (علم الاشتقاق)؛ قال الأستاذ الدكتور محمد حسن حسن جبل: “الاشتقاقُ هو أكملُ الطّرُق في تعريف مدلولات الألفاظ” كما قال الفخر الرازي، وذلك حَسْمًا للتّردُّد الذي يقع فيه دارِسُ تفسير القرآن الكريم أو الباحثُ في معاني مفرداته، عندما يواجَه بأن هناك أقوالًا كثيرةً في بيان معنى المفردة أو العبارة القرآنية، فيُضطر للاجتزاء بصورة مهتزة أو مُلْتَبِسة عن ذلك المعنى. وهذا يقدح في وثاقة التفسير، ويُسيء إلى اللغة أيضًا.

 

وإنما كان الاشتقاقُ “أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ”؛ لأنه يقوم على استمداد معاني الألفاظ من استعمال العرب لها -مع أخذ تكييفاتهم في الحُسبان- ولا يَخْفَى أنّ استعمالَ العربي لِلَفْظٍ في معنى مُعَيَّنٍ هو الحُجّةُ في هذا؛ لأنّ العربي هو أهل اللغة، وهو هكذا عبَّر بها عما في نفسه.” [كتاب المعجم الاشتقاقي المؤصل، أ. د. محمد حسن جبل، مكتبة الآداب – القاهرة الطبعة الأولى، 2010 م، (المقدمة) ج 1 ص 9 – 10].

 

ولقد رأينا أنّه لا يوجد تردُّدٌ أو اختلافٌ بين أهل اللُّغَة في مدلول كلمة (عذاب)؛ فلا داعيَ إذن للبحث عن أصل هذه الكلمة؛ لإعطائها معنًى جديدا لمْ يستعمله اللسان العربي؛ ابْتغاءَ تأويلها والاستدلال بها على انتهاء العذابِ وفناء النّار. قال الدكتور محمّد حسن حسن جبل: “إنّ التَوثُّقَ من أنّ معنى مفردةٍ أو عبارةٍ قرآنيّةٍ هو كذا، أو ليس كذا = هو حقُّ اللّهِ تعالى مُنزِلِ القرآن، وهو حقُّ القرآن، وحقُّ المسلمين، وحقُّ اللغة العربية أيضًا؛ لأن معنى الكلمة القرآنية تعتمد عليه المقرراتُ والأحكامُ العَقَدِيّةُ والتشريعِيّةُ التي أرادها الله تعالى بالتعبير بتلك المفردات أو الكلمات العربية في قرآنه الكريم”. [المرجع السابق: ج 1 ص 14].

 

ب) لقد وقع اختلافٌ في أصل كلمة (عذاب):

 

  • جاء في «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصفهاني (502 ھ) في مادة (عذب): والعَذَابُ: هو الإِيجاعُ الشّدِيدُ، وقدْ عَذَّبَهُ تَعْذِيباً: أكْثرَ حبْسَه في العَذَابِ… واخْتُلِف في أصْلِه، فقال بعضُهم: هو مِن قولِهم: عَذَبَ الرّجلُ: إذا ترك المأكل والنّوم، فهو عَاذِبٌ وعَذُوبٌ، فَالتَّعْذِيبُ في الأصْلِ هو حَمْلُ الإنْسانِ أن يُعَذَّبَ، أي: يجوعَ ويسْهرَ، وقيل: أصْلُه مِن العَذْبِ، فَعَذَّبْتُهُ، أيْ: أزلْتُ عَذْبَ حياتِه على بِناءِ مرّضتُه وقذّيْتُه، وقيل: أصْلُ التَّعْذِيبِ إكثارُ الضّرب بِعَذَبَةِ السّوطِ، أي: طرفِها، وقد قال بعضُ أهلِ اللُّغَةِ: التَّعْذِيبُ هو الضّربُ، وقيل: هو مِن قولِهم: ماءٌ عَذَبٌ إذا كان فيه قذى وكدَرٌ، فيكون عَذَّبْتُهُ كقولك: كدّرتُ عيْشَه، وزلّقْتُ حياتَه، وعَذَبَةُ السّوطِ واللّسانِ والشجرِ: أطرافُها.

 

  • وجاء في «عمدة الحفاظ» للسمين الحلبي (756 هـ) في مادة (عذب): {ولهم عذاب أليم} [البقرة: 174]: الإيجاع الشديد، وأصله من المنع، وسُمِّيَتِ العقوبةُ والإيلامُ عذابًا باعتبار منعِها من مُعاودَة ما عوقب عليه، ومنه الماء العذب لأنه يعذب العطش، أي يمنعه. وقيل: هو من قولهم: عذب الرجل إذا ترك المأكل فهو عاذب وعذوب. فكان التعذيب في الأصل حمل الإنسان على أن يعذب أي يجوع ويسهر. وقيل: بل هو من العذب وهو الخلو بمعنى أن عذبته للسلب، أي أزلت عذوبة حياته نحو مرّضته.

