منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أهمية فتوى سليمان الحوات اليوم في بيان المنهج المتبع في دراسة النوازل

امحمد رحماني

0

 

إن تناولَ الشيخ الحواتِ لموضوع السُّكَّرِ الرومي ولو كان قديماً من الناحية الزمنية إلا أنه يُعْتَبَرُ في الحقيقة سابقاً لزمانه، فكثيـر مما يعيشه المسلمون بأوروبا له ارتباط وثيق بما ذكره الشيخ الحوات في مسألة السكر الرومي المخلوط بالدم، والمنهجية التي تناول بها الموضوع وأجاب بها عن الإشكال يحتاجها الأئمة ومن تَوَلَّوا أمر الإفتاء في بلاد المهجر، وكم كُنَّا في حاجة لمثل هذه الدراسات والكتابات التي تعطيك منهجا واضحا في تناولِ الإشكالِ وتأصيلِهِ جَوَازاً ومنعاً، ودراسةِ أدلتهِ ونصوصهِ والحكمِ عليه ثم تنزيله على أرض الواقع معالجا لمشاكل المسلميـن لا مأزما لهم.

لقد تناول الشيخ الحوات مسألة السكر الرومي المشكوك في خَلْطِهِ بالدَّمِ بِمَنْهَجٍ متكاملٍ بدأ فيه ببيان الأصل واستبيانِ طريقِ وُرُودِهِ ثُمَّ تَحْلِيلِهِ وَبَيَانِ ظُروفِ صَنْعَتِهِ ثُمَّ تَقْرِيبِهِ من نُصوصِ الكتاب والسنة مما قد يشمله من بابِ العُموم أو الخصوص ثم الاستشهادِ بأقوالِ أهلِ العلمِ وآرائهم معضداً ذلك بإِعْمَالِ عِلْمِ الفِقْهِ وأُصُولِهِ في الإيضاحِ وبَيَانِ الأحْكام، فكان منهجا متكاملا يَجْمَعُ بيـن الرأي والأثر والعقل والنقل للوقوف على حَلٍّ ناجعٍ لإشكال قد يُؤَرِّقُ الأمة وَيُورِثُهَا التعصب والتشتت فيما عَمَّت به البلوى في هذه الأعصر من الأطعمة والألبسة والأدوية وغيـرها، فمما عايـناه من ذلك في بلاد المهجر:

المزيد من المشاركات
1 من 24

من أمر الأدوية:

كالحبوب المسكنة لآلام الرأس والعظام فيستخدم فيها مادة تستخرج من جلد الخنزيـر، وقد تَقْرَأُ في ورقةِ الاستعمالات ( مادة خنزيـرية ) أو ( جيلاتيـن خنزيـري ) وعلى سبيل المثال في ذلك «حبوب باريسيتامول 500» التي تُبَاع في هولندا وتَقُومُ بإنتاجها شركة «ألبارت هايـن Albert Heijn» تحتوي على مادة «الجيلاتيـن» وهي مادةٌ مُصَرَّحٌ بها في ورقة الاستعمالات التي تصاحب الدواء فمما هو مكتوب في هذه الورقة:

وقد تَوَجَّهَ السيد كافيت كرمان رئيس مؤسسة ألوشتونيـنراد بارن برسالة إلكترونية لشركة ألبريت هايـن تحمل استفسارا حول احتواء هذا الدواء لمادة الجيلاتيـن الخنزيـري، فكان جواب الشركة المصنعة للدواء بالتأكيد على وجود هذه المادة.

وهذا الأمر لا يقتصر على الأدوية الرائجة في هولندا بل قد تجد آفة الجيلاتيـن موجودة في بعض الأدوية التي تستورد من أوروبا لكثيـر من البلاد العربية، على سبيل المثال دواء «سباسفون 80 م» Spasfon 80MG مكتوب على ورقة استعماله:

.Enrobage: acetate de polyvinyle, talc, saccharose, gomme arabique, gelatine, dioxyde de titane (E171), erythrosine (E127) cire de carnauba

وهذا الدواء موجود في الصيدليات ويوصف للألام التشجنجية في المعي والمسالك الصفراوية والمثانة والرحم.

