منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إمكانية الإسلام الأوروبي

إمكانية الإسلام الأوروبي/ سيدي محمد عبدوس

0

إمكانية الإسلام الأوروبي

The possibility of European Islam

ذ. سيدي محمد عبدوس

أستاذ جامعي مساعد(ب) مؤقت – جامعة أبي بكر بلقايد

قسم الفلسفة – تلمسان – الجزائر

 

المزيد من المشاركات
1 من 24

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثامن 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

ملخص:

نعالج في هذا المقال إمكانية الإسلام الأوروبي من خلال محورين، فتناولنا في المحور الأول إمكانية التوافق بين العلمانية والإسلام عند أوليفيي روا، في حين عرضنا في المحور الثاني إلى كيفية قراءة المصادر الإسلامية في السياق الأوروبي الجديد من منظور طارق رمضان؛ ففككنا هذه الإشكالية باتباعنا منهجا تحليليا ونقديا يقوم على شرح الإسلام الأوروبي وتقييمه عند المؤلفَين، معتمدين على مصادر مختلفة.

والإسلام الأوروبي ممكن التحقق، لأن أوروبا فضاءً علمانيا وديمقراطيا، بحيث يمكن للمسلم أن يكون مؤمنا ومواطنا في الآن نفسه. أما الاتجاه القائل لا يوجد إسلام أوروبي مقابل لإسلام تقليدي هو مجرد توهم، لانتشار الإسلام في القارات وتفاعله مع ثقافاتها، مما يجعلنا ندرك إسلاما متنوعا: إفريقيا وآسيويا وأمريكيا.

 الكلمات المفتاحية: الإسلام، الأوروبي، المعاملات، العلمانية، النموذج.

Abstract:

This article addresses the possibility of putting European Islam into practice from two perspectives. On the one hand, a compromise between secularism and Islam in Olivier Roy work was discussed. On the other hand, the perspective of Tariq Ramadan on how to make Islamic sources in the new European context live was as well discussed. So this paper adopts an analytical and critical approach based on explaining and evaluating European Islam among the authors relying on various sources. The study concludes that European Islam is achievable because Europe is a secular and democratic space; therefore a Muslim can be both a believer and a citizen. As for the trend that claims “there is no European Islam as opposed to a traditional Islam” is just a delusion for the spread and cultural integration of Islam on the continents which makes us realize a diverse Islam on Africa, Asia and America.

Keywords: Islam, European, Secularism, democratic, Model, Tarik Ramadan, Olivier Roy.

مقدمة:

يلوح بأن مصطلح الإسلام الأوروبي غير مستساغ لدى الكثيرين، فهو يحمل في طياته مفارقة وتناقضات عديدة، ذلك أن وجود الإسلام في أوروبا؛ يعتبره الأوروبيون تهديدا لهم، كما أن ليس هناك ما يجمع بين الإسلام وأوروبا، وفي الآن ذاته يرفضه المسلمون لاعتقادهم بأن الإسلام واحدا وليس متعددا، وأيّ سعي إلى إسلام على الذوق الأوروبي سوف يكون مصيره الفشل والخذلان، ناهيك عن الخطر الذي يحدّق بمبادئ الإسلام وثوابته.

ومهما يكن من أمر، يعتقد الكثير من المفكرين والباحثين بأن تعبير الإسلام الأوروبي بات ضرورة ملحة يفرضها الواقع الذي يعيشه المسلمون في أوروبا، وهو بمثابة صمام أمان إزاء المشاكل التي يشهدها المسرح الاجتماعي والثقافي والسياسي الجديد. ولمعالجة مفاصل الإسلام الأوروبي لا بد من التساؤل هل يمكن قيام إسلام أوروبي دون أن يهدد ذلك ثوابت المسلمين الدينية؟ وإلى أي مدى يتسامح المجتمع الغربي مولد الديمقراطية والمنادي بحرية المعتقد مع هؤلاء؟ وكيف نُزاوج بين مجتمع متدين يطالب في الآن ذاته بقيم ليبيرالية ممثلة في الحرية والعدالة والتطور والرفاهية؟

الدراسات السابقة، كانت عبارة عن عدة مقالات موسومة بالإسلام الأوروبي نشرت بمركز المسبار، الإمارات العربية المتحدة، 2010، بيد أنها لم تخصص أنموذجا للتحليل والنقد.

نعالج في هذا المقال إمكانية الإسلام الأوروبي من خلال محورين، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة أشارنا فيها إلى أهم نتائج الدراسة، فتناولنا في المحور الأول إمكانية التوافق بين العلمانية والإسلام عند أوليفييه روا، في حين عرضنا في المحور الثاني إلى كيفية قراءة المصادر الإسلامية في السياق الأوروبي الجديد من منظور طارق رمضان؛ ففككنا هذه الإشكالية باتباعنا منهجا تحليليا ونقديا يقوم على شرح الإسلام الأوروبي وتقييمه عند المؤلفَين، معتمدين على مصادر مختلفة.

1.أطروحة أوليفييهروا:

تتمحور أطروحة أوليفييه روا Olivier Roy(1949( حول سؤال جوهري هو :هل يتساوق الإسلام مع العلمانية؟

ولمعالجة هذا السؤال يروم أولفييه روا إلى بيان التنوع العميق للإسلام المعاصر « ليس على أساس المذاهب والمدارات الجغرافية، بل من خلال ممارسة الفاعلين الذين أتوا جديدا أو (استصلحوه)من دون أن يعرفوه دائما»[1]

ونفهم من هذا تحول الدين عند المسلمين من عنصر معرفي إلى عنصر تطبيقي (ممارسة) وعندها يغلب التدين على الدين، وعلى ذلك لم تعد المعرفة عنصرا خلاصا. هنا تغدو التجربة الدينية متفوقة على المعرفة الدينية، كأن نجد مسلمين أصوليّي المعرفة لكنهم ليبيراليو التجربة، ولعل هذا ما وسمه أوليفييه روا بالجهل المقدس. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن جل الفاعلين الإسلامين يجهلون الإسلام كمعتقد وبعد معرفي، ويعتقدون أنهم يعرفونه معرفة موضوعية به.