 

هذا، ولقد حرّرَ الأستاذُ الدكتور محمد حسن جبل (1436 ھ) القولَ في أصل كلمة (عذاب) في «المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم»، فجاء فيه: أمّا (العذابُ: النكالُ والعقوبةُ)، فمعناه المادّي -أخذًا من معنى التركيب- أنَّه إهلاكٌ وإفناءٌ لِلْقُوّة والغِلَظِ والحَيَويَّةِ المُنْبَثَّة في البدن، أي: تجْريدٌ منها، بإيقاع الآلام المُؤَدِّيَّة إلى ذلك، كالضّربِ المُبَرِّحِ بصُوَرِهِ، والجَلْد، والكَيِّ بالنّارِ، وقَطْع الأعضاء إلخ. وأيضًا بالإِجاعة والإعطاش ونحوهما – بل هذا أقرب إلى الأصل المادي؛ كذلك يصدق بإيقاع الإهانة والإذلال لِذَوِي الكِبْرِ والاِعتِزاز. [انظر: أ. د. محمد حسن جبل، «المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم» مادة (عذب)، ج 3 ص 1429 – 1430]. انتهى.

 

وهذا المُعجمُ مُؤَصّل ببيانِ العلاقات بيْن ألفاظ القرآن الكريم بأصواتها وبيْن معانيها، وتفسيرِ كلٍّ من ألفاظ القرآن الكريم في سياقاتها القرآنية تفسيراً مُوَثقاً من معاجم اللغة، وتفاسير القرآن الكريم المشهورة.

 

والدكتور محمد حسن جبل كان لُغوياً وأكاديمياً مصرياً، ومُدرِّسًا لأصول اللغة، بكلية اللغة العربية بالمنصورة؛ وموسوعتُه تُعدّ من المصادر الموثوقة والمعتمدة في باب (بيان العلاقات بين ألفاظ القرآن الكريم بأصواتها وبين معانيها).

 

وبهذا التحقيق يتَبَيّنُ لنا أنّه قدْ وقع اختلافٌ في أصل لفظ (عذاب)، وأنّ القولَ بأنّ لفظَ (عذاب) أصلُه من المنع، وأنّ العقوبة سُمِّيَت عذابًا باعتبار منعها من معاودة ما عوقب عليه؛ هو قولٌ غير مُعْتَمَد. والملاحظُ أنّ الراغبَ الأصفهانِيَّ لمْ يذكرْه في كتابه «مفردات ألفاظ القرآن».

 

والاختلافُ الذي حصل في أصل لفظ (عذاب) لا يُغيرُ المعنى اللغوي لهذا اللفظ؛ ولقد بيَّنّا -سابقاً- أنّه لا مجال للاحتجاج بالمعنى اللغوي لِكَلِمةِ (عذاب) على انتهاء عذاب الكفار وفناء النّار؛ فلا فائدةَ إذن من محاولة الرجوع إلى أصل هذا اللفظ للاستدلال به على نهاية العذابِ.

 

* الشُّبْهَةُ الثالثَةَ عشْرَةَ: الشُّبْهَةُ الثالثَةَ عشْرَةَ: الزّعْمُ أنّ الهدفَ من العذابِ هو شفاءُ غليلِ نفسية المظلوم، وهذا لا يحتاجُ إلى سَرْمَدِيةِ العذابِ.

 

قال بعضُهم: “مفهوم التعويض للناس عما أصابهم في الحياة الدنيا من المصائب، فالإنسان المظلوم يأخذ حقه كاملاً مضاعفاً حتى يرضى، ويذهب من نفسه الضيق والحزن، ويُعاقب اللهُ الظالمَ بما يستحق، فيتم شفاء غليل نفس المظلوم، وبعد ذلك ينتفي عن المظلوم صفة وقوع الظلم عليه لأخذ حقه مادياً ونفسياً، وفي هذه المرحلة يرجع الأمر إلى مشيئة الله وعلمه وحكمته ورحمته، فيفعل ما يريد، ليس لأحد بعد تحقيق الحق والتعويض عن الضرر وحصول الرضا من قبل المظلوم من حق بالاعتراض أبداً على رحمة الله {إِنّ رَبّكَ فَعّالٌ لّمَا يُرِيدُ} [هود: 107].

