منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(رسالة مفتوحة إلى الراسب في الامتحان) خطبة

عبد الله بنطاهر التناني

0

الحمد لله الذي جعل الحياة بين النجاح والرسوب، فمرة يخطئ الإنسان ومرة يصيب، وخير الناس من إذا وقع في الأخطاء والذنوب، يلتجأ فورا للإصلاح ويتوب، وأشهد أن لا إله إلا الله علام الغيوب، وكاشف الأحزان والكروب، يمحو الخطايا ويستر العيوب، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المحبوب، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين في الأجسام والقلوب، وعلى التابعين لهم بإحسان ما سارت الشمس بين الشروق والغروب.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
ها هو الامتحان قد خرجت نتائجه فنجح من نجح ورسب من رسب.
أما الناجحون فيحتاجون منا إلى التهنئة والتنبيه؛ فأقول لكل ناجح في رسالة مفتوحة: هنيئا مريئا لكن لا تُعْجَب بنفسك ولا تغتر بنجاحك ولا تتكبر على غيرك، واللقاء معك في خطبة الجمعة المقبلة إن شاء الله.
أما الراسبون فيحتاجون منا إلى التنبيه والتشجيع، وسنخصص لهم هذه الخطبة اليوم بإذن الله؛ يحتاجون منا أن نقول لهم في رسالة مفتوحة: فلا تيأسوا ولا تبتئسوا.

أما اليأس؛ فهو القنوط وانعدام الرجاء في الله وانقطاع الأمل في النفوس، لا ينبغي أن يستسلم له المسلم، قد وصف الله به الكافرين والضالين ونهى عنه عباده المؤمنين؛ فاقرأوا هذه الآيات بتدبر؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ ‌مِن ‌رَّوۡحِ ‌ٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ ‌مِن ‌رَّوۡحِ ‌ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ}، وقال سبحانه: {وَمَن ‌يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ}، وقال سبحانه: {قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا ‌تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِ}؛ فالرجاء في الله مهما وقع لا ينبغي أن ينقطع عن قلب المؤمن أبدا؛ قال الله تعالى: {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ إسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ ‌يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} وقال سبحانه: {فَمَن كَانَ ‌يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا}.

أما الابتئاس؛ فهو الحزن والاكتئاب؛ قال الله تعالى وهو ينهى سيدنا نوحا عليه السلام عن الابتئاس: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا ‌تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ}؛ ولا يهمك أنك لم تستطع إقناع الناس بالإيمان وأنك لم تنجح في ذلك؛ لكن لا تتوقف عن العمل؛ بل غَيِّر العمل إلى شيء آخر ينفعك وتنفع به غيرك، فاصنع الفلك بأعيننا وعنايتنا.
وأقول للطالب الراسب: هذا نبي الله سيدنا نوح لم ينجح في إقناع قومه بالإيمان؛ فلا تبتئس لأنك لم تنجح، فاصنع شيئا لتنجح وأَعِدْ الكرة وأَعِدَّ العدة؛ فراجع واحفظ ودارس وادرس بإخلاص فسوف تنجح، يجب أن نتعلم كيف نحول الأحداث السَّلبية في حياتنا إلى نتائج إيجابية، باتباع أمور منها: الاعتراف بالخطإ حتى تصلحه، والبحث عن النقص حتى تستدركه ومن الخطإ يتعلم الإنسان، وضع نصب عينك الأمور التالية:

أولا: الرسوب في الدراسة خاصة لا يعني الفشل في الحياة عامة؛ فمن رسب في الدراسة فقد ينجح في التجارة أو في الصناعة أو في أي عمل آخر، فإذا كان الناجح موظفا أو أستاذا يتقاضى أقل من المليون، فقد رأينا مثلا من رسب في فَوْجِه ثم اشتغل بشغل آخر هو الآن يلعب بالملايين، ويساهم في أعمال الخير، وينفق على طلبة العلم والقرآن ويساعد في بناء المساجد؛ وهذا يدل على أن الرسوب في الدراسة لا يعني الفشل في الحياة؛ فلا تيأس ولا تبتئس.

ثانيا: الرسوب ليس نهاية الدنيا؛ فكثير ممن رسب وأعاد الكرة بإتقان سبق في حياته من نجح ولم يكرر؛ فلست أول من رسب ولن تكون آخر من رسب؛ فقد رسب الآلاف قبلك وسيرُسب الآلاف بعدك هذه هي الحياة؛ فلا تفقد الرجاء والأمل، ولا تتوقف عن العمل، ولا ترض بالخمول والكسل؛ فالرسوب هو استئناف العمل بروح جديدة وبجدية متجددة؛ فلا تيأس ولا تبتئس.

ثالثا: الرسوب معناه الاستدراك أو الإعادة؛ وما أدراك بأنك بالاستدراك قد تدرك أشياء غابت عنك؟ وهل أدركت أن في الإعادة مزيدا من الإفادة؛ لأن المعلومات حينما تعيد قراءتها ومراجعتها وحفظها تترسخ في الدهن أكثر، والعلم قد ذهب به الحفاظ؛ فلا تيأس ولا تبتئس.

