منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفتوى: مفهومها، خصائصها، وما يميزها

الفتوى: مفهومها، خصائصها، وما يميزها/ ذ. كمال براشد

0

الفتوى: مفهومها، خصائصها، وما يميزها

ذ. كمال براشد

الفتوى هي القالب الذي تصب فيه الحصيلة العلمية لتخرج إلى الظهور ونفع الناس، إذ لا قيمة لعلم لا فائدة له، ولا قيمة لعالم ما لم يعمل بعمله وينفع به مجتمعه، ولا قيمة لمجتهد ما لم يعرف اجتهاده. فما هو مفهوم الفتوى؟ وما خصائصها؟ وما يميزها عن باقي الأنظمة الأخرى كالقضاء والاجتهاد؟

مفهوم الفتوى في اللغة:

-مادة ( ف.ت.ي)تعني تبيين الحكم[1]. ) وتعني تبيين المبهم ) والإفتاء مصدر الفعل (أفتى) يقال أفتاه في الأمر: أي أبانه له ويقال استفتيته فأفتاني إفتاء : أي أجابني.  وأفتيته في مسالة : أي أجبته عنها والفتيا والفتوى والفتوى: ما أفتى به الفقيه[2]   يقال أفتيت فلانا رؤيا رآها: اذا عبرتهاله، ومعنى تفاتوا إلى فلان: تحاكموا إليه[3]

قال الراغب الأصبهاني: والفتيا والفتوى: جواب ما يشكل من الأحكام[4].  وقيل الإفتاء مأخوذ من الفتي، بمعنى الشاب القوي، فكان المفتي يقوي ما أشكل بيانه فيثبت ويصير قويا فتيا، وافتى المفتي ، اذا أحدث حكما[5].  وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم في أحد عشر موضعا كلها تدل على هذا المعنى.

ومنه قوله تعالى:(( ويستفتونك في النساء. قل الله يفتيكم فيهن ))[6]

وقوله تعالى:(( فاستفتهم أهم أشد خلقا))[7] ( اي فاسألهم سؤال أهم أشد خلقا أم من خلقنا من الأمم السالفة )[8]

وقوله تعالى:(( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ))[9] تؤكد هذه الآية معنى الفتيا أي الإبانة.

مفهوم الفتوى في الاصطلاح: ( عند المالكية)

عرفها الإمام القرافي ( تلميذ العز بن عبد السلام ومن علماء المالكية انتهت إليه رياسة المالكية في عصره): الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة[10] .

حقيقة الفتوى في أدق معانيها هي القول والتوقيع عن الله، فالحاكم و المفتي والشاهد كل منهم مخبر عن الله[11] .

الفتوى إخبارا عن الله تعالى في إلزام أو إباحة… وبيان ذلك بالتمثيل إن المفتي مع الله تعالى كالمترجم مع القاضي ينقل ما وجده عن القاضي واستفادته منه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير او ترك… كذلك المفتي والحاكم كلاهما مطيع لله تعالى، قابل لحكمه غير إن الحاكم منشئ والمفتي مخبر محض[12]

عرفها الإمام ألشاطبي( أبو إسحاق اللخمي الغرناطي- الشهير بالشاطبي- صاحب الموافقات): الإخبار بحكم الشرع لا على وجه الإلزام[13] .

وبالتالي فالفتوى عند المالكية هي الإخبار بحكم الشرع لا على وجه الإلزام وخرج بالقيد الأخير حكم القاضي لأنه مبني على الإلزام عند من يرى ذلك.

والإفتاء يكون لسائل راغب في معرفة الحكم الشرعي لما حدث له في واقعة او حادثة ، وتتطلب الفتوى من يقوم بالفتوى وهو المفتي وواقعة يستفسرون عن الحكم الشرعي لها( المستفتى فيه) ووجود السائل عن حكم الواقعة وهو المستفتي.