ويراهن أوليفييه روا على أن المجتمعات الإسلامية صنعت أنماطا من الدّنيوية الخاصة بها مؤكدا على أن الأصولية الإسلامية شاركت في إدراج العصرنة إلى الدول الإسلامية من خلال استتباع سياسات عملية تطبيقية وليس من خلال سجال عقلي وفلسفي لقضايا الديمقراطية والعلمانية، وإمكانات تجسيدها في نسيج الإسلام[2].

ويعتبر أولفييه روا أنه لا شيء في آلية العمل السياسي إسلامي في ذاته، فالديني حسبه يتحدد من خلال السياسي وليس العكس، ذلك أنه ينطلق من مسلمة مفادها: ليس لأي عقيدة دينية من تأثير مباشر في السياسي، والعقيدة لا تتحرك إلا إذا حُددت بإيديولوجيا سياسية، كمثال الحكم أو الثورة في إيران.

وينطلق أوليفييه روا من فرضية أساس هي أن فكرة الأمة، والموقف منها، النظر إليها، والسلوكات الواقعية اتجاهها، هي المعيار الأساس لتصنيف الناشطين الإسلامين الجدد ويقسمهم إلى ثلاثة أصناف[3]:

-الحركات الإسلاموية المعتدلة التي تسخر الدولة المنتمية إليها فضاءً لأنشطتها السياسية. ترفض هذه الحركات العنف وتمارس أنشطتها بأساليب سياسية كالدعاية، الاعلام، الانتخابات.

ومعنى هذا إن تمفصل السياسي عن الديني يفضي إلى العلمانية ويتماهى معها عن طريق أدلجة المشهد السياسي، منطلقا من مرجعية يتقاسمها الجميع هي الإسلام المعاد صياغته بتخوم إيديولوجيا سياسية.

-الأصولية الجديدة التي ظلت متشبثة بفكرة الأمة الإسلامية والتي ترفع راية الجهاد، رافضة الكيانات السياسية القائمة بحجة بعدها عن الإسلام، وهذه الحركة تشارك في عملية التمازج الثقافي ولكن عن طريق الفرد الإنسان لا الدولة[4].

-الإسلام الأقلياتي ويصدق على المسلمين المهاجرين إلى أوروبا، وهؤلاء أزمعوا الاستيطان في بلدان المهجر، يبتغون إقامة هوية دينية في مجتمعات علمانية وذات أصول مسيحية، ويطالبون بأن يعاملوا كمواطنين، ما يجعل هدفهم صعبا ومركبا؛ والسؤال الذي يطرحه المؤلف هو كيفية صوغ إسلام في إطار فضاء ثقافي يجهله ويتجاهله وإن كان يتساهل معه[5].

يعتقد أوليفييه روا أنه على المستوى النظري الإسلام الأوروبي يفتح باب الاجتهاد عن طريق التأويل للقبض على مقاصد القرآن، بغية إيجاد منافذ دينية للمعضلات التي يواجهها المسلمون عندما يحيون كأقلية في بلد يسلك نظام علماني كمشكلة الحجاب، الاختلاط، الحلال والحرام في الطعام[6].

الإسلام الاوروبي لم يعد ينبني على مسلمات فقهية أو مقاربة حقوقية جديدة، وإنما هو عبارة عن براكسيس في سياق خاص، فالمسلم الأوروبي لا يخضع لقانون إسلامي، ولا لضغط رأي عام إسلامي يفرض عليه ممارسات دينية معينة، ليمارس الدين طبقا لقناعته الفردية، فالهجرة أرغمت المسلم على تصور الدين باعتباره خيارا حرا، وعملا إراديا، ينأى عن أي ضغط خارجي[7].

إن أغلبية المسلمين الذين استوطنوا أوروبا بصورة قطعية هم أبناء مهاجرين أو مستوطنين سابقين، انفصلوا عن ثقافة وعادات وتقاليد ولغة مسقط الرأس. وأضحوا يتحدثون لغة بلد المهجر ويتعلمون بها، أما لغة مسقط الرأس فإن تعلموها تصبح لغة ثانية الغرض منها الصلاة وقراءة القرآن، وليس كلغة ثقافة واستخدام يومي.

ويُلح جل الوعاظ والأئمة على موضوعات أخلاقية وروحية في أفق التفتح الشخصي وطلب الكمال والكرامة كالصبر، المعاناة، مقاومة الإغواء وذلك أن التخلي عن المحرمات والمحظورات يناسب النّمو الروحي والتدرب الأخلاقي، وليس خضوعا لضغوط قانونية أو اجتماعية[8].

إن الإسلام المعاش في أوروبا يظل يمارس كتجربة شخصية على غرار العودة إلى الذات، تقوم على ممارسة الأخلاق والعبادات الإسلامية، وعلى الامتثال للقوانين الأوروبية وأنظمتها، ولا يتسنى له إن يعاش كشريعة أو نظام حقوقي أو سياسي[9].

ما ذكرناه سالفا يفضي حسب أوليفييه روا إلى تواجد إسلام أوروبي يرتكز على التفرد في الاعتقاد الديني والممارسة الدينية، ويتأتى من مواءمة طبيعية لأقلية مسلمة، مع مجتمع أوروبي غير مسلم، ينهض على مرجعية وقوانين علمانية، وهذا بدوره يولد من الناحية العملية علمانية لدى هذه الأقلية لا تقوم على تمفصل الدين عن الدولة أو السياسة فحسب، وإنما في إقامة الدين على حرية فردية يخضع لقناعات وممارسات هذا الفرد أو ذاك، بعيدا عن أية معايير قانونية أو اجتماعية.