وغيـره من الأدوية الكثيـرة أمثال:

وكلها أدوية تحتوي على الجيلاتيـن ومصرح به في بطاقة الاستعمال المصحوبة مع الأدوية، غيـر أنهم لا يُصَرِّحُونَ بِأَصْلِ هذا الجيلاتيـن هل هو اصطناعي أم حيواني.

من أمر الحقن:

كَحُقَنِ المورفيـن التي تُعْطَى للمحتضر من أجل تخفيف آلام السرطان والأمراض الخبيثة عليه، حتى أنه قد يَمُوتُ لا يُحِسُّ بِشَيْءٍ، ومما عايـنته أثناء احتضار أحد أصدقائي بهولندا أن الممرضة أخبرت زوجته أمامي أن تختار الساعة والدقيقة التي تريد أن يموت فيها زوجها بعد دخوله في حالة الاحتضار وتأكدهم من وفاته وإحساسه بالألام المبرحة، فيعطونه مقدارا معيـنا من بعض المواد تجعله يفارق الحياة في الساعة التي حددوها، فالتفتت زوجته إليَّ كأنها تستشيـرني فيما قالته الممرضة فأشرت لها بالرفض وعدم القبول.

كما أن هناك حُقَناً تقوم بعض الدول الأوروبية بتطعيمها للأطفال حسب التلقيح الطبي الجاري به العمل أمميا، وهي حقن تشتمل على مادة جيلاتيـن من أصل حيواني، فيتحرج المسلمون المقيمون بها من تطعيمها لأطفالهم على شكل حُقَنٍ تعطى لهم أثناء خضوعهم للتلقيح الحكومي الإجباري، وهذا أمرٌ لم يَعُد محصورا على المسلميـن المقيميـن هناك، بل إنَّ الحكومة اليابانية قامت بمنع مادة الجيلاتيـن في بعض التلقيحات الخاصة بالاطفال لاثارها الصحية عليهم كإثارة الحساسية.

وفي هولندا على وجه الخصوص يتم تلقيح الأطفال البالغيـن 14 شهرا بلقاح BMR وهو تلقيح ثلاثي يـراد منه مقاومة:

داء الكلاب، داء الحمراء، داء الحصبة

وهو لقاح يحتوي على الجيلاتيـن المعدل كميائيا، كما هو مؤكد في ورقة الاستعمال المصاحبة لهذا اللقاح وموجود على الموقع الرسمي لبرنامج التلقيح الوطني بهولندا فمما هو مكتوب فيه بخصوص المادة المخلوطة:

.Poeder: sorbitol, natriumfosfaat, Kaliumfosfaat, sucrose, gehydrolyseerd gelatine, medium199 met zouten van Hanks

وقد قمتُ بمراسلة وزارة الصحة الهولندية بخصوص حقيقة وجود الجيلاتيـن في هذا اللقاح على الرغم من وجود وثائق تثبت وجوده كما سبق بيان ذلك فكان جوابهم بتأكيد ذلك.

 من أمر الأطعمة والأشربة:

الأطعمة المخلوطة بالمواد المشكوك في أصلها كالجيلاتيـن أوالكحول أوالمواد النجسة المسرطنة التي قد تجد رموزها في المواد المستخدمة في الحليب والسكر والزيت والمعلبات، وخصوصا في أشهر الحلويات الرائجة في أوروبا قاطبة مثل حلوة Haribo المشهورة، وذلك بإقرار الشركة المصنعة لهذه الحلوة على موقعهم فمما هو مكتوب:

?Quelle sorte de gélatine utilisez- vous dans les bonbons HARIBO

Tous nos bonbons HARIBO, à l exception de la gamme végétarienne, sont préparés avec de la gélatine de porc. La gélatine est un liant et un gélifiant très important pour obtenir la texture (malléabilité et fermeté) de nos bonbons

