منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علم الصرف؛ نشأته، موضوعه، مصادره..

أحمد الراجي

1

تعريف عِلم الصّرف

تعود كلمة الصّرف أو التصريفُ إلى المادّة الّلغويّة صَرَف، ويُقال صَرَف الشّيء أيّ حوّله وغيّره، وبدّله عن الوجه الذي كان عليه،

فمادة (ص ر ف) تدور معانيها في اللغة حول: التغيير، والتّحويل، والانتقال: قال تعالى: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ}، وقال: {كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ}، {فما تستطيعون صرفا ولا نصرا}، {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}، {لَيْسَ مَصْرُوفاً}، {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً}.ونقول: (صَرَفْتُ المال)، أي: أنفقتهُ، و(صرفتُ الأجيرَ والصَّيدَ): خَلَّيتُ سبيلَه، و(صرفتُ الكلام): زيّنتُهُ.

أمّا في اصطلاح الّلغة فالصّرف كما ورد في كتاب المُفتاح في الصّرف هو العِلم الخاصّ بإعادة صياغة الكلمة المُفردة وشكلها على ضُروب مُختلفة لإنشاء ألفاظ ومعانٍ مُختلفة، وهو تعريف مُشابه لتعريف الشّيخ محمّد محيي الدّين عبد الحميد حين عرّفه بأنّه علْم مُستقِلّ عن النحو ويُعرَفُ به صياغةُ الأٌبنية، وأحوالُها، وما يعرضُ لها ممّا ليس بإعراب، ولا بناء. وهذا هو التّعريف الخاصّ بالمُتأخّرين من علماء الّلغة العربيّة. ويُعَرَّف علْمُ الصّرف بأنه: علْم يُعْرَف به أحوال الكَلِم العربية إفراداً وتركيباً. هذا تعريف المتقدِّمين، إذ يشمل النحو عندهم الصّرفَ أيضاً.

نشأة عِلم الصّرف

المزيد من المشاركات
1 من 22

نشأ عِلم الصّرف بالتّزامُن مع عِلم النّحو على نحوٍ جعلهما على اتّصال واتّساق، فلم يُنظر لعِلم الصّرف على أنّه علم مُستقلّ عن النّحو، بل كانت النّظرة العامّة الأولى أنّه جزء منه، وهو ما كان يضطر مَن أراد البحث في قضية تخص عِلم الصّرف لبحث عنها تحت عنوان “النّحو”، نظراً لتداخل العلمين دون وجود حدود تميّز أحدهما عن الآخر، وهو ما سبب الخلاف في زمن نّشأة عِلم الصّرف، فبعض الأقوال تشير إلى أنّه بدأ في زمن معاذ بن مسلم الهرّاء عام 803م، وكان السّيوطي من أصحاب هذا القول، أمّا القول الآخر فيشير إلى أنّه كان في زمان مُتأخّر أي في عام 1474م، والأرجح أنّ بدايات هذا العلم كانت مع النّحو في مُنتصف القرن الأول الهجريّ، إذ إنّ هذا ما ذكره أحمد الحملاويّ في كتابه (شذ العرف في عِلم الصّرف)، ويجب الإشارة إلى أنّ العديد من الباحثين أشاروا إلى هذا القول وأقرّوا بأنّ عِلم الصّرف -كما عِلم النّحو- عُرِف عن عُلماء الّلغة في عهدهم الأولّ، فقد كان العالِم بالّلغة لا بدَّ أن يكون مُلمّاً بالعلمين معاً بالإضافة إلى غيرهما من عُلوم الّلغة الأخرى.