 خصائص الفتوى عند المالكية

1) أنها مؤسسة على الإخبار بحكم شرعي:

عنصر الإخبار ضروري لأنه مقترن بالبيان الناتج عن العلم. لقوله صلى الله عليه وسلم  ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالِمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا) رواه البخاري في كتاب العلم عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما

2) أنها متعلقة بالأحكام الشرعية

ترتبط الفتوى بالفقه الذي هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، والأحكام الشرعية( الوجوب- التحريم- الكراهية- المندوب- المباح…)-وذلك أن  المفتي يخبر تارة عن الوجوب وتارة عن التحريم وتارة عن الشرط والسبب والمانع واللزوم وغيرها[14].

3) أنها مبنية على السؤال:

الأصل أن السؤال هو الذي يستدعي الإخبار سواء كان في أمرنا ما أم لا، غير أن واقعية الفتوى أؤكد في التحري وعلى ذلك درج الصحابة والتابعون والأئمة والمجتهدون ومنهم الإمام مالك رضي الله عن الجميع

4) أنها غير ملزمة ولها تعلق بالاعتبار الدياني.

حيث إن الفتوى لا تتوقف على عنصر الإلزام القضائي، ولا تدخل في دائرته إلا إذا إعتمدت في موضوع معروض أمام القضاء، فإنها حينئذ تحوز صفة الإلزام بالتبع. وأما ما عدا ذلك سواء كانت الفتوى في مجال العبادات والمعاملات فتبقى خاضعة في إلزامها للإعتبار الديني.

الفرق بين الفتوى وبين الأنظمة الأخرى( القضاء- الاجتهاد- الفقه)

1)الفرق بين الفتوى والقضاء( الحكم)

– عرف القرافي الفتوى: بأنها إخبار في الله تعالى إلزام أوإباحة

– عرف ابن رشد القضاء( المالكي) بأنه الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام. [15]( وعرفه ابن عرفه المالكي رحمه الله: بأنه  صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين. أنباه الغمر بأبناء عمر(1/ 367) شرح حدود بن عرفة للرصاع ص 433

– عرفه الدردير المالكي: هو حكم حاكم او محكم بأمر ثبت عنده ليرتبه على ما ثبت عنده مقتضاه أو حكمه بذلك المقتض[16] .

-عرفه الإمام القرافي في أحكامه: إنشاء إطلاق او إلزام في مجال الاجتهاد المتقارب فيما يقع إلزام فيه لمصالح الدنيا[17].

= لا شك في اجتماع كل من فتوى المفتي وحكم القاضي في تضمنهما حكما شرعيا وأنهما يعتمدان في إظهار الأحكام على الأدلة الشرعية.

قال ابن القيم رحمه الله( القاضي والمفتي مشتركان في ان كلا منهما يجب عليه إظهار حكم الشرع في الواقعة[18].

  • لكن الفتيا تخالف الحكم في جوانب أخرى:

1) الفتيا إخبار بحكم شرعي أما الحكم القضائي فهو إخبار وإلزام به غير أن حكم الثاني قد يتعلق أحيانا بما ليس فيه معنى الإلزام.

2) يتميز القضاء عن الإفتاء بكون القاضي يعتمد على الادلة مثل الحجاج والبراهين والبيانات، بينما المفتى قد يفتي بالديانات اي على باطن الأمور والقاضي يقضي على الظاهر.

قال القرافي( الحاكم يتبع الحجاج والمفتي يتبع الأدلة)[19].

وعدد القرافي في كتابه الفروق: الحجاج فبلغت نحو عشرة والأدلة فبلغت نحو العشرين دليلا.

3) الأحكام القضائية تكون في الواجبات والمحرمات والمباحات ولا تكون في المكروهات والمستحبات.

والفتيا تكون في الأحكام التكليفية والوضعية كما تكون في الأحكام الإعتقادية الأصلية.

قال القرافي( ان حكم الحاكم لا يتصور فيه الأحكام الخمسة فان مقصوده إنما هو سد لباب الخصومات ورد الظلامات…)[20].

4) الحكم لا يكون إلا في المعاملات والحدود والجنايات بخلاف الفتيا فإنها تكون في المعاملات والعبادات والآداب ويلحق بالعبادات أسبابها وشروطها و موانعها.