والترجمة الحرفية للنص المكتوب:

[ما نوع الجيلاتيـن الذي تستخدمه في حلويات HARIBO ؟

يتم تحضيـر جميع حلويات HARIBO الخاصة بنا، باستثناء المجموعة النباتية، بجيلاتيـن لحم الخنزيـر. الجيلاتيـن هو عامل تجليد وتجلي مهم للغاية للحصول على نسيج (قابلية التحمل والصلابة) من الحلوى لديـنا].

وكذلك ما يخلط بالماء أثناء السقي والزراعة وتسميـن الحيوانات وتسميد التربة، ومن غريب ما وقفت عليه في هذا الباب مزرعة لتربية الأبقار بهولندا زرتها لشراء الجبن الطري منها فشممت رائحة خَمْرٍ قوي تَنْبَعِثُ من التبن المقدم للأبقار كَعَلَفٍ فأخبرني بعض الأصدقاء أن صاحب المزرعة يقوم بخلط الخمر مع التبن ثم يقدمه للبقر كعلف للتسميـن السريع وهو ما فَسَّرَ لنا هدوء البقر وعدم هيجانه أثناء الاقتراب منه.

من أمر الألبسة:

من ثوب يصبغ بمواد مسرطنة أو خنزيـرية أو يستخذم فيه جلد غيـر مدبوغ لِجِيَفٍ تموت في الاسطبلات أو جلود التماسيح والخنازيـر والثعابيـن وغيـرها مما فيه مقالٌ واختلافٌ.

من أمر الأدوات والأجهزة:

حيث تتعدد بعض الأدوات والآليات المشكوك في مواد صناعتها، كبعض أنواع البلاستيك الذي يُستعمل في تغليف بعض الآلات المهمة التي تستعمل في المساجد والبنايات كالأغلفة والأسقفة البلاستيكية فيستعمل فيها شيء من الكحول أو الخمر أو العَفَنِ أو منتجات النفايات والأزبال المُعَادُ إِدَارَتُهَا وتصنيعها أو المواد المسرطنة والمحظورة أمميا، وقد شهدتُ وأنا إمام بمديـنة زايست الهولندية الجرَّافات تَهْدِم مبنى حكومي قديم كان مجاورا للمسجد جاءوا بجرافة متخصصة كاليد البشرية تقوم بخلع السقف وأغطية الجدران بِحَذَرٍ شديد لأن فيه مادة ضارة بالجسم تسمى باللغة الهولندية Asbest وقد صَنَّفَت الوكالة الدولية لأبحاث السرطانِ وهي وكالة تابعة لمنظمة الصحة العالمية الاسبست كمادة مسرطنة وذلك عن طريق الاشعاع.

فهذه ومثيلاتها من الأمور التي أَثَارَت إِشكالاً كبيـراً وعويصا بيـن المسلميـن في بلاد المهجر وخارجه، أورثت بلبلة وفتنة ونزاعا بفعل عدم الوقوف على قول واحد فيها لعدة أسباب أكبرها عدم الاختصاصِ مِمَّنْ يَقُومُونَ عَلَى أَمر الفتوى ببلاد المهجر، وكثيـراً ما حضرتُ أسئلةً عويصة طُرحت على أئمةٍ يُشرفون على مراكز إسلامية بأوروبا يُفْتون بالحِرْمَةِ دون استشارةٍ ولا تَخَصُّصٍ، إِلاَّ مَنْ رَحِمَ ربك من بعض الأئمة المجتهديـن الذيـن يَحْرِصُونَ على استشارةِ العلماءِ والمختصيـن في المياديـن المُشْكَلَة، فقاموا بتشكيل لجان لدراسة الاسئلة والبحث عن جواب لها.