 

ونَرُدُّ عليه بما يأتي: نَعَم، إنّ اللّهَ يُعاقبُ الظالمَ يومَ القيامة على ظلمه للنّاس بأذيتهم في أعراضهم، أو أبدانهم، أو أموالهم؛ وهذا الظلمُ لا يسْتَوْجِبُ الخلودَ في جهنّمَ، إذا كان الظالمُ من المُوحّدين. وهناك ظلمٌ آخَرُ -لم يذكره المُعْتَرِضُ-، وهو ظلمُ العِبَادِ المُوحّدين، لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، ويكون بالتفريط والتقصير في حقوق الله جل جلاله. وهذا الظلمُ لا يسْتَوْجِبُ -أيضاً- الخلود في جهنّمَ. وهناك ظلم آخر -لم يذكره المعترِضُ أيضاً-، وهو الشرك باللّهِ؛ وهذا الظلمُ لا يغفره الله تعالى -بإجماعِ علماءِ الأمّة الإسلامية- وهو الذي يسْتَوْجِبُ الخلودَ الأبديّ في نارِ جهنّمَ. قال النّبِيُّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-: “الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ: فَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا.

 

فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَالْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.

 

وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا قَطُّ، فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ.

 

وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَمَظَالِمُ الْعِبَادِ بَيْنَهُمُ، الْقِصَاصُ لَا مَحَالَةَ”. [رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/ 619)، وحسّنه الشيخ الألباني في «السلسلة الصحيحة» رقم: 1927].

 

* الشُّبْهَةُ الرابعةَ عشْرةَ: الزّعْمُ أنّ الأصلَ هو بقاءُ الصلاح والخير، وهذا يستلزمُ ذهاب الشر والفساد.

قال بعضُهم: “والأصل في استمرار الشيء هو الخير والصلاح، وليس لِلشّرِّ والفساد”.

 

ونُجيبه بما يأتي: الشّرورُ تزول وتنقضي بفناءِ العالم؛ أمّا يومُ القيامة فلا وجودَ إلاّ للجزاءِ: فمنْ كان مِن أهل السعادة فجزاؤُه الجَنّةُ فضْلاً من اللّهِ ونِعمةً، ومَن كان من أهل الشقاء فجزاؤُه جهنّمَ عدْلاً لا ظُلماً. قال الإمامُ الطحاوي (321 ھ) في العقيدة (الطحاوية) -التي اتفق عليها علماءُ الأمة-: “والجَنَّةُ والنَّارُ مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله تعالى: خلق الجنة والنار قبْل الخَلْق، وخلق لهما أهلاً؛ فمن شاء منهم إلى الجنة فَضلْاً منه، ومن شاء منهم إلى النّارِ عَدْلاً منه”.

 

إضاءة: قَال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا  عَمَلُهُ الْجَنَّةَ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ؛ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ. [رواه البخاري].

 

قال الدكتور محمد بن عبد الله القناص: “وهذا الحديث يدل على أن دخول الجنة لا يكون بِمُجرَّد العمل، بل لولا رحمةُ اللَّهِ وفضْلُه لمَا دخل الجنة أحد؛ لأن الأعمال مهما بلغت لا تُقاوِم نِعَمَ اللهِ التي أنعم بها على عباده؛ حيث أوجدهم من العدم، ورزقهم من الطيبات، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وهداهم إلى الإيمان، ووفقهم للأعمال الصالحة، وفي الحديث: “لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ…”. [أخرجه أحمد وأبو داود .[

 

* الشُّبْهَةُ الخامِسةَ عشْرَةَ: الزّعْمُ أنّ العذابَ مُدّتُه محدودةٌ ولا يطول؛ لأنّ القرآنَ صَرَّحَ أنّ الكُفّارَ سيذوقون العذابَ.

زَعَم بعضُهم أنّ القرآن استَعمَل في بعض الآيات لفظَ (الذّوق) في عذاب الكُفّار؛ وهذا يدلُّ على أنّ العذابَ مُدّتُه محدودةٌ ولا يطول؛ لأنّ الذّوقَ يُستعمل عند وضعِ الطعامِ على طرف اللِّسَان لاختبار طَعْمِه فقط، وهذا مدّتُه قصيرةٌ جداً؛ وهو ليس مثلَ الأكلِ الذي يحتاجُ إلى مدّةٍ طويلة!

 

وهذا جهلٌ بلسانِ العرب وأسلوبِ القرآن الكريم وأسرارِ المعاني؛ قال الراغب الأصفهاني (502 ھ) في «مفردات ألفاظ القرآن»: “الذّوْق: وجودُ الطّعْم بِالفَم، وأصْلُه فيما يَقِلّ تناولُه دونَ ما يَكثُر، فإنّ ما يَكْثُر منه يقال له: الأكل. واخْتير في القرآن لفظُ الذّوق في العذاب؛ لأنّ ذلك- وإن كان في التّعارُفِ لِلْقلِيل- فهو مُسْتَصْلَحٌ للكثير، فَخَصَّه بالذّكر ليعُمَّ الأمرين، وكثُرَ استعمالُه في العذاب.” [مفردات ألفاظ القرآن، مادة (ذوق)].

