منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

10ـ جذور الفكر الديني اليهودي المتطرف وعلاقته بالحركة الصهيونية ـ (تابع) ـ جنود التوراة ـ

د.مصطفى العلام / 10ـ جذور الفكر الديني اليهودي المتطرف وعلاقته بالحركة الصهيونية ـ (تابع) ـ جنود التوراة ـ

0

10ـ جذور الفكر الديني اليهودي المتطرف وعلاقته بالحركة الصهيونية ـ(تابع)

ـ جنود التوراة ـ

د.مصطفى العلام

 

3ـ الاختراق الانتخابي والعمل السياسي:

وفي فبراير 1974  شكلت مجموعة من الأحبار ، وعلمانيون شبان من الصقور وصهاينة متدينون آخرون خدموا الدفاع وحاربوا حروب إسرائيل ، جماعة أصولية أسموها ” غوش أمونيم ” أي  ” جماهير المؤمنين “، حيث  اتخذت السياسة في فكر هذه المجموعة بعدا توراتيا. فقبل الخوض في غمار السياسة ومايترتب عنها ذلك لابد من تطهير النفس ومن ثم كانوا يصرحون كما تشير إلى ذلك “كارين أرمسترونغ” «قبل أن نغوص في بالوعة السياسة علينا أن نطهر أنفسنا طقسيا تماما كما هي الحال عندما ننقب في أسرار التوراة»[1].

المزيد من المشاركات
1 من 66

في حين  أن “كارولين فورست وفياميتافيز” يعتبران أن بروز الفكر اليهودي المتطرف بدأ  «مع بداية سنة 1977م ، ولأول مرة في تاريخ إسرائيل حين أحدثت الأحزاب الدينية خرقا انتخابيا أدى إلي صنع حزب العمل من تشكيل حكومة ، مما خدم مصلحة حزب الليكود»[2].

وهنا راح ” جيل كيبيل ” يرصد نقاط الاستدلال من بين أحداث تلك الحقبة حيث أشار إلى أن اليهودية عرفت انقلابا هاما في سنة 1977« لم تسمح الانتخابات التشريعية في دولة إسرائيل للعمال بتشكيل الحكومة  فحققت الحركات الصهيونية اختراقا بتسلم ” بيغن ” رئاسة الوزارة ، وراحت تكثر من إنشاء المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة ، وذلك باسم عهد خاص وميثاق نوعي جرى بين الله وبين “الشعب المختار»[3].  وإن كان يرى أن هذه الأصوليات الدينية كانت ولادتها قبل هذه الحقبة. إلا أنها وجدت صدى واسعا داخل عوالمها في هذه الحقبة بالذات .

4ـ انتظار المسيح اليهودي وتفسيراته المتطرفة:

وتعود مجمل هذه التفسيرات التلمودية إلى نصوص التوراة نفسها . لكن مجيء المسيح اليهودي تسبقه حسب هذه التفسيرات، عودة للفوضى و”الآلام” أي  المخاض . هذه الآلام التي تفسر من طرف اليهود بالمصاعب التي تحملها اليهود عبر تاريخهم، حيث يرى ” أحمد سوسة” في تفسير هذه المعتقدات أنه « بعد مجيء المسيح وانقضاء فترة “المخاض” فإن العالم الجديد ليس كالعالم الحالي، يعم السلام في العالم الجديد… ويتبدل مصير إسرائيل لدرجة أن كثيرا من الغرباء يحاولون الانضمام إلى الطائفة ،ولكنه يتوجب رفضهم لأن رغبتهم ينقصها الإخلاص ” لا مهتدي يقبل في أيام المسيح”… وأغرب ما تضمنته معتقدات العالم الآخر اليهودي، هو محاكمة الأمم، حيث تشهد محاكمة لأعداء إسرائيل الأرضيين …وللانتقام من أمم الأرض التي ناصبت اليهود العداء »[4]. وحسب هذه العقيدة ، فإن المسيح سيجمع شتات اليهود المنفيين ، ويتخذ من “أورشليم ” عاصمة له ،ويعيد بناء الهيكل و ويحكم بالشريعة المكتوبة والشفوية، وسيأتي بعد ظهور النبي “ايلياء” أو “إلياهو”، وهذا ما أشار إليه “حسن ضاضا” قائلا « ليجمع شتات المنفيين …ويتخذ من أورشليم عاصمة له ، ويعيد بناء هيكل سليمان ، ويحكم بالشريعة المكتوبة والشفوية، لأنه مرسل من الله ،وإنه سيفتح الملكوت الأرضي الأبدي … وبسبب هذه المكانة والخطوة لشخص “الماشيح” ، نرى في تاريخ اليهود الطويل ظهور العديد من أدعياء النبوة و”الماشيحانية”  أو “الميسائية ” مدعين قدرات خارقة لإنقاذ اليهود »[5].