2.أطروحة طارق رمضان:

تتمحور أطروحة طارق رمضان في ما يأتي: أن هناك خوفا متبادلا بين الطرفين (الأوروبي والإسلامي)، بالنسبة للأوروبيين يتساءلون حول مآل هذا الرسوخ الطويل للإسلام في أوروبا، والخشية من أسلمة أوروبا، أما بالنسبة للمسلمين فخوفهم الأساس يتمثل في احتمال خسارة دينهم وثقافتهم وهويتهم المتميزة، خوف يستولي عليهم من أن يستعمروا ثقافيا أو يهضموا بالكلية. ويعتبر رمضان بأن هذه هي الحقائق الجوهرية للإسلام الأوروبي في يومنا هذا، بيد أنه عند معالجتنا لها ينبغي تسليط الضوء على العناصر الآتية لأهميتها لأي نقاش حول الإسلام الأوروبي:

-الإسلام دين أنزله الله تعالى إلى العالمين ليكون أسلوب حياة وليس مجرد سمة ثقافية، وتغييب هذا البعد عن النقاش سيجعل كل الجوانب الأخرى للإسلام في أوروبا بدون نجاعة وقيمة.

-التركيز في تحليل الإسلام والمسلمين في أوروبا على نظرة المسلمين لأنفسهم، وفهمهم للإسلام، وليس على نظرة الأوروبيين لهم[10].

2 .1 الإسلام الأوروبي: دين أم ثقافة:

من وجهة نظر طارق رمضان أن شريحة كبيرة من المسلمين، من بينهم علماء ومؤمنين بسطاء يعارضون فكرة الإسلام الأوروبي مختلف عن الإسلام الموحد الأصل، معتقدين بأن هذه التسمية محاولة لتفتيت الإسلام ومسخه، وسعي خطير لإصلاحه.

ومن جهة أخرى يؤكد السوسيولوجيون بأن ليس هناك إسلاما واحدا، إذ هناك عدة أشكال للإسلام تختلف باختلاف التأويلات أو المجتمعات، ومن الضروري التعامل مع هذا التنوع بطريقة دقيقة وجادة.

ويحاول طارق رمضان تهذيب هاتين المقاربتين المناقضتين مقرا بأن الإسلام دين عالمي واحد ومتنوع في الآن ذاته[11] على مستوى العقيدة التي تعتبر جوهر الإيمان، وعلى مستوى تطبيقها في العبادات الإسلام واحد يُوحد جميع الفرق سنة وشيعة تحت قاعدة الوحي القرآني والسنة النبوية اللذان يحددان المبادئ العامة للدين الإسلامي في الشرق والغرب، الشمال والجنوب بصيغة واضحة وصريحة، وهذه المبادئ هي التي تغدي مجتمع الإيمان أو ما يسمى بالأمة[12].

فالإسلام دين متنوع من زاويتين:

-الأولى توجد من خلال القراءات والتأويلات التي تفسر اختلاف التقاليد والميول وتشعب المدارس الفقهية مثلما نألف ذلك بين السنة والشيعة سواء كانوا علماء أو مسلمين عاديين.

-أما الثانية تتمظهر من خلال طبيعة الثقافات والعرف والعادات؛ فمسلمو إفريقيا أو آسيا لطالما احتفظوا بالكثير من أنماط حياتهم وعاداتهم ولكن الجميع عليه احترام ومراعاة العقيدة، لأن المبادئ والعبادات يتعين على كل المسلمين بمختلف ثقافتهم وبلدانهم أو انتماءاتهم السياسية أن يلتزموا بها لأنها مبادئ ثابتة وعامة، وأي مسلم يسعه فعل ما يشاء مادام لا يخالف ركنا منصوصٌ عليه شرعا، ولكي يقلع المسلم عن فعل شيء، يلزم وجود نص صريح وصحيح ينص على عدم جواز هذا الفعل[13].

وطبيعة الإسلام الأوروبي لا يخرج عن هذا السياق، فالإسلام الأوروبي إذا راعى واحترم المبادئ العامة للعقيدة والعبادات، وتولى في الوقت نفسه ثقافته الغربية بتنوعها واختلافها لا يطرح ذلك أية مشكلة، فالأوروبيون المسلمون يكون إسلامهم تاما بالنسبة إلى مبادئ الدين، ويكونون في الوقت نفسه أوروبيون بالتمام نسبة إلى ثقافتهم الأوروبية والغربية.

لا يتعلق الأمر بالنسبة لطارق رمضان إلى خلق إسلام جديد، ولكن يعود الأمر إلى تصالح الإسلام مع ديناميكيته وإبداعاته وإيمانه الأصيل، ويتحتم على المسلمين أن يربطوا كل شيء صالح في المجتمعات الأوروبية بمعتقدهم من منطق الإخلاص لله، وفي الوقت نفسه النظر إلى الأشياء الطالحة بأنها سلوكات قابلة للنقاش وللنقد، من منطلق أن كل الثقافات، عربية، آسيوية، غربية تقتضي فكرا نقديا، ونقدا ذاتيا مستمرا من أجل تطوير العادات والأعراف في ضوء المبادئ الدينية، لأن ما هو معروف أن المبادئ تتآكل وتتلاشى إذا طغت عليها العادات والأعراف[14].

ويتعين على مسلمي الغرب أو أوروبا للوصول إلى هذا الهدف، حسب طارق رمضان القيام بعمل مزدوج وذلك بتفكيك وإعادة بناء من خلال التركيز على التمييز بين ما هو ديني وما هو ثقافي، واستبعاد تلك النظرة التي تصور الإسلام كأنه وافد من الباكستان أو الترك أو العرب وبالمرة ليس هناك دينٌ بدون ثقافة، وليس هناك ثقافةٌ لا تقوم على الدين، ولكن الدين ليس الثقافة، وعملية التمييز بينهما ليست بالأمر السهل والهين، ذلك إن الاغتراب هو الذي يجعل التمايز ضروري وفي الآن ذاته صعب وسهل.

