منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تيسير علم مقاصد الشريعة (1)

خالد البورقادي

0

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين؛ والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الخلق والمرسلين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.

هذه ورقات أقدمها للقراء، ملخصة مختصرة، حول “علم مقاصد الشريعة”، الغرض منها تقريب العلوم الشرعية من الأجيال المعاصرة، في ظل هجوم وسيطرة الوسائط التكنولوجية، وهجم الصورة والميديا على عقول الشباب، ففترت الهمم عن القراءة والمطالعة، فصار التلخيص والاختصار مطلبا أساسيا.

ثم الغرض الآخر؛ هو: تيسير وتقريب العلوم الشرعية إلى عموم الطلبة والناشئة؛ تقريبا للفجوة بين هذه العلوم وشبابنا.

لذلك جاءت هذه الورقات مختصرة، مذكرة بأهم مبادئ علم مقاصد الشريعة، عسى أن يعم نفعها إن شاء الله.

المزيد من المشاركات
1 من 44

1- في مصطلح مقاصد الشريعة

المقاصد في اللغة:

المقاصد جمع مقصد، اسم لما قصد، أو مصدر ميمي من قصد قصدا ومقصدا.

وهو يدور على المعاني الآتية:

– استقامة الطريق: قال الله تعالى: “وعلى الله قصد السبيل” النحل:9. أي تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة، وقوله تعالى: ومنها جائر، أي: طريق غير قاصد، وسفر قاصد: سهل قريب، قال تعالى: “لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة” التوبة: 42.

– العدل: قال الشاعر:

على الحكم المأتي يوما إذا °°° قضى قضيته ألا يجورَ ويقصدُ

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

أي: يعدل، ورفع يقصد لأن معنى كلامه: وينبغي أن يقصد، أقام (ويقصد) مقام (وينبغي) فرفع، وهذا رأي الأَخْفش، ويرى الفرَّاء أن الرفع للمخالفة، يعني: أن (ويقصد) ليس معطوفا على يجور، بل يخالف، ولذلك لم يساوه في الإعراب.

– الوسط بين طرفين: وفي الحديث: “القصد القصد تبلغوا” (رواه البخاري). خلاف الإفراط.

– الاعتماد والأم: تقول: قصدُك وقصدَك: تجاهك.

– الكسر على أي وجه كان، تقول: قصدت العود قصدا كسرته.

الشرعية: نسبة إلى الشرع، والشرع والشريعة: الطريق المستقيمة ومورد الماء. وتطلق كذلك على الدين والملة والمنهاج، والطريقة والسنة.

المقاصد اصطلاحا:

جملة التكاليف الشرعية التي أنزلها الله تعالى في كتابه وبينها خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والشارع هو الله سبحانه وتعالى الذي جعل الأحكام الشرعية، فالمقاصد الشرعية هي ما راعاه الشارع في التشريع عموما وخصوصا من مصالح العباد، ومما يفضي إليها مما يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضررا[1].

وعرفها محمد الطاهر ابن عاشور بقوله: “مقاصد التشريع أو معظمها بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة.

فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها ومعاني من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها”[2].

والمقاصد الشرعية الخاصة: (هي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة…، ويدخل في ذلك كله كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس، مثل قصد التوثق في عقدة الرهن، وإقامة نظام المنزل والعائلة في عقدة النكاح، ودفع الضرر المستدام في مشروعية الطلاق.

وأما مقاصد الناس في تصرفاتهم فهي المعاني التي لأجلها تعاقدوا أو تعاطوا أو تغارموا أو تقاضوا أو تصالحوا”[3].

ويعرفها الأستاذ علال الفاسي بقوله: “المراد بمقاصد الشريعة: الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها”[4].

ويعرفها الدكتور نور الدين الخادمي أنها: “جملة الأهداف والغايات التي انطوى عليها تشريع الله وهديه”[5].

