منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فَاسْتْ- فُودْ”: “أنا المسؤول هنا ولا أقبل المحمول”

رضا نازه

0

تلقف عصامُ الهاتف عند أول رنين. “آلو، نعم سيدي، بيتزا بفواكه البحر، حاضر، العنوان، نصف ساعة بالأكثر..”. نقر الطلبَ على شاشته ليظهر في شاشة الطاقم. فتح هشام باب الثلاجة في قعر المحل فلسعته البرودة قبل أن يكتنفه بخارها البارد. ناول المقادير المدققة لسفيان ومنير وعاد إلى قعر المطعم مُرتدياً معطفَاً في الصيف. حصر عصام السماعةُ بين عنقه وكتفه، وركَّب من جديد رقماً وهو يرافق بأصابعه أغنية على قناة شَاكْ-بَشَاكْ. شاكْ-بَاشاكْ صباحَ مساء، لا تبرح الشاشة إلا إذَا وفقط إذَا تغيَّبَ حسام، مدير المطعم..

“ألو نوفل .. أينك؟ في الباب؟ كيف؟” وانقطع الخط. وهو يضع السماعة توقفت لدى عتبة المطعم دراجةٌ ذاتُ صندوق عليه علامة المطعم العالمي، ودخل نوفل صاخباً يستعجل التوصيل.. والبقشيش. عاتبَه حسام وهو يضرب بلفيفٍ من الفواتير على مكتبه: “مرارًا قلت لك أوقِف الدراجة بعيدا كيلا يتبعك دخان العادِم!!” كيف يسمعُه نوفل والسماعاتُ قد صارت قطعة من أذنه ذهاباً وإياباً كشخصية في فيديو كْلِيبْ..

من فرط حركته على الدراجة، لم يعد نوفل يتحمّل السكون، ولا السكوت. لم يهدأ منذ حضر، فعبث بأعصاب الجميع. كعادته. كان يغدو ويروح من المدخل طولاً حتى بياض الثلاجات في القعر، وكلما لقي هشامَ هناك ألقى عليه السلام دُعابةً كأنما يراه أولَ مرة، أو آخرَها، حتى حضرت البيتزا كأنها له. حملها فوراً وهي تفور، ونظر في وَصْلِ العنوان دون تسَلمِه رغم إلحاح عصام. لا داعي، فشوارعُ المدينة كخطوط كفِّه، وخرج يصرخ عالياً: “نوفل انطلق!” وضجيجُ دراجته يردد معه. حسام مكث يتعجب من حالته الإكلينيكية.. لكنه ناجع وفعال. ولطالما كانوا في البدايات يصرخون جماعةً شعاراتِ المحل العابر للقارات “اعمل بقوة! امزح بقوة!”

لم تمض دقائقُ حتى عاد أدراجَه وأوقف الدراجة على مسافةٍ كمَا أُمِرَ. غفلتُه ظاهِرية. لكن البيتزا لم تبرح الصندوق. لا زبون هناك ولا عنوان، والمحمول مُقفلْ! عاودوا الاتصال مراراً. سُدىً. هيا هيا! “الفاست- فود” إذا برَدَ فالقمامة أولى به.. مُكرهًا وهبَ حسامُ البيتزا للفريق..

وهم يلوكون الشطائر، تحدثوا عن حقهم الضائع في بيتزات مجانية كما تنص أعراف المطعم الدولية. فخطرتْ لهم فكرة حلوة بل مُملحَة.. من حين إلى آخر صار المحل يتلقى طلباتِ بيتزا بعنوان وهمي، فترجعُ فتُقيَّدُ ضد مجهول فيمنحها لهم حسام مذعناً. لكن حسام ليس مظلياً وقد مرَّ قبلهم من دورة العمل كلها وترقى بتبليغاته بزملائه، كما يروج. هم يرونها نميمة وهو يراها ضميراً مهنياً حيًّا في اتجاه واحد. إلى الأعلى..