ومن ناحية أخرى ينكفئ المسلمون المهاجرون على دينهم وثقافتهم ومجتمعاتهم بغية تحصين هويتهم من خطر الضياع في البيئة الأجنبية، ويقاومون هذا الخطر المحتمل بواسطة نمط حياتهم الذي عرفوه في بلدانهم الأصلية، فيخلطون دائما بين الدين والثقافة والعادات[15].

أما من ناحية ثانية، فالجيل الثاني والأجيال اللاحقة، لا يمكن أن يكونوا راضين عن هذا الموقف، كونهم أكثر تعلما، فيتساءلون عن ملامح ثقافة البلد الأصل، كما أنهم يُمتصون بصفة طبيعية من طرف لغة وثقافة البلد الذي يحيون فيه (بلد المهجر)، وهذه المرحلة الانتقالية تُشكل أزمة طبيعية بين الأجيال، ولكن أيضا مع المجتمع المحيط بهم يقطعون مع العادات الثقافية السلبية لوالديهم وينظرون إليها على أنها مشكلة وليست إسلامية دوما. ويقبلون القيم الإيجابية للثقافة الغربية، بشرط أن تبقى كل هذه العادات الثقافية (غربية، وغير غربية) منسجمة مع مبادئ الإسلام [16].

2.2 الإسلام والعلمانية:

في خضم العلمانية التي تتربع على عرش الحضارة الغربية، يجب تحليل الإسلام والمسلمين في أوروبا انطلاقا من التركيز على نظرة المسلمين لأنفسهم، وفهمهم للإسلام، وليس على نظرة الأوروبيين لهم، وتصنيفهم للمسلمين، ويعتقد طارق رمضان بأن هذا الفكر غائب اليوم على مسرح الإسلام الأوروبي.

ومن أجل إصلاح هذا النقص، وسد هذه الفجوة، ينطلق طارق رمضان من مسلمة مؤداها أن المسلمين اليوم لا يعرفون تاريخهم، ولا يدركون إلا القليل منه عن مرجعياتهم، ويقعون في الهامش عند إدارة النقاش، والذي يناقش على الهامش لن يكسب أبدا النقاش.

ومعنى هذا إن المسلمين لا يقفون على أرض صلبة في حديثهم مع الآخرين، لعدم وعيهم بمبادئهم، مما يفضي إلى عدم فهمهم لأنفسهم، ووعيهم للبيئة التي يتموقعون فيها، وهذا بدوره يولد لديهم خوفا من الآخر ومن المجتمع الذي يتواجدون فيه.

ومن الجلي أن المسلمين اليوم لا يميزون في حديثهم وفهمهم وفتواهم بين المنهج المستخدم في العبادات والمنهج المستعمل في المعاملات، فيصطبغ منهج مبادئ المعاملات بمنهج مبادئ العبادات، وهنا يقع الالتباس والفوضى والخلط، وبالتالي سوف ينعكس هذا الأمر سلبا على واقع وحياة المسلمين[17].

وعندما نوجه الحديث إلى العبادات، فعلى المسلم الالتزام بالنص، فإن رغب أحدهم في الصلاة على سبيل المثال، فعليه اتباع نص يصف كيفية الصلاة، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[18]، وفي هذا المقام يكف المرء عن استخدام فهمه واجتهاده[19].

أما في مجال المعاملات فالوضع كله مختلف ومفارق، والمبدأ الأول الذي ينطلق منه المسلم مؤداه أن الأصل في الأشياء الإباحة، فالمسلم يفعل ما يشاء مادام لا يتعارض هذا الفعل مع نص يحظره[20].

ففي مجال العبادات ينبغي توفر شرط يبيح فعل الشيء، أما في مجال المعاملات لزم وجود شرط يُحرمه، وإذا انعدم هذا الشرط فهو مباح وجائز.

معنى هذا أنه بإمكان المسلمين في أي زمان ومكان الأخذ من كل الثقافات عامة، والثقافة الأوروبية خاصة والنهل منها، ما لم تتعارض مع أصل أو نص في الكتاب والسنة. والتاريخ الإسلامي يشهد على أن المسلمينَ أخذوا من سائر الثقافات كل شيء إيجابي وصالح لا يتعارض مع مبادئهم الدينية، فالجاحظ في مؤلفه البيان والتبيين عرض أدب العرب وأدب الفرس، وحكم الهند ونصائح اليهودية والمسيحية، لأنه رأى أنها لا تخالف المبادئ الإسلامية.

إذن المصادر التي يرجع إليها المسلم واحدة، بيد أن هناكَ منهجيتين، منهجية العبادات، ومنهجية المعاملات، ولا يلزم أن تسري الأولى على الثانية، ذلك أن فقه المعاملات فيه إبداع واجتهاد وفكر وينفتح على كل مجالات الحياة، سياسية، اقتصادية، اجتماعية، فنية، وليس الفكر الإسلامي فكرا لاهوتيا، إنه فكر ينم عن قانون إسلامي يجسده المسلمون لا يفتأ يعزز علاقة الإخلاص لله وأوامره. وداخل حقل هذا القانون(الشريعة) لا يهدف الفقيه أو المجتهد إلى معرفة الحدود، الحلال والحرام فحسب، بل يفسح المجال للعقلنة والاجتهاد للفصل بين ما يسمى الدوغمائية والعقلانية[21].