2- أنواع المقاصد:

يمكن تقسيم المقاصد حسب عدة اعتبارات:

أ- باعتبار مدى الحاجة إليها:

قسم العلماء المقاصد التي يستهدفها التشريع الإسلامي إلى ثلاثة أنواع، تبعا لقوة أثرها في المجتمع، وهي كما يلي مرتبة ترتيبا تنازليا:

الضروريات ثم الحاجيات، ثم التحسينيات.

1- الضروريات:

في اللغة: نسبة إلى الضرورة، وهي الحاجة الشديدة، والمشقة التي لا مدفع لها، والشيء الضروري: هو كل ما تمس إليه الحاجة، وكل ما ليس منه بد، وهو خلاف الكمالي[6].

وأما في الشرع فهي: ما تتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية، بحيث إذا فقد واحد منها في أي مجتمع إنساني لم تجرِ فيه الحياة على استقامة، بل على تهارج وفساد وسفك للدماء، أو على تدن عن المستوى الإنساني الكامل بما يضاد الفطرة، ويكون حال أهله شبيها بأحوال الأنعام[7].

ومجموع هذه الضروريات خمس: وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

وحفظها يكون بأمرين:

الأول:  من جانب الوجود؛ وذلك بما يقيم أركانها ويثبت قوائمها.

الثاني: من جانب العدم؛ وذلك بحفظها مما يعود عليها بالإبطال وبما يدرأ الخلل الواقع أو المتوقع فيها، وقد أشار إلى ذلك الإمام الغزالي في قوله: “ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة”[8].

وهذه الضرورات هي أقوى المقاصد قوة وأثرا، وقد اصطلح على تسميتها بالمصالح الضرورية، أو الكليات الخمس، لأنها بمثابة الشروط والقواعد والأركان لكل حياة سليمة.

2- الحاجيات:

هي كل ما يدفع أو يرفع عن الناس حرجا أو مشقة بالغة غير مألوفة في حياتهم، وهي بمثابة سياج منيع يحمي المقاصد الضرورية، ومن ثم أحيطت جميع أنواع التشريع الإسلامي برفع الحرج للتخفيف على الناس، وتيسير سبل الحياة.

3– التحسينيات:

هي المصالح التي تجمل الحياة وتجعل أحوال الناس تجري على مقتضى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، ويطلق عليها التزيينيات، أو الكماليات.

ب- باعتبار تعلقها بعموم التشريع وخصوصه:

وتنقسم المقاصد بهذا الاعتبار إلى:

المقاصد العامة؛

المقاصد الخاصة؛

المقاصد الجزئية.

– المقاصد العامة:

وهي القضايا الكلية والأهداف العامة التي رُوعيت في جميع أحوال التشريع أو معظمها، وهذا القسم هو الذي يقصده المتحدثون عن مقاصد الشريعة غالبا.

فهذا النوع من المقاصد تلتقي عنده كل أحكام الشريعة، بحيث لا يكون حكم منها إلا وهو منته في غايته البعيدة إلى تحقيق مقصد أو أكثر.

– المقاصد الخاصة:

وقد يطلق عليها المقاصد النوعية، وهي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في مجال واحد من مجالات الحياة أو باب معين من أبواب الفقه دون غيره، كمقاصد الشريعة في باب العبادات، ومقاصد الشريعة في باب المعاملات، ومقاصد الشريعة في باب الجنايات…

– المقاصد الجزئية:

هي العلل والحِكَم الجزئية المتعلقة بالأحكام الشرعية الفرعية[9].

وعلى هذا تكون المقاصد الجزئية أخص نوعا من المقاصد الخاصة، وأمثلة هذا القسم هي الأكثر شيوعا وانتشارا في مصنفات الفقهاء وكتب شروح الأحاديث. وقد اهتم العلماء بها في القديم اهتماما أكبر وأعمق من اهتمامهم بالمقاصد العامة أو المقاصد الخاصة.[10].