المزيد من المشاركات
1 من 46

دب الشك بعد توالي الطلبات المجهولة، فقرر حسام إعادة الترتيب. سيتولى خدمة الهاتف بنفسه مؤقتاً. عصامُ سيعود للتموين في الداخل خاصة وقد مرض هشام وغادر. سفيان ومنير سيقلبان المهام باسم تعدد المهارات وسيولة التعويض.. وهيهات! لم تتوقف طلباتُ البيتزات الضالة إلا عن الطريق إلى أفواههم. حتى ضجر عصام من قعر المحل وجوار الثلاجات. لكن كيف سبيل الانعتاق؟ التبليغ بالزملاء أقصرُ طريق. هل يستطيع.. وَهُمْ رفاق البدايات وتقاسموا ملح البيتزات الطائشة؟ لا بأس.. فمنذ مدةٍ صار منير يفكرُ بصوت عالٍ عن المغادرة ثم يتردد. فكرَ عصام أن يحسمَ له تردده ويختارَ له..

حط الخبر في أذن حسام. “منير هو الزبون المجهول!”. مسكين منير، رحل ذات صباح لسبب تافه وفي عينيه دمعٌ عنيد. ودَّع الجميعَ، عَدَا عِصَام. ثم عوضه زهير. زهير له خبرة مماثلة وسيتكلف بالتموين كذلك. واستعاد عصام خدمة الهاتف. لكنَّ هواتف الزبائن كان يدعها في المحل، بينما هاتفُ منير لا يبدأ الرنينَ إلا على الوسادة، همسًا ووسوسة، فيُؤرِّقُه بحثاً عن مَجمع النوم واليقظة. فلا ينامُ ولا يفيق. لكن مع توالي التبليغات بالزملاء سكت الضمير. وجزاءُ النذالة إدمان النذالات..

الوجباتُ سريعة في المحل. والفريق. والفراقات كذلك. سرعان ما وقعت جفوة بين السِّي الناعوري صاحبِ امتياز المطعم وحسام، فحط الأخير بين الثلاجات ليشرف على التموين كما بدأ. ابتلع الإهانة وغادر مِن غَدِه دونَ إشعار. صار السِّي الناعوري من يومها يُدير المحلَّ بصلعته ريثما يجد مديراً، ومعَ الممارسة بدا له أن المديرَ ترف، ففكر في شخص يسيِّرُ به كالقفاز. عصام! مراراً سمع حسامًا يشكرُه في غيابه رغم توبيخه في حضوره. ثم خصلة التبليغ خصلة ثمينة. وكذلك كان بعدما عوضَهُ في خدمة الهاتف بحكيم، على مضض من عصام..

حكيم فتى جديدٌ وواثقْ، ويروج أنه قريب الأصلع. ثم لم يلبث أن غادر سفيان. يقال إنه افتتح مع منير مطعماً في الضاحية، ولأنْ لا أحدَ ضروريٌّ فسرعان ما عَوَّضه شاب نشيط اسمه سمير. ونوفل.. رغم حركته الدائبة لبث مرتبطاً بالمحل رباطا كَنَسِيًّا، حتى أصابَه زنبور في حنجرته ذات ليلة أثناء رحلة توصيل، فسقط فاقدَ الوعي. غاب من يومها. قيل إن أهله أخذوه لينقَهَ في قريته، وقيل إنه مريض مرضَ الموت، أو مات. دار نقاش حول التعويضات فحسَمه الأصلع بالحديث عن تكفل التأمينات بالأمر. ولم يفتأ أن عوَّضَه بجلال ودراجةٍ جديدة. جلال يشتغل بأريحية وبراغماتية. قيل إنه عابرٌ هنا ريثما تكتمل إجراءات البطاقة الخضراء. هدفه شهادةَ عمل من محل عابر للقارات قد تنفعه في أمريكا.. وفقط!

رن الهاتف فتلقفه حكيم، وعصام يتفرسُ فيه ويتوجس من نبرته الواثقة: “ألو. نعم سيدي. بيتزا بفواكه البحر. المرجو النداء من هاتفك الثابت من فضلك.. أنت زبون معروف.. مع ذلك! كيف؟ تريد مسؤولاً.. أنا المسؤول هنا سيدي ولا أقبل المحمول..”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.