لذلك يُعتبر منهج الشيخ الحوات في الجواب على هذه النازلة في الحقيقة منهجاً يجب على أهل العلم دراسته وزيادة توسيعه والعمل عليه لجعله طريقة ومنهجا تُدْرَسُ عَلَى وِفْقِ ضوابطِهِ إشكالاتُ واستفساراتُ المسلميـن ببلاد المهجر.

ولا نقول أنَّ فتوى الشيخ الحوات في جواز شرب السكر المستورد من أوروبا تعطيـنا الحق في الحكم بتجويـز كثيـرٍ من الأطعمة والأشربة في أوروبا أو المستوردة منها مِمَّا لا غنى لنا عنه كالأدوية والأطعمة، فلكل حالةٍ ظروفها وأطوارها وأحوالها تُدْرَسُ على حدةٍ للوصول إلى الحكم والنتيجة، ولكن أهمية فتوى الحوات تَكْمُنُ في بَيَانِ المنهج المرسوم في التعامل مع مثل هذه النوازل والأحداث.

فيجب على أهل العلم والفتوى إعمالَ هذا المنهج العلمي المضبوط فيما يَجِدُّ على الساحة الأوروبية من مسائلَ وحوادثَ ونوازلَ لا زالت تنتظر الجواب والبيان، أما التحريم الابتدائي على كلِّ ما يـنتجه الأوروبييون بدون دراسةٍ ولا تحليلٍ ولا مراعاةٍ لواقعِ المسلميـن وظروفِ عيشهم في تلك البلاد وما يلحقُ ذلك الحُكْم من مشقةٍ وعَنَتٍ فَأَمْرٌ مُجَانِبٌ للصَّواب وقد زاولَهُ كثيـرٌ ممن تبرز للفتوى والإمامة والخطابة هناك ولا أهلية له تذكر في ذلك، خصوصا أنَّ ما صَدَرَ فيه حُكْمُ التحريمِ هو منَ الأمور الشَّبِيهَةِ بما تناوله الشيخ الحوات في فتواه هذه، أيْ مِمَّا يَقع فيه الطبخ والخلط والتكرار بمسائل حديثة وسوائل كميائية تُحِيلُ النَّجِسَ طاهرا، وهي أمور يحتاجها المسلمون ولا يستطيعون عنها فِكَاكاً كحقن التلقيح وحقن المورفيـن التي تعطى للمريض من أجل تخفيف آلامه وغيـر ذلك، الأمر الذي يتطلب تَأَنِّياً وَتُؤَدَةً في تناول الموضوع والحكم عليه حِلاًّ وَحِرْمَةً.

ويمكن استنباط معالم هذا المنهج الذي اعتمد عليه الحوات في التعامل مع نازلة السكر الرومي في الخطوات التالية:

أولا: بيان المشكلة وتوضيح المسألة: فالشيخ الحوات رحمه الله قام أولا ببيان المشكلة واستعراضها [فَإِنَّ بَعْضَ المُسْلِمِيـنَ مِمَّنْ سَافَرَ لِبَلد النَّصَارَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الدَّمَ فِي السُّكَّرِ عِندَ طَبْخِهِ لِلتَّصْفِيَةِ ثُمَّ يُبَالَغُ بِالعَمَلِ فِيهِ طَبْخاً وَتَصْفِيَةً إِلَى أَنْ يَصِيـرَ فِي نِهَايَةٍ مِنَ البَيَاضِ وَالصَّلاَبَةِ مُفَرَّغاً فِي القَوَالِبِ عَلَى الشَّكْلِ الوَاصِلِ إِلَيْنَا، فَكَثُرَ الكَلاَمُ بَيْنَ الطَّلَبَةِ فِي حُكْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ لِنَجَاسَةِ الدَّمِ الذِّي خَالَطَهُ] فَبَيَّنَ أن الإشكالَ والسؤالَ طَرَحَهُ بعضٌ من المسلميـن الذيـن يُسافرون إلى بلد النصارى لِمَا شاهدوه من طريقة صنع السكر، وما يَشُوبه من أعمالٍ وأفعالٍ مشبوهة، وهو بذلك يوضح أصلَ الإشكال في دِهْنِ القارئ والناظر حتى يستبيـن المسألةَ بوضوحٍ لاَ لُبْسَ فيه فيتأكد من وقوعها وحدوثها حتى لا يتكلم فِيمَا لَمْ يَقَع أو ما يُسْتَبْعَدُ وُقُوعه ويَسْتَحِيلُ حدوثه، فتصيـر الحالة واضحةً ومفهومةً فهماً دقيقاً، وهذه الخطوة أشار إليها كثيـر من أهل العلم وجعلوها من أولى الخطوات في التعامل مع النوازل والحوادث، فلابد للناظر في النوازل من فهم المسألة فهما دقيقا وأن يتصورها تصورا سليما حتى يـنزلها التنزيل الصحيح في الواقع، فالفتاوى الشاذة ما هي إلا نتيجة للقصور في الفهم والتصور.