قال القرافي رحمه الله( اعلم ان العبادات كلها على الإطلاق، لا يدخلها الحكم البتة بل للفتيا فقط ما وجد فيها من الإخبارات فهي فتيا فقط)[21].

5) الفتيا أوسع من الحكم: فتجوز فتيا العبد والحر والمرأة والرجل والقريب لقريبه و البعيد الأجنبي وتجوز من الأمي والقارئ والأخرس بكتاباته، بخلاف الحكم والقضاء فانه لا يجوز حكم العبد والمرأة  والقريب لقريبه ولا حكم الأخرس وكذلك الأمي الذي لا يقرأ.

6) حكم الحاكم يلزم المحكوم عليه قبوله والعمل به سواء ا كان موافقا لاعتقاده او مخالفا له، بخلاف الفتيا فإنها غير ملزمة، حيث لا يلزم المستفتي قبول الفيتيا والعمل بها وإنما تلزمه ديانة إذا اعتقد صحتها وإذا التزم تقليد مفتيه أولم يكن بالبلد سواه.

قال ابن سبكي: ان المفتي يكون مبلغا او متبعا. أما الحاكم فيكون متبعا لأمر الله تعالى[22]

7) الفتوى كالرواية لا اثر للقرابة فيها فيجوز استفتاء المفتي من القريب وغيره، فلا اثر للعداوة والقرابة على الإفتاء، اما الحكم فان القرابة والعداوة تؤثران عليه، فإذا كانت هناك صلة قرابة تؤثر على الحكم او يظن تأثر القاضي فيها او كانت هناك عداوة فعلى القاضي التنحي عن الحكم في الواقعة محل الدعوى.

8) حكم القاضي يرفع الخلاف وإفتاء المفتي لا يرفعه.

9) الفتوى تكون بالقول والفعل والكتابة والإشارة بينما لا يكون القضاء إلا باللفظ.

  الفرق بين الفتوى والاجتهاد

تعريف الإجتهاد

اختلفت تعاريف الأصوليين اختلافا بينا فعرفها ألآمدي( بأنه إستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس الحجز عن المزيد فيه)[23].

عرفه إبن الهمام:  بأنه بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي عقليا كان او نقليا قطعيا كان أو ظنيا)[24].

ويظهر من خلال التعريفيين اهتمامهما بفقه النص دون الإشارة إلى فقه الواقع، وهذا ما تفطن له كثير من العلماء فجعلوه بارزا في تعريفهم للاجتهاد فعرفه الشيخ عبد الله دراز بأنه بذل غاية الوسع إما في إدراك الأحكام الشرعية وإما في تطبيقها)[25]

وقسم الإمام الشاطبي الاجتهاد إلى قسمين:

1- الاجتهاد الذي لا يمكن أن ينقطع حتى يرتفع أصل التكليف عند قيام الساعة وهو الاجتهاد في تحقيق المناط العام

2- الاجتهاد الذي يمكن ان ينقطع قبل فتاء الدنيا وهو الاجتهاد في تنقيح المناط والاجتهاد في تخريج المناط وفي تحقيق المناط الخاص[26].

وسمي الأول بالجهاد المتعلق بتحقيق المناط وهو الخاص بكيفية تطبيق الحلول الشرعية على نوازلها، اما بطريق النص على ذلك فيما يماثل ما فيه نص او تطبيق العلل المستنبطة على الوقائع المستجدة وكل ذلك اما داخل مذهب معين او خارجه.

وأما الثاني وهو المتعلق بعملية الاستنباط، اي استخراج الفروع الفقهية العملية من ادلتها التفصيلية وهو الاجتهاد الخاص.( أصول الفقه- لمحمد زهرة-ص379)

واعتبر عدد من الأصوليين والفقهاء انه لا فرق بين المفتي والمجتهد فلم ينصوا على فروق بينهما، وأنصب اهتمامهم على شروط المفتي ولوازمه أكثر، من تعريفه، لكن هذا لا يمنع من وجود قواسم مشتركة كثيرة بين المفتي والمجتهد وفي نفس الوقت وجود فروق بينهما يمكن إجمالها في ما يلي:

 الفتوى أعم من الإجتهاد

الاجتهاد لا يكون إلا في الأحكام الشرعية الظنية، أما في القطعية فلا مجال للاجتهاد فيها، إذ هي لا تقبل الاحتمال ولا يجوز فيها الاختلاف، على خلاف ذلك والراجح ان الإفتاء لا يختص بالأحكام الظنية ، بل يشمل الأمور القطعية أيضا، لأنه إخبار وتبليغ وتطبيق الأحكام الشرعية، وهو ما سماه الإمام ألشاطبي بتحقيق المناط او ما أطلق عليه العلامة الونشريسي علم الفتوى.

