منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هَمْهَمَة قاتلة

نورالدين النبهاني

0

يحمل حَمُّو في صدره قلبا حزينا، وفوق رأسه طاقية بيضاء وتحتها هَمٌّ كبير، وفي يده عصاه، عكازته لا يهش بها ولا ينش، ويده اليسرى في جيب به قليل من معاشه الهزيل، مطأطئ الرأس، لا يلتفت يمينا ولا يسارا، ولا يوزع الابتسامات ولا يقدم التحايا داخل الزقاق أو خارجه، يترك خلفه دائما كلمات عتاب لرفيقة دربه، التي رحلت إلى دار البقاء دون إذن منه أو وداع، وتركته وحيدا في الحياة، وتائها الى حد الضياع في منتصف الطريق، في البيت منفرد وفاقد توازنه، وفي الشارع محدث نفسه بصوت عال كالمجنون، أو على حافة الجنون، لقد فقد صحته وعقله وقلبه في لحظة واحدة، سرقهم منه فيروس كورونا حين سرق منه زوجته، ورفيقة دربه لسنوات طويلة، وتركه مشتت الفكر ومشلول الإرادة، لا يجد من يخدمه في البيت، ولا يعرف كيف يخدم نفسه.

” ملعونة كورونا سرقت منا الأحبة وتركتنا للضياع “، يرددها كثيرا بصوت يجمع الحسرة بالأنين، يرددها في المسجد.. في الحديقة العمومية.. وفي شوارع المدينة.

أصبح يتحرك وحيدا.. يقيم منفردا.. يعيش منعزلا.. كطائر اللقلاق الذي يقيم في عشه بأعلى صومعة مسجد الحي، حيث رحل السرب دونه، وتركوه وحيدا بعد وفاة رفيقة رحلته.

ما أقسى الفراق في خريف العمر!.. وما أبشع الخيانة في لحظات الثقة!..

حين تصدر الخيانة منك إليك، فتخون صحتك جسدك، ويخون عقلك رغبتك، ويختار قلبك ما ليس في مصلحتك، ويخون صبرك لسانك، فتقول ما تندم عليه، وترحل رفيقة دربك وأنت في قمة احتياجك لها، ويرحل شبابك مخلفا وراءه الضعف والشيخوخة، ويتخلى عنك الصديق في منتصف الطريق، عندئد تصبح الدنيا عبئا على كاهِلِك.

المزيد من المشاركات
1 من 36

الخيانة كيفما كانت، تعمق الوحدة إلى آخر درجة، وتزيد في العزلة إلى أبعد حد، وتدمي المشاعر إلى أقصى وجع، بل تجعل المرء أكثر شكا وارتيابا من الكل حتى من قراراته وملابسه.

كانا زوجين سعيدين بحبهما المتميز، وبوفائهما المتبادل، كل منهما يرى العالم بألوانه الزاهية من خلال عيني شريكه، رغم أن أحدهما عاقر، وربما العقم يعاني منه كلاهما، لأنهما لم يفْحصا نفسيهما، ولم يزورا أي طبيب، مكتفية الزوجة فاضمة بالأعشاب، ومعتمدة على الطب الشعبي، فلم ينجبا أطفالا، ولم يفكرا حتى في تبني طفل بدار الأيتام خلال زواجهما، وعاشا وحيدين، وحين ماتت فاضمة، تكفلت الدولة بدفن الزوجة المصابة بفيروس كورونا، وتكلفت الجارات بالعناية بالزوج، طويت الصفحة وانتهى الأمر، وانشغل كل بما له، ودخل حمو في صمت كئيب ووحدة قاتلة، ذلك ميراثه من زوجته الراحلة.

أصبح حمو لعميم وهو عون سابق بالمحكمة الابتدائية يكره العودة الى البيت كل مساء حيث يقضي النهار بين الحدائق العمومية والمساجد والمطاعم الشعبية، وفي المساء يشعر بقشعريرة غريبة أثناء عودته الى جدران بيته التي تحولت الى أطلال تحمل الذكريات وبين هذه الجدران الصامتة التي تضيق بِنَفَسِهِ وصدره، يلازمه الأرق في لياليه ولا ينام إلا قليلا، وحتى إذا نام لسُوَيْعَة يقضيها بين الأموات مناجيا لهم، أو مستمتعا بينهم.

تقوم صديقات المرحومة من الجارات كل يوم خميس بغسل ملابسه وتنظيف بيته، وتزوده إحداهن بوجبة الكسكس كل يوم جمعة بعد عودته من المسجد.

المتقاعد حمو لعميم ما عاد يصلح للزواج وقد اقترب سنه من السبعين، ولا قدرة له على تغيير واقعه في غياب الصحة والإرادة، واكتفى بالعيش مستسلما لوحدته في وقته الاضافي، لان وقته القانوني أو الحقيقي انتهى مع وفاة زوجته.

ذات صباح وهو في طريقه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر، اعترضت طريقه عصابة من المراهقين، يحملون سيوفا وسكاكين، ويضعون الكمامات كأقنعة تخفي ملامح وجوههم، ويستعملون نظارات سود لإخفاء احمرار عيونهم، ورؤوس مدفونة في قبعات مزركشة (كاسكيطات )، ويرتدون سراويل فضفاضة وممزقة، جعلت شكلهم أكثر غموضا وغرابة، هجموا عليه كأشباح قادمة من قعر الجحيم، فَتَّشُوه بهدوء، ونهبوا ما في جيوبه بعنف، لقد سلبوا منه كل ما في حوزته حتى ساعة يده، ثم انصرفوا وهم يسخرون من الغنيمة الهزيلة، سمع أحد أفراد العصابة حمو يهمهم بكلمات غير مفهومة، فيها شيء من التذمر، عاد إليه دون مقدمات أو تردد ضربه ضربة قاضية بسيفه الحاد وكأنه يتخلص من جثة محنطة لا فائدة من وجودها، وانطلق يجري ملتحقا برفاقه.

كان حمو يبحث عن حل لوحدته، وكانت العصابة تبحث عن مال لشراء المخدرات، فالتقيا دون موعد، وافترقا دون منطق، حيث مضى كل إلى غايته بين الانتصار والانكسار، وعاد كل إلى منزلته بين المقر والمستقر.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

اجتمعت حوله المارة الذين كانوا يتابعون الوضع من بعيد، من مصلين ومارة، لم يتساءلوا عن أمنه وآمانه، ولكن كانوا يتساءلون عن سبب استفزازه للعصابة، عن سبب خروجه تحت جنح الظلام وهو شيخ هرم، وهكذا تَحَوَّل في نظرهم من ضحية إلى جانٍ على نفسه.

حضر رجال الأمن بعد حين، بعد الفحص والمعاينة، بدل أن يطلبوا سيارة إسعاف طلبوا سيارة نقل الموتى لأن حمو فارق الحياة، وتابعوا عمل البحث والتقصي في ظروف الجريمة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.