منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصيام فريضة محصنة

الدكتور عثمان كضوار

0

 

الصيام فريضة محصنة قبل أن تكون فرصة لتحصيل الأجر، لذلك نجد عددا من المتخصصين في المجال الطبي ينصحون المرضى بالصيام دفعا للتوتر، وحصنا منيعا من الاضطرابات النفسية كالغضب ونحوه.

يفسر ابن عاشور قوله” لعلكم تتقون” بقوله: ” لعلكم تتقون بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع …والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجبا لاتقاء المعاصي  لأن المعاصي قسمان، قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصب، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها، لأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني “.

وبتحليل غاية في الدقة يبين رحمه الله علة اختلاف الأديان الإلهية في كيفية الصيام: ” لماذا اختلفت الأديان الإلهية في كيفية الصيام ؟ ولماذا التزمت الديانة الإسلامية في كيفيته صورة واحدة، ولم تكل ذلك إلى المسلم يتخذ ما يراه لائقا به في تحصيل المقاصد المرادة  ؟ قلت: شأن التعليم الصالح أن يضبط للمتعلم قواعد وأساليب تبلغ به إلى الثمرة المطلوبة من المعارف التي يزاولها، فإن معلم الرياضة البدنية يضبط للمتعلم كيفيات من الحركات بأعضائه وتطور قامته انتصابا وركوعا وقرفصاء، بعض ذلك يثمر قوة عضلاته وبعضها يثمر اعتدال الدورة الدموية، وبعضها يثمر وظائف شرايينه، وهي كيفيات حددها أهل تلك المعرفة وأدنوا بها حصول الثمرة المطلوبة، ولو وكل ذلك للطالبين لذهبت أوقات طويلة في التجارب وتعددت الكيفيات بتعدد أفهام الطالبين واختيارهم “.

لقد جعل الرجل الصيام من الوسائل الطبيعية الكابحة للشهوة، حيث يشكل حصنا قويا يمنع ارتكاب المعاصي  ليتحقق الإمساك بمفهومه الشرعي، وهو تصنيف يقيد الصوم باستحضار الرقابة الإلهية حتى يتحقق الهدف المنشود؛، مستحضرا إلى جانب ذلك ما يحققه الصوم من فوائد صحية واجتماعية تعود على الفرد والمجتمع بعوائد نفعية، وقد أفصح عن ذلك عدد من غير المسلمين، حيث يلحظون ما يحدثه وقع الصيام في شهر رمضان وسط المجتمعات الإسلامية من تكافل وتعاون، فذكر أحدهم يدعى- تيري – “وهو: أمريكي-  اعتنق للإسلام ” بأن صيام رمضان يوحي بتوحيد المسلمين وتآزرهم، ومنه يتعلم المسلم قمة الصبر والتحمل وتبادل الشعور مع الفقراء والمعوزين، مما يشجعه على التبرع بكل غال ونفيس لصالح الأقل حظا منه من المسلمين وغيرهم ”  ، ثم يتأسف بعد ذلك بأن هذه الفضائل تتضاءل بعد شهر رمضان المبارك، مبديا حزنه عند انتهاء شهر رمضان لأنه في هذا الشهر الفضيل يعيش أجواء مختلفة تماما لا يكاد يجد مصطلحات كافية لوصفها، ويدعو الله تعالى أن يبلغه رمضان إن شاء الله، وقد ذكر بأن بعض زملائه في العمل من غير المسلمين  يحرصون كل الحرص على أداء الصيام معه، ويشعرون بالارتياح من فعل ذلك.

المزيد من المشاركات
1 من 45

وآخر يدعى – جيرمي– ” وهو مهتدي من أوغندا- من معتنقي الإسلام ” أوضح أن شهر رمضان بمثابة معسكر تدريبي، يتلقى  فيه المسلمون تدريبا مكثفا في الصبر والتحمل، والابتعاد عن الرذائل والمحرمات، فيمسكون عن الطعام والشراب و التدخين والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس،  كما يتجنب المسلمون كثيرا من الرذائل مثل النميمة والغيبة وقول الزور وشهادة الزور وغير ذلك كثير، ثم ينعي حالة بعض المسلمين مما سماهم عباد رمضان، حيث إنهم بعد شهر رمضان يعودون إلى عاداتهم السيئة القديمة كأن شيئاً لم يكن ، ثم نوه بأنه كان يواظب على صيام رمضان قبل اعتناقه الإسلام، وكان لهذا الشهر الكريم الأثر البالغ عليه مما شجعه على مواصلة القراءة، والبحث حول الإسلام ثم انتهى به المطاف إلى اعتناق الإسلام عن قناعة تامة.

فهذه الشهادات وغيرها كثير من الوافدين على الدين الإسلامي تبرز القيمة الاعتبارية لتحقيق الإصلاح الاجتماعي وتحصينه من الرذائل؛ بحيث تشكل المحرك الأساس للنفوس البشرية في السعي إلى فعل الخيرات، وذلك من منطلق الإحساس بالجوع والعطش خلال مدة زمنية، والشعور بنعم الله التي يحرم المرء نفسه منها خلال تلك المدة.

لقد بات من الضروري استثمار الصوم كفريضة محصنة للمصالح الفردية إلى جانب المصالح الجماعية، وهي دعوة لإعادة النظر في طرق تأدية هذه الشعيرة حتى يتحقق الإصلاح في جميع أبعاده التي كانت وراء تشريع تلك الفريضة، فإذا كان بعض من الغرب قد نوهوا بخصوصيتها واستوعبوا غايتها، فلا يليق بالمسلمين أن يكونوا بعيدين عن القراءة السليمة لمقاصد الصيام، وعن حسن إعمالها وتطبيقها كما أراد لذلك الشارع الحكيم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.