ثانيا: وضع الاحتمالات للأمور المشبوهة والمشكوكة التي أثيـر بسببها الخلاف: فكثيـر من العوام قد لا يفرقون بيـن بعض الأشياء فيظنون أنها حرام اعتبارا لما رأوهُ وعايـنوه وليسوا بأهل دراية ولا اختصاص، فيكون فتحُ بابِ الاحتمال في إمكانية غلطهم أو جهلهم مطلوبا قبل إصدار الأحكام، وكم من مسألة ثارت عليها أقوال واختلافات ولم تكن إلا فهما مغلوطا لواقعةٍ أو حدثٍ أو قولٍ، وذلك من إعمال قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(1) فإمكانية كذب الناقل للخبر محتملة ويجب مراعاتها من قِبَلِ الناظر، وهو عيـن ما قام به الشيخ الحوات من ذكره أن ما رآه بعض المسلميـن احتمال أن يكون مجرد سُكَّرٍ مذاب اتخد لون الحمرة بسبب ذلك، فظنوه دما خُلِط مع السكر، وذلك عند قوله [الذِّي يَظْهَرُ بَلْ يَتَعَيَّنُ فِي هَذَا الخَبَرِ أَنَّهُ غَلَطٌ نَشَأَ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ الحُمْرَةَ التِّي فِي السُّكَّرِ أَوَّلَ طَبْخِهِ هِيَ حُمْرَةُ دَمٍ يُخَالِطُهُ حِيـنَئِذٍ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ الأَحْمَرُ الذِّي تُوَهِّمَ أَنَّهُ الدَّمُ إِنَّمَا هُوَ عَيْنُ السُّكَّرِ فِي أَوَّلِ أَطْوَارِ طَبْخِهِ فَإِنَّهُ إذْ ذَاكَ يَكُونُ أَحْمَرَ كَأَنَّهُ الدَم وَحُمْرَتُهُ أَصْلٌ لَهُ](2).