ويميز طارق رمضان بين لائكية sécularisation وعلمانية laïcité. الأولى تعني صيرورة تاريخية تفصل بين الديني والسياسي. ولها ثلاثة مستويات : أ- من الناحية المؤسساتية، فصل الكنيسة عن الدولة ب- من الناحية الفلسفية، تمييز الدوغمائية عن العقلانية ج- من الناحية اللاهوتية، الاختلاف بين الدين والمجتمع. بيد إن الكثير من يعتقد أنها الفصل المباشر بين الدين والسياسة.

والجدير بالذكر أن التاريخ الإسلامي حسب طارق رمضان وُجد فيه النوع الثاني من اللائكية، حيث ميز الكثير من المفكرين بين العقلاني والدوغمائي، فالدوغمائية هي التي تفرض الفكرة بدون مناقشتها واختبارها وهذه هي سمات العقلانية. ويضيف رمضان أنه لو أخبرنا شخص يدرك جيدا تاريخ الغرب سوف يندهش من الحداثة الإسلامية وقتئذ. ويستشهد رمضان بالشافعي وتلميذه ابن حنبل في القرن الثامن، عندما اختلفا ولم يتفقا، حيث قال الأول للثاني: أنت تقول هذا، وأنا أقول هكذا. ونحن اليوم لا نتناقش، وإن لم أتفق معك سوف تسمني بالكفر، والعلمانية هي إضفاء الطابع المؤسساتي لهذه الصيرورة التاريخية.

فالشريعة ليست قانونَ عقوبات يطبقه المسلمون، بل هي الطريق إلى المصدر، وذلك من خلال إعادة قراءة المصادر الإسلامية في السياق الأوروبي الجديد، وهذا هو التجديد والوعي الإسلامي المطلوب، ولا يتأتى ذلك بتغيير النصوص، وإنما معاودة القراءة بمنظور جديد، وبناء رؤية جديدة تتناسب مع أي نسق جديد، شرط عدم التناقض مع المصادر[22].

ويقترح طارق رمضان علينا أربعة مصادر أساس يمكن استخلاصها من التاريخ الإسلامي، وهي حسبه مبادئ خالدة:

أ- دولة الحق المتجسدة في دولة المدينة، نستخلص منها القوانين التي تنظم علاقاتنا.

ب- المساواة في المواطنة، وينبغي للمسلمين الاشتغال بجدية حول مفهوم أهل الذمة، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا[23]

ت- نظام الانتخاب أو المبايعة، وهذا البعد معروف في الإسلام.

ث- مبدأ التناوب على السلطة، وهناك نصوص تُؤكد هذا المبدأ، وعلى الخصوص قول أبي بكر:» أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني»، وهذا يعني إذا لم أكن كُفْؤًا، يجب أن أُستبدل بخليفة آخر.[24]

ونفهم من هذا أن لدينا مبادئ ومرجعيات، ومن خلالها يتعين علينا اقتراح النماذج التي تتوافق مع المجتمع الذي نحيا فيه. فنتناقش حول المبادئ، ولا يفرض أحد نموذجا بعينه، ونترك المجتمعات تختار النموذج الذي يلائمها. إن نموذج فرنسا لا يصلح لأمريكا وبريطانيا، والعكس صحيح.

ما يقلق طارق رمضان أن العالم الإسلامي يلعب دوما دور الضحية، ويفكر بأن ما آل إليه من انكسار وتخلف هو خطأ الغرب، وعلى حد تعبيره ما نحن عليه نستحقه ونحن مسؤولون عليه أمام التاريخ.

لهذا يتعين على المسلمين قاطبة أن يتخلوا عن أنانية الاستهلاك، ويُسهموا بوعي أخلاقي وروحي ومادي سعيا وراء تطوير مبادئهم العالمية أينما كانوا، وليكونوا شهداء على الناس كما جاء في القرآن الكريم، وذلك بالخروج من قوقعة القيتوهات ghettos، وضرب عرض الحائط ما يُلفقه الإعلام الغربي عن الإسلام والمسلمين، وعدم الخلط بين المبادئ والنماذج، بالحفاظ على المبادئ والبحث عن النماذج المناسبة[25].

أما في مجال علاقة الدين بالسياسة، فهناك اعتقاد سائد مؤداه أن هناك تماهي بين الدين والسياسة في الإسلام، بيد أنه حسب طارق رمضان هذا مجانب للحقيقة والصواب، وحجته في ذلك أن علماء الفقه في القرون الأولى من الإسلام أنشأوا فوارق واضحة بين المصطلحين[26]. فكانوا في ميدان العبادات يرجعون إلى القرآن والسنة، أما في ميدان الحياة الاجتماعية لم يتقيدوا بالمصدرين الأساسين القرآن والسنة، واستخلصوا حلولا وأفكارا انطلاقا من عقلانيتهم وذكائهم الإنساني على ضوء المبادئ العامة للدين. ونجد كل الكتابات الفقهية الأولى في القوانين والفقه تُميز بين باب العبادات والمعاملات لأن ماهيتهما ومنهجهما مختلفان. وهذا ما هو غائب ومستبعد اليوم عند الفقهاء والقضاة والمستشارين القانونيين، حيث لم يصلوا بتفكيرهم حتى عتبة التمييز بين المصطلحين في التسيير السياسي الراهن[27].

إذن الإسلام أقر تمييزا واضحا بين مجال عقيدة دوغمائية تفرض الرأي والعقلانية المفاوضة، بين الدين والسياسة، كما هو محدد اليوم كمرجعية للعالم الغربي.

3.2 الاندماج:

اقترح طارق رمضان تصورات جديدة تُمكن المسلمين في أوروبا والغرب على الاندماج الايجابي في البلدان التي يقيمون فيها، وينطلق من مسلمة مفادها أن مصطلح الشريعة مفهوم وثيق الصلة بقضية اندماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية، والشريعة ليست مجرد قانون عقوبات وحدود يسعى المسلمون إلى تجسيده في الواقع، ولكنه تصور عالمي لحيثيات دوام الإخلاص لله، تُساعد المسلمين في استخلاص معنى عالمي يُغيّر رؤية المسلمين للغرب.