  • رعاية الواقع:

عمل الفقيه والمجتهد في استنباط الإحكام انما هو عمل متجرد عن الوقائع والنظر فيها اما المفتي فيجب عليه ان يراعي حين إصداره للفتوى تلك الخصوصية المسؤول عنها، والقرائن المحيطة بها كما ينظر في حال المستفتي وظروفه[27].

  • حصول الوقائع:

الافتاء يختلف عن غيره: من حيث حدوث الواقعة المسؤول عنها، فلا بد للإفتاء من أمرين:

1) السؤال من قبل المستفتي،

2)  وقوع تلك المسالة المسؤول عنها.

أما في الإجهاد فلا يشترط هذا..

قال الدكتور وهبة زحيلي:(( الاجتهاد هو استنباط الأحكام، سواء كان هناك سؤال في موضوعها ام لم يكن.

اما الافتاء فانه لا يكون الا اذا كانت واقعة وقعت ويتعرف( الفقيه حكمها) سبل الاستفادة من التوازن[28].

 الفرق بين الفتوى والفقه:

الفقه كما عرفه الفقهاء هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.

وأما الفتوى فهي الإخبار بذلك العلم فهي متضمنة له مع الإخبار، إذ لا يتصور أن تكون فتوى دون فقه، فهما متلازمان.

والفتوى بهذا الاعتبار أعم من الفقه لأنها تستلزمه مع ربطها بالواقعة المسؤول عنها والإخبار بحكمها.

وما سلف ذكره يتضح أن هناك تقاربا بين الفتوى والقضاء، وتلازما بين الفتوى والاجتهاد والفقه، ولا غرابة في ذلك فهذان الأخيران هما أيضا متلازمان.


[1] ) معجم مقاييس اللغة1/835 الكليات للكفوي ص155

[2] )  لسان العرب183/10 مادة فتي

 [3])  لسان العرب145/15 مادة فتى

[4] ) المفردات في غريب القرآن ص561

[5] )  لسان العرب148/15

[6] ) النساء127

[7] ) الصافات11

[8] ) لسان العرب183/10

[9] ) النساء الآية176

[10]   ) الإعلام للزركلي94/1

[11]  ) الفروق 110/2

[12]  ) الفروق ج4 ص53 القرافي

[13]  ) فتاوي الإمام الشاطبي 68

[14]  ) منار أصول الفتوى ص73

[15]) حاشية ألعدوي على شرح أبي الحسن لرسالة أبي زيد القيروان

[16] ) بلغة السالك لأقرب المسالك على شرح الصغير للدردير3/ 260

[17] ) الأحكام للقرافي- تحقيق عبد الفتاح أبو غدة-ص2

[18] ) ( إعلام الموقعين لابن القيم1/ 36)

[19] ) الإحكام في تمييز  الأحكام للقرافي ص30

[20] ) الإحكام للقرافي ص55

[21] )   الفروق 4/ 448

[22] )   الإبهاج في شرح المنهاج لتقي الدين السبكي(3/ 186

[23] ) الإحكام في أصول الأحكام- للآمدي 4/ 218)

[24] )  التحرير لإبن الهمام 4/ 178-179

[25] ) الموافقات في أصول الشريعة- لإبراهيم بن موسى الشاطبي 4/ 463

[26] ) (الموافقات 4 / 463)

[27] )  معالم وضوابط الاجتهاد عن شيخ الإسلام ابن تيمية علاء الدين رحال ص58-59

[28] ) د. وهبة الزحيلي ص13

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.