ثالثا: مراعاة أقوال أهل البلد والمسافريـن إليها والمختصيـن في المسائل النازلة: فلا يكتفي الناظر بما نُقِلَ إِلَيْهِ أو بقولِ السائل بل لابد من زيادة التّحري والضبط واستفسار المخالطيـن للأمر والقريبيـن منه وعدمِ الاستعجال في إطلاق الأحكام في كل سؤال يَرِدُ وجواب كل أحد يسأل، ثم بعد ذلك استشارة أهل الاختصاص لقوله تعالى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  (3) «فإن كانت النازلة متعلقة بالطب مثلا وجب الرجوع إلى أهل الطب وسؤالهم والاستيضاح منهم وإن كانت النازلة متعلقة بالاقتصاد والمال فيـرجع حيـنئذ لاصحاب الاختصاص في الاقتصاد أو للمراجع المختصة في ذلك الشأن، فالذي لا يعرف حقيقة النقود الورقية المعاصرة أفتى بأنها لا زكاة فيها أو أن الربا لا يجري فيها اعتمادا على أنها ليست ذهبا أو فضة»(4) ويظهر إعمال هذه الخطوة في فتوى الشيخ الحوات حيـنما أشار إلى أنَّ المسلميـن المقيميـن بأوروبا لم يُسمع عنهم كلام في ذلك وَهُمْ مِنْ أهل العلم والنظر والاعتبار قال [هَذَا هُوَ الوَاقِعُ الذِّي لاَ زِلْنَا نَتَلَقَّاهُ عَنِ الرَّائِي وَالسَّامِعِ وَبِهِ كَانَ يُحَدِّثُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ مِنْ أَعَاظِمِ السُّفَرَاءِ إِلى الرُّومِ عَنْ هَذِهِ الدَّوْلَةِ العَلَوِيَّةِ(8) وَكَانُواْ مِمَّنْ لاَ يُخْدَعُ وَلاَ تَلْتَبِسُ عَلَيهِ الأَشْيَاءُ لِذَرِيعَةِ العِلْمِ وَالأَدَبِ وَقُوَّةِ التَّيَقُّظِ مَعَ شِدَّةِ البَحْثِ عَمَّا يَرَوْنَ وَيَسْمَعُونَ سيما غَرَائِبِ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا].

رابعا: بيان طريقة الصنع: ولم يكتف الشيخ الحوات بشهادة السفراء وإنما جاء بأقوالِ أهل الاختصاص في صناعة السكر وبَيَّنَ ما ذكروه في تآليفهم حول أطوار ومراحل هذه الصنعة وذلك من أجل أنْ يُجِيلَ النظر في تفاصيل الأشياء وتدقيقها حتى يَحْصُلَ له وللناظر الفهم الدقيق للمسألة فيتبيـن له صدق أو كذب الناقل للخبر، وهذه خطوة مهمة في استيضاح المسألة والنازلة فتحليلها والوقوف على طريقة تَكَوُّنِهَا وتشكلها يُظْهِرُ ما قد يُغَيِّرُ الحكم من الحِلِّ إلى الحِرْمَةِ وكذلك العكس لأنه أثناء بيان طريقة الصُّنْعِ يَظْهَرُ ما يستشكله الناس في الصنع والإعداد ويسهلُ تحديد كيفيته وطريقة التعامل معه، ومما يجب التنبيه عليه هنا أن المواد التي تُخْلَطُ بالأطعمة والأشربة لا تظهر إلا عند استعراض مراحل الصنع بالتفصيل فيحكم من خلال ذلك على حقيقة المواد وأصلها، والفارق بيـن زمان الشيخ الحوات وزماننا كبيـر وعريض فقديما كانت الأطعمة والأشربة تُخْلَطُ بمواد من أصل حيواني محرم أو غيـر مذكى فيكون لمن ذهب لجواز استعمالها أكلا وشُرْبا اعتبارٌ، على قول من حكم بطهارة النجس بالاستحالة، لكن الأمور في عصرنا تطورت إلى أنْ أصبحت الأطعمة وغيـرها تخلط بمواد محظورة في ذاتها لا في ما أخذت منه، وذلك بما تُخَلِّفُهُ من أضرار كارثية على الحرث والنسل من المواد المهلكة والمسرطنة والفتاكة بالجسد، فيكون القول بالتحريم قولا واحدا لا خلاف فيه ولا اعتبار لاستحالة ولا لتغيـر.

