منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فاطمة الفهرية المتصدقة الصادقة

هند أمعروفي

0

كانت المرأة المسلمة ولا تزال، عديلة الرجل وشقيقته، جيلا بعد جيل، خلفا عن سلف، منذ نبوغ عهد النبوة، تسامي أخوها الرجل في طلب ما عند الله، تطلب الكمال البشري وتحرص على تحقيقه، طارقة مختلف أبواب الخير الموصلة إليه.

هذا الحرص تجليه لنا قصة أم المؤمنين، أم سلمة رضي الله عنها، حين سألت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء فانزل الله تعالى: “فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب “آل عمران” الآية 195(1)

فجاءت هذه الآية الكريمة مجيبة ومطمئنة لأم سلمة ولغيرها من الصحابيات الحريصات على طلب ونيل رضى الله تعالى، فكان لهن السبق في بذل المال والنفس والجهد في سبيل نشر الرسالة المحمدية، وها هي أمنا خديجة رضي الله تعالى عليها، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثالا صارخا لهذا السبق، هاته المرأة الكاملة التي أنفقت جل ثروتها في سبيل نصرة الدعوة الإسلامية، و، غيرها من الصحابيات كثير منهن من تصدقت بحليها تقربا إلى الله ورسوله.

هاته النماذج لم تنحصر عند زمن النبوة، بل تعدته عبر التاريخ الإسلامي، فللعديد من النساء مواقف وأعمال تشهد على مشاركتهن الفعلية في بناء صرح الأمة، فمنهن العالمات، الفقيهات، الزاهدات، المجاهدات، المنفقات، وإن أجحفهن التاريخ حقهن، وزهدت المصادر التاريخية في ذكر أعمالهن، إلا لبعض المحظوظات.

وفاطمة الفهرية واحدة من هاته النساء، التي اقترن ذكرها بذكر مسجد وجامعة ومكتبة القرويين التي شيدتها من مالها، هاته المرأة المباركة التي لم تنصفها مجلدات التاريخ ومصنفاته اللهم بعض الشذرات، فحسبها خلود هذه المعلمة العريقة التي كانت كافية لتخليد اسمها.

المزيد من المشاركات
1 من 50

فمن هي فاطمة الفهرية؟ وماهي قصة بنائها لجامع القرويين؟

  • ولادة فاطمة الفهرية ونشأتها:

هي فاطمة بنت محمد الفهري القشري، قيل أنها ولدت تقريبا في 800 ميلادي بمدينة القيروان، تعود أصولها إلى عقبة بن نافع الفهري القرشي فاتح تونس ومؤسس مدينة القيروان.

لم تعتن المصادر بدقائق حياة فاطمة وإنما قدمتها كامرأة واسعة الثراء نمت في بيت عز، وأنها نزحت من القيروان إلى المغرب، وتحديدا مدينة فاس عاصمة الأدارسة، وهي لا تزال صغيرة السن، نزلت في عدوة القرويين من حكم ادريس الثاني رفقة أهلها.

اسفرت هناك ونشأت نشأة ميسورة رفقة أختها مريم ووالديها اللذين أحسنا تربيتهما، ولم يكن لوالدهما غيرهما من الأبناء.

تزوجت فاطمة الفهرية في فاس، ولقبت بعد زواجها وإنجابها بأم البنين، وقد اختلفت الروايات في سبب هذه التسمية: فنجد رواية تفيد أن أباها سماها بهذا اللقب استبشارا بجدتها ليلى التي أنجبت خمسة من البنين، ورواية أخرى أنها طلبت من زوجها ألا يناديها باسمها لأنه كان نفس اسم زوجته الأولى التي توفيت مراعاة لأبنائه منها، كي لا يحزنوا على والدتهم، وأكثر ما يذكر أنها سميت بذلك من كثرة إعالتها لطلاب العلم، وإنفاقها عليهم من أموالها، لكي تعينهم على إكمال طلب علمهم.