اعتمدت الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة وبتواطؤ مع الحركة الصهيونية فكرة المسيح المنتظر من أجل: 1- العودة والخلاص التي كانت الدافع القوي لهجرة اليهود في العصر الحديث إلى فلسطين. 2- ضعف اندماج اليهود في المجتمعات لأن «انتظار عودة المسيح يعطي الأمل  ويزيد من انفصالهم عن الأغيار »[6]. وهكذا تمسكت الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة المشكلة لجنود التوراة بهذا الأمل ، فتعززت في نفوسهم فكرة العودة والخلاص أكثر من أي فكرة أخرى وهذا ما صرح به “بن غوريون” مؤسس الكيان الصهيوني المحتل، قائلا « إن من المستحيل أن نفهم كل شيء حصل في أيامنا  مثل إعادة الدولة اليهودية، هجرة عشرات الآلاف من اليهود ، دون أن نأخذ بعين الاعتبار رؤيا الخلاص “الميسائي” ، التي تنغرس في أعماق قلب الشعب اليهودي »[7].

أما فيما يتعلق بوجود الكيان الصهيوني المحتل قبل مجيء المسيح المنتظر، فقد انقسمت الجماعات الدينية اليهودية المشكلة لجنود التوراة، إلى جماعات متحالفة مع الصهاينة يعتبرونه تسريعا لهذا المجيء، وتدعمهم في ذلك الكنيسة الإفانجليكية البروتستانتية الأمريكية، وأخرى تعارض هذا التفسير، وتعتبر وجود “دولة” يهودية قبل مجيء المسيح المنتظر معارضة صريحة لنصوص التوراة، وتأخيرا متعمدا للخلاص، ونذكر منهم ” هيرشل فريدمان ” الصحفي  بمجلة ” كير ييد ” حيث يشرح لماذا يتمسك هؤلاء بالعداء المطلق “لدولة إسرائيل” قائلا «نحن ضد وجود دولة يهودية قبل مجيء المسيح المنتظر سواء أكانت حكومتها دينية أم لا …فلو كنا نؤمن بخلاصه فإن هذا يقتضي أن ننتظر الحدث مهما تأخر . فماذا فعل الصهيونيون لقد قالوا إنهم لا يؤمنون بمجيء المسيح المنتظر ، ولذلك عليهم إقامة الدولة بأيديهم،  وهذا لا يؤدي فقط إلى عدم استعجال مجيء المسيح المنتظر وإنما يؤخر الخلاص ، ولكي يمكن أن يظهر المسيح المنتظر يجب أن تختفي إسرائيل ، وعلى أية حال فكل ما بناه الصهيونيون سيدمر … إننا لسنا ضد إسرائيل لأسباب سياسية مثل فلسطين ولكن نعارض هذه الدولة على أساس من التوراة فقط »[8].

قضية أخرى ارتبطت ارتباطا وثيقا بفكرة المسيح المنتظر، وهي خراب هيكل سليمان، وأصبحت القضيتين متداخلتين عبر الزمن المقدس عند اليهود.و يكتسي موضوع الهيكل مكانا هاما في الوجدان الديني اليهودي فهو يذكر عند الميلاد والموت والزواج والطعام والصلاة. وأصبحت ذكرى الاحتفال بتحطيم الهيكل على يد الرومان مناسبة لتجديد فكرة الخلاص “المسيحاني” وإعادة بناء الهيكل المقدس للمرة الثالثة . وهذا ما تسعى الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة لتحقيقه.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 20

النظرة إلى الأغيار[9] أو الآخر[10] :وتتمثل فيما يلي:

أـ النظرة الثنائية للمجتمعات: فأصحاب هذا التصور يقسمون العالم إلى معسكرين رئيسيين:معسكر هذه الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة: وهو معسكر الحق، والخير والإيمان.    ومعسكر الآخر: وهو معسكر الباطل، والشر والكفر.