خامسا: استعراض أقوال أهل العلم وقواعدهم الفقهية: حيث قام الشيخ الحوات باستعراض أكثر من قول لأهل العلم في المسألة وفي مثيلاتها التي قد تساعد في الوصول للحق إما عن طريق القياس أو الاستقراء، فاستعرض قولَ مالكٍ في العتبية وأبو الحسن الأبياري وابن الحاج والمازري وشراح المختصر، وجاء بالمسائل المماثلة كالزُّبَاد والملف والزيت، وهذه مسألة مهمة في دراسة النوازل المحدثة التي لم يسبق لها وقوع ولا حدوث فيقوم الفقيه باستعراض ما يقاربها حُكْماً وَصَنْعَةً فيقيس عليها استبيانا للحالة من أجل الخُلُوص لحكم شرعي مُرْضِي، كما استعرض الحوات بعضا من القواعد الفقهية مثل «عموم البلوى» و»ما جرى به العمل» و»غلبة الظن» وغيـرها.

سادسا: مراعاة واقع الناس وظروف حياتهم: وهذا أصل عظيم في الفتوى وإصدار الأحكام، فغاية الحكم الشرعي بيان رأي الشرع الذي جاء مُيَسِّراً للناس أمر حياتهم ومعاشهم على وفق ما يـرضاه الله سبحانه فلا يخرج بما يَشُقُّ على الناس أو يُكَلِّفُهُمْ أكثر مما يطيقون، والقول بعموم البلوى هو من مراعاة حال الناس واعتبار واقعهم وهذه مسألة لا يجب أن تغيب عن نظر المفتي وعن تفكيـره فالناس لا تَطْرَحُ الإشكال إلاَّ فيما لم يجدوا لأنفسهم عنه انفكاكا لشدةِ تَعَسُّرِ التخلص منه فرجعوا للشرع لعلهم يجدون فيه مخرجا لقوله سبحانه (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) فإذا تحقق في النوازل والحوادث العذر والمسوغ الشرعي المبيح لرفع الحرج بمزاولة الرخص أفتى به الفقيه مراعيا بذلك مقاصد الشريعة ونصوصها فيما يفتي فيه تحقيقا لمصالـح العباد، فمراعاة واقع الناس ضابط أكيد في تصريف الأحوال وتنزيل الأحكام ويكفي في ذلك أن الاجتهاد الشرعي يتغيـر بتغيـر الواقع المعاش زماناً ومكاناً وحالةً «فكم من حكم كان تدبيـرا أو علاجا ناجحا لبيئة في زمن معيـن فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغيـر الأوضاع والوسائل والأخلاق» وهذا أمر بارز في فتوى الشيخ الحوات إذ راعى في حكمه واقع السكر في حياة الناس وشدة احتياجهم له فقال في ذلك [وَمَا ذَكَرَ أَحَدٌ مِنْهُم السُّكَّرَ مَعَ أَنَّهُ لاَ يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِي الأَطْعِمَةِ الفَاخِرَةِ وَلاَ قَوَامَ للأَشْرِبَةِ وَالمَعَاجِيـنِ وَالجَوَارِشِ وَالسُّقُوفِ العَجِيبَةِ الفِعْلِ إِلاَّ بِهِ] أضف إلى ذلك أن الزمن الذي صدرت فيه الفتوى كان زمن مجاعةٍ شديدة أَكَلَ الناسُ فيها الجِيَفَ وباعوا أطفالهم ونساءهم مقابل مكيالات من الشعيـر، فقد شهد المغرب في زمن الحوات ست سنوات عجاف أتت على الأخضر واليابس ولم تترك في الأرض حرثا ولا نسلا من سنة 1190 ه إلى سنة 1196 ه.

سابعا: إصدار الحكم الشرعي: وبعد استنفاد الخطوات السِّتِّ أصبح الحكم الشرعي واضحا سواء كان بالحِلِّ أو الحِرمة لأنَّ الناظر استنفد في سبيل ذلك القواعد والضوابط وراعى ما يوصله لحكم شرعي مضبوط بضابط الشرع، وهي آخر مرحلة، ولو أنَّ الناسَ يظنون أنها أسهل مرحلة فهي لا تتعدى في نظرهم قولاً يُقال، ولكنها مرحلة لا تَصْدُرُ إلاَّ تأسيسا على كثيـر من الضوابط والقواعد والمراحل.

