منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يلبس للطالب ما لا يلبس للرئيس / موقف عجيب

0

حدثني الدكتور محمد بن عبدالله بن رفيع آل مزاح، عن الأستاذ الدكتور محمد يعقوب التركستاني – أستاذ اللغة العربية بالجامعة الإسلامية – أنه زار الأستاذ الكبير والمحقق المشهور أبا فهر محمود شاكر – رحمه الله – في منزله في مصر، فلما وصل إلى بيته وطرق الباب، خرج عليه أحد أفراد العائلة، فقال التركستاني: أهذا منزل الأستاذ محمود شاكر؟
فقال نعم. من أنت؟
فقال: قولوا للشيخ: طالب علم من المدينة جاء لزيارتك.
يقول الدكتور: فذهب، وانتظرت عند الباب طويلا، حتى مللت وأسأت الظن بالأستاذ شاكر.
فلما هممت بالذهاب فُتح الباب، وإذا بالأستاذ محمود شاكر يستقبلني في أحسن هيئة، وبأحسن استقبال، وبادرني بالاعتذار عن التأخر، وقال: لما قيل لي: “طالب علم من المدينة” تذكرت “وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع”، فاغتسلت ولبست أفضل لباس وتطيبت لأستقبلك الاستقبال اللائق بك.
وهذا ما أخرني؛ فأعتذر إليك.

انتهى الموقف.

وقبل أن أرسل هذا الموقف أحببت التثبت منه لأني سمعته قبل أكثر من خمس سنوات تقريبا، فأرسلته إلى الدكتور محمد رفيع، وأستأذنته في نشره، فأجابني بهذه الرسالة:
(جزيت خيرا .. الخبر حدثنيه شيخنا .. وقد نسيته .. وما تذكرته إﻻ لما ذكرتني جزيت الجنة.
اﻷمر لك فاصنع ما تراه .)

فحرصت على علو الإسناد، وبحثت عن رقم الدكتور محمد التركستاني، حتى حصلت عليه، وبعد عدة اتصالات ردّ علي، واستغرق الاتصال حوالي عشرين دقيقة، ولولا خشية الإطالة على الدكتور ما أنهيت الاتصال، حيث كان مشوقا للغاية، وذكر لي تفاصيل أكثر للقصة، وأخبرني أنه قد اتفق مع الأستاذ محمود الطناحي لزيارة الأستاذ شاكر مع بعض، ولكن حصل ظرف طارئ للطناحي، وذكر لي أن فهر هو الذي فتح الباب له، وأن انتظاره عند الباب كان بين النصف ساعة والساعة- حوالي خمسة وأربعين دقيقة- ولما فتح الأستاذ محمود شاكر كان بلباس رسمي لا يلبس إلا في المناسبات الكبيرة، وظننت أنه كان مرتبطا بموعد في مناسبة أو اجتماع، ولما أدخلني، وأكثرت عليه من الاعتذار غضب غضبا شديدا، وقال: أتحسبني محمد عبدالوهاب أو أم كلثوم أو شادية؟!
أنا طالب علم مثلك، وأنا لا ألبس هذا اللبس إلا لطلبة العلم، حتى الرئيس لا ألبس هذا اللبس أمامه، وهذا الزمان الأغبر هو الذي جعلني أقفل بابي، وإلا فقد كان بابي مفتوحا لكل طلاب العلم، وهم يأتونني من كل البلاد…

يقول الدكتور محمد يعقوب: واستمر في الحديث لائما لي عن الاعتذار حتى بكيت، وبعدها ضمني بشدة، وهو يظهر الحفاوة بي، وكان ابنه فهر – وهو في الثامنة من عمره وقتها- وابنته زلفى حاضرين.

المزيد من المشاركات
1 من 81

قال: وكان موقفا لا أنساه، واستمر التواصل بعدها بيني وبين الأستاذ حتى توفي، أزوره في مصر، وإذا قدم إلى السعودية.

هذا ما جرى بيني وبين الدكتور التركستاني في المكالمة، وكان في غاية الحفاوة والأدب، ولولا أني طلبت انهاء المكالمة حياء منه، لاستمر في حديثه الممتع والشيق عما ينبغي أن يكون التعامل مع طلاب العلم.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

كتبه: محمد بن عبدالله بن جابر القحطاني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.