أسباب نشأة عِلم الصّرف

تعود نشأة عِلم الصّرف إلى أسباب مُختلفة، إلّا أنّها لم تظهر جلياً خلال الفترة الزّمنيّة الممتدة بين العصر الجاهليّ وأوائل عصر الصّحابة؛ إثر اعتنائهم بالكلام الفصيح خير اعتناء، إلّا أنّ الفتوحات الإسلاميّة التي عقبت هذه المراحل، والتي دخل خلالها العديد من الأعاجم إلى بلاد العرب، وهو ما أدّى إلى اختلاط الّلغات بعضها ببعض دعت إلى إيجاد عِلم الصّرف والنّحو لحفظ اللغة العربية وعلومها، ويُمكن حصر الحاجات التي أفضت إلى وضع هذا العلم فيما يأتي:

  •  الحاجة الدّينيّة:

تتمثّل هذه الحاجة في إيجاد قواعد للغة العربيّة يُمكن للمسلمين الفاتحين الاعتماد عليها والرّجوع إليها عند تعليم الأعاجم أمور الدّين، وظهر ذلك جليّاً في فترة الفتوحات الإسلاميّة لبلاد فارس، والرّوم، فما كانت العُلوم الدّينيّة لتصل لغير العرب على الوجه الصّحيح إلّا بإيجاد أساس واضح تُنقل تبعاً له، وهي قواعد الّلغة العربيّة المُتمثّلة بعِلميّ الصّرف والنّحو.

  • الحاجة الاجتماعيّة:

تكمُن هذه الحاجة من كون الإنسان اجتماعياً منذ خَلَقه الله، وهو ما يجعله بحاجة دوماً للتّواصل مع غيره من النّاس، وكان لاختلاط العرب بغيرهم بسبب الفتوحات الإسلاميّة أثر بالغ في ضرورة إيجاد حلقة وصل بينهم؛ لتسهيل تواصل النّاس مع بعضهم، وقضاء الحاجات بينهم، كما كان لظهور عدد كبير من الموالي -غير العرب- البارعين في أمور الّلغة العربيّة، والمُتفوّقين فيها دليل على ما أوجدته هذه الرّابطة الّلغويّة. يعتبر اللاحن أثناء قراءة القرآن الكريم، أو الأحاديث النّبويّة داخلاً في دائرة الحاجة الدينية، أمّا اللاحن في غير ذلك فيُدرج تحت الحاجة الاجتماعيّة الدّاعية إلى تصحيح كلامه، وكان مَسلمة بن عبد الملك بن مروان ممّن نبّهوا إلى أهميّة الابتعاد عن الّلحن، إذا قال: “الّلحن في الكلام أقبحُ من الجَدريّ في الوجه”، وممّا نُقِل عن الحجّاج كذلك أنّه كان ممّن يكره أن يقع في كلامه أو كلام غيره لحن، بل وكان حريصاً أن يسأل عمّا يُمكن تجنّبه في قضايا اللغة للابتعاد عنه.

مقالات أخرى للكاتب

 واضع ومؤسس عِلم الصّرف

أشارت العديد من الكُتب العربيّة المُتعلِّقة بقواعد النّحو والصّرف مِثل كتاب (أخبار النّحويّين البصريّين)، وكتاب (التّفكير النّحويّ)، وكتاب (طبقات فحول الشّعراء)، وغيرها إلى أنّ واضع المبادئ الأولى الخاصّة بعِلميّ النّحو والصّرف هو أبو الأسود الدُّؤليّ، إذ جاء ذلك إثر مُلاحظته العديد من الظّواهر النّحويّة والصّرفيّة أثناء ضبطه للنّص القرآنيّ، وهو الأمر الذي دعاه للتّفكير في تفسيرها، كما ذُكر أنّ مدينة البصرة في العِراق كانت موطن النّشأة الأولى لعِلميّ الصّرف والنّحو؛ كونها ملتقى الأعاجم مع العرب في ذلك الوقت،

إلّا أنّ هُناك رأي آخر قِيل فيه أنّ المُورِد الأول لمسائل الصّرف مع إفراده له كعِلم مُستقلّ عن عُلوم الّلغة العربيّة الأخرى هو مُعاذ بن مُسلم الهرَّاء، وهُناك رأي ثالث قِيل فيه أنّ واضعه هو (عليّ بن أبي طالب) -رضي الله عنه- لا غيره.

