منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإسلاميون ورؤية العالَـم المعاصر

الإسلاميون ورؤية العالَـم المعاصر / د. فتحي حسن ملكاوي

0

الإسلاميون ورؤية العالَـم المعاصر

د. فتحي حسن ملكاوي

مقدمة

الحديث عن الإسلاميين ورؤية العالَـم يثير تساؤلاً وجيهاً عن سبب تخصيص الحديث عن الإسلاميين دون سائر المسلمين، وما يمكن النظر إليه من تـمايز عرقي ولغوي ومذهبي وسياسي بين المسلمين.

وربَّـما يكون موضوع رؤية العالَـم تحديداً هو أهم الأسباب في الحديث عن هذه الفئة التي أصبح مصطلح “الإسلاميون” واحداً من المصطلحات التي تطلق عليها. فرؤية العالَـم عند المسلمين من داخل الأمة بصفتها موضوعاً للبحث، لم تكن قضية من القضايا العامة؛ إذ إنّ معظم عناصرها يعدُّ مما هو معروف من الدين بالضرورة.

لكن رؤية العالَـم عند المسلمين عندما يُنظر إليها من خارج الأمة، ولا سيما في الدوائر السياسية والإعلامية الأجنبية، ارتبطت بالنشاط السياسي والفكري والإعلامي لفئات محددة من المسلمين شملت الأحزاب والحركات والجماعات التي انشغلت بحضور الإسلام في السياسة على المستوى النظري أو العملي.

وغالباً ما تكون قضايا السياسة وأخبار السياسيين هي المستهدفة في الإعلام المعاصر. ومن هنا ظهر مصطلح “الإسلام السياسي” ومصطلح “الإسلاميون” الذين يمثلون هذا الإسلام في الساحة الإعلامية.

وإذا جاء الحديث عن رؤية العالَـم عند فئات أخرى من المسلمين ليس لهم حضور مهم في المجال السياسي، فإنَّـما يأتي ذكرهم بالمقارنة برؤية العالَـم عند الإسلاميين.

إنَّ دراسة موضوع “الإسلاميون ورؤية العالَـم” قد تأخذ مداخل متعددة، منها ما يختص بالتمييز بين الإسلاميين ورؤيتهم للعالَـم، من جهة، وحالة رؤية العالَـم عند غيرهم من فئات الأمة الإسلامية من جهة أخرى. ومنها ما يختص بالتمييز بين رؤية العالَـم عند الإسلاميين وغيرهم من فئات الأمة، وما يُمكن أن نعدَّه رؤية العالَـم كما تبدّت في التجربة التاريخية للأمة الإسلامية، وما يمكن أن نفهمه عن هذه الرؤية من نصوص الإسلام ومقاصده في العالَـم المعاصر.

ومن مداخل دراسة هذا الموضوع ما يختص بمفهوم رؤية العالَـم عند الإسلاميين، ومدى وضوحها وتماسكها وتجلياتها في أفكارهم وسلوكهم. ومنها رؤية الإسلاميين لواقع الإسلام في العالَـم المعاصر؛ حيث يمكن أن نميّز في بعض كتاباتهم رؤية سوداوية لهذا العالَـم تتحدث عما يعانيه الإسلام من ظروف أشد صعوبة وتعقيداً وتحدياً مما شهده على مدى تاريخه، ومن ثم تكون هذه الرؤية سبباً في حالة القلق والإحباط واليأس.

ونميّز في كتابات أخرى، الوقت نفسه، صورة متفائلة تنوِّه بما نراه من حضور للإسلام ومبادئه وقضاياه في الدوائر السياسية والأكاديمية والإعلامية في العالَـم المعاصر، وما يتيحه هذا الحضور من تعارف وتفاعل، وفرص وإمكانيات تبشر بكل خير.

ونجد أنّ من المهم أن يدخل في هذا الموضوع الصورة التي يرى فيها العالَـم المعاصر الإسلامَ والمسلمين، وما يمثّله الإسلام من مجتمعات ودول ومؤسسات وثقافات بصورة عامة، ورؤية العالَـم المعاصر للإسلاميين بصورة خاصة؛ وكيف ترى الفئات المختلفة في هذا العالَـم رؤيةَ الإسلاميين للعالَـم المعاصر، لا سيّما أننا نرى التطور المتسارع في درجة حضور هذا الموضوع في الساحة العلمية “الأكاديمية” والسياسية والإعلامية، سواءً كان حضور الحديث عن الإسلام من جانب سلبي أو من جانب إيجابي.

والمقصود هنا هو لفت النظر إلى حضور موضوع الإسلاميين فيما يُكتب في العالَـم الغربي تحديداً عن الإسلام والمسلمين والإسلاميين.
وقد يكون السبب في اهتمام العالَـم بالمجتمعات الإسلامية هو ما لديها من ثروات طبيعية وما تمثله من أسواق لبضائع العالَـم.