ب ـ نظرة المبالغة والتضخيم في إظهار خطر الآخر: وكمثال على ذلك نجد الحاخام ” مائير كاهانا ” في كتابه « شوكة في عيونكم »[11] يذكر مجموعة من القصص والروايات المأساوية في قتل اليهود في فلسطين على أيدي المسلمين . ومن ثم يحاول بهذه الطريقة التهويلية المعتمدة على المبالغة والتضخيم إظهار خطر الآخر ومؤامرته وتسويغ خطاب إنقاذي تجسده الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة التي يدعو إليها.

ج ـ النظرة إلى الآخر باعتباره النقيض: فالآخر في نظر الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة هو النقيض المطلق ،ومن ثم لا يمكن قبول تسوية معه، لأن ذلك يعد تهديدا مباشرا للذات الدينية المتطرفة نفسها. وهذه النظرة تغيب الفهم الموضوعي للآخر. بل إن قراءة مواقف الآخر تتم بأحكام مسبقة . وهذا ما يجعل أي صراع يفسر بأبعاد دينية قديمة وممتدة في الوقت الحاضر:

ـ فالاستعمار الغربي امتداد للحروب الصليبية.

ـ والعرب امتداد للأعداء القدماء لبني إسرائيل.

ـ المعركة الفاصلة ( هرمجدون) [12] امتداد للأعداء القدماء للمسيح في الفكر الأصولي البروتستانتي.

د ـ النصوص التوراتية الداعمة للنظرة إلى الأغيار أو الآخر: وتظهر هذه النزعة المتطرفة للجماعات الدينية اليهودية في النظرة إلى الأغيار أو الآخر في عدة نصوص توراتية نذكر منها:

ـ فقد جاء في سفر أشعياء: « وَيَقِفُ الأَجَانِبُ وَيَرْعَوْنَ غَنَمَكُمْ، وَيَكُونُ بَنُو الْغَرِيبِ حَرَّاثِيكُمْ وَكَرَّامِيكُمْ. أَمَّا أَنْتُمْ فَتُدْعَوْنَ كَهَنَةَ الرَّبِّ، تُسَمَّوْنَ خُدَّامَ إِلهِنَا. تَأْكُلُونَ ثَرْوَةَ الأُمَمِ، وَعَلَى مَجْدِهِمْ تَتَأَمَّرُونَ». [13]

ـ كما جاء في سفر ميخا: ” «قُومِي وَدُوسِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ، لأَنِّي أَجْعَلُ قَرْنَكِ حَدِيدًا، وَأَظْلاَفَكِ أَجْعَلُهَا نُحَاسًا، فَتَسْحَقِينَ شُعُوبًا كَثِيرِينَ، وَأُحَرِّمُ غَنِيمَتَهُمْ لِلرَّبِّ، وَثَرْوَتَهُمْ لِسَيِّدِ كُلِّ الأَرْضِ» [14]

ـ هذا التطرف اليهودي لم يسلم منه الفلسطينيون ومدينتهم المقدسة القدس الشريف في نصوص توراتية أخرى، نذكر منها:

ـ في سفر حزقيال وحول المدينة المقدسة يقول :وَقَالَ لأُولئِكَ فِي سَمْعِي: «اعْبُرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَرَاءَهُ وَاضْرِبُوا. لاَ تُشْفُقْ أَعْيُنُكُمْ وَلاَ تَعْفُوا. اَلشَّيْخَ وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ، اقْتُلُوا لِلْهَلاَكِ. وَلاَ تَقْرُبُوا مِنْ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ السِّمَةُ، وَابْتَدِئُوا مِنْ مَقْدِسِي». فَابْتَدَأُوا بِالرِّجَالِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَمَامَ الْبَيْتِ[15]

ـ أما فيما يخص الفلسطينيين نجد في نفس السفر (حزقيال) «فَلِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَمُدُّ يَدِي عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَأَسْتَأْصِلُ الْكَرِيتِيِّينَ، وَأُهْلِكُ بَقِيَّةَ سَاحِلِ الْبَحْرِ. »[16]
ونجد هذا التطرف الديني اتجاه الآخر أو الأغيار واضحا في التلمود من خلال عدوانية صريحة تدعو إلى قتل الغريب، كيفما كان انتماؤه أو عقيدته .