 

وقال ابنُ الأثيرِ الجزرِيُّ (606 ھ) في «النّهايةُ في غريب الحديثِ والأثرِ» -بعد إيرادِه لقول أبي سفيان في أُحُد: (ذُقْ عُقَقُ)-: “وهذا مِن المجازِ أنْ يُسْتعمَلَ الذّوْقُ -وهو مِمّا يتعلّقُ بالأجسامِ- في المعاني.” [النّهايةُ في غريب الحديثِ والأثرِ، ابنُ الأثيرِ الجزرِيُّ، مادة (ذوق)، ج 2 ص 159، الطبعة الأولى، سنة 1997م، دار الكتب العلمية، بيروت].

 

ومِن الآياتِ التي اسْتُعْمِلَ فيها لفظُ الذّوق في العذاب:

 

  • قولُه تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِیهِمۡ نَارࣰا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَـٰهُمۡ جُلُودًا غَیۡرَهَا لِيَذُقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِیزًا حَكِیمࣰا} [النساء: 56].

 

قال الواحدي (468 ھ) في «التفسير البسيط»: “وقولُه تعالى: {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} استُعمِل لفظُ الذّوقِ ههنا، مع عِظَم ما نالوا من شدة العذاب، إخبارًا بأنّ إحساسَهم به في كل حالٍ، كإحْساسِ الذّائِق في تجديد الوِجْدان، مِن غير نُقصانٍ في الإحساس، كما يكون في الذي يستمر به الأكل فلا يجد الطعم.”

 

وقال أبو حيان (745 ھ) في تفسيره «البحر المحيط»: “{لِيَذُوقُوا العَذابَ} أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلَ كُلَّما نَضِجَتِ الجُلُودُ، هو لِيَذُوقُوا ألَمَ العَذابِ. وأتى بِلَفْظِ الذَّوْقِ المُشْعِرِ بِالإحْساسِ الأوَّلِ وهو آلَمُ [أي: أشدُّ إيلاماً]؛ فَجَعَلَ كُلَّما وقَعَ التَّبْدِيلُ كانَ لِذَوْقِ العَذابِ، بِخِلافِ مَن تَمَرَّنَ عَلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: {لِيَذُوقُوا العَذابَ} لِيَدُومَ لَهم ذَوقُه ولا يَنْقَطِعَ؛ كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ، أيْ: أدامَكَ عَلى عِزِّكَ، وزادَكَ فِيهِ.”

 

  • وقولُه تعالى: {ثُمَّ قِیلَ لِلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ} [يونس: 52].

 

قال الطبري (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “يقول تعالى ذكره: {ثم قيل للذين ظلموا} أنفسَهم، بكفرهم بالله {ذوقوا عذاب الخلد} تجرّعوا عذابَ الله الدائم لكم أبدًا، الذي لا فناء له ولا زوال.”

 

إنّ العذابَ الذي وُصِفَ بالخُلْد هو عذابٌ دائمٌ لا فناءَ له، واستعمالُ لفظ {ذوقوا} في قوْلِهِ تعالى: {ذوقوا عذاب الخلد} يدلُّ دلالةً قاطِعةً على أنّ لفظَ الذوق يُستعْمَلُ أيضاً -في القرآن الكريم- في ما يَكثُرُ تناوُلُه، ولو كان تناوُلُهُ أبد الآبدين.

 

واستعمالُ لفظ الذَوْق -في هذه الآية- فيه أيضاً استهزاءٌ بالكافرِين، وزيادةٌ في تعذيبِهم تعذيباً نفسيًّا؛ قال الشوكاني (1250 ھ) في تفسيره «فتح القدير»: “يُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ أيِ: العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.”

 

واستعمالُ لفظ الذَوْق استهزاءً بالكافرِين، جاء أيضاً في آياتٍ أُخَر مِن القرآن الحكيم، منها: قوْلُه تعالى: {ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡكَرِیمُ} [الدخان: 49].

 

قال ابن كثير (774 ھ) في تفسيره: “وَقَوْلُهُ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} أَيْ: قُولُوا لَهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّهَكُّمِ وَالتَّوْبِيخِ.”

 

  • وقولُه تعالى: {أَلَمۡ یَأۡتِكُمۡ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِن قَبۡلُ فَذَاقُوا۟ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ} [التغابن: 5].

 

قال الطّبَريُّ (310 ھ) في تفسيره «جامع البيان»: “يقول تعالى ذكره لِمُشركي قريش: ألم يأتكم أيها الناسُ خبرُ الذين كفروا من قبلكم، وذلك كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم إبراهيم وقوم لوط {فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} فمسّهم عذابُ الله إيّاهُم على كفرهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يقول: ولهم عذابٌ مؤلمٌ موجِعٌ يومَ القيّامة في نار جهنم، مع الذي أذاقهم الله في الدنيا وبال كفرهم.”