أول المصنفين فيه، وأشهرهم:

– سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (148-180هـ) في “الكتاب”، وقد مزج فيه بين النحو والتصريف مع عناية خاصة بالأخير.
– المازني، أبو عثمان بكر بن محمد البصري (ت249هـ)، وكتابه “التصريف” يعد أول كتاب مُفرَد للتصريفِ وصلنا.
– المبرّد، أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي (210 –286هـ) في كتابيه “الكامل” و”المقتضب”، وقد جمع فيهما مباحث صرفية كثيرة.
– ابن جني، أبو الفتح عثمان بن جني النحوي (ت392هـ) في كتابيه “التصريف الملوكي” و”المنصف” الذي هو شرح لكتاب المازني “التصريف”.
– الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن (ت471) في كتابه “المفتاح في الصرف”.
– الميداني، أبو الفضل أحمد بن محمد النيسابوري (ت518هـ) في كتابه “نزهة الطرف في علم الصرف”.
– الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري (67-538هـ) في كتابه “المفصل”، وقد مزج فيه بين التصريف والنحو.
– ابن الحاجب، أبو عمرو عثمان بن أبي بكر الدوني (ت646هـ) في كتابه “الشافية في التصريف” الذي يعد من أوعب ما صنِّف في هذا الفن.
– ابن عصفور، أبو الحسن علي بن مؤمن الحضرمي الإشبيلي (597هـ-669هـ)، في كتابيه “الممتع” و”المنصف” الذين أفردهما للتصريف. وقد حرر قواعد فن التصريف وضبطها أكثر من سابقِيه.
– ابن مالك، أبو عبد الله جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الجياني الأندلسي الدمشقي (600-672هـ)، وله في الصرف “نظم لامية الأفعال”، إضافة إلى ما أدرجه من مباحث التصريف في نظمَي “الكافية” و”الخلاصة”، وغيرهما من مؤلفاته النحوية واللغوية.

مراحل تطوّر عِلم الصّرف

كان لِعلم الصّرف -بالتّزامن مع عِلم النّحو- أربعة مراحل تطوّر خلالها حتى صار إلى ما هو عليه الآن، وفيما يلي بيان لها:

  • مرحلة النّشأة

هي المرحلة التي بدأ فيها ظهور عِلم “الصّرف والنّحو”، وكان ذلك في الفترة الممتدة بين (40هـ – 154هـ)، وكانت البدايات في مدينة البصرة، وتمتاز هذه المرحلة بوجود طورين لها هُما:
الطّور الأولّ: هو الطّور الذي كانت فيه العلوم مُختلطة، فقد كانت علوم الصّرف والنّحو، وعِلم القراءات في حالة اختلاط دون وجود أيّة حركة تُعنى بتصنيفها وتمييزها، إنّما كان الاعتماد في هذه المرحلة على ما يحفظه النّاس في صدورهم، وممّن برزوا خلال هذه الطّور من العُلماء أبو الأسود الدُّؤليّ والعديد من تلاميذه مِثل: نصر بن عاصم الّليثيّ، وعنبسة الفيل، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعبد الرّحمن بن هرمز.

الطّور الثّاني: هو الطّور الذي انفصل فيه عِلم القراءات عن عِلم الصّرف والنّحو، مع ظهور حركة جديدة تُعنى بتصنيف عِلم الصّرف والنّحو، بالإضافة إلى الاتّساع الذي شهده هذا العِلم في هذه المرحلة، ومّمن ذاع صيتهم في هذا الطّور عيسى بن عمر الثّقفيّ، وأبو عمرو بن العلاء اللذان كان لهما العديد من التّصانيف.