  • قصة بنائها لجامع القرويين:

شاءت الأقدار أن تبتلى فاطمة بفقد أبيها وزوجها، يقول الناصري: “مات زوجها وإخوتها فورثت منهم مالا جسيما وكان من حلال، وشرعت في حفر أساس المسجد وبناء جدرانه وذلك يوم السبت فاتح رمضان سنة خمس واربعين ومائتين”(2)

لم ينصرف تفكير فاطمة وأختها زينب بعد الثروة الطائلة التي حصلتا عليها إلى اكتنازها ومضاعفتها، بل كان همهما الأول والأخير هو كيف ينفقن هاته الأموال، لتكون لهما عمارا في الدار الباقية، ولتحقق لهما السعادة الأخروية الأبدية.

فانصرفت كلتاهما لبناء مسجدين، مسجد الأندلس وقد قامت ببنائه زينب الفهرية، ومسجد القرويين وقامت ببنائه فاطمة الفهرية.

ومن الروايات التي وردت في بناء فاطمة للقرويين ما ذكره صاحب الأنيس المطرب أنها: “اشترت موضع القرويين ممن كان حازه، ودفعت إليه المال، ثم شرعت في حفر أساسه وبناءه… فبنته بالطابية والكذان، وحفرت في وسطه، فصنعت كهوفا، واقتطعت منها الكذان، وأخرجت منها التراب والحجر والرمل الأصغر الطيب، فبنت به الجامع المذكور كله حتى تم، ولم تدخل فيه من تراب غيره، وحفرت البئر في الصحن، فكان البناؤون يسقون منها الماء لبناء الجامع المكرم حتى فرغ من بناءه، ولم تصرف فيه سواه احتياطا منها وتحريا من الشبهة، ولم تزل فاطمة القروية المذكورة صائمة من يوم شرع في بنائه، إلى أن تم، وصلت فيه شكرا لله تعالى الذي وفقها لأعمال الخير. “(3) هذه الرواية تظهر صلاح هذه المرأة وزهدها وتحريها الدقيق من الشبهة، كما تظهر مدى إحسانها وإتقانها لتتبعها لأدق تفاصيل هذا العمل، مع الإخلاص وصدق النية والتوبة لله فهي التي نذرت لله صوما إلى أن تم البناء، وصلت فيه لله شكرا، إيمانا منها، بأن التوفيق إنما هو من الله.

وقد عادت بركة نيتها على هذا المسجد، ليصبح أول معهد ديني وأكبر كلية عربية

في بلاد المغرب الأقصى وأصبحت فاس بفضله مركزا علميا، وثقافيا ينافس المراكز العلمية المشتهرة، وقد تنافس الملوك في تطوير هذه الجامعة لتصير قبلة العديد من العلماء الأفذاذ، منهم من تخرج منها، ومنهم من درس فيها، هذا العمل الجليل الذي قدمته هاته المرأة، جعل ابن خلدون يقول عنها في تاريخه: فكأنما نبهت عزائم الملوك من بعدها”(4).

انتقلت السيدة الفاضلة إلى عفو ربها عام 266 هـ/878 م، رحمها الله تعالى وأجزل عطائها.

إن القراءة في سيرة هذه المرأة الصالحة التي ضربت النموذج الرائع، والمثال النادر والقدوة الحسنة، فيه من العبر والدروس والدرر والجواهر، ما يوقظ همم المتهممات، وما تشرئب به أعناق المؤمنات الصادقات اقتداء وتعلما.


المراجع

(1) رواه الحاكم في المستدرك رقم 3174 ج م ص 328 صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه

(2) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. أبو العباس أحمد الناصري تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري – دار الكتاب – الدار البيضاء 1997 م ج 1 ص 231.

(3) الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس. علي ابن أبي زرع الفاسي. دار المنصور. الرباط 1972م ص 54/55.

(4) كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم البربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر – ابن خلدون – تحقيق هليل شحاذة وسهيل زكار- دار الفكر بيروت 2000 م ج 4 ص 20

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.