 

إنّ قومَ عادٍ كانوا من {ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِن قَبۡلُ}، ولقد أهْلَكَهم اللّهُ تعالى بريحٍ باردةٍ شديدةِ الهبوبِ، سلَّطها عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيّةَ أيّامٍ متتابعة، لا تَفْتُر ولا تنقطع؛ وفي هذه المُدة الطّويلة دامَ لهم ذوْقُ وتجدّد ولمْ ينقطعْ حتى هلكوا كلُّهم، جاء ذلك في قولِه تعالى: {وَأَمَّا عَادࣱ فَأُهۡلِكُوا۟ بِرِیحࣲ صَرۡصَرٍ عَاتِیَةࣲ. سَخَّرَهَا عَلَیۡهِمۡ سَبۡعَ لَیَالࣲ وَثَمَـٰنِیَةَ أَیَّامٍ حُسُومࣰاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِیهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِیَةࣲ} [الحاقة: 6-7].

 

  • وقولُه تعالى: {إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ لَا یَرۡجُونَ حِسَابࣰا. وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا كِذَّابࣰا. وَكُلَّ شَیۡءٍ أَحۡصَیۡنَـٰهُ كِتَـٰبࣰا. فَذُوقُوا۟ فَلَن نَّزِیدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: 27-30].

 

قال البقاعيُّ (885 ھ) في تفسيره «نظم الدرر»: “{فَذُوقُوا} أيْ: مِن هَذا العَذابِ في هَذا الحالِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِكم بِالحِسابِ، وأكَدَّ ذَوْقَهم في الِاسْتِقْبالِ فَقالَ: {فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ} أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ {إلا عَذابًا}.”

 

إنّ هؤلاءِ الكُفّارَ يُقالُ لهم: {فَذُوقُوا۟} أي: فذوقوا العذابَ، وبعد ذلك يُقالُ لهم: { فَلَن نَّزِیدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا} وهذا يعني أنّ عذابَهم لن ينْقصَ، ويتجَدّد أبدَ الآبدين؛ وهذا دليلٌ على أنّ استعمالَ القرآن لفظ الذّوق في عذاب الكُفّار في النّارِ، لا يدلُّ على القِلّة، ولا يدل على أن مُدّته محدودةٌ، وسينقطع.

 

فائدة: وردَ في بعضِ الأحاديث استعمالُ لفظ الذّوق، استعمالاً مجازياً، فعلى سبيل المثال: ثبت عن رَسُولِ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: “ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وَبِالإِسْلامَ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا.ً” [رواه مسلم].

 

قال الإمامُ النّوَوِيُّ في «شرح مسلم»: “وقال القاضي عياض -رحمه الله-: معنى الحديث: صَحَّ إيمانُه واطْمأنّتْ به نفسُه وخامَرَ باطنَه؛ لأن رضاه بالمذكورات دليلٌ لِثبوت معرفتِه ونفاذِ بصيرتِه ومخالطةِ بشاشتُه قلبَه؛ لأن من رضي أمرا سَهُلَ عليه. فكذا المؤمن إذا دخل قلبَه الإيمانُ سهُل عليه طاعاتُ الله تعالى، ولذّت له.”

 

ولفظُ الذوْق في هذا الحديث لا يدلُّ على القِلَّة؛ لأنّ مَن رضيَ بالمذكورات في الحديث، ترسّخَتْ معرفتُه ودام ذوقُه طعْمَ الإيمان.

 

فالذي يرْضى بِالله رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ صلّى اللّهُ عليه وسلّم رَسُولا؛ يذوق طَعْمَ الإِيمَانِ، ويتجَدّدُ ذوْقُه لِطَعمِه ما دام راضِياً بما ذُكِر.

 

والذي يُعذَّبُ في النّارِ، يذوق العذابَ، ويتجَدّدُ ذوْقُه للعذابِ ما دام في النّارِ، وهو خالدٌ فيها أبدَ الآبدين.

 

* الشُّبْهَةُ السادِسةَ عشْرَةَ: الزّعْمُ أنّ استعمال القرآن لِلَفظ المكث في تعذيب الكُفّار يدلُّ على فناء النّارِ؛ لأنّ المكث لا يدل على اللانهاية للحدث.

 

قال بعضُهم: “مكث: تدل على توقف وانتظار”؛ وزعم أنّ كلمةَ {ماكثون} في قوله تعالى: {وَنَادَوۡا۟ یَـٰمَـٰلِكُ لِیَقۡضِ عَلَیۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ} [الزخرف: 77]، لا تدل لساناً [أي: لُغةً] على اللانهاية للحدث؛ وهذا دليلٌ عنده على فناء النّارِ!

 

ويُرَدُّ على هذه الشُّبْهَةِ، بما يأتي:

 

أوّلاً: لا يوجد أيُّ دليلٍ في اللسان العربي يَمْنعُ من استعمال كلمة (مكث) لِلدّلالة على اللانهاية للحدث أو الأبدية.

 

جاء في قاموس «لسان العرب» لابن منظور (711 ھ) في مادة “مكث”: والمُكْثُ: الإِقامةُ مَعَ الِانْتِظَارِ والتَّلَبُّث فِي الْمَكَانِ.