  • مرحلة النّموّ:

اتّسعتْ مواطن عِلم الصّرف والنّحو في هذه المرحلة، مع ظهور العديد من العُلماء فيها، وهو ما عمل على ازدهار هذا العِلم، ويجب الإشارة إلى أنّ هذه المرحلة قامتْ في مدينتيّ البصرة والكوفة، وكان ذلك خلال الفترة الممتدة بين عامي 155هـ – 220هـ، والجدير بالذِّكر أنّ الازدهار الذي شهدته هذه المرحلة أوجد العديد من المسائل الخلافيّة بين العُلماء في هذا العِلم، والتي نجم عنها الكثير من المُناظرات، بالإضافة إلى كثرة وُجود المُصنّفات، وممّن اشتُهر من العُلماء في هذه المرحلة من مدينة البصرة الخليل بن أحمد الفراهيديّ، ويُونس بن حبيب، وسيبويه صاحب كِتاب (الكِتاب)، والذي يُعدّ أقدم كِتاب وصل إلى النّاس وضع ليعتني في عِلميّ الصّرف والنّحو، ومنهم الأخفش الأوسط أيضاً، أمّا من مدينة الكوفة فعُرف مُعاذ بن مسلم بن الهرَّاء، والكسائيّ، والفرّاء.

  • مرحلة النّضوج:

تتميّز هذه المرحلة بانفصال عِلم الصّرف عن عِلم النّحو، كما اعتُبرت الفترة الممتدة بين عامي 221هـ – 292هـ هي المرحلة التي بدأ فيها عِلما الصّرف والنّحو بالنّضوج والاكتمال ليبدأ انفصالهما كل كعلم مستقل، ويجب الإشارة أنّ هذه المرحلة قامت في مدينتيّ البصرة والكوفة، ومن أبرز عُلماء البصرة في هذه المرحلة أبو عمر الجرمي، وأبو عثمان المازني صاحب كِتاب تصريف المازنيّ الذي عُني بعِلم الصّرف، وكذلك المبرّد، أمّا عُلماء الكوفة، فقد كان أبرزهم يعقوب بن السّكيت، وثعلب.

  • مرحلة التّرجيح:

تُعدّ هذه المرحلة الأطول من بين المراحل الثّلاثة السّابقة؛ إذ بدأت من عام 293هـ وامتدّت إلى العصر الحاليّ، كما تتميّز هذه المرحلة بظهور موطن جديد يُعنى بعِلم الصّرف وهو بغداد، والذي هو مكان نّشأة هذه المرحلة، ثمّ بدأ العِلم بعدها ينتشر في بلاد العالم الإسلاميّ، ولكنْ وجب التّنويه إلى أنّ هذه المرحلة أنتجت مذهباً جديداً في هذا العِلم، وهو مذهب قائم على مبدأ المُفاضلة بين المذهب البصريّ والكوفيّ. والجدير بالذِّكر أنّ لِطول فترة هذه المرحلة، ظهرت العديد من المواطن التي تُعنى بعِلم الصّرف، بالإضافة إلى بروز الكثير من العُلماء والمُؤلّفات، وممّن تميّز في هذه المرحلة: (أبو سعيد السّيرافيّ)، و(أبو عليّ الفارسيّ) صاحب كِتاب (التّكملة)، و(ابن جنّي) صاحب كِتاب (التّصريف المُلوكيّ)، ومن العُلماء الذين ذاع صيتهم في هذه المدّة أيضاً (الزّمخشريّ)، و(ابن يعيش) صاحب كِتاب (التّكملة للفارسي)، و(ابن الحاجب) صاحب رسالة الصّرف المُسمّاة بـ(الشّافية)، وأيضاً (ابن عصفور) صاحب كِتاب (الممتع)، و(أبو حيّان الأندلسيّ) صاحب كِتاب (المبدع) الذي يُعدّ تلخيصاً لِكتاب (الممتع).

حكم تعلم علم الصرف

فرض كفاية، ويتعين على كل من تصدر للفتيا في الأحكام ونحوها من الأمور الشرعية حتى يميز بين الخطأ والصواب

حكم تعلم علم النحو على عموم المسلمين هو كحكم تعلم سائر علوم الوسائل: أصول الفقه، وأصول التفسير، وأصول الحديث، وغيرها.

