منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كومبارس (قصة قصيرة)

كومبارس (قصة قصيرة)/ فيحاء نابلسي

0

كومبارس (قصة قصيرة)

بقلم: فيحاء نابلسي

 

السقفُ عالٍ جدا !
همسَ في سرّه مستشعراً شيئا من الراحة كطبيب أفلح في تشخيص مرضٍ غريب.
– ” أنت فتى البيتزا؟”
– ” نعم .وهذه طلبيّة الفرقة المسرحيّة”
– ” تعال معي.”
– رمقَ السقف العالي بنظرةٍ خاطفة ومضى خلف الرجل . شعرَ برغبةٍ في قول” انا لست فتى البيتزا، أنا عزمي طالب سنة ثالثة حقوق، أعمل في توصيل الطلبات مساء.”  لكنّ حرارة كيس الطعام في يده ورائحة الخضار والجبن في البيتزا جعلتهُ يتراجع .
– “الآن أنا فتى البيتزا”
———————

– أوّلُ مرّة يدخل مسرحاً لغير مشاهدة عرضٍ مسرحيّ.
– التحضيرات للعرض عرضٌ أخر يستحق المشاهدة. بعد قليل ينفصلُ الممثلون عن أنفسهم ويصبحون أشخاصاً آخرين، يعيشون حياة أخرى.
– السقف العالي يُشعرُ بالراحة، عندما يكون السقفُ قريبا جدا، لا تجد في رأسك مساحة كافية للأفكار !
– ترى هل الأمر كذلك بالنسبة للممثلين ؟
– هل تراهم يفكّرون، أم يردّدون ما يحفظوا من النص!

———————

– ” ها! مازلت هنا! أنت فتى البيتزا؟”
– لم يكن كيس الطعام في يده الأن، لكنّه هزّ رأسه باستسلام ” نعم ”
– ” المخرج يريدك، هو ذاك الرجل ذو القميص الأسود هناك .”
– توجّه نحو الرجل ذي القميص الأسود دون أن يفكّر باحتمالات . بدا له المخرجُ شخصاً عاديا، بلا غليون وشعرٍ أشعث، فقط وجه صارم أشبه بقائد كتيبة.
– ” هل ترغب في الظهور على المسرح؟”
– ” آه .. لا ! لا أعرف .”
– ” إذا كانت تلك إحدى أحلامك، فهذه فرصتك . تغيّب أحد الكومبارس فجأة ونحتاج بديلا، ستقول عبارة واحدة، ثلاثين ثانية فقط، ستكون إحدى مغامراتك، ما رأيك؟”
– ” ما هي العبارة ؟”
– ” النائحات في الخدور، لا يوقظن أصحاب القبور، دوّارة دوّارة، أيّامٌ ودولْ!” هل يمكنك أن تردّدها الأن ؟ عليك أن تنطقها بنبرةٍ حكيمة حالما يشير إليك الملقّن من جانب المسرح.
– ” ولكني لا أجد معنى للعبارة!.”
– ” لا ضرورة لذلك! أنت لن تلقي محاضرة، ستؤدي دوراً ثانويا فقط.
– ” دون أن أعرف حكاية العرض!”
– ” وما جدوى معرفتك ؟ الحكاية ستبدأ قبلك وستستمرّ بعدك، ستؤدي دورك وتمضي في حال سبيلك، يبدو لك الأمر غريبا،ها؟”

———————

– تأمّل نفسهُ في المرآة قبل أن يغادر غرفة الإكسسوارات، يبدو شخصاً آخر! ألصقوا لحية على وجهه، وألبسوه سترة جعلت أكتافه تبدو عريضة جداً، ربما تعني هذه الرتوشُ شيئا في سياق العرض، ولكن بالنسبة له، كل شيء الآن بلا معنى.
———————

– عندما تغادر بيتك في الصباح لا يمكنك أن تخمّن أين ستقودك قدماك أو من ستلتقي ولا أي شيء سيجري عليك! تذكّر مقولة أمّه وهو يخطو على خشبة المسرح، أحسّ بالأرض تهتزّ تحت قدميه، ربما تكون أرضيّة مستعارة.
– سافر به خياله إلى أماكن كثيرة، وكثيرا ماشطح به ليتصوّر نفسه قائدا كبيرا أو شخصاً ثريّاً ذا سلطة وجاه، لكنّ خياله لم يشطح مرّة ليصل به إلى خشبة مسرح، يقف على منبر تحدّقُ به العيون ومئات الرؤوس تشنّفُ آذانها لتسمع كلامه
– أن تستأثر بانتباه انسان يعني أن تمتلكه، الآن ستكون هذه الرؤوس ملكا له لثلاثين ثانية

———————

– هذه فرصةٌ لن تتكرّر! ماذا لو قال شيئا آخر، غير تلك العبارة الفارغة.
– لمَ لا يقول شيئا يعبّرُ عنه هو ! شيء من تلك العبارات الرنانة التي تزدحم بها كتبه!
– بعض الجرأة فقط ، هو كل مايحتاجه الآن وستكون حقّاً مغامرة لا تُنسى.
– ” كلُّ ما تفعله البرجوازيّة هو أنها تحفر قبرها، البروليتاريا حتماً ستنتصر” كم كان يحلو له ااترنّم بهذه العبارة في نهاية كلّ حوار ساخن يستعر ُ بينه وبين رفاقه .
– وماذا عن ” نكون أو لا نكون، تلك هي المشكلة !” كم سيكون وقعها مدّوياً

———————

– لمحَ الملقّن يشيرُ إليه من جانب المسرح، تجمّدت الخواطر في باله. شعر وكأنه على وشك أن يقفز من طائرة !
– كم هو مرعب أن تكون محطّ الأنظار ! العيون كلّها مسلطة عليك والأذان كلّها منصتة إليك، كيف لعقل أن يميّز بين ما يريده هو وما ينتظره منه الأخرون!
– الأن يشعرُ أنّه كلّه لسان .
– تقدّم خطوة للأمام، أغمض عينيه وهزّ رأسه بحكمة هاتفاً: ” النائحات في الخدور لا يوقِظنَ أصحاب القبور، دوّارة دوّارة، أيّامٌ ودولْ.”
– نظر نظرة خاطفة إلى الجمهور، بدى له وكأنه يشاهد حقل يقطين شاسع .
– استدارَ مغادراً خشبة المسرح تاركاً العرض يمضي إلى نهايته .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.