 

ثانيا: قال الزمخشري (538 ھ) عند تفسيره للآية السابقة في «الكشاف»: “فإن قلت: كيف قال {وَنادَوْا يا مالِكُ} بعد ما وصفهم بالإبلاس؟ قلت: تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم، وعِلْمِهم أنه لا فرج لهم، ويغوّثون أوقاتا لشدّة ما بهم. {ماكِثُونَ} لابثون؛ وفيه استهزاء. والمراد: خالدون.”

 

فقولُ مالك -خازن جهنّمَ- لأصحاب النّارِ: {إنّكم ماكثون} تعني هنا الإِقامةُ الأبدية؛ لأنّهم كانوا يعلمون أنّهم مُخلّدون في النّارِ، وهم لم يطلبوا أنْ يُقضى عليهم إلاّ لشدّة ما بهم -كما قال الزمخشري-؛ ولذلك أوّلَ جمهور المفسرين لفظ {ماكِثُونَ} بالخلود في عذابِ جهنّمَ. جاء -مثلاً- في تفسير الجلالين، للمحلّي (864 ھ) والسيوطي (911 ھ): “{ماكِثُونَ} مُقِيمُونَ فِي العَذاب دائِمًا.”

 

وقال أبو السعود (982 ھ) في تفسيره «إرشاد العقل السليم»: “{قالَ إنَّكم ماكِثُونَ} أيْ: في العَذابِ أبَدًا، لا خَلاصَ لَكم مِنهُ، بِمَوْتٍ ولا بِغَيْرِهِ.”

 

البابُ الرّابعُ: أبَدِيّةُ النّارِ في التوراة والإنجيل.

 

أ- أبَدِيّةُ النّارِ في التوراة:

 

  • “وَكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ: هؤُلاَءِ إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، وَهؤُلاَءِ إِلَى الْعَارِ لِلازْدِرَاءِ الأَبَدِيِّ.” [سفر دانيال 2:12 (العهد القديم، أي: التوراة)].

 

ب- أبَدِيّةُ النّارِ في الإنجيل:

 

  • “الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ.” [تسالونيكي الثانية9:1].

 

  • “فَهُوَ أَيْضًا سَيَشْرَبُ مِنْ خَمْرِ غَضَبِ اللهِ، الْمَصْبُوبِ صِرْفًا فِي كَأْسِ غَضَبِهِ، وَيُعَذَّبُ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ أَمَامَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ. وَيَصْعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. وَلاَ تَكُونُ رَاحَةٌ نَهَارًا وَلَيْلاً لِلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلْوَحْشِ وَلِصُورَتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ يَقْبَلُ سِمَةَ اسْمِهِ.” [رؤيا 14: 10-11].

 

  • “ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ.” [متى 41:25].

 

  • “فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ، وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ.” [متى 46:25].

 

مِن خلال هذه النصوص، يتبينُ لنا أنّ النّارَ أبدِيّةٌ، باتفاق نصوص التوراة والإنجيل، وهي توافق نصوص الكتاب والسنة النَّبوِيّة؛ مع الإشارة إلى أنّ التَّحْديثَ عن أهل الكتاب جائزٌ فيما لا يخالف نصّاً من كتاب الله أو سُنَّة نبيِّه -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-، وفيما لمْ يُعْلم أنهم قاموا بتحريفه؛ لقولِه -صلى الله عليه وسلم-: “بلِّغوا عنّي ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كذب عَلَيّ مُتعمِّداً، فَليَتَبوَّأ مقعده من النار.” [رواه البخاري].

 

تنبيه: النصارى حرّفوا الإنجيل، وتلاعبوا بالنصوص لتوافق أهواءهم. ومن تحريفاتهم تحريفُ معاني بعض النصوص المتعلقة بالجنة والنّار؛ فمثلاً: يقول بعضُهم: “نحن نؤمن بالجحيم والعذاب والنار الأبدية التي لا تُطفؤ، والمُعَدّة لإبليس وجنوده”!

 

فالنّارُ أبديةٌ -كما ورد الإنجيل-، ولكنهم خصَّصُوها -بعد التحريف- لإبليسَ وجنودِه فقط!

 

البابُ الخامِس: الحكمةُ من خلود الكفار في عذابِ النّارِ.

 

أوّلاً- الأدبُ مع اللّه.

 

لا شكّ أنّ التّساؤُلَ عن معرفة الحكمةِ من خلود الكفار والمشركين في النّارِ أمْرٌ مشروعٌ، ولكنْ عدمُ إدْراكِها ليس سبباً في نفْي أبَدِيّةِ النّار، وليس حُجةً في الطعن في رحمة أرحم الراحمين!

 

ومن الأدب مع الله قبْل البحث عن الحكمة، أن نتذكّر قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 40].