فهو واجب على الكفاية، فإن قام به من يكفي فإن سائر الناس لا يجب عليهم تعلمه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في “مجموع الفتاوى” 32/ 252: ومعلوم أن تعلم العربية وتعليم العربية فرض على الكفاية.

وقال أيضًا رحمه الله تعالى، كما في “اقتضاء الصراط المستقيم”:

إن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية.

وقال ابن حزم رحمه الله: أما النحو واللغة ففرض على الكفاية

وقال الرازي رحمه الله: اعلم أن معرفة اللغة والنحو والتصريف فرض كفاية: لأن الأحكام الشرعية واجبة بالإجماع، ومعرفة الأحكام دون معرفة أدلتها مستحيل، فلا بد من معرفة أدلتها، والأدلة راجعة إلى الكتاب والسنة، وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم. فإذن يتوقف العلم بالأحكام على الأدلة، ومعرفة الأدلة تتوقف على معرفة اللغة والنحو والتصريف، وما يتوقف على الواجب المطلق – وهو مقدور للمكلف – فهو واجب. فإذن معرفة اللغة والنحو والتصريف واجبة.

أهميّة عِلم الصّرف

تكمُن أهميّة عِلم الصّرف في توقّف العديد من العُلوم عليه، كعُلوم الّلغة والإملاء والنّحو، ويجب الإشارة إلى أنّ بعض العُلماء يرون أنّ عِلم الصّرف يتقدّم على عِلم النحو، ولكن ليس بالفضل إنّما لما يبحث فيه، فعِلم النّحو يبحث في “ذوات الكلام” وأحواله المُفردة دون الاطّلاع على التّركيب، ويجب الإشارة إلى أنّ تحليل الّلغة ودِراستها أصبح من خلال دراسة “الصّوت”، وهو أصغر الوحدات في الّلغة، فالصّوت إلى جانب آخر يُنتجُ “الكلمة المُفردة”، والكلمة المُفردة هي أساس دراسة عِلم الصّرف، أمّا جمع الكلمة مع الكلمة الأخرى لإعطاء معنى عند السّكوت عليه هُنا يخرج عِلم النّحو، فعِلم الصّرف إذن هو العِلم الوسط بين علم الأصوات وعِلم النّحو.

وتكمن أهميّته في ما يأتي:

  •  معرفة البُنية الصَّرفية الثابتة للكلمة:

حيث تساعد على معرفة موقعها الإعرابي المُتغيِّر بحسب الجملة، والأصل معرفة الثابت أولاً ثم معرفة المُتغيِّر، ففي المثال الآتي: أسعدُ عاملٌ نشيط، نجد أنّ كلمة (أسعدُ) هي اسم، وقد يُخيَّل للناظر والقارئ غير المُتمعِّن أنّ (أسعدُ) فعل وليس اسماً، ولكنّه حين يدرك أنّها اسم فإنّه يستطيع أن يعرف موقعها الإعرابي الصحيح (وهو مبتدأ)؛ فالكلمة في الصَّرف ثابتة، أمّا في النَّحو فهي مُتغيِّرة بحسب موقعها في الجملة.

المساعدة على فَهم ما تقصده نصوص الشريعة ومعرفة الحُكم الشرعي منها:

، ومثال ذلك أنّه من السنَّة تشميت العاطس، من الفعل شمَّت، والتشميت هو الفَرح ببلاء الآخر، أمّا من الناحية الشرعية فالمعنى هو العكس من خلال الدعاء بإزالة الشماتة بالعاطس؛ لأنّ أحد معاني التضعيف هو السلب والإزالة.