لا شك أن هناك مستويات متنوعة للاندماج، كالاندماج السياسي والاجتماعي، وهذين النوعين موجودين في أوروبا. والشكل الذي يعنينا هو الاندماج الديني والفلسفي[28]، فالمسلمون إن استوعبوا مصطلح الشريعة على أنها نظرة عالمية بربط كل شيء صالح في أوروبا بعقيدتهم في دوام الإخلاص لله، واعتبار هذا الجانب عنصرا لا ينفصل من شرعتهم يُسارعون في الاندماج، ولا ينتظرونه من الآخرين، وعلى سبيل المثال إذا اطَّلع مسلم ما على الدساتير الأوروبية ووجد بنودا كثيرة تتفق مع منظوره للعدل، فلا يكفي أن يحترمها لأنها فقط عنصر من دستور وقع معه عقدا أخلاقيا يضمن له المواطنة الأوروبية، «فالأمر يتجاوز ذلك: إنني أُكن لها توقيرا لأنها تلبي حاجة ماسة لوعيي الديني، وبذلك تستحيل جزءا من قيمي المحببة، فعلى هذا المنوال أندمج اجتماعيا»[29]

أما الاندماج الديني والفلسفي ينبني على أن العديد من القيم الأوروبية، التي تنتمي إلى نسيج الإسلام أو تتوافق معه، فمبادئ العدل والمساواة مبادئ إسلامية محضة، وأيضا القيم المثلى التي نجدها عند الأوروبيين، يقول طارق رمضان: «وهنا يسأل المسلمون:» كيف تقول إن ما لدينا حتى الآن كالخلفية الثقافية والقانونية في أوروبا، إسلامي بالفعل؟» أقول لهم: نعم، فكل شيء أوروبي من هذا القبيل ينتمي إلى المسلمين، وهذه ليست حقيقة جديدة كل الجدة»[30]

ونفهم من هذا أن القيم الصالحة والمثلى المبثوثة في ثنايا الحضارة الغربية، قيم عالمية تتقاطع مع القيم الإسلامية العالمية ولا تناقضها، وهي تساعد المسلمين في أوروبا على تنمية ثقافة أوروبية إسلامية، وبإمكانها إن تتطور وتفضي إلى بناء هوية مشتركة بين الطرفين.

ويعتبر الدكتور محمد طيبي أن جهود طارق رمضان تمثل علامة بارزة في معالم الإسلام الأوروبي، لكنها إن لم تُحدث تغييرا نوعيا يدفع بالأنتلجنسيا المسلمة إلى التنظيم الاستراتيجي الحقيقي الذي يخترق المؤسسات، فستغدو مجرّد خطابات تسعى لتيسير الطريق نحو الموت.[31]

3. تحليلا للنتائج:

أ. بالنسبة لأوليفييه روا:

إن أول ملاحظة تستوقفني في أطروحة أوليفييه روا هي السؤال الاستشكالي الذي تصدر بحثه وهو: هل يتوافق الإسلام مع العلمانية؟، ما معنى هذا السؤال في العمق؟ أو ما الشيء المضمر الذي يتوارى داخل السؤال؟

نفهم من هذا الطرح وكأن العلمانية هي أروع وأجمل نظام تمخض عن الحضارة الغربية، أي إن العلمانية تتصدر قمة الجبل والإسلام يتواجد في أسفل هذا الجبل، وإذا أراد الإسلام الصعود إلى هذه القمة يتعين عليه التوافق والانسجام مع العلمانية، وذلك بالتخلي والتنازل عن العديد من مبادئه التي تتناقض وتتعارض مع العلمانية.

أما تأكيده إن لا شيء في العمل السياسي إسلامي في ذاته، وأن السياسي هو الذي يحدد الديني، مما يعني بأن الإسلام يتوافق مع القيم العلمانية والليبرالية، أعتقد أنه يُجانب الصواب، لأن أطروحة المؤلف عصية عن التعميم، ذلك إن أوليفييه روا تتبع نشاط بعض الحركات الأصولية الإسلامية والأحزاب السياسية، وجعل منها مصداقا لأطروحته، وكان حرّيٌ به أن يُحدد ويُدقق في أحكامه، كأن يقول إن الحركات الإسلامية السياسية التي استدل بها على أطروحته تتساوق وتتلاءم بأسلوبها ومنهجها مع قيم ومبادئ العلمانية، وليس الإسلام قاطبة، مما يدل على أن المُؤلف لا يميز بين نشاط المسلمين وسلوكياتهم في الواقع ونظام الإسلام بمبادئه الخالدة.

أما انتهاج الحركات الأصولية والأحزاب السياسية أسلوب ومبادئ العلمانية له ما يُبرره، حتى وإن لم تكن مُخلصة لمبادئ الإسلام. فنمط التعامل الأوروبي حيال المسلمين، من تمييز وتحيز وتصاعد في موجة الكراهة كلها عوامل تفرض عليهم استخدام المرونة والانسجام مع قيم العلمانية للظفر بحقوقهم المهضومة.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية الواقع المرير دفع بنخبة من المفكرين والمثقفين المسلمين في أوروبا، أمثال الدكتور مالك شبل وطارق رمضان ويوسف صديق إلى التفكير في طرح فكر تجديدي للدين يُيسر على المسلمين الأوروبيين التأقلم مع وضعهم.

ب. بالنسبة لطارق رمضان:

من جانبي أُثمن أطروحة طارق رمضان حول الفصل بين العبادات والمعاملات، ذلك أن الخلط بين فقه العبادات وفقه المعاملات يُفضي إلى عرقلة الإصلاح ويختزل الإخلاص لرسالة السلف والإسلام في قراءة جامدة للنصوص، هذا من جهة، ومن جهة ثانية يُعد الإصلاح نتيجة جوهرية للفكر الإسلامي المعاصر والراهن، ويساهم أيضا في قراءة النصوص وفهمها وتطبيقها وفقا لروح العصر والسياق التاريخي الجديد؛ ورؤية طارق رمضان تعزز الحوار بين المسلمين وغير المسلمين وتُؤسس لإتيقا التواصل في الفضاء العمومي للمجتمع الغربي.