هذه الخطوات السَّبْع التي ترسم المنهج العلمي الذي يُتَّبَعُ في دراسة مثل هذه النوازل والابتعاد تماما عن الفوضوية والعبث في التعامل معها.


هوامش

Albert Heijn Paracetamol 500 MG Tablet RVG 29371 Module 1 – Administative Information Page 5

واستفسار السيد كافييت وجواب الشركة المصنعة موجود على الرابط التالي:

http://www.allochtonenraadbaarn.nl/wat- eten- we/330- varkensgelatine- in- albert- heijn- paracetamol.html

وهذا نص استفساره:

? dames/heren, Ik heb een vraag over AH Paracetamol. De laatste tijd horen we dat er varkensgelatine in AH Paracetamol zit. Klopt dit

? AH Paracetamol eventueel nog andere dierlijke grondstoffen

Met vriendelijke groeten

Cavit Karaman: Voorzitter Stichting Allochtonenraad Baarn

وهذا جوابهم:

Geachte heer Karaman , Hartelijk dank voor uw bericht 04- 03- 2015

Ja , er zit varkensgelatine in de AH Paracetamol. Er zitten verder geen andere dierlijke middelen in de AH Paracetamol , Met vriendelijke grote

Albert Heijn Klantenservice

والترجمة الحرفية لاستفسار السيد كافييت وجواب الشركة المصنعة كالتالي:

السؤال: السيدات والسادة المحترميـن: عندي سؤال حول ah paracetamol. سمعنا مؤخرا عن احتواء ah paracetamol على جيلاتيـن خنزيـر، هل هذا صحيح؟ هل يحتوي على مواد أخرى من أصل حيواني.

الجواب: السيد المحترم كرمان: نعم يحتوي ah paracetamol على جيلاتيـن خنزيـر. عدا ذلك، لايحتوي على اي مواد أخرى من أصل حيواني.

 

Sakaguchi M, Miyazawa H, Inouye S. Specific IgE and IgG to gelatin in children with systemic cutaneous reactions to Japanese Encephalitis vaccines, Allergy 56 [2001]: 536–539

Bijlagei Samenvatting van de Productkenmerken page 55 article 6

https://www.haribo.com/frBE/contact/faq.html

وقد ضمت اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن الحريـر الصخري ( الاسبستوس ) 1986 م مواد تؤكد على التعامل الحذر مع هذه المادة [المادة 17: لا يجري هدم المصانع أو الهياكل التي تحتوي على مواد عازلة مصنوعة من الحريـر الصخري سهل التفتت وكذلك إزالة الحريـر الصخري من المباني أو الهياكل التي يحتمل أن يصبح غبار الحريـر الصخري فيها عالقا في الجو إلا من قبل أصحاب العمل أو المقاوليـن الذيـن تقول السلطة المختصة أنهم مؤهلون لتنفيذ مثل هذه الأعمال عملا بأحكام هذه الاتفاقية والذيـن يخولون القيام بمثل هذه الأعمال.

المادة 19: يتخلص أصحاب العمل بما يتفق مع القوانيـن والممارسات الوطنية من النفايات التي تحتوي على الحريـر الصخري بطريقة لا تسبب مخاطر صحية للعمال المعنييـن بما فيهم أولئك الذيـن يـناولون نفايات الحريـر الصخري أو للسكان المقيميـن في جوار المؤسسة] الاتفاقية رقم 162: اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن الحريـر الصخري ( الاسبستوس ) 1986 م، المرصد العمالي الأردني، نشر في 7 مايو 2014، دخل في 5 يونيو 2018 صفحة 8 – 9.

انظر الصفحة 38.

انظر الصفحة 40

منهج استخراج الأحكام الفقهية للنوازل المعاصرة ( 1 / 349 ).

انظر الصفحة 40

سورة الحج 78.

منهج استخراج الأحكام من النوازل الشرعية ( 1 / 363 ).

انظر الصفحة 44 – 45.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.