رابعا: الرسوب يعني التكرار وقديما قيل: المكرر من العلوم أحلى؛ فقد قام أحد العلماء بالمقارنة بين صحيح البخاري وصحيح مسلم فوجد أن جل العلماء يقدمون صحيح البخاري على صحيح مسلم، رغم أن الأحاديث في البخاري كثيرا ما تتكرر، على العكس في صحيح مسلم فنظم ذلك في شعر فقال:

قالوا: لمسلم فضل * قلت: البخاري أولى

قالوا: المكرر فيـــــــه * قلت: المكــرر أحلى

وفي كل منهما خير، قال ابن العماد الحنبلي في هذا المعنى:

تنازع قـوم في البخاري ومسلم * لـــــديَّ وقالــــوا: أيَّ ذَيْــــــنِ يقدم؟

فقلت: لقد فاق البخاري صنعة * كما فاق في حسن الصياغة مسلم

فحلاوة صحيح البخاري في المكرر لأن هدفه الاستدلال على المسائل، وحلاوة صحيح مسلم في انعدام المكرر لأن هدفه جمع الدلائل؛ فالتكرار ليس عيبا ولا نقصا؛ فلا تيأس ولا تبتئس.
خامسا: لا يمنعنَّك كونك كبيرا في العمر من التعلم؛ لأن العلم من المهد إلى اللحد؛ قال رسول اللهﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»؛ وهذا عام يشمل كل مسلم ومسلمة كبير وصغير، وجاء في صحيح البخاري: “وقد تعلم أصحاب النبيﷺ في كبر سنهم”، وكذلك كثير من العلماء ما تعلموا إلا بعد الكبر؛ وأعطيك هنا أربعة نماذج منهم:

• النموذج الأول: الفضيل بن عياض، العابد الزاهد في القرن الثاني الهجري، الملقب بـ “عابد الحرمين” صاحب القولة المشهورة: “لو كانت لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان لأنه إذا صلح صلح به العباد والبلاد”؛ كان في بداية أمره من قطاع الطرق وبتعبير العصر “مشرمل” وكان الناس يخافون منه، فذهب ذات يوم متسللا إلى منزل ليسرق الأغراض ويهتك الأعراض إذا به يسمع رجلا يقرأ قول الله تعالى: {‌أَلَمۡ ‌يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ} فندم وتاب فجاور في الحرمين عابدا إلى أن مات.
ولا علاقة له بالقاضي عياض، فالقاضي عياض هو ابن المدينة المغربية المحتلة سبتة ودفين مراكش وهو من سبعة رجالها توفي في منتصف القرن السادس الهجري فبينهما أربعة قرون.

• النموذج الثاني: أبو بكر محمد بن علي الشاشي المتوفى (سنة 365 ه) المعروف بـ”القفال”؛ لأنه كان حدادا يصنع الأقفال، ولم يبدأ تعلم العلم إلا بعد أن تجاوز عمره ثلاثين سنة، ورغم ذلك حقق نجاحا كبيرا فكان إماما من أئمة المذهب الشافعي الكبار.

• النموذج الثالث: أبو محمد علي بن أحمد العروف بـ”ابن حزم” القرطبي المتوفى (سنة 456ه) فهو يعد من أكبر علماء الأندلس وأكثرهم تصنيفا وتأليفا للكتب رغم أنه لم يبدأ الدراسة إلا بعد أن تجاوز عمره ستا وعشرين سنة.

• النموذج الرابع: يوسف بن أبي بكر بـ”السَّكَّاكي” المتوفى ‘(ستة 626ه) كان حدادا يصنع السكك التي توضع أسفل المحراث وتسمى عندنا (تاكرسا) ولم يبدأ الدراسة حتى تجاوز عمره ثلاثين سنة، ورغم كان من المؤسسين لعلم البلاغة في كتاب “مفتاح العلوم”.

قال الله تعالى: {‌وَقُلِ ‌ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ}.
صدق الله العظيم وغفر لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ روى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللهﷺ: «الكلمة الحكمة ‌ضالة ‌المؤمن؛ فحيث وجدها فهو أحق بها»؛ فهذه نماذج أربعة من غير المسلمين فشلوا في الدراسة، ولكنهم نجحوا في الحياة الدنيا نجاحا كبيرا؛ فلا حرج من الاستفادة منهم:

1) المخترع توماس أديسون المتوفى (سنة 1931م) الذي اخترع العديد من الأجهزة التي انتفعت بها البشرية حول العالم، منها هذا المصباح الكهربائي المتوهج (البولا) فقد كان فاشلا في الدراسة وكان أستاذه يصفه بالغبي الذي لا يستطيع أن يتعلم أي شيء وبالرغم من ذلك فكل الكهرباء التي نستنير بها اليوم هي بسبب هذا المخترع.

2) هنري فورد المتوفى (سنة 1947م) كان فاشلا في دراسته ولكنه أسس شركة صنعت مئات الآف من السيارات والشاحنات والحافلات باسم “فورد” المنتشرة عبر العالم.

3) ألْبِرْت أينْشتاين المتوفى (سنة 1955م) كان فاشلا في الدراسة وكان أستاذه يشتكي منه لأنّه بطيء الفهم وغير اجتماعي ورغم ذلك نجح فكان من أكبر علماء الرياضيات والفيزياء بل يضرب به المثل.

4) أخيرا بيل جيتس المعروف لم يكمل تعليمه الجامعي، ولم يحصل على أي شهادات جامعية، ورغم ذلك لما دخل عالم المبرمجيات اخترغ رائد البرامج العالمية المسمى “ميكروسوفت” ولا يخلو منه حاسوب في العالم.

وأخيرا أقول لآباء التلاميذ وأولياء أمورهم: إن تعثَّر الطالب أو التلميذ ولم ينجح فلا توبخوه بعنف؛ ولكن عاملوه برفق ولين، يكفيه ما فيه، شجعوه وضمِّدوا جراحه، وإن عاتبتموه فعاتبوه بالقدر الذي يساعده على تصحيح المسار وتجاوز الأخطاء؛ وإياكم ثم إياكم من الإفراط في العتاب إلى حد الاحتقار، فثمرات التعنيف عموما والتعنيف اللفظي خصوصا تضر ولا تنفع؛ وهي كما قيل: إذا تجاوز الشيء حده انقلب إلى ضده.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.