 

وقال تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} [الأعراف: جزء من الآية 156]

 

قال الآلوسي في تفسيره: “أي: شأني أُصيبُ بعذابي من أشاء تعذيبه، من غير دخْل لغيري فيه.”

 

إنّ الاعتراضَ على تخليد الكفار في النّارِ، هو اعتراضٌ على القضاء والقدر، وهو يدلّ على الطغيان وعدم سلامة الإيمان؛ قال الإمامُ الطحاوي في «العقيدة الطحاوية»: “وأصلُ القدرِ سِرُّ الله تعالى في خلقه، لم يَطَّلِعْ على ذلك ملكٌ مُقرّب، ولا نبيٌّ مُرسلٌ، والتعمُّق والنظرُ في ذلك ذريعةُ الخِذْلان وسُلَّم الحِرمان ودرجة الطغيان؛ فالحذرَ كلَّ الحذرِ من نظَرٍ أو فِكْرٍ، أو وسوسةٍ؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مَرامِه (أي: مَطْلَبِه) .”اھ.

 

وقال تعالى لملائكته: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: بعض آية 30].

 

وقال تعالى عن نفسه: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ. فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 15-16].

 

وقال -سبحانه- عن نفسه أيضأ: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].

 

وقال سبحانه: {إنّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44].

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “سُئِل النّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن أولاد المشركين؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين.” [متفق عليه].

 

وقال الإمام أبو بكر تقي الدين الحصني الشافعي الدمشقي (829 ھ) -عند تفسيره لقَولِه تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِیهِمۡ نَارࣰا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَـٰهُمۡ جُلُودًا غَیۡرَهَا لِیَذُوقُوا۟ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِیزًا حَكِیمࣰا}-: “وقولُه {حكيما} أي: حَكَمَ على الأعداء بِدَوامِ العذاب، كما حَكَمَ للأولياء بدوام النعيم، فلا يعلمُ كُنْهَ حقيقةِ حِكمَتِه غيرُه؛ فلا شيءَ من الأشياء إلا وفيه شيءٌ من حكمته على وَفْقِهِ، لِمُناسبته صُنْع الله الذي أتقن كل شيء”. [دفْع شُبَهِ مَن شَبَّه وتمَرَّد، ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد، أبو بكر الحصني الدمشقي، المكتبة الأزهرية للتراث – القاهرة، تحقيق: محمد زاهد بن الحسن الكوثري، ص 59].

 

ثانياً: قال تعالى: {مَّا یَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِیمࣰا} [النساء: 147].

 

قال النسفي (710 ھ) في «مدارك التنزيل»: “ثُمَّ اسْتَفْهَمَ مُقَرِّرًا أنَّهُ لا يُعَذِّبُ المُؤْمِنَ الشاكِرَ، فَقالَ: {ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ} لِلَّهِ {وَآمَنتُمْ} بِهِ، فَـ {ما} مَنصُوبَةٌ بِـ {يَفْعَلُ}، أيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ بِعَذابِكُمْ؟ فالإيمانُ: مَعْرِفَةُ المُنْعِمِ، والشُكْرُ: الِاعْتِرافُ بِالنِعْمَةِ. والكَفْرُ بِالمُنْعِمِ والنِعْمَةِ عِنادٌ؛ فَلِذا اسْتَحَقَّ الكافِرُ العَذابَ.”

 

وقال أبو السعود (982 ھ) في تفسيره «إرشاد العقل السليم»: “{ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ} اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُوداً وعَدَماً إنَّما هو كُفْرُهم، لا شَيْءٌ آخَر؛ فَيَكُونُ مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ، مِن إثابَتِهِمْ عَنْ تَوْبَتِهِمْ و{ما} اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْىِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، أيْ: أىُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِكم؟ أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ، أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ، أمْ يَسْتَجْلِبُ بِهِ نَفْعًا، أمْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ، وهو الغَنِيُّ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ كُفْرُكم؛ فَإذا زالَ ذَلِكَ بِالإيمانِ والشُّكْرِ انْتَفى التَّعْذِيبُ لامَحالَةَ.”

 

ثالثاً- الحِكْمةُ من أبَدِيّةِ عذابِ الكُفّار في النّارِ .

 

هذا، ويمكن أن نستخرج الحكمة من أبَدِيّةِ النّارِ من بعض نصوص القرآن العظيم، منها:

 

  • قوله تعالى: {كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ. وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحجر: 12-15].

 

قال ابن كثير في تفسيره: “يُخبِر تعالى عن قوّة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق، أنه لو فتح لهم بابًا من السماء، فجعلوا يصعدون فيه، لما صدّقوا بذلك، بل قالوا : {سُكِّرَت أبصارُنا}.”

