منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مناسبة الألفاظ للمعاني

محمد فاضيلي

0

مبحث مهم في فقه اللغة.. وميزة أساسية امتازت بها اللغة العربية عن باقي اللغات..تحدث عنها كثير من فقهاء اللغة واجمعوا على صحتها..ملخصها ان الالفاظ العربية (اسماء وأفعالا) لم توضع اعتباطا، بل إن هناك صفة مشتركة بين المسمى (المعنى ويسمى ايضا المدلول) والاسم(اللفظ ويسمى الدال) الذي يسمى به..وهذا يدل على أنها أصل اللغات وصنع الله الذي أتقن كل شيء.. وعلمها آدم عليه السلام بتعليمه الأسماء كلها..وقد أفرد ابن جني في كتابه خصائص اللغة العربية وأسرارها بابا للموضوع سماه باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني..قال فيه: اعلم أن هذا موضع شريف لطيف، وقد نبه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول له، والاعتراف بصحته..

وقال الخليل: كأنهم توهموا في صوت الجنذب استطالة ومدا فقالوا: صر، وتوهموا في صوت البازي تقطيعا فقالوا صرصر..”

وقال ابن جني: وقد وجدت اشياء كثيرة من هذا النمط، من ذلك المصادر الرباعية المضعفة تأتي للتكرير نحو الزعزعة والقلقلة والصلصلة والقعقعة والجرجرة والقرقرة..”

في الفعل المضعف امتداد للصوت فجعلوه اسما للأصوات الممتدة..وفي الافعال المكررة تقطيعا فجعلوها للأصوات المتقطعة..وهذا من عبقرية اللغة العربية..

قال سيبويه في المصادر التي جاءت على وزن الفَعَلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة..نحو النقزان، والغليان، والغثيان..فقابلوا بتوالي حركات الأمثال توالي حركات الأفعال..

المزيد من المشاركات
1 من 22

وقال ابن جني إن صيغة”الفَعَلى تأتي للسرعة نحو: البشكى والجمزى والولقى..

وتكرير(تشديد) العين (الحرف الثاني)في الافعال مثل فرّح، بشّر ، طوّر، علّم، زيّن…لقوة الفعل، مقابلين قوة اللفظ بقوة المعنى، وخصت العين لانها اقوى من الفاء(الحرف الاول) واللام(الحرف الثالث)
ومن ذلك أيضا صيغة ا س ت جُعلت في أصل معانيها للطلب مثل استطعم استسقى استلهم استرزق استحضر لما فيه من تقدم حروف زائدة على الأصول كما يتقدم الطلب الفعل.

وقال ابن جني أيضا: فاما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها (اي يناسب حروفها) من الأحداث، فباب عظيم واسع، ونهج متَلئب عند عارفيه مأموم، وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر بها عنها، فيعدلونها بها، ويحتدونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره وأضعاف ما نستشعره..”
يقصد أن الافعال الشديدة توضع لها حروف قوية وشديدة و الأفعال الخفيفة توضع لها حروف رخوة وخفيفة..
من ذلك قولهم: خضم وقضم..فالخضم لأكل الرطب والقضم للصلب واليابس..ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:” قد يدرك الخضم بالقضم” أي يدرك الرخاء بالشدة
ومنه قولهم: النضح بالماء(الرش الخفيف) والنضخ(الصبيب القوي) كقوله تعالى:”فيهما عينان نضاختان..أي قويتا الصبيب
والأمثلة كثيرة في الباب:

قال ابن القيم رحمه الله في التفسير القيم ج ١ ص٣٣٣ :” …ولقد مكثت برهة يرد علي اللفظ لا أعلم موضوعه، فآخذ معناه من قوة لفظه، ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى، ثم أكشفه فأجده كما فهمته أو قريبا منه ، فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جني، فقال: وأنا كثيرا ما يجري لي ذلك، ثم ذكر لي فصلا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى، ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى، والفتحة الخفيفة للمعنى الخفيف، والكسرة المتوسطة للمعنى المتوسط…”

وذكر له أمثلة مفادها:
عزٌ: يعَز: إذا صلب..وارض عزاز اي صلبة
عز: يعِز: إذا امتنع..والمنع أقوى من التصلب
عز: يعُز: إذا غلب..والغلبة أقوى من الامتناع والتصلب..كقوله تعالى على لسان داود عليه السلام:”وعزني في الخطاب”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.