وقد ساهم حاخامات اليهود في تعميق هذه النظرة المتطرفة اتجاه الآخر من خلال:

ـ حظر الزواج من أبناء الأمم الأخرى لأن الزواج من الأغيار، غير مُعترَف به في الشريعة اليهودية.

ـ حظر تناول الطعام مع الأغيار، بل أصبح هذا الحظر ينطبق أيضاً على كل طعام قام بطهوه الأغيار

ـ لا يؤخذ بشهاة الأغيار في المحاكم الشرعية اليهودية،على اعتبار أنهم كاذبون في بطبيعتهم.

خاتمة:

وخلاصة القول في كل ماسبق هو أن فكر الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة المشكلة لجنود التوراة كان ردة فعل ضد الحداثة وظهور الحركة الصهيونية التي اخترقها،كما اخترق العمل السياسي وأعطى تفسيرات متطرفة لظهور المسيح اليهودي، ونظر نظرة عدوانية للأغيار من الأمم الأخرى عامة، وللفلسطينيين على وجه الخصوص. وكانت النتيجة هي تقسيم العالم ليهود يقفون داخل القداسة، وأغيار من الأمم الأخرى يقفون خارجها.


ـ الهوامش

[1] كارين أرمسترونغ: النزعات الأصولية،ص282

[2] كارولين فورست وفياميتافيز:العلمانية على محك الأصوليات اليهودية والمسيحية والإسلامية،ترجمة:غازي أبوعقل ،مراجعة: مروان الداية، دار بترا للنشر والتوزيع-دمشق ،الطبعة الأولى2006، -ص11

[3] جيل كيبل:يوم الله، ص14

[4] ـ أحمد سوسة:أبحاث في اليهودية والصهيونية، دار الأمل للنشر والتوزيع ـ الأردن الطبعة الأولى2003م ـ ،ص150-156

[5] حسن ضاضا:الفكر الديني الإسرائيلي،أطواره ومذاهبه،معهد البحوث والدراسات العربية-القاهرة-1971م،ص13-72

[6] جمال البذري:الماشيح الصهيوني-دراسة تحليلية في القيادة الإسرائيلية،وزارة الثقافة والإعلام،بغداد1985م،ص2

[7] أسعد رزوق:التلمود والصهيونية،مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية،بيروت ص235

[8] ايمانويل هيمان:الأصولية اليهودية ص212-213

[9] الأغيار: مصطلح ديني يهودي يطلقه اليهود على غير اليهود، وهو المقابل العربي للكلمة العبرية «جوييم» (بالعبرية: גויים)، وهذه هي صيغة الجمع للكلمة العبرية «جوي» (بالعبرية: גוי) التي تعني «شعب» أو «قوم». انظر ويكيبديا الموسوعة الحرة على الإنترنيت

[10] ـ انظر مقالة،عامر الحافي:الأصولية في الأديان ،الدوافع والسمات المشتركة،مجلة التسامح،العدد21،سنة2003م

[11] ـ الحاخام م مائير كهانا:شوكة في عيونكم،دار الجيل،عمان الأردن

[12] ـ هرمجدون:في العبرية (جبل مجدون)وقد ورد الحديث عنه في أسفار العهد القديم على انه المكان الذي سيشهد المعركة الفاصلة بين الحق والباطل،قبل انتشار السلام العام(انظر:رؤيا يوحنا16-16)

[13] سفر أشعياء (61/5 ـ 6)

[14] سفر ميخا (4/12)

[15] حزفيال (9/5-6).

[16]. حزفيال (25/16

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.