لكنَّ العولَـمة وما رافقها من وسائل التواصل والاتصال والتنقل والهجرة أسهمت كثيراً في حضور مظاهر الإسلام في الحياة العامة على المستوى الاجتماعي والتعليمي والإعلامي.

لكنَّ العالَـم (والعالَـم الغربي تحديداً) ليس غافلاً عما يراه من صحوة إسلامية بدأت تأخذ طريقها اعتباراً من الثلث الأخير من القرن العشرين، وأنَّ هذه الصحوة تجاوزت تطور العاطفة الدينية ومظاهر التدين العام إلى قدر معتبر من الوعي النفسي والإحياء الفكري والتجديد الفقهي، وإلى تطوير مشاريع متنوعة في التجديد في الفكر السياسي والاقتصادي وإلى خبرة تتدرج في النضج فيما يختص بالعلاقة مع الآخر غير الإسلامي في فكره وثقافته وواقعه العملي.

لقد شكل موضوع الإسلاميين عنصراً من عناصر تلك الصحوة بما كُتب عنها من نجاحات وإخفاقات ومراجعات، وهم، أعني الإسلاميين، يرون في هذه الصحوة معالِـم في مسيرة النهوض الحضاري لا بد أن تؤتي ثـمارها، لا سيما أنَّ كلَّ العراقيل والصعوبات وأساليب القمع والتشويه، التي واجهت مظاهر الحضور الإسلامي ولا تزال تواجهها، تزيد من التفاف الجماهير حول ما يمثله الإسلام. وقد كانت تلك الصحوة وموقع الإسلاميين فيها موضوعاً أثيراً للبحث والتحليل وبناء استراتيجيات التعامل في دوائر السياسات الغربية ومراكز البحوث ووسائل الإعلام.

ومع أنَّ خطاب الإسلاميين كان يتوجه أساساً إلى الداخل الإسلامي، فإنَّ هذا الخطاب أخذ يتوجه بكثافة إلى الخارج كذلك، فيعطي اهتماماً متزايداً لما يُكتب عنه، وأخذ يهتم بدارسة الرؤى التي تنطلق منها هذه الكتابات، ويحاول التأثير فيها.

هذه الملاحظات الثلاث: رؤية الإسلاميين للصحوة وموقعهم فيها، ورؤية الغربيين لموقع الإسلاميين في هذه الصحوة، واهتمام الإسلاميين برؤية الغربيين، ربما أسهمت في التأثير في رؤية العالَـم عند الإسلاميين؛ فجعلتهم أكثر وعياً بموقعهم في العالَـم والقوى المؤثرة في هذا العالَـم، وربما أسهمت في التأثير في رؤية العالَـم للإسلام والإسلاميين.

وعلى كلَّ حال فإنَّ مـمَّا ينبغي أن لا يغيب عن فكر الإسلاميين حقيقةَ أنّ الغرب المعاصر لا يتوقع منه أن يتخلى عن مرجعياته وتاريخه في العلاقة مع الإسلام والمسلمين، ولا يغيب عن فكرهم أيضاً أنَّ الهيمنة الغربية على العالَـم المعاصر قد صبغته بصبغة الثقافة الغربية وبمكانة هامشية للدين في الحياة العامة، وهذه الثقافة الغربية تؤدي في الغالب إلى تلوين رؤية الغربيين إلى الإسلاميين الذين يدْعون إلى عودة الإسلام إلى مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيروْنهم يحملون دعوة إلى تغيير العالَـم.

وربَّـما تسهم ذاكرةُ الغربيين عن تاريخهم الديني، ومصالحهم الاستعمارية في بلاد المسلمين، في نظرة الكثيرين منهم إلى هؤلاء الإسلاميين، بوصفهم خطراً داهماً لا بد من مواجهته. وربَّـما تلتقي في هذه النظرة، جماعاتُ الحماس الديني المسيحي، مع الفئات العلمانية التي ترى ضرورة إبعاد الدين عن الحياة العامة.

والحديثُ عن الربط بين الإسلاميين ورؤية العالَـم، يَفْتَرضُ بياناً محدداً يُوَضِّحُ مَنْ همُ الإسلاميون في سياق هذا الحديث؟ وما رؤيةُ العالَـم عند الإسلاميين؟ وهكذا جاء هذا الفصل في أربعة مباحث، تناول أوَّلُـها خصوصية الحديث عن رؤية العالَـم في العالَـم المعاصر، ويعرِّف الـمبحث الثاني بمصطلح الإسلاميين ودلالته في الاستعمال عند الإسلاميين أنفسهم، وعند غيرهم، لا سيما عند الغربيين وعند العلمانيين العرب.

ويوجز الـمبحث الثالث القول في مدى انتشار الكتابات المعاصرة عن الإسلاميين، ويتحدث الـمبحث الرابع عن رؤية العالَـم عند الإسلاميين كما هي في أوساطهم، وكما يراها غيرهم عندهم.

هذه المقالة هي مقدمة الفصل الثالث من كتاب:
“رؤية العالَـم: حضور وممارسات في الفكر والعلم والتعليم”
تأليف د. فتحي حسن ملكاوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.