ج- باعتبار تعلقها بعموم الأمة وخصوصها:

تنقسم المقاصد بهذا الاعتبار إلى:

كلية وفردية.

المقاصد الكلية:

هي ما فيه صلاح هموم الأمة أو الجمهور، ولا التفات فيها إلى أحوال الأفراد إلا من حيث إنهم أجزاء من مجموع الأمة. مثل: حماية البلاد من العدو، والأمة في تفرق، وحفظ الدين من الزوال، وحفظ القرآن من الضياع والنسيان، ومنه معظم فروض الكفايات كطلب العلم الشرعي، والجهاد وطلب العلم الدنيوي الذي يكون سببا في حصول قوة الأمة، وهذا النوع من المقاصد هو معظم ما جاء فيه التشريع القرآني[11].

يلاحظ هنا أن النفع يمتد إلى كل أفراد الأمة أو عامتهم، لذا وصفت بالكلية أو العامة.

المقاصد الفردية:

هي العائدة على آحاد الأفراد أو المجموعات الصغيرة منهم بالنفع والخير، ليحصل بإصلاحهم صلاح المجتمع المركب منهم، فالالتفات فيها ابتداءً إلى الأفراد، وأما العموم فحاصل تبعا. ومثاله:

مصلحة فسخ نكاح زوجة المفقود، وتوريث المطلقة ثلاثا في مرض الموت- فهذه مصالح خاصة لأنها تتعلق بشخص واحد في حالة نادرة، ومعظم ما جاء في السنة من التشريع هو من هذا النوع، وبعضه جاء به التشريع القرآني.

د- باعتبار قوة الثبوت والدلالة:

وقد يطلق على هذا التقسيم أيضا: تقسيم باعتبار القطع والظن، أو تقسيم باعتبار درجة الحاجة إلى جلب المصالح أو دفع المفاسد.

فتنقسم المقاصد بهذا الاعتبار إلى:

قطعية؛

وظنية؛

ووهمية.

– المقاصد القطعية:

هي المقاصد المتيقنة، التي دلت عليها دلالة النص التي لا تحتمل التأويل، مثل: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا”  آل عمران: 97.

أو أرشدت إليها الأدلة الكثيرة بالاستناد إلى الاستقراء كالكليات أو الضروريات الخمس.

أو دل العقل الصحيح على أن في تحصيلها نفعا عظيما، وفي ضدها ضررا كبيرا على الأمة.

ومن أمثلة هذا النوع مقصد التيسير، حيث وردت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة في مواقف ومناسبات مختلفة وبألفاظ متنوعة، مما جعل الفقهاء يقطعون بأن هذا المقصد من المقاصد الشرعية.

– المقاصد الظنية:

هي المقاصد المبنية على غلبة الظن، ويلاحظ أن الظنية في المقاصد تقوى أو تضعف بناء على أمرين: مقدار ما بين يدي المجتهد من الأدلة، ومدى قوة الدلالة المأخوذة من هذه الأدلة، فهناك من المقاصد الظنية ما تتناهى في قوة دلالتها إلى حد تقارب فيه مرتبة القطع، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”. فهذا الأصل وإن كان ظني الثبوت لأنه خبر آحاد، إلا أن معناه قطعي مبثوث في جميع تصرفات الشريعة وأحكامها، كما يشهد له أدلة جزئية كثيرة، مما يجعله يأخذ حكم المقصد القطعي في الاعتبار عند تقرير الأحكام.

ويتوصل إلى هذا النوع من المقاصد بأمرين:

الأول: استقراء عدد – ليس بالكثير- من أدلة الشرع، ومن أمثلته أن الشارع حرم الربا ومنع الاحتكار ونهى عن كنز الأموال، ورغب في التجارة وحث عليها، ويسر إجراء العقود، وحصر الفيء- ما يغنمه المسلمون بغير قتال- في أصناف معينة، وبين الغرض من هذا الحصر في قوله تعالى: “كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم” الحشر:7. والدُّولة بضم الدال الشيء المتبادل من مال ونحوه. والمعنى: حتى لا يكون تداول الأموال محصورا بين الأغنياء فقط، ولا يصيب الفقراء منه شيء، وهذا كله مما يقوي الظن بأن رواج الأموال على أوسع نطاق في المجتمع هو مقصد شرعي فيما يتعلق بالمعاملات المالية.