كما أعتقد أن أطروحة طارق رمضان من الناحية النظرية غاية في الإبداع والتجديد، إلا أنها تصطدم بالواقع ومجال تطبيقها، فمثلا عندما يؤكد أن الإسلام الأوروبي إذا راعى واحترم المبادئ العامة للعقيدة والعبادات، وتولى في الوقت نفسه ثقافته الغربية بتنوعها واختلافها لا يطرح ذلك أية مشكلة، فهذا كلام جميل وطيب، لكنه لم يُوضح لنا الكيفية التي نجسد بها هذا المقترح، كما أنه لم يقترح لنا حلولا ناجعة من خلالها يتعامل المسلمون مع المضايقات التي يواجهونها في أوروبا مثل، اللباس، الأعياد، الزواج المثلي.

لا نوافق طارق رمضان في تصريحه أثناء المناظرة التي أجراها مع نيكولا ساركوزي Nicolas Sarkozy))‏ ‏( 1955) عام 2003 في قضية العقوبات البدنية وتأييده وقف تطبيقها كخطوة نحو إلغائها، من ناحية أولى كونها مبادئ دينية ثابتة، ومن ناحية ثانية لم يذكر لنا المبررات والمسوغات التي تُجيز إلغاءها.

وبيّن لنا طارق رمضان أن الغربَ سوف يندهش من الحداثة الإسلامية، كونها كانت السباقة في إبداع النوع الثاني من اللائكية وهو تمييز الدوغمائية عن العقلانية، ويستشهد رمضان بالشافعي وتلميذه ابن حنبل حيث أنهما أسسا لإيتيقا المناقشة والحوار في القرن الثامن الميلادي، وذلك عندما اختلفا ولم يتفقا حول مشكلة راودتهما وقتئذ ووجدا لها حلين مختلفين.

أعتقد بأن هذا الحدث موجود في تصور طارق رمضان فقط، ولم يشير إليه أحد من قبل، كما أن هذا السلوك الذي أشار إليه طارق رمضان ينتمي إلى فقه الاختلاف في الاجتهاد وليس إلى الضرب الثاني من ضروب اللائكية.

فنجد في تاريخنا الإسلامي ما يصطدم مع تصور طارق رمضان، وبالضبط عندما تعرض الإمام ابن حنبل في محنة القول بخلق القرآن للتعذيب والتنكيل، نهاية القرن الثامن الميلادي، وكانت المعتزلة وراء هذه المحنة، ولاقت الدعم من الدولة بكافة أجهزتها ورجالها وقوتها، ولم ينته الأمر عند التبني والاعتناق، بل امتد إلى إجبار الناس على تبني ذلك بالقوة. والمعتزلة هي حاملة لواء الحداثة ورمز للعقلانية والانفتاح في فكرنا الإسلامي كما يعتقد البعض.

كما أعتقد أن هذا الحدث (النوع الثاني من اللائكية) لا يهم اليوم المسلم الأوروبي، فالمهم بالنسبة إليه هو إيجاد حلول ناجعة إزاء مجتمع يرفضه ولا يستسيغه.

وعلى صعيد آخر هناك من يرى أن الإسلام الأوروبي لا يعدو أن يكون حلما لامعنى له، ومجرد مشروع لا محل له من الواقعية، يقول الدكتور بومدين بوزيد: « رؤية من يرى استحالة ذلك كلية، على اعتبار أن الإسلام يطرح نفسه كبديل للأديان لا يعترف بالآخرين من غير ديانته إلا كذميين، أي كمواطنين من الدرجة الثانية، وبالتالي فإن المسلمين في أوروبا سيزدادون تطرفا وعدوانية ضد الشعوب المستقبلة لهم، ومن ثم قد يكون حلمهم بإرجاع الأندلس الضائعة. كما أن فكرة الجهاد التي يتبنونها تقف وراء تشدّد الجماعات التي نشطت أكثر في أوروبا، كرد فعل ضد التمييز والغيتو» أحياء الضواحي»»[32]

والإسلام الأوروبي ليس حلما بل يمكن تجسيده؛ إذا سلك المجتمع الأوروبي سجالا موضوعيا حول المشاكل التي يحياها المسلمون وبلدانه، بغية البحث عن حلول ترضي كلا الطرفين من أجل تعايش ممكن واندماج جيّد.

وإن جل المسلمين المستوطنين أوروبا يتوجسون ويقلقون على حقوقهم، والإسلام السياسي يبذل قصارى جهده لبلوغها، والمجتمعات الأوروبية عليها مطارحة هذه الحقوق بعقلانية ومعرفة معمقة بالإسلام، والأخذ بعين الاعتبار التباينات الثقافية للطرفين، وتسخير كل الطاقات ليصبح المسلمون مواطنون مقبولون، وذلك بفك العزلة عنهم، ومعرفة نقائص الاندماج، والعدول عن كل أشكال التهميش والجور والكراهة والاحتقار، عن طريق تجويد مستواهم التعليمي وفرص العمل.

ويتعين على المجتمع الأوروبي أن يُدرك بأن المسلمين أصبحوا ضرورة ملحة في نسيج مجتمعهم، وقد يُساهمون في الحفاظ على المجتمع الأوروبي ورقيه، وعلى المسلمين التخلي عن فكرة الشعور بالدونية، والفهم المؤدلج للإسلام، ونبذ العنف واعتبار أوروبا بلدهم ووطنهم.