 

وقال العلاّمةُ الطاهر بن عاشور (1393 ھ) في تفسيره «التحرير والتنوير»: “والكَلامُ الجامِعُ لِإبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ: أنَّهم لَوْ فَتَحَ اللَّهُ بابًا مِنَ السَّماءِ حِينَ سَألُوا آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم -أيْ: بِطَلَبٍ مِنَ الرَّسُولِ- فاتَّصَلُوا بِعالمِ القُدُسِ والنُّفُوسِ المَلَكِيَّةِ، ورَأوْا ذَلِكَ رَأْيَ العَيْنِ، لاعْتَذَرُوا بِأنَّها تَخَيُّلاتٌ وأنَّهم سُحِرُوا فَرَأوْا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ شَيْئًا.”

 

إنّ قلوبَ الكُفّارِ مطبُوعةٌ على العِناد والكفر، وعنادُهم هذا دائمٌ أبَدَ الآبدين، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 27-28].

 

قال الطبري في تفسيره: “{لعادوا لما نهوا عنه} يقول: لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك، من جحود آيات الله، والكفر به، والعمل بما يُسخِطُ عليهم ربَّهم {إنهم لكاذبون} في قِيلِهِم: “لو رُدِدْنا لم نُكَذِّبْ بآيات ربِّنا وكنا من المؤمنين”؛ لأنهم قالوه حين قالوه خَشْيةَ العذاب، لا إيماناً بالله.”

 

وقال العلاّمةُ الشنقيطي في تفسيره: “قوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} هذه الآية الكريمة تدل على أن الله -جل وعلا- الذي أحاطَ عِلمُه بكل موجودٍ ومعدومٍ، يعلمُ المعدوم الذي سبق في الأزل أنّه لا يكون لوْ وُجِد كيف يكون؛ لأنه يعلم أن ردَّ الكفار يومَ القيامة إلى الدنيا مرة أخرى لا يكون، ويعلم هذا الردَّ الذي لا يكون لوْ وقع كيف يكون، كما صرح به بقوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [أضواء البيان، (6/28)]”.

 

فلمّا علم الله تعالى أنّ عِنادَ الكافرين دائمٌ، وأنّهم كُلّما رُدّوا إلى الدنيا رجعوا إلى الكفر، كان جزاؤُهم عقابٌ دائمٌ؛ ولذلك قال الحسن البصري: “أَخْلَدَ الجنةَ والنارَ النِّياتُ”؛ قال ابنُ عماد الأقفهسي: “ومعنى قوله -والله أعلم-: المؤمنُ لمّا كانت نيَّتُه في الدنيا أنْ يعْبُدَ الله أبداً ما عاش، خُلّدَ في الجنة أبداً؛ ولمّا كانت نيَّةُ الكافر عبادةُ الصنم أبداً، خُلِّدَ في جهنّمَ أبداً.” [انظر: القوْلُ السّديدُ شرحُ جوهرة التوحيد، للشيخ علي عثمان جرادي، ص142، طبع دار الكتب العلمية، بيروت].

 

وقال الإمام أبو بكر تقي الدين الحصني الدمشقي (829 ھ): “ولِأنّ العذابَ يدوم بدوام سببه بلا شكٍّ ولا ريْبٍ، وهو قصْدُ الكُفْر وبقاءُ العزم عليه، ولا شك أنهم لو عاشوا أبد الآباد لاستمروا على كفرهم.” [دفع شُبَه مَن شَبَّه وتمرّد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد، أبو بكر الحصني الدمشقي، المكتبة الأزهرية للتراث – القاهرة، تحقيق : محمد زاهد بن الحسن الكوثري، ص 59].

 

خاتمة:

 

لقد انتهى البحثُ إلى النقاط الآتية:

 

-1الاهتمام بالبحث عن الأدِلّةِ على أبَدِيّةِ النّارِ هو الحِصْن القوي؛ للوقوف في وجه شُبَهِ القائلين بفنائها.

 

-2هناك أدِلّةٌ قوِيّةٌ من الكتابِ والسُّنَّةِ على أبدية النّارِ. ومجموعُ هذه الأدِلّة هو ثمنُ ركوبِ سفينة اليقين.

 

-3تَبيّن لنا أنّ ابن تيمية لم يقل بفناء النّارِ، وأنّ القولَ بفناء النّارِ المنسوب إلى تلميذه ابن القيم فيه نظر، وأنّ الراجحَ هو عدمُ قولِه بفناءِ النّارِ.

 

-4تبيّن لنا أنّ الشُّبُهاتِ حول أبديّة النّارِ، تعتمد على أدِلّة ضعيفةٍ أوْ واهية.

 

-5تبيّن لنا أنّ أبدِيّةَ النّارِ عقيدةٌ من عقائد اليهود والنصارى أيضاً، رغم تحريف التوراةِ والإنجيل.

 

-6توصلنا إلى أن الحكمةَ الإلهيةَ هي التي اقتضت أبَدِيّة النّارِ، وخلود الكُفّارِ في عذابِها.

 

 

وما توفيقي إلاّ باللّهِ، والحمد للّهِ الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.