الثاني: دلالة الدليل الظني من الشرع. ومن أمثلته: النهي عن القضاء بين الخصوم وقت الغضب وما كان في معناه، وما ذلك إلا لأن الغضب يشوش على القاضي قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد، فمن قصر النهي على الغضب وحده دون الهم المزعج، والخوف المقلق، والجوع والظمأ الشديد، وشغل القلب المانع من الفهم – فقد قل فهم فقهه وفهمه، والتعويل في الحكم على قصد المتكلم، والألفاظ لم تقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني، والتوصل بها إلى معرفة المراد.. وهذا مما فطر الله عليه عباده”[12].

– المقاصد الوهمية:

نسبة إلى الوهم، وهي التي يُتخيل فيها صلاحٌ وخيرٌ، وهي عند التأمل ضرر إما لخفاء ضررها وإما لكون الصلاح مغمورا بفساد. وإطلاق اسم المقاصد عليها من قبيل التجوز، أو باعتبار اعتقاد من تكفلها وقال بها، وتسمى أيضا المقاصد الملغاة، والمقاصد غير الشرعية، وهذه المقاصد لا تستند إلى الشرع ولا تنبثق منه، وإنما تحدد في ضوء نزوات النفس وأهواء العقل وما يقع في القلب من خواطر، وبالتالي فليس لها ضابط ولا رابط، وليس لها حدود ولا قيود، كما أنها تنصب في الاقتصار على منافع الدنيا، ولا تمتد إلى عالم الآخرة والجزاء، والسبب في عدم الاعتداد بها أن “المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس، والشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله”[13].

ومن أمثلتها: [14]

شرب الخمر، ولعب الميسر، قتل المريض الميؤوس من شفائه، الانتحار، تأخير صلاة الجمعة إلى الأحد، تسوية الأنثى بالذكر في الميراث، استنساخ الأعضاء البشرية.

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى؛ في الحصة الموالية مع نشأة علم مقاصد الشريعة، وأهم أعلام الفكر المقاصدي.


[1]علم مقاصد الشارع، د. عبد العزيز ربيعة. ص: 21.

[2]مقاصد الشريعة الإسلامية، ص: 51.

[3]مقاصد الشريعة الإسلامية، ص: 146.

[4]مقاصد الشريعة ومكارمها، ص: 7.

[5]المقاصد الشرعية، ص: 24-25.

[6]المعجم الوسيط، 1/538.

[7]الموافقات، للشاطبي. 2/20. معجم مصطلحات أصول الفقه، ص: 267،413.

[8] المستصفى، للغزالي، ص: 174.

[9]علم المقاصد الشرعية، د. نور الدين الخادمي، ص: 193.

[10]مقاصد الشريعة الإسلامية وأثرها في الاجتهاد وترجيح الأحكام، دراسة تطبيقية، د. أحمد عبد المجيد مكي. مكتبة الرشد ناشرون، الرياض- المملكة العربية السعودية. الطبعة الأولى، 1439هـ/ 2017م. ص: 59.

[11]مقاصد الشريعة، محمد الطاهر ابن عاشور، ص: 314.

[12]إعلام الموقعين، 1/166.

[13]الموافقات، 2/63.

[14] – تنظر هذه الأمثلة مع أمثلة أخرى في كتاب: “المصلحة الملغاة في الشرع الإسلامي وتطبيقاتها المعاصرة” للدكتور نور الدين الخادمي، وله أيضا: “المناسبة الشرعية المعاصرة”. ص: 332- 360.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.