  • المعاني المُستفادة من حروف الزيادة

؛ إذ إنّ لكلِّ حرف زائد على أَصل الكلمة في اللغة العربية معنىً مقصوداً يُؤدّيه ويُفيده،[٤] وأمثلة ذلك ما يأتي:

  • عند زيادة الهمزة على أول الفعل الثلاثي، فإنّها تفيد التعدية في بعض معانيها، أي تُحوّل الفعل من لازم إلى مُتعدٍّ، مثل الفعل اللازم (كرُم) في الجملة: كرُم الرجل على أهل بيته، حيث إنّه إذا دخلت الهمزة عليه فإنّها تُفيد التعدية، وقد أصبح الفعل مُتعدِّياً، كما في الجملة: أكرمَ الرجلُ ضيوفَه، والفعل (أكرم) أصبح مُتعدِّياً بزيادة الهمزة.
  • عند زيادة التضعيف، وذلك بتضعيف الحرف الثاني من أَصل الكلمة، فإنّ هذه الزيادة تُفيد في بعض معانيها الكثرة والمبالغة، مثل (كرَّم) في الجملة: كرَّم المدير مُوظَّفيه، أي أنّه أحسن تكريمهم وبالغ فيه.
  • عند زيادة الألف بعد الحرف الأول من أصل الفعل، فإنّه يُفيد في بعض معانيه المُشاركة، مثل: راجَع الزّبونُ المُوظَّفَ؛ فالمُراجعة حصلت بمشاركة الطرفَين، ونحو: جالَسَ الأبُ ابنَه، أي إنّ الأب شارك ابنه في الجلسة، فالمشاركة هنا تمّت بين الفاعل والمفعول به.
  • عند زيادة التاء على أوّل أصل الفعل الثلاثي، وتضعيف عَينه، فإنّه يُفيد في بعض معانيه التكلُّف، مثل: تصبَّر الرجل على مصيبته، الزيادة في تصبَّر تفيد التكلُّف.
  • عند زيادة الألف، والسين، والتاء على أوّل الفعل، فإنّه يفيد في بعض معانيه الطلب، مثل: استغفر المُذنب ربّه، أي طلب المغفرة من الله تعالى في الفعل (استغفر).
  • مثال تطبيقي ويجدر بنا هنا الاستشهاد بمثالٍ تطبيقيٍّ على ما سبق ذِكره، كما في الجملة الآتية: استفهَمَ السائلُ عن المكان، فمن الناحية الصرفية، فإنّ كلمة (استفهمَ) تدلّ الزيادة فيها على طلب الفَهم، ومن الناحية النحوية، فالفعل (استفهمَ) فعل ماضٍ مبني على الفتح الظاهر على آخره، وكلمة (السائلُ) هي اسم فاعل من الناحية الصرفية، أمّا من الناحية النحوية فهي فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره

ثمرة علم الصرف:

يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله رحمة واسعة:

ومتى درست علم الصرف أفدت عصمةً تمنعك من الخطأ في الكلمات العربية، وتقيك من اللحن في ضبط صيغتها، وتسير لك تلوين الخطاب، وتساعدك على معرفة الأصلي من حروف الكلمات والزائد.

والحق أن علم الصرف من أجل العلوم العربية موضوعاً، وأعظمها خطراً،و أحقها بأن نعنى به، وننكب على دراسته، ولا ندخر وسعاً في التزود منه، ذلك بأنه يدخل في الصميم من الألفاظ العربية، ويجرى منها مجرى المعيار والميزان، وعلى معرفته وحده المعول في ضبط الصيغ ومعرفة تصغيرها والنسبة اليها، وجه وحده يقف المتأمل فيه على ما يعترى الكلم من إعلال أو إبدال أو إدغام ٍ، ومنه وحده يعلم ما يطرد في العربية وما يقل وما يندر وما يشذ من الجموع والمصادر والمشتقات، وبمراعاة قواعده تخلو مفردات الكلام من مخالفه القياس التي تخل بالفصاحة وتبطل معها بلاغة المتكلمين.

 فضله:

يتمخض فضله في الحفاظ على حقائق اللفظ وكتابة المفردات اللغوية، والتي بمعرفتها على أسس صحيحة يُتوَصَّل إلى فهم الشريعة وشؤونها المختلفة وكما يقال: شرف العلم بشرف المعلوم.

استمــداده:
القرآن، والسنة، وكلام العرب الفصيح.