خاتمة:

وخلصنا في دراستنا إلى أن الإسلام الأوروبي ممكن التحقق؛ لأن أوروبا فضاءً علمانيا وديمقراطيا، بحيث يمكن للمسلم أن يكون مؤمنا ومواطنا في الآن نفسه.

وقد نلفي شريحة كبرى في أوروبا من المسلمين، يُثمنون أوضاعهم بوصفهم مواطنين أوروبيين يدعون إلى التعايش بين شتى الطوائف والديانات والحضارات، ويبقى الدور للمجتمعات الأوروبية لفهمهم وقبولهم.

وهناك أنتلجنسيا تسترشد بالتاريخ ومرجعياته، لهم وعي بمبادئهم، لا يخلطون بين المبادئ والنماذج، فيكون إسلامهم مقبولا بالنسبة إلى مبادئ الدين، ويكونون في الوقت نفسه أوروبيين بالتمام نسبة إلى ثقافتهم الغربية. وهؤلاء أمثال الدكتور مالك شبل وطارق رمضان ويوسف صديق وروجي غارودي وجيفري لانغ وديتريش فون دنفر وغيرهم كثير.

لكن في الوقت نفسه نجد شريحة من المسلمين في أوروبا تُسيئ إلى الإسلام، تفاعلهم سلبي مُعادين لأوروبا ويرفضونها، يجتمعون في شكل طوائف وقيتوهات، وجودهم اعتباطي بلا هدف؛ لا يتجاوز الجانب المادي أو الحصول على الجنسية؛ وهذا ناهيك عن احتيالهم وتعصبهم وتطرفهم، ومنهم من ينتمي إلى الإسلام عرقيا ليس إلا، والسبب اعتقادهم أن أوروبا مجرد محتل قديم، نكّل بأسلافهم وشيد حضارته على أكتافهم ونهب ثرواتهم وطمس هويتهم.

أما الاتجاه القائل إن الإسلام وحدة لا تتجزأ ولا يوجد هناك إسلام أوروبي مقابل لإسلام محلي أو تقليدي هو مجرد توهم، لأن الإسلام لطالما انتشر في القارات وتفاعل مع ثقافاتها وعادات شعوبها، ما دامت متناغمة مع مبادئه ومخلصة لتعاليمه، من هنا ندرك إسلاما إفريقيا وإسلاما آسيويا وإسلاما أمريكيا.

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثامن 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


قائمة المراجع:

أوليفييه، روا، نحو إسلام أوروبي، ترجمة: خليل أحمد خليل، دار المعارف الحكمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2011.[33]

طارق، رمضان، وآخرون، الإسلام الدين الثاني في أروربا، ترجمة: أحمد الشيمي، بدون ذكر دور النشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 2016.

الطيبي، محمد، وآخرون، الإسلام الأوروبي، مركز المسبار، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2010.

Ramadan tariq, Islam la réforme radicale : Ethique et libération, Edition Archipoche, Paris, 2015.

Ramadan tariq, Mon intime conviction, Edition Archipoche, France, 2011.

Ramadan tariq, Quelle laïcité pour le monde musulman, Mitidja impression, Alger, 2015, conférence3.


[1] – أوليفييه، روا، نحو إسلام أوروبي، ترجمة: خليل أحمد خليل، دار المعارف الحكمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2011 ، ص 16.

[2] – نحو إسلام أوروبي، (م س)، ص 22.

[3] – نحو إسلام أوروبي، (م س)، ص 24.

[4] – نحو إسلام أوروبي، (م س)، ص 59.

[5] – نحو إسلام أوروبي، (م س)، ص 84.

[6] – نحو إسلام أوروبي، (م س)، ص 85.

[7] – نحو إسلام أوروبي، (م س)، ص 104.

[8] – نحو إسلام أوروبي، (م س)، ص 105.

[9] – نحو إسلام أوروبي، (م س)، ص 109.

[10] – طارق رمضان وآخرون، الإسلام الدين الثاني في أروربا، ترجمة: أحمد الشيمي، بدون ذكر دور النشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 2016، ص 334.

[11]– Ramadan tariq, Mon intime conviction, Edition Archipoche, France, 2011, p 75.

[12]– Ibid., p 76.

[13]– Ibid., p 77.

[14]– Mon intime conviction, Ibid., p 78.

[15]– Ibid., p 79.

[16]– Ibid., p 80.

[17]– Ramadan tariq, Quelle laïcité pour le monde musulman, Mitidja impression, Alger, 2015, conférence3, p93.

[18] – حديث رقم 6857 – من كتاب صحيح البخاري – كتاب أخبار الآحاد.

[19]– «priez comme vous m’avez vu prier«. Quelle laïcité pour le monde musulman, Ibid., p 93.

[20]– «l’origine des choses est la permission tout est permis sauf ce qui est explicitement interdit». Quelle laïcité pour le monde musulman, Ibid., p 93.

[21]– Ibid., p94.

[22]– Quelle laïcité pour le monde musulman, Ibid., p86.

[23] – «ils ont ce que nous avons et et il leur incombe ce qui nous incombe».

[24]– Quelle laïcité pour le monde musulman, Ibid., p 98.

[25]– Quelle laïcité pour le monde musulman, Ibid., p 101.

[26]– Ramadan tariq, Islam la réforme radicale: Ethique et libération, Edition Archipoche, Paris, 2015, p 446.

[27]– Ibid., p 447.

[28] – طارق رمضان وآخرون، الإسلام الدين الثاني في أوروبا، (م س)، ص 339.

[29] – الإسلام الدين الثاني في أوروبا، (م س)، ص 340.

[30] – الإسلام الدين الثاني في أوروبا، (م س)، ص 340.

[31] – الطيبي، محمد، وآخرون، الإسلام الأوروبي، مركز المسبار، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2010، ص66.

[32] – بوزيد، بومدين، وآخرون، الإسلام الأوروبي، (م س)، ص 117.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.