نسبته:

ينسب هذا الفن إلى علوم العربية، وعددها اثنا عشر فناً وهي: علم اللغة والصرف والنحو والبيان والمعاني والبديع والعروض والقوافي والإملاء والإنشاء والخطب والمحاضرة، ولكل فن من هذه الفنون مبادئه وقواعده التي يختص بها

 موضوعات عِلم الصّرف:

إنّ المواضيع التي يتناولها عِلم الصّرف تتعلّق بأمرين هُما: (الأسماء المُعربة، والأفعال المُتصرِّفة)،

ويندرج تحت الأسماء المعربة: الحديث عن الصّيغ الخاصّة مِثل: المُجرّد والمزيد، والجامد والمُشتقّ، بالإضافة إلى المصادر والمُشتقّات مِثل: اسم الفاعل، واسم المفعول، ومما يندرج تحت الأسماء المعربة أيضاً الصّفة المُشبّهة، واسم التّفضيل واسم الزّمان، واسم المكان، والمُذكّر والمُؤنث، والأسماء المنقوصة والممدودة والمقصورة، بالإضافة إلى المُثنّى والجمع، والتّصغير والنّسب.

أمّا المواضيع التي تندرج تحت باب الأفعال: فهي توكيد الفعل المُضارع وفعل الأمر بنونيّ التوكيد الثّقيلة والخفيفة، والإسناد إلى الأفعال بأنواعها الثّلاثة إلى الضّمائر، ويجب الإشارة إلى وُجود أبواب مُشتركة بين الأسماء والأفعال، مِثل تناول حُروف الزّيادة والمواضع الخاصّة بها ومعانيها، كذلك الإلحاق، والحذف، والإعلال، وأيضاً الإبدال، والإدغام، والإمالة، والوقف.

أغراض علم التصريف

للتصريف غرضان:
*الأول معنوي؛ وهو جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني، نحو: ضَرَبَ وضَرَّبَ، وتَضَرَّبَ،  وتَضارَبَ، واضْطَرَبَ. فالكلمة التي هي مكونة من ضاد وراء وباء نحو (ضَرَبَ) قد بُنيت منها هذه الأبنية المختلفة لمعايير مختلفة. ومن ذلك تغيير المفرد إلى المثنى والجمع وتصريف الفعل إلى مجرد ومزيد وإلى ماضٍ ومضارعٍ وأمر، واشتقاق اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المُشَبَّهة وصيغة المبالغة واسم التفضيل واسم الآلة واسم الزمان واسم المكان والنسب والتصغير وجمع التكسير وغير ذلك.
*الثاني لفظي؛ وهو تغيير الكلمة عن أصلها من غير أن يكون ذلك التغيير دالاً على معنى طارئ على الكلمة، كما يحدث في القلب؛ نحو: (قَوَلَ) إلى (قال) و(بَيَعَ) إلى (باعَ)،و النقص؛ نحو (وَصْل)إلى (صِلَة)، والإبدال؛ نحو (اضْتَرَبَ) إلى (اضْطَرَبَ) و(اِوْتَسَمَ) إلى (اِتَّسَمَ)، والنقل الحرفي؛ نحو (شاوِك) إلى (شاكٍ) و(لاوِث) إلى (لاثٍ)، والنقل الحركي؛ نحو (يَقْوُلُ) إلى (يَقُوْلُ) و(يَرْدُدُ) إلى (يَرُدُّ)، والإدغام، والإمالة، وتخفيف الهمزة، وقلب التاء هاء في الوقف، وغير ذلك.و إذا كان التصريف يعني التغير والتحويل فإنه يتجه أكثر ما يتجه إلى الأسماء المعربة والأفعال المتصرفة ويتفادى ما كان جامداً مستعصياً على عملية التصريف ومن هذا الذي يستعصي على التصريف:

  1. أسماء الأعلام الأجنبية: إبراهيم ـ اسحق ـ يعقوب.
  2. أسماء الأصوات: قب: وهو صوت وقع السيف، عدس: زجر البغال، غاق: صوت الغراب.
  3. أسماء الأفعال: صه، هيهات، هيت، شتان.
  4. حروف المعاني: والمقصود بها:
    • أحرف الجر: (من، إلى، على)
    • أحرف الاستقبال: (سوف ـ السين)
    • أحرف التمني والترجي: (لو، ليت، لعل) ويشمل هذا البند جميع الأحرف التي نستخدمها في لغتنا العربية لمعان مختلفة.
  5. الأسماء المشبهة بالحرف أو (المغرقة بالبناء) مثال عليها: (ما ـ مهما ـ من ـ متى ـ أين ـ هو ـ أنت…)
  6. الأفعال الجامدة: مثل (نعم-بئس-عسى-ليس)

و من الجدير ذكره هنا أن التصريف في لغتنا تختلف درجات ابتعاده عن ما أشرنا إليه سابقاً ما بين إعراض تام أو اتصال محدود أو تناول ظاهري.

  1. إن التصريف يعرض إعراضاً تاماً عن كل من الألفاظ التالية: بله ـ ليس ـ خلا ـ نعم ـ قلما ـ أيان وأيضاً اسم فعل الأمر (هيت) والذي يعني خذ المال القليل.
  2. وأما ما يتصل به التصريف اتصالاً محدوداً فهي أسماء كـ(إبراهيم) حيث نستطيع التصغير إلى أبيره وأيضاً يوسف الذي شاعت النسبة إليه بيوسفي وقالوا حثيثة من حيث وهوية من هو…
  3. وأخيراً فقد تناول علم الصرف بعض الألفاظ تناولاً ظاهرياً فقيل مثلاً “تأفف الأستاذ” وهنا نرى أنالفعل تأفف تمت صياغته انطلاقاً من اسم الفعل (أف) بمعنى اضجر حيث جئنا بالمصدر ثم صغنا منه فعلاً وكذلك قولنا (حَبَّذْتُ رأيك) فقد صيغ الفعل الماضي هنا من الفعل الجامد حبذا لإنشاء المدح، ويقال أيضاً (أمن المصلون) وذلك إذا قالوا (آمين) وآمين هو اسم فعل بمعنى استجب.

أهمّ المراجع في عِلم الصَّرف

إن تعدد المؤلفات في الصرف جعلها تتخذ أشكالاً متعددة في عرضها، وترتيبها، فمنها ما جاء الصرف فيه مقترنًا بالنحو في مؤلف واحد، ومنها ما استقل الصرف فيه بالتأليف، والمكتبة العربية غنية بالمراجع العربية التي تهتم بدراسة عِلم الصَّرف، وهي زاخرة بمصادر ومراجع قديمة وحديثة،

ومن المصادر القديمة المشهورة والزاخرة بدراسة عِلم الصَّرف ما يأتي:

  • شرح ابن عقيل، لمحمد يحيى عبد الحميد، وقد جمع فيه ابن عقيل بين علمَي النَّحو، والصَّرف.
  • شرح التصريح على التوضيح، لخالد الأزهري، ويضمّ الكتاب توضيحاً لألفيّة ابن مالك،
  • بالإضافة إلى كتاب أوضح المسالك (التوضيح) لابن هشام.

ومن المصادر الحديثة ما يأتي:

  • جامع الدروس العربية، للشيخ مصطفى الغلاييني.
  • شذا العُرف في فنّ الصَّرف، للشيخ أحمد الحملاوي.
  • التطبيق الصَّرفي للدكتور عبده الراجحي. الصَّرف التعليمي للدكتور محمود سليمان ياقوت.
  • دليل السالك إلى ألفيّة ابن مالك، للدكتور عبد الله بن صالح الفوزان.
  • معاني الأبنية في العربية، للدكتور فاضل صالح السامرائي.



 

تعليق 1
  1. محمد يقول

    في الفقرة الأولى من المقال،هناك خطأ في الآية ١٩ من سورة الفرقان الصحيح (فما تستطيعون صرفا ولا نصرا). صدق الله العظيم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.